نـور - الفصل الثالث - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـور
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث

الفصل الثالث

روايه نور 🫶❤꒰﮼ْ◜* *​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ 11-12-13-14-15 أما عزيز فكان منذ أن تخرج وتسلّم مكان خدمته وهو يذهب ويعود ويشعر طوال الوقت بسعادة ليس فقط لأنه قد حقق حلمه بل أيضًا يشعر بقيمته وقيمة مهمته الجليلة. + «عينٌ باتت تحرس في سبيل الله.» وبعد عدة أشهر من وجوده في سيناء ومعه من دفعته وزميل دراسته عوض والذي كان لحسن حظه في نفس موقعه لكن أصوله ليست سويسية ولا حتى من أي مدينة من مدن القناة بل هو صعيدي من جنوب مصر من محافظة أسيوط، هكذا تفعل الكليات فتجمّعنا معًا من أقاليم عديدة وها هما لازالا معًا حتى في موقع العمل. وكان معهما أيضًا تحت قيادتهما مجنّدين من أقاليمٍ شتى، لكنهم كانوا بمثابة الإخوة لهم فلم يتصرفا أبدًا من نظرة فوقية وكانوا من مختلف أنحاء مصر. كانوا في بعض الأحيان يجلسون جميعًا يتسامرون و يحكون عن حياتهم و نوادرهم وما إلى ذلك، كان لعوض موهبة في نظم بعض الخواطر النثرية فيجلسون جميعًا يلتفون حوله ويستمتعون إليه. ثم يضحك الجميع ويصفق، خاصةً وأنه حديث الزواج وفي انتظار مولوده الأول، فكان ابنه هذا محور خاطراته، وتمر الأيام ولا ينتهي عوض من نظم كلامه المنثور والجميع يلتف حوله مستمعًا في تسلية. حتى جاء شهر مايو وقبل أن ينتهي هذا الشهر وقد جاءت الأوامر بمنع الأجازات وكأن هناك رفع لدرجة الطوارئ. كانوا يستمعون للمذياع بواسطة جهاز ترانزيستور صغير فأحيانًا ينجحون في ضبط الموجة الإذاعية. وقد علموا بما فعله عبد الناصر من غلق مضيق تيران في وجه السفن الإسرائيلية وأيضًا طلب سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء وكأن ذلك هو طريقة لإعلان الحرب على إسرائيل. كان الجو العام به شحنة من التوتر والترقب وحالة من انتظار المجهول مع بعض الغصة التي تضغط في القلب بدون سبب واضح. وذات ليلة بينما عزيز جالسًا مع عوض والذي كان صامتًا على غير العادة كما أن ملامح وجهه وتعبيراته غير مفهومه. فالتفت إليه عزيز متسآلًا: أراك جالسًا وحيدًا وساكتًا على غير عادتك! فتنهد عوض بضيق وقال: إني قلقٌ بشأن زوجتي، إنه موعد ولادتها وكان ينبغي أن أكون جوارها ومرافقًا لها، لكن... وبتر كلماته فربت عليه عزيز وتابع بنبرة مطمئنة: لا عليك يا صديقي فمؤكد الجميع سيكونون معها وحولها ولن يتركوها، وربما يجئ الفرج من حيث لا ندري ونتفاجأ بالإجازة، فمؤكد أن أمي تبكي ليلًا ونهارًا من قلقها عليّ. فابتسم عوض بسخرية وقال: أراك متفائلًا أكثر من اللازم! هل تعتقد في وجود إجازة قريبة؟! ألم تستمع لخطاب عبد الناصر واستعداده لأي حرب ضد الصهاينة ليلقنهم درسًا لن ينسوه! STORY CONTINUES BELOW فتسآل عزيز بدهشة وهو يلكزه: ماذا بك عوض؟ كأنك خائف! فأومأ عوض أن لا وصاح: خائف! عوض ابن عبد الباسط لا يخاف أبدًا ولو كان آخر يومٍ في عمره، لكن يبدو لي أن الأمر خطيرًا! فتنهد عزيز وقد شعر بنفس قلقه لكن حاول إخفاءه وصاح: ماذا بك يا حضرة الضابط؟! ثم قال يريد تغيير مجرى الحديث: ترى ماذا لو كان ذلك الضيف الآتي ليس هلالًا، إنما هو مثلًا بدور، ماذا ستفعل؟! فصاح عوض: ماذا؟ ويحك! تراني سأعترض على قضاء الله مثلًا! صحيح سأجد أمي حزينة تندب وتولول بسبب الأنثى، لكن مادام أنا وزوجتي معًا فليس هناك أي مشكلة، وبمشيئة الله مع إتمام العام يكون قد جاء هلال وإن لم يأتي سأحاول مرارًا وتكرارًا حتى يجيء بل ويجئ له أخٌ ذكر. فقهقه عزيز وخبط بكفه على كف عوض الذي ضحك هو الآخر لكن ليس بقهقهة بل تبدو ضحكته محبوسة وليست صافية، فلم تصل لعينيه! وبعد قليل وجده ينظر لتلك السماء المظلمة وهمس: كأن ظلمة هذه الليلة طويلة بلا آخر، لا أدري بحق ماذا بي! لكن أذناي تلتقطان أصوات