نـور - الفصل الرابع والأخير - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـور
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع والأخير

الفصل الرابع والأخير

روايه نور 🫶❤ً.ً꒰﮼ْ◜* *​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ 16-17-18-19-20 بينما كان والديه عبد المنعم وحميدة يعانقانه بلهفة وفرحة شديدة أن ابنهما لازال على قيد الحياة، وكان من المفترض أن يكون هذا إحساسه أن لن يصاب أهله بمكروه؛ لكن تلك الكلمات التي طعنته أطفأت كل إحساسٍ بداخله فزادت عليه آلامه وأوجاعه التي ملأته من البداية ولم يكن بحاجة لتجرّع المزيد. + صحيح أن الناس متعبة ومصدومة فوقع الهزيمة وأخبار سقوط سيناء كاملةً في أيدي المحتلين الطغاة مؤلمًا لأقصى درجة، لكن وقعها على من شهدها وشارك فيها بالطبع أكثر قسوة ويكفيه ما رآه وما لاقاه الذي يحتاج لوقتٍ ليداويه. بعد ذلك العناق دخل دون أن ينطق بحرف لشقتهم واتجه مباشرة نحو الحمام؛ فهو بحاجة ملحة لحمامٍ فورًا ففوق جسده طبقاتٍ وطبقاتٍ عليها أن تُكشط ليصير الجسد أكثر نظافة. تُرى كأني أصف حال الوطن الذي هو بحاجة ملحة لحملة تنظيف قوية و جلي طبقاتٍ وطبقاتٍ وكشطها ليصبح الوطن أكثر نظافة. خرج عزيز من الحمام شخصًا آخر رغم أنه لم يحلق لحيته ولا حتى قام بتهذيبها وتركها مبعثرة مثل شعره بالضبط. فلم يكن يعتاد أبدًا على ذلك، فقد كان لا يترك لحيته ولا شعره دون حَلقٍ أبدًا. خرج من الحمام متجهًا لفراشه دون رغبة في الطعام ولا الحديث وأغلق بابه عليه في حالة من الاكتئاب الشديد. تبعته أمه تطرق عليه الباب منادية عليه: يا عزيز، يا عزيز، انتظر يا بُنيّ لا تنام الآن، كُل بعض الطعام أولًا لقد شحبتَ كثيرًا يا غالي، كفاك قلة طعام ستهلك هكذا، يا عزيز يا بُنيّ، أجيبني! أجيب أمك يا ولدي، يا عزيز، يا عزيز! فتدخل عبد المنعم: دعيه يا امرأة، ألا تريه كيف يبدو؟ اتركيه الآن ينام ويستريح ثم بعدها ينهض للأكل. صاحت حميدة باعتراض: كيف سينام يا رجل بلا طعام؟! أينام جائعًا؟! ترى منذ متى لم يذق طعم الزاد؟! وتقول أتركه! ألا تملك من الشفقة والرحمة؟! أرأيت كيف لم ينطق معي بحرف؟! لم يجلس ويحكي لي كل ما حدث كما اعتاد ولا أين كان طوال تلك الفترة؟ أريد أن أطمئن، يبرد قلبي من قلقه الشديد، إن قلبي يأكل بعضه بعضًا من شدة القلق وكوني لا أعرف عنه أي شيء، وبعد كل ذلك يدخل لينام ويتركني هكذا بدون أن يحكي! فتابع عبد المنعم يضرب كفًا بكف: أين عقلك يا امرأة؟! هل مركّب بالعكس أم غير موجود بالمرة؟! هل ترِي أمامك هيئة شخص مستعد للحديث والنقاش أو لأي شيء؟! هل نسيتِ كيف كنا نتمنى أن نسمع بشأنه أي خبرية طيبة؟! والحمد لله قد منّ الله علينا بعودته بخير وألف سلامة، وهاهو أمامك حيٌ يرزق، إذن إحمدي الله يا حميدة وكفاكِ هذه الثرثرة. فقالت حميدة بعدم رضا: هل هذا جزائي؟ ألا أطمئن على ابني الحيلة، وحيدي؟! فصاح فيها: سأهج منك يا امرأة! نقول إنه ثور تقولين لا إحلبوه! افهمي يا امرأة! ما حدث لم يكن سهلًا على الإطلاق بل أقسى ما يكون، اتركيه ليرتاح، عندما يجوع سيخرج ويطلب الأكل، إنه بيته لا يحتاج لدعوة. STORY CONTINUES BELOW وتركها قبل أن تنطق بالمزيد، وفي نفس اللحظة صوت طرق على الباب... فاتجهت حميدة نحو الباب وفتحته وكانت عديلة وابنتها نور، وما أن فتحت حميدة الباب حتى عانقت عديلة بقوة. فتسآلت عديلة: أصحيحٌ ما سمعناه يا عزيزتي! هل عزيز لازال على قيد الحياة وقد عاد؟! فأجابت حميدة بحزن: أجل عزيزتي، لقد عاد، لكنه باهتًا شاحبًا ومبعثرًا لدرجة كنت أود أن أفركه وأزيل من عليه طبقات الاتساخ، لكنه لا يرغب بطعامً أو كلامٍ ولا بأي شيء. فقالت عديلة بلطفٍ وإشفاق: لا يا أم عزيز، لا تطاوعيه وتتركيه على هواه، يجب أن يأكل. - إطمأني يا أم نور وحقك لن أتركه على هواه هكذا، وزوجي الأستاذ عبد المنعم يقول لي أتركه ليستريح أولًا! لا وكتاب الله لن أدعه حتى يأكل، إنه ابني الحيلة، وحيدي. - إذن يا أم عزيز فلنستأذن الآن ونترككم تستريحون. - أشكرك غاليتي! عديلة، ما أخبار الأستاذ يوسف؟ - يوسف يبيت في الشركة بالأيام منذ أن قامت تلك الحرب الملعونة، ألم تريه؟! لقد سلّموهم في الشركة لكل واحد خوذة وبندقية ليدافعوا عن أنفسهم إن حدث قصف في الشركة، بالله ماذا يفعلون بتلك البندقية أمام هؤلاء؟ إن كان الجنود المدربين بذات أنفسهم لم يفلحوا ولم يقووا عليهم! ماذا نقول؟! بالطبع كان صوت عديلة رنانًا ورغم أن تلك العبارة الأخيرة قالتها بحسن نية دون قصد أي توبيخٍ لعزيز، لكن عادةً الإنسان الحزين المصدوم الذي يمر بظروف أقل ما يقال عنها أنها أشد ظلمة من ليلة حالكة السواد يكون أكثر حساسية تجاه أي كلمة حتى ولو كانت غير مقصودة، وكأنك تكوي جرحًا حيًّا أو حتى تحاول لمسه بيدك. بالطبع عاودت حميدة للطرق على حجرة ابنها من جديد! ماذا نفعل فقد أقسمت ألا تتركه! أما نور فقد كانت الأيام السابقة شديدة عليها بسبب كل شيء وخاصةً مع غياب عزيز وانتشار خبر مقتله في الحرب. فكان قلبها يعتصر من داخلها من شدة الحزن والأسى رغم وجود نداء من داخلها يحدثها أنه لازال حيًّا يُرزق. وقد أشفقت بشدة على أحواله فكان دائم العزلة لا يخرج من غرفته إطلاقًا إلا بعد إلحاحٍ شديدٍ من أمه يضطر للخروج ومشاركتهم للطعام بلقيماتٍ معدودة دون أي كلام، وذلك بالطبع كاد يصيب أمه بالجنون؛ فلازالت غير مدركة لظروف ابنها الحالية. وذات يوم قيل أن هناك خطاب للرئيس وقد التف الجميع حول شاشات التلفاز، وقد نادى عبد المنعم ابنه ليستمع لخطاب الرئيس، وكان ذلك المسمى بخطاب التنحي الشهير الذي يعلن فيه عبد الناصر تحمله لكامل المسئولية عن ما جرى، وما أن وصل لجملته الشهير: «....إني قررت قرارًا أريد منكم جميعًا أن تساعدوني عليه، لقد قررت أن أتنحي تمامًا ونهائيًا عن أي منصبٍ رسمي وأي دورٍ سياسي وأن أعود إلى صفوف الجماهير وأؤدي واجبي معها كأي مواطنٍ عادي...» و هاهم الجميع يصيحون أمام الخطاب «لا يا جمال!» و من بين هؤلاء الجميع عزيز الذي كان أشد صدمة مما كان ولأول مرة يفتح فمه وينطق بكلمة منذ أن عاد، فأخذ يصيح بقهر: لا يا جمال! أتتركنا نغرق وتبعد؟! من سيوقفنا من جديد غيرك؟! من سيجمّعنا من جديد ويوحّد صفوفنا غيرك؟! من سيقول ونحن من خلفه نقول آمين إلا أنت؟! كان يصيح بطريقة شبه هيستيرية ويلقي بكل ما أمامه أرضًا ثم دخل حجرته وصفق الباب خلفه بقوة. في ذلك التوقيت كان يوسف يستعد لإعادة عديلة وأبناءه للأسكندرية مثلهم مثل باقي المهجّرين من السويس بعد هزيمة ٦٧ على أن يعود للسويس من جديد حتى يتم نقله لمقر الشركة الجديد بالأسكندرية. كان وداع عديلة لحميدة وداعًا حارًّا بعد عشرة دامت لأعوام، وها هي ستتركها في هذه الظروف الحالكة، لكن السويس بالفعل لم تعد آمنة على الإطلاق مع القصف الدائم. وكان خبر تهّجيرهم وعودتهم إلى لأسكندرية شديد الأثر في نفس نور فهاهي تترك كل شيء وتبتعد عن كل شيء، ستبتعد عن ذلك الشخص الذي شعرت نحوه بانجذابٍ مفاجئٍ رغم أنه لم يراها سوى مجرد طفلة، وها هو لم يحاول أن يراها أو يسأل عنها منذ أن عاد بل لم تخطر على باله من الأساس، وهاهي مغادرة ولم يخرج لتوديعها وكأن الأمر لا يهمه. حقيقةً إن الأمر لا يهمه؛ فما يشغله ويمر به أشد أهمية، كما إنه لم يلمّح لها يومًا بأي شيء من هذا القبيل... بعد خطاب التنحي لجمال عبد الناصر خرج الشعب في مظاهرات يطالبونه بالبقاء في الحكم؛ فلازالت علاقة الأب الروحي هي المسيطرة على المصريين، فهو ليس مجرد رئيس للدولة. + وأثبتت هزيمة ٦٧ مدى تأثير الإتحاد الإشتراكي وقتها المساند لجمال عبد الناصر والذي طغت كفة تأثيره على تأثير الجيش والذي كان مساندًا لـ(عبد الحكيم عامر) ومدعّمه. وبعد خطاب التنحي هذا وتحمّل عبد الناصر لمسئولية الهزيمة كاملة فاستقال عبد الحكيم تاركًا منصبه وما لبث أن فارق الحياة (والتي قيل فيها الكثير). إن هزيمة ٦٧ إن دلت على شيء فإنما دلت على مدى الفوضى السياسية التي كانت تحياها البلاد آنذاك، بعكس ما كان يروّجه الإعلام الرسمي. والكثير من الفوضى بداخل الجيش، نظام الحكم والمقامرة على مستقبل البلاد دون نظرة متفحّصة لحال الجيش ومدى قدراته واستعداداته، خاصةً وأن ثلث الجيش تقريبًا كان خارج البلاد. ومن أهم ما حدث عقب الحرب، إرسال الإتحاد السوفيتي خبراء روس إلى مصر لأن مصر وقتها كانت تحارب بسلاحٍ روسي، ووجدت روسيا أن تلك الهزيمة قد أضرت بسمعتها أمام أمريكا (أيام الحرب الباردة بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية) فأرسلت خبراءها متعللة أن المصريون لا يعرفون كيفية التعامل مع السلاح وإنما سبب الهزيمة سوء الاستخدام وليس سوء السلاح الروسي. ( كلٌ يبحث عن مصلحته!) ألا تلاحظون معي التأثير العاطفي للحاكم عندما يهيم به شعبه؟ لا يستطيعون رؤية أخطاءه، وحتى إن رأوها فتجدهم يكذّبون أنفسهم لا يريدون التصديق ويلتمسون بدل العذر ألف. لازال عزيز بحالة الاكتئاب والعزلة التي يحياها، حقيقةً هو رد فعل طبيعي لكل ما حدث ومرّ به (وكان ذلك حال الضباط الذين حالفهم الحظ وظلوا علي قيد الحياة بعد خوضهم لحرب ٦٧، فقد ظلوا يعانون من اضطراباتٍ ومشاكلٍ نفسية كثيرة لفترة). بالإضافة لطبيعة شعبنا العزيز كثير الكلام، كثير الانتقاد والسخرية وهو جالسًا مكانه لا يأبه لوقع كلماته ولا تأثيرها. فتلك الفترة الحالكة بحق كان لا يجرؤ جنديٌ أو ضابطٌ في الجيش أن يفصح عن هويته لأنه لن يسلم من جَلد الآخرين بأشد الكلمات. وذات يوم بينما كان عزيز نائمًا إذ رأى نفسه يستيقظ من نومه في مكانٍ ليس بحجرته، لكنه كأنما رآه من قبل فيه الروح البدوية. كان يتلفت حوله محاولًا أن يعرف أين هو؟ وقبل أن يمر وقت طويل وجد أمامه الشيخ بدر يقترب منه فنهض مسرعًا يسلم عليه مرتميًا في أحضانه معانقًا. لكنه لاحظ جفاء الشيخ في سلامه؛ فلم يبادله العناق وظلت يداه بجانبيه. تعجّب عزيز وابتعد قليلًا والدهشة والتساؤل يملآه. STORY CONTINUES BELOW تسآل عزيز في دهشة: مالك يا شيخ بدر؟! أنا عزيز، هل نسيتني؟! فتنهد الشيخ وقال: بل أنت من نسيت يا عزيز، ونسيت ذلك الحديث أخبرتك به. فنظر إليه ببلاهة ولازال لا يفهم مقصده، فإذا به تدخل عليه امرأة في عمر أمه وأصغر مرتدية عباءة سوداء، على رأسها عصبة سوداء، تدلّى ضفيرتاها ولديها قرطان ملفوفًا عليهما شريطٍ أسودٍ ليخفي صفرة وبريق الذهب تمامًا. وفجأة جلست أرضًا تأخذ من التراب وتحثيه على رأسها، تولول وتنوح، تلطم وجهها وتخمشه بأظافرها. فاقترب منها عزيز وقال: ماذا بك يا خالة؟! فجاءه عوض صديقه بوجهه الباش وقال: قم بتهدئتها يا عزيز لا ترضى أن تهدأ نهائيًا، هدّئها وطمئنها عليّ أني بخير وفي أحسن حال، وابعث سلامًا عطرًا لابني الغالي هلال. فنهض عزيز من نومه وقد وجم بعض الوقت متذكرًا ما رآه محاولًا ربطه معًا، ترى ما سبب وجود الثلاثة معًا في نفس المنام؟ ظل طوال اليوم يفكر في تأويل ذلك المنام، حتى هداه عقله لشيءٍ ما. وفي اليوم التالي بينما كانت حميدة جالسة تقطّف أوراق الملوخية وهي بائسة من كل ما حدث؛ الحرب ثم عودة ابنها بائسًا يائسًا وأخيرًا سفر أختها وصديقتها عديلة ورحيلها. كم كانت تؤنس وحدتها! كم تفتقدها! لكن يوسف بعد ما سافر بها إلى الأسكندرية قد عاد إلى السويس من جديد ثم يذهب من حينٍ لآخر لأهله في الأسكندرية. وبينما هي هكذا إذ وجدت عزيز خارجًا من حجرته مرتديًا قميصًا وبنطالًا قماشيًا، أي ينتوي الخروج. فتسآلت حميدة: ما هذا يا عزيز، كأنك ستخرج! فأومأ عزيز برأسه أن نعم مجيبًا بتثاقل: أجل أمي. - لأين يا بُنيّ؟ - سأسافر إلى أسيوط. - هل ذاهبًا لزيارة أخواتك البنات؟ - سأفعل إن شاء الله، لكن الأصل ذاهبًا لزيارة خالتي أم عوض؛ ترى كيف حالها وحال ابنه فقد أوصاني عليه -كادت تغلبه العبرة فابتلع ريقه- قبل رحيله. - رحمة الله عليه، بارك الله فيك يا بُنيّ! وأيضًا لتستجم قليلًا فأحوالك لم تعد تعجبني ولا تعجب أحدًا. سار بضع خطوات ثم توقف والتفت عائدًا قائلًا: أنتم أيضًا يا أمي عليكم ترك السويس، فهنا لم يعد أمان على الإطلاق. - ولأين نذهب ونترك أهلنا؟! - أين هم أهلك وناسك الذين تتحدثين عنهم يا أمي؟! حتى صديقتك قد عادت إلى بلدتها، وأخواتي متزوجاتٍ في النجع كما هناك أهل أبي، سأتحدث مع أعمامي وأفتح بيت جدي لنذهب ونقيم فيه. تستمر القصة أدناه فصاحت حميدة وضربت صدرها: يا ويلتي! هل تريدني أعود مجددًا وأعيش مع سلفاتي زوجات أعمامك في نفس البيت؟! يا ويلتي! - نفس البيت! أقول سنجلس في بيت جدي، وكل عم من أعمامي بأسرته في بيت ٍ منفصل. وهنا خرج عبد المنعم من حجرة النوم ويبدو أنه قد استيقظ توًا. فقال عبد المنعم ببشاشة: صباح الخير، صوتكم عالٍ ومزعج منذ باكر! ولأين ستذهب الآن؟! أجابت حميدة على مضض: يسعد صباحك يا عزيزي! تعالى واحضر حديثنا، يقول إنه سيسافر إلى النجع وسيتحدث مع أعمامه ليفتح بيت والدك ونذهب للعيش هناك! فأومأ عبد المنعم مؤيدًا للفكرة وتابع: وهذا عين الصواب، الحمد لله أن لك عقل ولازال يعمل! عكر عزيز حاجبيه وتسآل بضيق: ما مناسبة هذا الكلام يا أبي؟ فصاح عبد المنعم بهجومٍ واتهامٍ: ألم تنظر لنفسك كيف أصبحت؟! فتنهد عزيز بنفاذ صبر: رجاءً يا والدي، لا تتحدث في هذا الأمر. - أصبحت مثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمال، لكن إلى متى هذا الوضع؟! منذ أن عُدت وأنت حابسًا نفسك ولا تخرج أبدًا، بالكاد تخرج يوم الجمعة لصلاة الجمعة، وتقول لا تطيق أحد ولا حديث أحد. - يضعون أيديهم في الماء البارد، مفتقدي الإحساس والشعور، هل حاربوا؟ هل ظلوا حتى فرغت ذخيرتهم وكل النيران مفتوحة في وجوههم، وكل من حوله يتساقطون قتلى؟! وحتى من لم يمت في البداية فقد قُتل بأبشع طريقة، إذن فليسكتوا جميعًا لأنه لم يعد لي طاقة وإلا أشبعتهم ضربًا جميعًا. - أجل! لم تقدر على الحمار ستقدر على البردعة! وإن كنت لازلت تتمتع بتلك القوة فاذهب وأدي واجبك، أم تنتظر سيناء أن تتحرر ذاتيًّا. يا بُنيّ يقول الله: «إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَ تِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللِّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءً وَ اللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمينَ» فتنهد عزيز وقال: ونعم بالله! فتابع عبد المنعم: لقد نزلت هذه الآيات عندما هُزم المسلمون في غزوة أُحد، وكان ذلك بسبب خطأ ارتكبوه ثم عرفوه و تعلموا منه... «أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّي هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَي كُلِّ شَيءٍ قَدِير» إرجع يا بُنيّ وأدركوا أخطاءكم وتعلّموها، استخرجوا نقاط ضعفكم وقووها، لا عيب من السقوط لكن العيب كل العيب إن ظللت دون أن تنهض، إذهب وابدأ من جديد. فأومأ عزيز برأسه وقال: إن شاء الله يا أبي. فأكمل عبد المنعم: إذهب وتحدّث إلى أعمامك كما قلت وسنستعد في أقرب وقت لنذهب هناك. تستمر القصة أدناه فتدخلت حميدة متسآلة: وماذا ستفعل في عملك؟ فأجاب عبد المنعم بهدوء: ليست بأزمة، سأنتقل للعمل بأي مدرسة هناك بالنجع. ثم قال لعزيز: لا تنسى يا بني، سد أذنيك عن كلام الناس. توقف عزيز بعض الوقت وكأنما قد سمع هذا الكلام من قبل، ثم أكمل سيره بدون تعليق. خرج عزيز وسار غير آبه لأي سخريات وأقاويل، ثم وصل إلى محطة القطار، انتظر قليلًا ثم ركب القطار. مرت ساعات وساعات والقطار يتوغل بداخل مصر ثم يتجه إلى الجنوب نحو صعيد مصر حتى وصل إلى محافظة أسيوط فهبط من القطار ثم ركب سيارة أجرة لتوصله للقرية التي منها نشأ أبيه، فذهب إلى أعمامه، سلّم عليهم وطلب منهم تجهيز بيت جدهم ليجيؤا فيه ثم مَرّ على أخواته البنات المتزوجات ثم ركب سيارة أخرى ليذهب للقرية التي منها عوض. وصل عزيز إلى القرية وسار بضع شوارع وما أن اقترب من منزلهم حتى وجد الرجال والنساء جالسين في الطريق وسط التراب، ولازال النساء تحثين التراب على رؤسهن، تنوحن وتلطمن الخدود. وقف عزيز متعجبًا فقد مر على رحيله فترة، ظل ينظر حوله ليتحدث إلى أيهم. فوجد فتاة صغيرة فناداها:رجاءً، كنت أريد مقابلة الخالة أم عوض. وما أن نطق باسم (عوض) حتى صرخت فجأة في وجهه وأخذت تنوح والباقيات ترددن خلفها، ظل هكذا حتى جاءته والدة عوض بنفس هيئتها التي رآها في منامه، مخموشة الوجه، رابطة رأسها بعصبة سوداء وتلف على قرطيها شريط أسود ليخفي لون وبريق الذهب. سارت مغمضة عينيها قليلًا من شدة البكاء، حتى وقفت أمام عزيز مباشرة، فانحنى عزيز نحوها ليقبّل يدها. وتسآل عزيز: كيف حالك يا خالة؟ فأجابت أم عوض بانكسار وحزن: من؟ عزيز! مرحبًا بالغالي وحبيب الغالي! فجذبته نحوها و عانقته بشدة و هي تجهش بالبكاء فبكي هو الآخر ، وبعد فترة أجلسته على أريكة بجوار باب المنزل من الخارج. فتسآل عزيز متلفتًا حوله: لماذا كل هذا يا خالة؟ إن عوض شهيد عند ربه وليس بحاجة لكل هذا! فأجابت أم عوض بقهرٍ: إنه الغالي، ويجب أن يأخذ حقه في الحزن، أتظنه لا شيء! تمتم عزيز في سره: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قالت: احكيلي يا ولدي، كيف ذهب زينة الشباب ولدي عوض؟ سكت عزيز وهو يتذكر ما حدث ووجهه واجمًا. فقالت المرأة: ماذا بك يا ولدي ألم تكن معه وقتها؟! حتى إني قد ظننتك ذهبت مع من ذهبوا. فابتلع عزيز ريقه بمرارة ثم قال: كنت سأذهب والله يا خالة! لكنها أقدار الله. فألحّت أم عوض: احكيلي يا ولدي، كيف راح الغالي؟ فقال عزيز وهو ينظر أمامه إلى نقطة فراغ كأنما يستحضر كل مشهد: كان مصابًا بإصاباتٍ بالغة الخطورة، وقُتل كل أفراد الكتيبة، نفذت الذخيرة وليس هناك أي مدد، كان يقول لي أتركه وألوذ بنفسي لكني حملته وجريت به، وكلما تبعنا أحدهم حفرت حفرة ونزلنا فيها معًا نتخفّي منهم ثم نخرج ونكمل طريقنا، وفي أحد المرات لم أتمكن و... سكت عزيز وبكى فبكت أمه أيضًا ثم قالت: عاش رجل لآخر لحظة. فتابع عزيز بصوتٍ مختنق: كان يتمنى أن يرى ابنه، أم بماذا رُزق؟ فأجابت أم عوض بتأكيد: أجل ياولدي، قد رُزق بعوض الصغير. - لكنه كان يريد أن يسميه هلال. - لكني قد سميته عوض لاسم أبيه؛ فيكون مثله رجل و مثله في كل شيء، لكن متى تبرد ناري تلك؟ متى نأخذ بثأره؟ - ثأر! - أجل! هل تظن إننا سنترك ثأر ولدنا الغالي دون أخذه؟ هل تظن أن تذهب دماءه هدر؟! فنظر إليها، فأكملت: أنت من ستأخذ بثأر عوض أخوك وصديق عمرك. فابتلع ريقه وسكت.. بعد فترة غادرها وغادر القرية، ذهب لقرية أبيه، بات ليلته في بيت أخته واستيقظ في اليوم التالي فذهب لبيت جده وتأكد من مرافقه ثم ذهب إلى محطة القطار ليعود. جاء القطار وركبه وساعة بعد ساعة وأمام عينيه مشهد أم عوض وكل أهله الذين لازالوا ينوحون على فراقه وكيف أنها طلبت منه أنه هو من يأخذ بثأر عوض! فتنهد وهو يحدث نفسه الجميع يريدك تأخذ بثأر أبناءهم، الجميع قد حمّلك ذلك الوعد وعليك أن توّفي بوعدك هذا؛ فأحدهما صديق عمري والآخر كان سبب نجاتك من الموت! لكني لم ألملم نفسي بعد، لازلت لا أستطيع فعل أي شيء, لازال اليأس ينهشني، الوجع يملأني وجراحي لازالت تنزف ولم تُشفى بعد. وصل عزيز ولازالت رأسه مزدحمةً بالأفكار وقلبه مزدحمًا بالأهات وتشويشًا حادًّا مسيطرًا عليه تمامًا. هبط من القطار، سار بضع خطوات وسُمع صوت الغارة فجرى الجميع نحو المخابئ وفجأة أحدهم نادى عليه: عزي نزل عزيز من القطار وسار بضع خطوات ثم سُمع فجأة صوت غارة، فجرى الجميع نحو المخابئ وفجأة صوت أحدهم ينادي عليه: عزيز. + فالتفت ناظرًا للواقف خلفه، وكان رجلاً أربعينيًا بشرته سمراء بفعل الشمس، شعره قصير أسود إلا من بعض السوالف المفلفلة ببعض الشعر الأبيض، طويل القامة وله شارب . تحدث الرجل: كيف حالك يا عزيز ؟ أين أنت؟ أجاب عزيز معانقًا له بحرارة: مرحبًا سيدي، أنا موجود. أبعده الرجل قليلًا وأكمل بجدية : موجود! أين ذلك؟ في بيتكم! فسكت عزيز وشعر ببعض الحرج، فأكمل الرجل: متى عُدت؟ ولماذا لم تقوم بتسليم نفسك لوحدتك؟ أجاب عزيز على استحياء: معذرةً سيدي لكني لا أقوى، لقد واجهت الموت وعندما عُدت لم أجد سوى السخرية والتهكم وعدم التقدير، صرت لا أستطيع مقابلة أحد ولا رؤية أحد. فأمسكه الرجل من ياقة قميصه وقال له بشدة: وهل عندما فكرت في الحربية والتحقاقك لتكون أحد أبناء الجيش لم تكن تعلم أنك تقدم روحك وتحملها على كفيّك؟! - أعلم كل هذا، لكن ما حدث لم يكن بالسهل أبدًا لقد حطمني وانهارت تمامًا. - وعندما تتحدث هكذا أنت وأمثالك، كيف سنحررها؟ - أقسم لك أني متعب جدًا سيدي! - إذن عندما تعود رجلًا مثلما كنت فأنت تعلم أين ستجدني. وفي نفس الوقت تدخل صوت آخر: كأني قد أخطأت في العنوان! فالتفت عزيز لمصدر الصوت فوجد مسعد ابن الشيخ بدر فعانقه وسلّم عليه بإقبال وقال: مرحبًا أخي، كيف حالك يا مسعد وحال والدك الشيخ بدر؟ فسكت مسعد ثم قال بحزنٍ كبير لدرجة أنه كاد ينفجر بالبكاء: قتلوه الأنجاس، كنت بالخارج وقتها وعندما عُدت وجدت دارنا قد هُدم وسُوي به الأرض بعد أن قتلوا أبي، لم يعد لي أحدًا متبقيًا، وكنت أريدك لتدلني كيف أتطوع فدائيًا في الجيش، ألم تحتاجوا لفدائيين؟! لقد زاد الحساب و ثقل، عندما تطوع أخي مسعود بالجيش طلب مني أبي أن أظل معه لأرعى مصالحنا وكنت أتمنى أن أتطوع معه، لكني أطعت والدي وقتها، أما الآن فقد ذهب أخي وأبي، وذهبت الأرض والديار، ولو قُدّر لي الموت إذن فأموت رافعًا رأسي. طأطأ عزيز رأسه وتنهد بألم وقال باختناق: أنا السبب أليس كذلك؟! أجاب مسعد: بعد أن غادرت ديارنا ظل ذلك الكلب الملقّب بيعقوب يعس ويتقصّ أخبارك حتى تأكد من شكوكه وكونك ضابطًا مصريًا، فقتل والدي لأنه آواك وهدم البيت كعادتهم، واليوم جئتك طامعًا في مساعدتك لآخذ بثأر أبي وأخي. تستمر القصة أدناه فربت عزيز بكتفيه وقال: إذن تعالي معي الآن ثم نتحدث بشأن هذا في وقتٍ لاحق. تدخل القائد: يمكنك أن تحضره إلينا ثم عُد أنت لتتدفّأ ببيتك في حضن أمك. وقبل أن ينطق عزيز بكلمة كان ذلك الرجل قد انصرف، كم آلمه حديثه رغم إنه محق! بينما قال مسعد: لم أكن أحب أن أراك في هذه الحالة، بالرغم من أن أبتي قد نصحك وتواعدت معه لكن يبدو أنك قد نسيت! يبدو أنك تلقي أذنك لأقاويل الناس رغم أنه قد نصحك بأن تغلق أذنك عن حديثهم! صاح عزيز بقهرٍ وضعفٍ واضح: أنا بشر وقد تعبت. فالتفت مسعد منصرفًا من أمامه فتذكر فعلة والده الشيخ بدر وكيف أنقذ حياته، وكيف عرّض حياته للخطر بل لقد دفع حياته ثمناً لنجاة عزيز . فأسرع عزيز وناداه: انتظر مسعد، تعالى معي فقد انتهت الغارة، هيا هيا معي! - أشكرك أخي، لكن لم أعد أرغب. - لا والله! لابد وأن تجئ معي، أنا لست بندلٍ ولا خسيس، لكني متعب للغاية ولا أحد يقدر ولا يشعر بما أعاني منه وأمر به. - ربك ييسّر العسير ولكل عقدة ألف حل، فقط توكّل على الله فهو حسبك. - ونعم بالله، هيا بنا لنكمل حديثنا. مسعد مترددًا: لكن... فقاطعه عزيز وهو يجذبه من ساعده: ليس بالبيت سوى أبي وأمي، أخواتي البنات متزوجات وتعيشن في قرية بأسيوط، و والداي أيضًا سيذهبان للعيش هناك. سار الشابان معًا حتى وصلا لبيت عزيز فطرق الباب ففتحت أمه وتفاجئت بالضيف الذي معه، وكانت قد جمعت الكثير من الأمتعة لتستعد للتهجير لقرية أهل زوجها. لكنها استقبلته أفصل استقبال خاصةً عندما علمت أنه السبب في نجاة ابنها هو وأبيه، أما ترحيب عبد المنعم فكان لإحساسه بأن ظهوره كان في الوقت المناسب فربما يسهم في عودة ابنه لرشده. وبينما هم كذلك إذ سمعوا نداء أحد أهل المنطقة: يا أستاذ عبد المنعم، يا أبو عزيز! فخرج إليهم عبد المنعم من الشرفة وقال: ماذا هناك؟ فصاح بقوة: لقد أُصيب الأستاذ يوسف في تلك الغارة وقد نقلوه إلى تلك المستشفى القريبة، فهيا إلحق به. فدخل عبد المنعم وهو يهم بلبس حذاءه قائلًا لعزيز: لقد أصيب يوسف في تلك الغارة. صاحت حميدة بصدمة: لا إله إلا الله، الخير منك يا الله، كان الله في عونك يا عديلة يا أختي! يا وجع قلبك يا حبيبتي! صاح فيها عبد المنعم: اكتمي فمك يا امرأة، هل ستجئ معي يا عزيز؟! أومأ عزيز بسرعة: أجل أبي، فهو في مقام العم، هيا بنا يا مسعد. تستمر القصة أدناه أجاب مسعد بحماس: أكيد يا عزيز. وغادر الثلاثة وانطلقوا ذاهبين إلى المستشفى، بالطبع كانت مليئة بالمصابين، الجرحى والحالات الحرجة، رائحة الدم والدخان في كل مكان، وشبح الموت يحوم حول المكان. ظلوا يتلفتون ويبحثون وسط المصابين الذين بالطبع لم يكونوا ممددين على أسرّة، فالاستعدادت لا تكفى لاستقبال هذا العدد، فكان المصابين على الأرض وفي الممرات، منهم من مُعلّقًا في ذراعه محلول ومنهم من لازال ينتظر مجئ الطبيب أو من يسعفه، فالعجز لم يكن في الاستعدادات فحسب بل كان في طاقم العمل أيضًا. وما أن لمحوا يوسف حتى أسرعوا نحوه، كانت حالة يوسف تغني عن الكلام بل ليست في حاجة لإسعاف، فإصاباته بالغة الخطورة ولا يُعتقد أنه يمكن أن يبقى حتى يجئ إليه أحدهم ويقوم باللازم. صاح عبد المنعم بلهفة: يوسف،ألم يراك طبيب حتى الآن؟! يوسف بصوت متقطّع: لم يعد هناك