الفصل الرابع : عبر المجهول
__________________
تقدم آدم وليلى نحو الفراغ المظلم، كانت أقدامهم تكاد تطأ الهواء، لكن شيئًا ما في داخلهما دفعهما للاستمرار. لم يكن لديهما أي فكرة إلى أين يقودهم هذا الطريق، لكنه كان الخيار الوحيد المتاح. خلفهما، تلاشت الغرفة القديمة التي دخلاها، كما لو أنها لم تكن موجودة من الأساس.
"آدم، هل تعتقد أننا سنخرج؟" سألت ليلى بصوت خافت، عيناها متسعتان في مواجهة هذا الفراغ اللانهائي.
نظر آدم إليها بجدية. "لا أعرف، لكن لن نعود إلى الوراء. يجب أن نكتشف الحقيقة، مهما كان الثمن."
فجأة، ظهرت أمامهما بوابة ضخمة في وسط الفراغ. كانت مصنوعة من مادة شفافة أشبه بالكريستال، يحيط بها ضوء باهت ينبعث منها وكأنها ناتجة عن طاقة غير مألوفة. عندما اقتربا منها، شعرا بجاذبية غريبة، وكأن شيئًا ما يدعوهما للدخول.
"هل هذه إحدى الأبواب التي حذرنا منها الوكيل X؟" تساءلت ليلى وهي تلمس السطح اللامع للبوابة.
"ربما... لكن ليس لدينا خيار الآن." قال آدم وهو يضع يده على البوابة. لحظة ملامسته لها، اهتزت الطاقة حولهما، وبدأت البوابة تفتح ببطء، لتكشف عالماً مختلفاً كليًا خلفها.
عندما دخلا عبر البوابة، تغير كل شيء. لم يعدا في الفراغ المظلم. الآن كانا يقفان في مدينة، لكن ليست أي مدينة يعرفانها. كانت المدينة مزيجًا من الواقع والخيال، أشبه بحلم غريب حيث الأبنية تطفو في الهواء، والشوارع تلتف في زوايا مستحيلة. في السماء كانت هناك أبراج شاهقة تلمع بألوان غير طبيعية، وعلى الأرض كانت هناك مركبات تتحرك دون أي محرك مرئي، وكائنات رقمية تتنقل بين الناس.
"ما هذا المكان؟" تساءلت ليلى، وقد بدت المدينة وكأنها تجمع بين المستقبل والخيال.
"هذا... قد يكون المستوى التالي من العوالم الافتراضية." قال آدم، وهو يحاول استيعاب المشهد أمامه.
لكن لم يكن لديهم الكثير من الوقت للتأمل، حيث بدأت أصوات غريبة تتردد في الهواء. كانت تلك الأصوات مشابهة لهمسات الوكيل X، لكنها أكثر وضوحًا الآن.
"مرحبًا بك في العالم الحقيقي... أو على الأقل ما تبقى منه."
التفت آدم وليلى ليجدا شخصًا يقف على بعد خطوات. لم يكن الوكيل X، بل كان شخصًا آخر، يرتدي بدلة فضية لامعة ويمسك بجهاز صغير يبعث موجات ضوئية.
"من أنت؟" سأل آدم، عينيه تملأهما الريبة.
الرجل ابتسم ببرود. "أنا جزء من المجموعة التي تتحكم في هذه العوالم. الوكيل X كان مجرد واجهة، أداة لاختبار من يملك القوة على اختراق النظام. أنت كنت موهوبًا بما يكفي لتصل إلى هنا، لكن الآن نحن بحاجة إلى اتخاذ قرار."
"قرار؟ عن ماذا تتحدث؟" قالت ليلى، صوتها مليء بالغضب والارتباك.
"كل هذا النظام، العوالم الافتراضية، تم إنشاؤها لحماية البشر من كارثة حلت بالعالم الحقيقي منذ سنوات. قلة قليلة منا نجت، وبنينا هذا العالم الرقمي لتحافظ على البشرية. لكنك اكتشفت شيئًا لم يكن ينبغي لك اكتشافه، والآن عليك الاختيار."
تراجع الرجل خطوة إلى الخلف، وأشار إلى شاشة ظهرت فجأة أمامهم، تعرض مشاهد للعالم الحقيقي: دمار، أرض قاحلة، سماء رمادية مظلمة، ومبانٍ منهارة. كان كل شيء يشير إلى أن الحياة على الأرض قد انتهت.
"العالم الذي تعرفانه لم يعد موجودًا. لكن في هذا النظام، نمنحك فرصة للبقاء، لبناء حياة جديدة. أنتما الآن على مفترق طرق. إما أن تبقيا هنا، وتصبحا جزءًا من هذا العالم إلى الأبد، أو... تخرجا وتواجها الحقيقة."
حدقت ليلى في الشاشة، وجهها مليء بالدهشة والقلق. "هل هذا... هو العالم الحقيقي الآن؟"
"نعم." رد الرجل بلا تردد. "كل شيء دمر. ونحن من بقينا، نعيش هنا في العوالم الرقمية."
آدم نظر إلى ليلى ثم إلى الرجل. "إذا كان العالم الخارجي قد انتهى، فلماذا تعطيانا خيارًا؟ لماذا لا تبقونا هنا بلا أسئلة؟"
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة. "لأن النظام لا يعمل إلا بالعقول الحرة. العقول التي تختار أن تبقى هي التي تبني وتستمر. لكن من يريد المغادرة... لن نوقفه."
ترددت ليلى للحظة. "وإذا خرجنا؟ ماذا سيحدث لنا؟"
"لن أعدكما بشيء." قال الرجل ببرود. "الخارج مليء بالمخاطر، لكنه على الأقل... حقيقي."
صمت آدم للحظة، أفكاره تدور في عقله بسرعة. كل شيء كان معقدًا، والاختيار الذي أمامهما كان مصيريًا. هل يبقيان في هذا الوهم المثالي، أم يغامران بمواجهة الحقيقة البشعة؟
"آدم..." قالت ليلى بهدوء، وهي تنظر إليه بعيونها المليئة بالتردد. "ماذا سنفعل؟"
أخذ آدم نفسًا عميقًا، ونظر إلى الرجل بجدية. "سنخرج. سنواجه الحقيقة."
التفت الرجل إليهما، وصوت الجهاز الذي يحمله بدأ يطن بهدوء. "إذًا، فقد اتخذتما قراركما. لن يكون هناك عودة."
بضغطة زر، بدأت المدينة من حولهما تتلاشى، وأصبح كل شيء يغرق في البياض. كان هذا هو العبور الأخير. عندما فتحا أعينهما مرة أخرى، كانا في العالم الحقيقي... العالم الذي تحطم قبل سنوات طويلة.
نهضا على أرض صلبة، وسط بقايا مدينة مدمرة. الهواء كان ثقيلًا ومحملًا بالغبار، والسماء كانت مغلقة بغيمة رمادية كثيفة. كانت الأصوات الصاخبة والهمسات التي سمعاها في العوالم الافتراضية قد انتهت، ولم يعد هناك سوى الصمت.
"إذًا هذا هو العالم الذي كنا نهرب منه..." قالت ليلى بصوت منخفض، وهي تحدق في المشهد القاسي أمامها.
آدم وقف بجانبها، وعيناه تمتلئان بالتصميم. "نعم، لكن الآن... هذا هو واقعنا. مهما كان قاسيًا، سنواجهه."
ومع هذه الكلمات، بدأ الاثنان في السير عبر الحطام، نحو المجهول الذي ينتظرهما.
__________________