صراخ وعويل، وكأني أرى نارًا ودماء وموت... وسكت عوض ولم يعلّق عزيز فكأنه قد أُصيب بنفس العدوى ولم يعد قادرًا على الجدال وظلا جالسان في تلك العتمة ينتظران النور والفجر الجديد. لكن كان الصباح التالي هو الخامس من شهر يونيو وفي تمام الساعة السابعة وخمسة وأربعين دقيقة شعروا بمرور عدد من الطائرات الحربية من فوقهم، ظن عزيز وكل من معه أنها مناورة أو تدريب لسلاح الطيران خاصةً وأنها تطير على ارتفاعٍ منخفض فلم يلقوا لها بالًا وعادوا لأماكنهم خاصةً وأنه لم يجئ أي إخباريات أو أوامر بأي نوع من التعامل أو بتفسير ما يجري. لكن صار هناك صوت لقذائف وانفجارات عن بعد ويبدوا أن هناك خطبٌ ما خطير، فنظروا ثانيًا نحو تلك الطائرات المارة....... إنها طائرات إسرائيلية! ظلوا يتلفتون وينظر بعضهم لبعض دون أن يفهمون أي شيء أو ما عليهم فعله! بدأ عزيز وعوض باعتبارهم الضابطان المسئولان عن هذه الكتيبة إرسال الرسائل وانتظار الرد، لكن الرد كان يبدو أكثر استفزازًا. ليس هناك أوامر بالتعامل وعليهم انتظار طائرة القائد المشير عبد الحكيم عامر، وكان عزيز في قمة غضبه وقتها: ماذا يعني هذا الكلام؟! إلى متى ننتظر؟ ولنفترض أن سيادته قد تأخر فما العمل وقتها؟ أنظل في هذه الكارثة نشاهد مكتوفي الأيدي؟! فصاح عوض: لكن ماذا لو هاجمونا يا عزيز؟ الكتيبة غير مؤَمَّنة جوًا على الإطلاق! فتابع عزيز: بدون نقاش سنضربهم، رغم أني كم أود أن أضرب وأُسقط كل هذه الطائرات المارة فوقنا! تستمر القصة أدناه فتابع عوض: دعك من تلك الجرأة الغير مبررة! هل تظن أن ما لدينا من ذخيرة يناسب ضرب طائرات بوينج بكل هذه الأعداد؟! ومر يومٌ بالكامل على هذا الوضع وفجأة صوت انفجار قريب فدخل أحد المجندين مسرعًا، ألقى التحية لاهثًا ثم صاح: سيدي! إن طائرات العدو تقذف كميات مهولة من النبان وقد قذفت مدرعة مجاورة الآن بكمية من النبان صهرتها بالكامل بكل من فيها! صاح عزيز متحركًا وخلفه عوض هو الآخر : إذن فلنتعامل فورًا! وبدأ التعامل الغير متكافئ تمامًا فتساقط مجنّد خلف الآخر وبداخل عزيز إحساس متناقض لا يدري إن كان محق في التعامل قبل تلقي الأوامر أم كان عليه الإنتظار. لكن الإنتظار لمتى؟! كيف سيتم الهجوم عليهم وينتظر حتى تأتي الأوامر، كل ما وصله من زملاءه عن طريق اللاسلكي أنه قد دُمرت حوالي خمسٍ وثمانين بالمئة من الطائرات المصرية كما دمروا المطارات جميعها إلا واحدًا في العريش لتستخدمه القوات المعادية، حتى أن سيادة المشير الذي ينتظرون مجيئه لم يجد مطارًا ليهبط فيه وها هو قد مرت عدة ساعات وهجم الليل ولازال الجميع يقاوم بقدر ما يستطيع والموقف غير مسيطر عليه ويصعب على عزيز وعوض رجالهما المتساقطين. وفجأة جاءتهم الأوامر بالانسحاب وترك كل شيء والإتجاه نحو السويس في اتجاه القناة، الانسحاب بلا نظامٍ ولا خطة مسبقة ليصبح مجرد فرارًا فوضويًا مبعثرًا فيسهل على العدو اصطيادهم. أين أنت يا خالد يا ابن الوليد؟ يا سيف الله المسلول! أين أنت لتعلمهم فنون الإنسحاب من المعارك بأقل الخسائر؟! وكانت هذه صدمة كبرى فقد كان لعزيز وعوض أمل كبير في المدد ونظر كلًا منهما للآخر. وصاح عوض: لن يحدث! على جثتي إن هربتُ مثل الدجاج الفار لأترك أرضي لهؤلاء الصهاينة الكلاب. وأمسك عزيز بيده وصاح بحماس: وأنا معك يا دفعة! فبدأ عزيز وعوض مع بضعة من رجاله لازالوا على قيد الحياة وبالمقاومة باستماتة لكن فجأة قد خسرا كل رجالهما ولم يتبقى إلا هما الاثنين وقبل أن يفكر عزيز في أي فكرة جاءته صرخة عوض فأسرع نحوه فوجده وقد أُصيب عدة إصابات بالغة فاقترب منه عزيز يحاول أن يسعفه. همس عوض بصوتٍ متقطع: لا- فائدة -إهرب - فورًا - لم يعد - هناك - إلا - هذا - الحل - يا - صاحبي! فصاح عزيز بفزع: ماذا تقول؟! سأنقلك لأقرب وحدة صحية وستُعالج، وستعود لقريتك وسترى هلال ولدك وتفرح بقدومه وسترى إخوانه وتزوجه وترى أبناءه