داعي. فصاح عزيز: طبيب! من فضلكم أين الطبيب؟! همس يوسف وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: أرسلوا سلامي لعديلة و الأولاد... ولفظ أنفاسه الأخيرة، فوقف عبد المنعم ونظر لعزيز وعيناه تترقرقان بالدموع ثم انحنى نحو يوسف ومسح بيده على عينيه يغمضهما. ظل عزيز واجمًا متجمّدًا مكانه، فقد عاش يوسف بينهم لأعوامٍ وكان هو وأسرته بمثابة الأهل وليسوا مجرد جيران، وظل يمر أمامه ذكريات تلك الأعوام، يغمض عينيه و يفتحهما، كأنه عاد لرشده فوجد أبوه يبكي بحرقة جالسًا أرضًا جانب السرير. و بعد قليل بدؤا يعدون تقارير وفاة يوسف ويجهّزون أنفسهم للسفر إلى الأسكندرية، وبالطبع سافرت معهم حميدة لتواسي صديقة عمرها. وفي تلك الليلة كانت عديلة في بيتها بالأسكندرية يجافيها النوم شاعرة بغصة تختنقها، وكلما غفلت عيناها للحظاتٍ رأت يوسف يصيح مرة، وأخرى يسقط في بئرٍ عميق فتنظر فيه مادّة يدها إليه فتجده ينزف دمًا من كل أنحاء جسده، فتهب من نومها مفزوعة تتصبب عرقًا وتتلاقط أنفاسها فتنهض تشرب رشفات قليلة من الماء ثم تعاود لفراشها. لكن كثرت كوابيس هذه الليلة فاتجهت لشرفتها فتحتها ووقفت للجانب حيث يُرى منه البحر. ورغم فصل الصيف إلا أنها ترى أمواج البحر متلاحقة كأنما البحر يغلي، أو ربما ذلك من وحي التخيلات. أغمضت عينيها، أخذت نفسًا بعمق فامتلأت رئتيها بالنسيم القادم من البحر المشبّع برائحة اليود ربما تذيب تلك الغصة، لكن بلا فائدة. وجاء الصباح أخيرًا فساء صباحها ومساءها وكل أيامها، فإذا بأصوات أناس كثيرين بالخارج غير مفهومة مع طرقٍ على الباب، وكلما اقتربت اتضح الكلام. وأول شيء سمعته هو أصوات كأصوات بكاء، ثم تداخلات أصوات قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان من له الدوام،إنا لله وإنا إليه راجعون. بدأت ترتعد فرائسها، تكاد لا تحملها قدماها وتود لو دفعها أحد لتكمل حتى تصل إلى الباب رغم أن المسافة ليست كبيرة لتلك الدرجة. ولازال الباب يطرق فخرجت نور من حجرتها وهي بضفيرتين على جانبيها وشعرها مبعثرًا قليلًا فهي قد استيقطت توًا ولازالت مرتدية جلباب النوم. لكن نور قد أسرعت لتفتح الباب فوجدت أمامها أناس كثيرين فجذبت عديلة منشفة كانت على إحدى الكراسي ووضعتها على كتفيها تسترهما، ثم عدّلت من وضعية تلك العصبة على رأسها. فوجدت أمامها وسط هذا الجمع حميدة جارتها وصديقة السويس وهي مرتدية ثوبًا أسودًا، واضعة وشاحًا أسودًا على رأسها وتنتحب بالبكاء. وما أن رأت عديلة حتى عانقتها بحرارة، ولازالت الثانية لا تفهم ماذا يجري، بل بمعني أدق تفهم وتنكره، حتى رأتهم يحملون جسدًا آدميًّا ملفوفًا به بعض البقع من الدم. وهنا أدركت وتيقنت مما حدث وأخذت تصرخ بكل ما أوتيت من قوة ونور الأخرى تصرخ وتبكي بشدة ممسكة في جلباب أمها وتنفي ما يحدث فمؤكد أن الأمر التبس عليهم. و ما أن جاء وقت صلاة الظهر حتى كان الجميع الأهل و الجيران عند مقابر عمود السواري ليُدفن فيها يوسف حيث مقابر العائلة. وبين عيشة وضحاها فقدوا الأب، الأخ، الزوج، الحبيب، السند، العائل وكل شيء. فسبحان من له الدوام ولا باقي إلا وجه الله... مرّت عدة أيام بعد الوفاة وظلت حميدة مع عديلة محاولة التخفيف عنها من حدة هذه الصدمة؛ خاصةً وأن عديلة وحيدة فلا أخوة لها وقد فقدت أبويها واحدًا بعد الآخر، ولم يعد لديها سوى نور وجمال. + كان عبد المنعم يبحث في مستحقات يوسف وما إن كان يمكن صرف معاش لأسرته بعد، ويسعى في ذلك الطريق من إجراءات وتوثيق لأوراق. وبعد فترة اضطرت حميدة لترك عديلة والسفر مع زوجها إلى السويس أولًا لجلب أمتعتهم ثم إلى القرية. كان فقد نور لأبيها شيئًا قاسيًّا فقد كان أبًا حنونًا ومتفهّمًا، كانت شاعرة أنه صديقٌ لها، حتى إنها قد نويت ذات أن تخبره بما يجول داخلها من مشاعر غريبة نحو عزيز الذي لم يعرها انتباهًا بل لم يراها من الأساس، لكنها تراجعت عن التحدث بشأن هذا. لكنها تشعر بوحدة كبيرة، منذ أن تركت السويس وعادت للأسكندرية وبالرغم من أنه موطنها الأول إلا أنها تشعر بتلك الغربة فيها، و هاهي تكتمل غربتها بوفاة أبيها؛ حيث أن عديلة منذ أن أنجبت جمال ولم تعد ترى غيره، ولِمَ لا وهو الذكر (الولد الحيلة) فراحت تدلله وتغدق عليه من الحنان والاهتمام الزائد ما يفوق اهتمامها بنور ابنتها البكرية، بل صارت تحملها بعض من تصرفاته. وكما نعلم ذكاء الأطفال في تلك المرحلة، فهو يتجه نحو مصلحته وما أن يعرف نقاط ضعف أمه حتى يضغط عليها من خلالها، ويبدأ تفلّت زمام الأمور عامًا بعد عام. وكم حذّرها يوسف من طريقتها هذه وتحدّث معها بشأن ذلك، لكن بلا فائدة! أدركت نور ذلك الفرق في التعامل لكن كان يكفيها أن لها أبًا يفهمها ويدللها لكن بالقدر الذي تحتاجه، لكن افتقدت كل ذلك من بعده، وها هي في الحادية عشر من عمرها لكنها قد أدركت ما ستلاقيه وأن القادم ليس مفروشًا بالورود ولا ممهّدًا من الأساس. بالطبع الوضع بالعكس مع جمال فهو لازال طفلًا في السابعة ولم يعيش مع والده طويلًا، ورغم أن معاملة يوسف كانت حيادية ولا تتميز بأي تحيّز لأحدهما لكن بالطبع تجده يميل للتي تدلله التدليل الزائد. أما حميدة وعبد المنعم فقد انتقلوا إلى القرية وتركوا السويس بعد ما صارت حطامًا تعاني من الغارات، القصف والتدمير، رائحة الدماء والشهداء في كل مكان. لكن عزيز ودّعهما ولم يذهب معهما بل ظل في السويس مع مسعد. كان عبد المنعم يرى كل التغيرات الطارئة على ابنه مدركًا حجم الاكتئاب واليأس المسيطر عليه، لكنه يرى أيضًا ضغوط أخرى تعمل على إيقاظه، منها سفره لأهل عوض صديقه، مجئ مسعد ومعرفته بما حدث للشيخ بدر وهو السبب المباشر لذلك، وأخيرًا ما حدث ليوسف. وهؤلاء الثلاثة الشيخ بدر، عوض ويوسف يمثلون له الكثير، فتركه وهو يرى عودته وإعادته لحساباته، خاصةً وأن مسعد لازال مقيمًا معه. حتى ما لبث وقد عادت له روحه إلى حد ما وصحب مسعد معه ذاهبَين إلى العقيد رفعت قائده الذي قابله يوم الغارة ووبّخه بشدة؛ ربما لأنه يفهم عزيز جيدًا ويعرف كيف يضغط عليه ويستفذ قدراته الكامنة. استعد عزيز بزيه العسكري المميز حالقًا لحيته وشعره تمامًا، معه مسعد الذي طلب منه أن يحلق لحيته وشعره هو الآخر. وما أن وصل لقائده العقيد رفعت حتى نظر له نظرة طويلة ثم وكزه في كتفه بقوة، لكن عزيز لازال واقفًا لا يتحرك ملقيًّا التحية العسكرية، رأسه معتدلة، ظهره مستقيم وصدره لأعلى. ثم قال بحزمٍ وصرامة: كنت على يقين من عودتك، لكنك كنت تحتاج لصدمة أو صدمات لتستعيد نفسك، ورغم كل الظروف التي قد مررت بها لكن ليس لدي مانع أن ألطمك على وجهك لطمة تجعلك تستعيد كل شيء، أتمنى ألا تكون قد نسيت العسكرية والنظام الميري يا سيادة الضابط، وألا تكون راحتك في حضن أمك قد أنسته لك كما نسيت من تكون وما واجباتك! أجاب عزيز بجدية: تمام سيدي، أعتذر منك على كل ما بدر مني، وأتمنى أن تلتمس عذري وما كنت أمر به. فصاح فيه: إنتباه! هذا الكلام يمكنك أن تقوله مع أحد أصحابك عندما تجلس على مقهى، لكن هنا لا أعذار! تلك الظروف التي تتحدث عنها لم تمر عليك وحدك، بل كنا فيها جميعًا، لكن لن نجلس ونبكي ونضع كفوفنا على خدودنا كالنساء، عامةً لقد تغيرت القيادة وهذا في حد ذاته يعطينا دافعًا وأملًا، والدفعات الجديدة قد وصلت بالإضافة إلى المتطوعين من الفدائيين، وهذا بالطبع ليس جديدًا على مصر لأنها دائمًا ولّادة، إن ذهب واحد جاء ألف كل منهم يحمل روحه على كفيه وعلى أتم استعداد ليذهبوا جميعًا فداء ترابها. صاح عزيز بحماس: تمام سيدي، لأين سأتوزّع وما هي مهمتي؟ فأومأ رفعت برأسه: لا، ليس الآن، أنت تحتاج لفترة من التأهيل والإرشاد النفسي أولًا، فستذهب للشئون المعنوية التي ستتولي ذلك حتى نطمئن من كونك يمكن أن تكون وسط الدفعات الجديدة، وباستطاعتك التدريب والعطاء وليس قبل ذلك. أما أنت -يوجه حديثه لمسعد- فستذهب مع العسكري الواقف بالخارج إلى مكان دفعات المتطوعين الفدائين ليتم فحصك ثم إلى التدريبات، هيا إنصراف. ألقى عزيز تحيته وانصرف هو ومسعد كلًا منهما لوجهته. والشئون المعنوية يمكن اعتبارها قسم يوفر قدر من التأهيل، الإرشاد النفسي، تنمية الشخصية والثبات الانفعالي، فالجنود الناجون من حرب ٦٧ يحتاجون بالفعل لذلك التأهيل؛ فالهزيمة، مواجهة الموت وفقد الكثير مما لا شك فيه أنه قد أثّر سلبيًّا عليهم . ووجودهم في ذلك التأهيل يختلف على حسب حالة كلٍ منهم، مدى استجابتها وتحسنها، فلا يمكن خوضهم لأي معركة أو أي مهمة بهذه الروح الإنهزامية المسيطرة. مرت تلك السنوات وبدأ عزيز يستعيد طاقته، ثقته بنفسه وبقدراته خاصةً مع تلك الأخبار المبشرة حول العمليات العسكرية التي يقوم بها الفدائيين ضد قوات العدو، فكان كلما سمع عنها زادت روحه المعنوية وتمنّى لو سُمح له بالمشاركة. + لكن في الحقيقة فإن الغالبية من الناجين من حرب ٦٧ لم يُسمح لهم بالمشاركة في حرب الاستنزاف ولا في حرب أكتوبر؛ لأنهم عادوا مستَهلكين معنويًّا ونفسيًّا، والحروب والمقاومة تحتاج لعزيمة وإرادة فولاذية. لكن عزيز كان من القلة التي سُمح لها بالمشاركة في العمليات العسكرية في حرب الاستنزاف لكن ليس من البداية، وعامةً كانت الأجواء مشحونة بالوطنية حتى الأغاني السائدة كانت من دورها التعبئة الوطنية. بمعنى أوضح بدأ الناس يعودون لربهم وأخلاقهم، فلا يغير الله ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهناك أنواع من البشر لا تستوعب ولا تفهم إلا بعد صدمة ولطمة قوية تكاد تفقدها وعيها من شدتها ثم تبدأ بعدها في مرحلة الوعي الحقيقي. أما نور فخلال تلك السنوات قد كبرت وبلغت مبلغ النساء، لكنها لازالت مفتقدة والدها، حنانه، احتوائه وتفهّمه؛ فهي الآن صارت مفتقدة لكل شيء. فعديلة قد كرّست جهودها واهتمامها نحو جمال فقط؛ فكان لا ترد له أي طلب مهما كان، حتى أنها بدأت تجور على حق أخته من أجله، وذلك قد أزعج نور كثيرًا ليس بسبب التفرقة بينها وبين أخيها، بل لأنها صارت وحيدة فعليًّا وكأنها قد كبرت قبل أوانها. كانت