أيضًا. - لا -تضحك - على -نفسك! - لا يا عوض اصمد وأنا معك لن أتركك أبدًا! - اسمعني - جيدًا - اهرب - واجري- تخفّي - في - ذلك - الظلام - قبل - مجئ - النهار. فلم يكثر عزيز في حديثه وحمل ما تبقّى من ذخيرة و حمل على كتفه عوض وكان قاصدًا السيارة ليركبها و يذهب به لكن قبل أن يصل إليها كانت قد قُذفت وانفجرت فقفز بعوض الذي يحمله بعيدًا. كان عوض يتوسل له أن يتركه ويجري ليكون أخف فهو لا يعلم حجم إصاباته تلك، لكن عزيز مُصِرٌ على حمله. كان عزيز حامله على كتفه و يسير به وسط الصحراء في ظلمة تلك الليلة لا يدري لأين يتجهان؟ ترى هل هذا اتجاه السويس أم أي اتجاه؟! كاد ما تبقى له من إدراك و وعي أن ينتهيا، وكلما لهث من التعب أنزله و قام بإعطاءه القليل من الماء ويشرب هو أيضًا القليل ثم يحمله ويكمل به سيره. ولازال عوض يتوسل إليه حينًا و يصدر أنينًا من شدة الوجع في حينٍ آخر، لكن كان عزيز أحيانًا يشعر باقتراب دبابة لا يستطيع تمييز هويتها في ذلك الظلام فيحفر حفرةً بسرعة وأحيانًا يجد بقايا خندق فينزل فيه هو وعوض ويغطي الحفرة بقطع من فروع الأشجار المحيطة بهما ويتوسل له هو تلك المرة أن ينتهي عن إصدار أي صوت حتى إنه كان يضع يده عند فمه ويطلب منه أن يكز عليه بأسنانه عندما يشتد الوجع، ويظلان هكذا حتى يتأكد عزيز من مغادرة تلك الدبابة التي غالبًا ما تقوم بمشيط المكان للقبض على أي ضابط مصري وأسره فورًا. وخرج عزيز من الحفرة وأكمل سيره حاملًا صديق الدراسة والموقع حتى لم يعد يسمع له أي صوت فنزّله من فوق كتفه ووضعه أرضا فوجده يلفظ أنفاسه الأخيرة فلازال يشعر ببعض أنفاسه تخرج من أنفه وبعض النبض الضعيف من عنقه. فاقترب عزيز من فمه كأنه كان يقول شيء لكن بدلًا من أن ينصت لهمهمة صوته، أنصت لصوت دبابة قادم. فقال عزيز بصوتٍ خافت : انتظر! سأحفر بسرعة. وتركه مبتعدّا عدة أمتار ليحفر وقبل أن يهم ليأخذ صديقه كانت الدبابة قد اقتربت وتدور بفوهة مدفعها وكشّاف نور فوجد نفسه ينزل تلقائيًا داخل الحفرة متخفياً بداخلها، (دافع النفس في أن تحافظ على بقاءها). وبعد أن مرت الدبابة وابتعدت واختفى صوتها خرج عزيز وهو مرتعشًا حزينًا أنه قد فر بنفسه دون صديقه وتحرّك يلتمس صديقه خاصةً وأنه لم يسمع أي صوت لقذيفة تقذفها. كان عزيز يتلفت حوله ولا يجده فتصور أنهم قد أخذوه، لكنه لم يشعر بتوقف الدبابة وبعد تفكيرٍ و تردد أخرج كشّاف جيبٍ صغير لينير به المكان حوله فالظلام كاحل ويكاد لا يرى كفه. وليته ما أضاء الكشّاف ، فقد رأى مشهداً لن ينساه طوال حياته! لقد دهست الدبابة جسد عوض وسوّته بالأرض فلم يعد له أي ملامح و لم يتبقى سوى كتلة من الدماء قد صُبغت بها رمال الصحراء. لكنه تفاجأ بقذفٍ قريب منه فأطفأ الكشّاف وجرى وهو متأكد أن أحدهم قد لمحه ولا يدري لأين يذهب. فها هي المقولة المصرية «هي خربانة خربانة.» تتصدى الموقف، هي لسان حال هذا الموقف الآن، فهو يجري و يجري لا يعرف لأين ولا لمتى؟ كان يسمع أصوات عصافير وطيور بعيدة تدل أنه في الصباح، لكنه لازال مغلقًا لعينيه لا يقطع ذلك الإيقاع الواحد شيء... إلا فجأة كأنه صوت رجل يتحدث لآخر وأحد الصوتين يقترب والآخر يبعد ويبعد لدرجة أن الكلام غير واضح. + بدأ عزيز يفتح عينيه شاعرًا بألمٍ يغزو رأسه محاولًا مقاومة النوم ورؤية النور، لكنه يشعر بأنه ينام على فراش ربما يكون صلبًا بعض الشيء ومغطى بآخر. لازالت أفكاره تذهب به في كل اتجاه فحينًا يتخيل أنه نائم في معسكر الكتيبة أو أنه في بيت أمه، وكأنه سافر بوعيه للحظات فسقط في سنةٍ من نوم للحيظاتٍ ثم يعاود مجاهدته ليفتح عينيه. وأخيرًا قد استطاع فتحهما! هو مكان لا يعرفه بل لم يراه من قبل، كأنها حجرة فارغة من أي أثاث، لكن تبدو جدرانها غريبة بعض الشيء ومعلّقًا بعض المعلقات المزرخشة المصنوعة من الصوف الملون بالنول اليدوي، وينام على وسادة وفراش أرضًا. لكن