تتحمل مسئولية أعمال البيت وإجابة طلبات أخيها حتى لو أرادها تشتري له شيئًا ما من الشارع، كل ذلك لأنه هو الذكر تلك الثقافة التي كانت سائدة وقتها وإن كانت لا تزال تسيطر على البعض حتى الآن، أن الأخ الذكر له كل الصلاحيات حتى لو جار على حق أخواته من الإناث. كم كانت تفضل الجلوس بمفردها؛ فهي تشعر أنها غير مهمة في حياة أحد، حتى عزيز لم يشعر بها يومًا أو ينتبه إليها فلابد أنها ليست جميلة... هكذا تحدّث نفسها. وكأنها نسيت أنه كان شابًّا تجاوز الاثنين والعشرين من عمره وهي مجرد طفلة في الحادية عشر، لكنها لم تنسى وجهه الحزين يوم وفاة والدها، لقد كان حزينًا حقًا! لكنها قد صارت آنسة صغيرة في الرابعة عشر من عمرها قد تغيرت عن ذي قبل، نقص وزنها وصارت متوسطة القوام. تعلمت شغل (الكروشيه) لتسلي وقتها أو مشاهدة أحد الأفلام ومثلها مثل غيرها من قريناتها الفتيات من نفس عمرها تشرد وتهيم عندما تشاهد عمر الشريف، صالح سليم أو أحمد مظهر ويتصدر قائمة المطربين بالطبع عبد الحليم حافظ. لكنها تختلف عن الكثيرات في أنها لا زالت ترى فيهم وجه وملامح عزيز رغم عدم تشابههم لكن ذلك الإحساس باللامبرر! ربما لأنه يذكّرها بأحلى أيام حياتها ويذكّرها بأبيها. STORY CONTINUES BELOW عندما تتذكره تظل تتسآل إن كان لازال محبطًا يائسًا أم استرد ثقته وطبيعته! وإن كان استرد ثقته وطبيعته هل يشارك في تلك المهمات العسكرية التي تسمع عنها عبر الأخبار؟ وإن شارك معهم ترى هل لازال على قيد الحياة أم.... ؟ وإن كان على قيد الحياة ترى هل لازال متيّمًا بجمال عبد الناصر؟ منصتًا لكل خطاباته بكل شغف! ترى ما هذا السؤال؟! فلازال الجميع يلتف حول المذياع أو التلفاز لحظة خطابه، ينصتون بكل اهتمام وشغف لا يتحدثون أو يتحركون، كأن على رؤسهم الطير! هكذا كان بالفعل جمال عبد الناصر، حتى بعد سيطرة مراكز القوى في نظام الحكم وحدوث الفوضى والخلل الذي سبّب تلك الهزيمة، لكنه مازال بداخل قلوب المصريين وحاضرًا معهم، فمما لا شك فيه أنه كان لعبد الناصر نوع من الكاريزما والحضور الطاغي. دعونا نتوقف عند عبد الناصر، فحدث الهزيمة والاحتلال كان تأثيره عظيمًا عليه، ربما لأن اللطمة كانت شديدة القوة فأيقظته ليرى كَمّ تلك الفوضى ويعيد حساباته من جديد، وبالفعل كان من وقتها يبذل مجهودًا كبيرًا في إدارة شئون الجيش، إعادة تعبئته وتسليحه. لكن... تأثّرت صحته بشكل واضح فبدأ المؤشر يهبط لأسفل، وزادت إصابته بالنوبات القلبية الحادة، خاصةً وقت واقعة (بحر البقر) فقد ضربت قوات العدو مدرسة بحر البقر الإبتدائية وقد دُكت فوق رؤوس أطفالها من التلاميذ، ولُطخ كل شيء بدماءهم البريئة، ترى ما ذنبهم؟! حتى تفاجأت مصر كلها في سبتمبر ١٩٧٠ بخبر وفاته إثر أزمة قلبية حادة كما شخّصها طبيبه الخاص. كم كانت صدمة وفاجعة لكل المصريين وقتها ! وهاهو الراحل محمد أنور السادات يلقي النعي وهو في حالة من الانهيار: «فقدت الجمهورية العربية المتحدة، وفقدت الأمة العربية، وفقدت الإنسانية كلها، رجلًا من أغنى الرجال، رجلًا من أغلى الرجال، وأشجع الرجال، وأخلص الرجال، هو الزعيم جمال عبد الناصر.» وها هو تُسمع أصوات النحيب وترتفع... حالة من الحزن العام تسود البلاد فتشعر حتى بحزن الأرض، السماء ونهر النيل، بل البلد بأكملها، فقد كان قلبها جمال عبد الناصر وقد كفّ عن النبض. حتى الأسكندرية، تلك العروس قد لبست الحداد بدلًا من الأبيض، ومشى الحزن على شاطئها وتشاطره ثورة الأمواج. وترى أنهار من البشر من مختلف البلدان تزحف كالنيل ببطءٍ وأسى غامرة كل ما في طريقها. فقد أشرق من مجلس قيادة الثورة و ها هو سيغرب ليبدأ موكبه الأخير، وأُسدل الستار على ذلك البطل. وها هم الجميع يودعوه باكين مرتفعًا نحيبهم: «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين، الوداع يا جمال يا حبيب الملايين، الوداع يا جمال يا حبيب الملايين!» لم ننكر شعبيته وحالة حب شعبٍ لحاكمه لم يتكرر، وإن كان هناك من لم يحبوه وانتقدوه، وهذا شيء معتاد فلن تجد شخص يتفق عليه الجميع خاصةً لو كان الحاكم. خاصةً وأن أي حاكم هو بشر ونظامه مجرد نظامًا وضعيًّا بشريًّا فوارد أن يخطئ ويصيب وأيضًا لا يرضا به الجميع. عبدالناصر لم يكن مجرد رئيسًا لدولة ولا مجرد حاكم يخطئ ويصيب، بل كان حالة خاصة في زمانه، عاشها وافتقدها المصريون وغير المصريون، استمرت حتى مع تعاقب الأجيال، يظهر هذا عند الإستماع لإحدى خطبه الرنانة حتى ولو جملة واحدة منها، هناك شعور غريب رغم أننا لم نعاصره ولم نكن أحد أبناء ذلك الجيل! أو لم نكن من مؤيديه! و مع ذلك لم يحبه الكثير، وهذا أمرٌ لا شيء فيه، فلن تجد شعب يتفق على حاكمه أو نظام الحكم مئة بالمئة، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعظم قائد في التاريخ بلا منازع ولم يتفق عليه الجميع! إذن فاحفظوا هذه الكلمات جيدًا لأنها معنا منذ أعوام وأعوام، وستظل معنا... [قد نختلف على الحاكم ونظام الحكم، لكن لابد ألا نختلف