مهلًا! جواره رجلٍ لا يعرفه هو شيخٌ في الستين من عمره وجهه ودود، يبدو شيخٌ بدوي من هيئته ولباسه، فالجلباب و ذلك الصديري الداكن اللون المرتديه فوقه والوشاح الأبيض المغطي رأسه ومن فوقه العقال الأسود، وتلك اللحية البيضاء الخفيفة، وجهه المائل للسمرة مع انتشار بعض التجاعيد، عيناه الغائرتين وتلك العبسة المحفورة بين حاجبيه. ورغم أن ملامح الشيخ لا تدل على خبثٍ ولا فيها ريبة لكن عزيز انتفض فجأة محاولًا النهوض من مكانه لكنه فجأة بدأ يشعر ببعض الألم فتوقف عن الحركة متفاجئًا بذلك الألم وليس من قوته البالغة. فنظر لوجه الرجل وأسرع قائلًا: من أنت؟ كان يسأله وعقله لازال يفكر ويسترجع سريعًا حول ما يمكن أن يكون قد حدث! فقال الشيخ بلهجة بدوية سيناوية: حمدًا لله على سلامتك يا ولدي! أنا عمك الشيخ بدر! فوجم فجأة وجحظت عيناه فقد تذكر كل شيء، تذكر صديقه عوض الذي كان ينتظر مولد ابنه هلال، لكن..... ثم عاد عزيز بنظره نحو الشيخ وقال: إذن قد كانت الحرب حقيقة! فأغمض الشيخ عينيه مومئًا برأسه بمرارة أن نعم. فأغمض عزيز عينيه متذكرًا يومي الحرب اللذان عاشها، تذكر كل لحظة مرت عليه وكل شعورٍ به بين خوفٍ، حزنٍ وغضب، تذكر أبشع مشهد رآه و رأى عليه صديقه..... وتذكر بعدها كيف كان يجري هربًا من تلك الدبابة التي تسرع خلفه وتقذف بداناتها نحوه ولا يدري كيف لم تصبه! هل قائدها أحمق لتلك الدرجة ويقذف بلا وعي؟! أم هي عناية الله له التي تبعده عن الموت وهو قريبٌ منه لتلك الدرجة فلم يصيبه إلا شظاياها التي لازال يشعر بها؟ وكأن شيء يدفع عنه ذلك ربما تكون دعوة شخصٍ يدعو له بإخلاص؛ فالدعاء كما نعلم يدفع البلاء و يسبق القدر. STORY CONTINUES BELOW لازال يجري ويجري وذلك الأبله مُصِرًا على قتله ولا يدري أين عقله! ففجأة تذكر أن معه آخر قنبلة يدوية، وبدون تفكير أخرجها، شد فتيلها ورماها عليه فانفجرت الدبابة بالفعل وانتهى أمر من بداخلها، وانتهت أيضًا قواه وخارت تمامًا، وفجأة بدأ يشعر بآلام متفرقة تمزق جسده بالكامل لم يكن يشعر بأيها من قبل فلم يشعر بكم الشظايا المخترق جسده، وسقط وغاب عن وعيه تمامًا، ولم يتذكر كيف نجا ولا منذ متى وهو فاقدًا وعيه؟! فأسرع عزيز وتسآل باندفاع: ماذا حدث لي؟ وكيف نجوت؟ وأين أشيائي ومتعلقاتي؟ ومنذ متى وأنا هنا؟ وماذا حدث في الحرب؟ سكت الشيخ قليلًا ثم ابتلع ريقه بمرارة وقال: مهلًا عليّ يا ولدي! لقد وجدتك ملقيًا في الصحراء فاقدًا الوعي وغارقًا في دمائك ويبدو عليك أنك ضابط مصري، اقتربت منك، فحصت نبضك ونَفَسك لأتأكد إن كنت على قيد الحياة أم لا، فوجدتك لازلت حيًّا فحملتك إلى هنا، كان جسدك ممتلئًا بكمٍ من الشظايا عجزت عن عده، ثم قمت بتمريضك ورعايتك. فإبتلع عزيز ريقه وتسآل بخوف: والحرب! هل انتهت؟ فأومأ برأسه أن نعم لكن ملامحه غير مفهومة أو ربما تكون مفهومة لكن يُرفض تصديقها! ظل عزيز ناظرًا نحو الشيخ منتظرًا منه إجابة تريحه ويخشى أن يسأله بل لا يجرؤ أن يسأله مثلًا «هل حققنا نصرًا؟» كم هو صعبٌ هذا السؤال! رغم أنه بالضبط ما كان يرجوه ويتمناه، لكن كما نقول نحن المصريون «ربنا عرفوه بالعقل!» والعقل يقول كيف يمكن أن يكون هناك أي نصر بعد تلك المهزلة؟! لكن كونه يتقبل العكس و يتجرأ ويسأل عنه فهذا أيضًا أصعب وأصعب! فزفر أنفاسه ببطء وتسآل بمرارة: إذن أين أشيائي يا شيخ بدر؟ فقال الشيخ: لقد قمت بإحراقها. فصاح عزيز بتوجع: ماذا؟! لماذا فعلت هذا يا شيخ؟! - إن علم أحد كونك ضابطًا مصريًّا ولازلت على قيد الحياة فلن يطلع عليك نهار آخر... - رجاءً فهّمني! وقص عليّ ما حدث فأنا لا أفهمك.. - الكلاب الصهاينة دنّسوا أراضينا وأخذوا سيناء بأكملها حتى شواطئ القناة..! صاح عزيز بصدمة حبست الكلمات في حلقه وشلت لسانه: ما ذا- ت -قول؟! فتابع الشيخ مستطردًا: إنها الحقيقة المُرّة يا بُني، ولم يدعوا ضابطًا ولا مجنّدًا إلا قبضوا عليه وقيدوهم جميعًا وسحبوهم أو وضعوهم في سيارات نقل كالأغنام، حتى من قام بمساعدة أحد المصابين بإخفاءه أو تمريضه قاموا بقتلهم جميعًا بلا تمييز بين شيخٍ كبير ولا أطفال ولا نساء.. - و لأين أخذوا الضباط والمجندين الذين سقطوا في الأسر وأين احتبسوهم؟ - لم يذهبوا بهم في أي مكان، لقد بخلوا عليهم حتى أن يحتبسوهم، عليهم اللعنة الكلاب! عليهم اللعنة! تستمر القصة أدناه وأجهش الشيخ ببكاءٍ شديد ثم أكمل وسط شهقاته المقهورة: رموهم مقيدين على وجوههم أرضًا ودهسوهم بالدبابات، سووهم بالأرض...... وأكمل الشيخ بكاءه وارتفع نحيب عزيز هو الآخر، وبعد فترة... قال الشيخ: المهم الآن، لا يجب أن يعلم أحد بهويتك الحقيقية سوى أنا وابني مسعد، ولا يجب لأي فرد آخر معرفة هويتك ولا من تكون! أنت مجرد أحد أقاربي جاء للاطمئنان علينا بعد ما حدث، إن الكلاب منتشرون في كل مكان وناشرين معهم الخائنين من يبيعون أي شيء مقابل المال، لقد قاموا بالتبليغ عن بعض الأسر التي قد أخفت بعض المصابين من المجندين والضباط فدكوا بيوتهم فوق رؤسهم بلا شفقة ولا رحمة. - وما العمل؟ تسآل عزيز بيأس. - يمكنك الانتظار بضعة أيام حتى تستعيد صحتك كاملة وأكون قد دبّرت لك ركوبة مناسبة ويكون ابني مسعد قد أعد الأوراق والتصاريح. فتسآل عزيز: أوراق و تصاريح! هل عليّ أن آخذ منهم الإذن وأنا أسير بداخل بلدي؟! أم أنكم تشجعوهم على ذلك! - سامحك الله يا بني! لن ألومك على قولك هذا فأنا مقدر حالتك، لكن عليك أن تعلم أننا نكرههم جميعًا، هو ثأر قديم فقد استشهد أخي في حرب ٤٨ وابني مسعود كان معكم في هذه الحرب و قد دهسوه أمام عينيّ.... وارتفع نحيب مجددًا الشيخ بالبكاء لفترة فسكت عزيز تمامًا ثم قال: أعتذر منك يا شيخ، جيدًا أن حرقت كل ما يثبت هويتي، فعليّ أن أختفي ليس فقط من اليهود بل حتى من أهلي وناسي، من كل مصري، ترى بأي وجهٍ سأقابلهم وبأي عينٍ أنظر إليهم! - إياك يا ولدي! إياك واليأس! لقد غُدر بكم. - أجل! قد غُدر بنا، ثم قالوا انسحبوا! اهربوا! فروا! وهانحن قد فررنا..... - أجل فررتم! لكن لتستعيدوا قوتكم وتتقدموا من جديد وتأخذوهم أخذة رجلٍ واحد، قلبي يحدثني أنها ستكون ملحمة رائعة، أعطني يدك يا ولدي! أبسط كفك إليّ... فمد عزيز يده، فصافحه الشيخ بيده المجعدة تلك ثم قال: وحق هذه العَشَرة! عدني أن تقف وتجئ إليّ من جديد وتقاومهم وتأخذ بثأر كل أولادنا الشهداء، هيا عدني بذلك! فتنهد عزيز وقال بتثاقل: لماذا يا شيخ بدر؟! ما أثقل هذا الوعد! أخشى ألا أستطيع أن أفي به. فهزه الشيخ بقوة وصاح فيه: إنهض! إستيقظ! ستعدني وستجئ يومًا ما رافعًا رأسك منتصرًا مع رجالك وزملائك، رافعًا علم البلاد وسأنتظرك إن كنت لاأزال على قيد الحياة وستقول لي لقد فعلناها يا شيخ بدر! لقد أخذنا بثأر كل أولادنا! لقد انتصرنا واسترددنا أرضنا! فسكت عزيز لبرهة دون رد ثم صافح الشيخ وقال له: أعدك يا شيخ بدر! ورغم نبرة اليأس المسيطرة على عزيز بشكلٍ واضح لدرجة جعلته يقول الوعد باستحياءٍ وشك في أن يحققه. ونهض عزيز مع الشيخ و كان مرتديًا جلبابًا أبيضًا وخرجا معًا إلى حجرة خارجية لم تختلف كثيرًا عن الأولى في بساطة فرشها إلا أن الأرض كانت مغطاة ببعض الأرائك المنجدة للجلوس عليها. ثم جاء الشيخ بصينية كبيرة بها براد صغير وأكواب زجاجية صغيرة، صب له من الشاي البدوي وكان معه طبق من التمر العجوة المصنوع بطريقة خاصة وآخر به قطع من الخبز . نظر عزيز لما أمامه فترة ثم أخذ كوب الشاي الصغير و بدأ يشربه ويأكل بعض اللقيمات بتلك العجوة، ورغم أن الطعام شهي المذاق لكنه لا يشعر بأي مذاق! فتلك اللقيمات تقف في حلقه وتأبى أن تبتلع إلا بعد معاناة فترك الأكل سريعًا وقد ذهبت شهيته. ورغم محاولات الشيخ معه ليزيد من الأكل لكنه رفض فقدّر الشيخ حالته ولم يضغط عليه. ومر بعض الوقت و فجأة! صوت طرقٍ شديد..... مر بعض الوقت، وإذا بصوت طرقٍ شديد فانتفض كلًا من عزيز و الشيخ بدر، فأشار الشيخ لعزيز بيده أن يهدأ وأخذ نفسًا عميقًا واتجه في هدوءٍ نحو الباب. + وما أن فتح الباب حتى تراجع للخلف بضع خطوات ليسمح للطارقين بالدخول ولم يكن سوى ضابط إسرائيلي ومعه بعض من رجاله الذين دخلوا مسرعين محتلين المكان. فتسآل الشيخ بجدية: ماذا هناك يا يعقوب؟! أجاب الضابط بلهجة مصرية طليقة: جاكوب يا شيخ بدر. صاح الشيخ باستخفاف: ترى هل جئتنا كي تحفظنا اسمك؟! فقهقه الضابط ثم قال بخبث اليهود: جئنا لنتفقّد أحوالكم؛ أليس من دور الحكام تفقّد أحوال رعيتهم؟! تابع الشيخ بنفس الاستخفاف والسخرية: وهل تفقدت يا ترى؟! كانت عينا (جاكوب) هذا على عزيز منذ أن دخل، رغم أن عزيز لم يتزحزح من مكانه وبدا ثابتًا وغير آبه إلا أنه لم يفلح إطلاقًا في إخفاء نظرة الكره لذلك (الجاكوب) ؛ يمكن بالأحرى أن نقول أنه لم يحاول إخفاءها. فكيف بالله العظيم أن يخفي أحدهم كرهه للصٍ محتال سرق أرضه وقتل أهله وهدم من البيوت والمنشآت، وما خفيَ كان أعظم! فتسآل الضابط بغطرسة: من تكون أنت؟ فظل عزيز ناظرًا نحوه دون أن يعقب، بينما أجاب الشيخ: هو أحد أقاربنا جاء لزيارتنا. فتابع الضابط بشك: وجهه غير مألوف لدينا، لكن كيف جاء ودخل إلى هنا دون أن يلحظه أحد؟! فنهض عزيز واقفاً ولازال ينظر له بنفس النظرة ، ثم أجابه مقلّدًا للهجة السيناوية: وما المفترض علينا أن نفعله؟ هل كان عليّ أن أسير بطبلةٍ أطرق عليها حتى تنتبهون إليّ؟! فاقترب الضابط من عزيز وكأنه يريد تخويفه: أراك تتحدث بطريقة غير لائقة! بل وتوحي بالعنصرية. فضحك عزيز له بسخرية: ترى من يتحدث عن العنصرية والكره؟! ثم قال: لكني أراك تتقن اللهجة العربية المصرية! فابتسم الضابط بمكر: لقد وُلدت بمصر، بالتحديد في الأسكندرية، وعشت مع أهلي في الأزريطة حتى تركنا البلد ورحلنا، أي مثلي مثلك. فجذبه عزيز من ياقة كنزته وصاح فيه: إياك وقول مثلي مثلك! فأنت لست من أبناءها! فحتى لم تكون وفيًّا لأرضها التي أنبتَّ منها وأكلتَ من خيرها ولا لماءها الذي شربت منه. وفجأة اقترب الجنود حوله بأسلحتهم وسُمع صوت شد الأجزاء. فأسرع الشيخ قائلًا: إهدأ يا حامد يا بني. ثم التفت للضابط قائلًا: تراه حزينًا لما حدث. لكن عزيز لازال واقفًا بثقة وقوة ناظرًا له بعينين قويتين كعينا الصقر، جعلت ذلك الضابط يشعر بأن هذه النظرات تخترقه وتحرقه، ثم جذب عزيز نحوه فوهة أحد المدافع التي يمسكها أحدهم ووضعها مصوبها إلى رأسه وكأنه يتحداه راسلًا له رسالة: « إنكم لن تخيفونا» STORY CONTINUES BELOW فأشار الضابط لرجاله وهو يأمرهم باللغة العبرية: انسحبوا! هيا لنذهب! وذهبوا جميعًا فأسرع الشيخ ليغلق الباب، ثم فتحه قليلًا بهدوء ليتأكد من انصرافهم وقد انصرفوا بالفعل، بينما عزيز لازال واقفًا مكانه لم يتحرك، فقط تتلاحق أنفاسه انفعالًا. فربت الشيخ على كتفه وقال: إهدأ بُنيّ! عليك التحكم في أعصابك وانفعالاتك أكثر من ذلك، رجاءً إهدأ! فصاح عزيز بانفعال: أهدأ! تريدني أهدأ! كنت أود أن أقتلع رقبته وأكسرها وأخطف عمره، إنهم مجرد كلاب لا قيمة لهم بدون سلاحهم هذا الذي يتخفّون خلفه، فإن فقد أحدهم سلاحه يصير أجبن ما يكون، والله لو بصق كل واحدٍ منا بصقةً واحدةً عليهم لأغرقهم في بحرٍ من البصق! فربت عليه الشيخ ليهدأ؛ فقد كان يتحدث بانفعال شديد لدرجة أنه كان يتلاقط أنفاسه وكأنه قادمٌ ركضًا من مكانٍ بعيد . فطرق الباب مجددًا فأشار له الشيخ ليهدأ ويخفض صوته، ففتح تلك المرة فوجد ابنه مسعد الذي دخل من فوره. فتسآل مسعد بغضب: ماذا جاء بذلك اللعين؟! أجاب الشيخ وقد عاد لاستخفافه وسخريته: يقولون من أجل تفقدنا. قال مسعد ناظرًا إلى عزيز: حمدًا لله على سلامتك يا أخي! فأجاب عزيز: سلّمك الله. فابتسم الشيخ وتابع: جيد أنك انتبهت لتتحدث بلهجتنا السيناوية. فأجابه عزيز بيأس: جيد أنه لازال لدي عقل يلهمني بفعل التصرفات المناسبة. فتسآل الشيخ بشفقة: لماذا نبرة اليأس المسيطرة على حديثك؟ أين ذلك الصقر الذي كان يقف هنا منذ لحظات لا يعبأ بأحدهم ولا يأبه لعددهم وعتادهم؟ فخرَّ عزيز جالسًا وهو يتنفس بتنهيدة حزينة، ثم قال: يتوجب عليّ الرحيل الآن، لا يمكن المكوث ولو يوم واحد، فذلك الكلب قد شك بأمري، وفي ذلك خطورة عليكم من قبلي. فقال الشيخ معترضًا: لكنك يا بني لم تطيب بعد وتستعيد صحتك كاملة. فأومأ عزيز برأسه أن لا وقال بإصرار: لا يمكن يا شيخ، إطمأن لقد صرت أفضل ولله الحمد! فتنهد مسعد وتابع: للأسف يا أبتي، إنه محق. فقال عزيز: لكني سأحتاج لمساعدتكم لأسلك طريق ما آمن. فأجاب الشيخ: يابُنيّ، لقد كنت أعد نفسي لذلك الوقت وأدبر لك أمر مغادرتك منذ أول لحظة وطأت قدماك إلى ديارنا، إن لي صديق يسكن ناحية الساحل يُسمى الشيخ الهواري، يمتلك عدد من مراكب الصيد ويعمل لديه عدد من الصيادين، ستذهب إليه وتخبره أنك ذلك القادم من طرف الشيخ بدر نصّار وتُدعي حامد، فقد كنت راسلته وأخبرته عنك، ستركب أحد مراكبه وتعمل كصياد بسيط حتى تصل إلى بورسعيد، وعندما تصل لبورسعيد يمكنك أن تكمل طريقك بسيارة أو قطار حسب المتاح، لكن ستكون وصلت للعمران... أقصد ربما لازال عمرانًا. فأومأ عزيز موافقًا: عظيم جدًا، مجرد فقط أن أصل إلى بورسعيد أستطيع التصرف بعدها. فتابع الشيخ: المهم يا بُنيّ إياك أن يعرف بحقيقة شخصيتك ولا بهويتك أي شخص مهما كان! ولا حتى الشيخ الهواري، واحرص في حديثك أن يكون باللهجة السيناوية لا بلهجة أهل المدن، والأفضل ألا تختلط بأحد أو تكثر من الحديث، قلل من كلامك بقدر ما تستطيع، أي في حدود اللازم فقط دون ثرثرة، وليتك تسد سمعك عن حديث الآخرين ممن ستقابلهم، خاصةً بشأن الحرب والجيش، عليك أن تظل خافيًا لهويتك وحقيقة شخصيتك حتى تصل إلى ديارك أو إلى أحد قادتك. فأجاب عزيز: حسنًا يا شيخ سأفعل! لكن ترى كم سيأخذ من الوقت من هنا وحتى ساحل البحر؟ فتنهد الشيخ ثم قال: للأسف سيستغرق وقتًا خاصةً وأنك ستسلك طريقًا آخر وسط الجبال حتى لا يراك أحد الكلاب أو أحد ذيولهم من الخونة. فتنهد عزيز وقال: حسنًا! ومتى يكون التحرك؟ أجابه الشيخ: في الليل، فالليل ستّار يا ولدي! وظل عزيز جالسًا شبه صامتًا قلّما يتحدث حتى جاء المساء فارتدي لباسًا بدويًّا من ملابسهم؛ جلباب، صديري، وشاح على رأسه وفوقه عقال، أعطاه الشيخ سقاء من ماء، جراب به تمرات وبعض المال. عانق عزيز الشيخ وقال: هذا كثير والله يا شيخ بدر! ربي يقدّرني أن أتمكن من رد ذلك المعروف. فأجاب الشيخ: هذا ليس معروفًا ولا جميلًا إنه واجب، وإن أردت رده بحق فلا تنسى ذلك الوعد الذي تواعدنا به منذ سويعات. فهز عزيز برأسه أن نعم ببعض اليأس والتردد ثم سلم على مسعد الذي قد وصف له الطريق الذي سيسلكه. وقبل أن يغادر التفت خلفه للحظات، فقال الشيخ: في انتظارك أيها الليث! في انتظارك أنت ورجالك الأسود. فابتسم عزيز أن نعم، ونظر للسماء متمتمًا بصوتٍ خافت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. ، ثم قرأ فاتحة الكتاب ولثّم وجهه بجزء من ذلك الوشاح، ثم انصرف. خرج عزيز ملثّمًا من دار الشيخ بدر نصّار يطوي الأرض، سلك ذلك الطريق الذي دلّه عليه الشيخ. + وكان طريقًا طويلًا شديد الوعورة، سار وسط الجبال بطريق يمكن أن نشبّهه بطريق رأس الرجاء الصالح؛ فهو ليس مختصرًا إطلاقًا، لكنه ربما يكون أكثر أمانًا من ذلك الطريق المباشر المتجه إلى ساحل العريش. لم يكن عزيز قد استرد صحته فعلًا لكنه ما كان ليكمل في دار الشيخ بدر خاصةً بعد حملة التفتيش تلك. كان يسير عزيز على هَدي مجموعات النجوم في السماء كما وصف له الشيخ بدر مع خبرته السابقة في معرفة الإستدلال بالنجوم أثناء السير في الصحاري ليلًا. سار لعدة ساعات دون توقف، والغريب أنه لم يسمع إطلاقًا أي صوت لغارة أو قذف وكأنه كان يمشي في بلدة أخرى. لكنه قد أُنهك كثيرًا من طول السير على قدميه ومن أثر جروحه التي لم تلتئم أيضًا وكأن رجلاه تجمدتا فجأة، فتوقف عن السير فلم يعد يقوى وخر فجأة جاثيًا على ركبتيه في هذا الظلام البهيم الذي لا يرى فيه حتى كف يده فاصطدمت ركبته بإحدى الصخور. ما العمل والطريق لازال طويلًا؟ تلاقط أنفاسه بشدة متحسسًا الأرض فشعر بالأرض صخرية أي لازال وسط الجبال، لكنها لحظات ولم يدري بنفسها وسقط في بئر نومٍ عميق. لم يشعر عزيز بنفسه إلا عندما ارتفعت الشمس إلى السماء ولفحته حرارتها، فانتفض مفزوعًا ليجد نفسه في الصحراء وسط الجبال. تسلق عزيز الجبل ليتأكد إن كان قد اقترب لشواطئ البحر المتوسط عن بعد. لكن يبدو أن الأمر لازال طويلًا، فهبط مجددًا من فوق سطح الجبال فالمكان غير آمن هكذا بالأعلى والأفضل والأكثر أمانًا السير في تلك الممرات وسط الجبال. ظل يسير وكلما مر الوقت صعد فوق الجبال ليرى الطريق، وكل عدة ساعات يتناول تمرة ويشرب القليل من الماء، كان يسير بمحاذاة الجبال وأذناه ينصت بهما نحو أي صوت مدرعة أو دبابة أو ربما طائرة استطلاعية؛ حتى إذا شعر بأيٍ منهم يختبئ مسرعًا. وهاهو الليل يهجم عليه مجددًا، كم تمنى أن يصبح فيجد نفسه قد وصل إلى شاطئ العريش! أكمل سيره مع ذلك التعب الشديد المصاحب بخوفٍ مميت؛ خوفه أن يضل الطريق، من الهوام المختلفة في ذلك الليل البهيم من ثعابين وعقارب إن سقط نائمًا فجأة فالليلة الماضية قد سترها المولى لكن ربما لو استسلم لتعبه ونومه لا يمر الأمر على خير، بالإضافة لتحسب مرور دوريات استكشافية وهو الآن يشعر وكأنه منتهي الصلاحية ولا طاقة له حتى بالدفاع عن نفسه. و هاهو النهار يتنفس وتتلون السماء فيفتح لونها شيئًا فشيئا، فرأى شاطئ البحر عن بعد ربما هو غير متأكد إن كان قريبًا من مكان الشيخ الهواري أم لا؟ STORY CONTINUES BELOW كادت تنقطع أنفاسه ويخر مغشيًّا عليه من شدة التعب لكنه مازال يتحامل على نفسه ويدعو الله أن يتم الأمر بنجاح. وعندما اقترب من الشاطئ بدأ يظهر له بعض الأكواخ الصغيرة وحولها معلقًا بعض الشِباك، ظهر على الشاطئ عدد من مراكب الصيد الراكدة على الرمال الناعمة الرائعة التي تفصل بين الأكواخ وماء البحر. لكنه لم يرى أحد الصيادين فالشمس لم ترتفع إلى السماء، فكيف لم يظهر أيهم حتى الآن؟! وكأنه قد نسى أنهم يخرجون ليلًا ويعودون في أول الصباح حتى يجلسون لبيع الأسماك من أول اليوم. ترى أين ذهب الصيادون؟ ربما اليوم عطلة لهم! هكذا يفكر من داخله، لكن لم يكن لديه مزيد من القوة والتحمل ليصمد وينتظر ولا حتى ليعمل عقله، فجلس جوار تلك المراكب أرضًا على الرمال، فسرعان ما غاب عن الوعي من شدة الإعياء. بعد فترة لم يدرك كم مضى من الوقت، سمع أصواتًا كثيرة متداخلة من حوله وكأن هناك وخزٍ بعصى، لكنه لم يكن يرى في منامه سوى تلك الحرب وكيف كان يفر بصاحبه ثم صورة لذلك الجاكوب. صارت الفوضى تقتحمه فالأصوات المتداخلة مع تلك الصور التي تُبث في منامه قد صنعت خليط من سيناريو يخالف الواقع تمامًا. فتّح عينيه ليجد خيالات لرجالٍ حوله ولازالت على عينيه غشاوة النعاس فلم يتبين بعد ملامح من يراهم، لكنه سرعان ما انتفض فكانت الصور الأولى هي التي تشغل حيزًا أكبر من تفكيره... فظن أنه قد أُلقي القبض عليه وهؤلاء الرجال هم رجال العدو! انتفض عزيز واقفًا فاتحًا عينيه على آخرها فتبين له أنهم رجال عاديون. كانوا يصيحون فيه جميعهم: «أنت يا رجل» «من تكون يا أخي؟» «لماذا جئت إلى هنا ؟!» «هيا أجب وانطق!» نظر عزيز بينهم جميعاً ثم قال باللهجة السيناوية وهو يلهث: أريد مقابلة الشيخ الهواري. فنظر أحدهم لآخر ثم قال لعزيز: اتبعنا إذن يا أخي. و قد تبعهما عزيز وساروا جميعًا بعض الوقت حتى وصلوا لمكان ملئ بالصيادين العائدين من عرض البحر ومنهم من يحمل تلك الصناديق الخشبية المحملة بالأسماك. كان هناك رجل يرتدي جلبابًا رماديًّا، فوقه صديري أسود وعلى رأسه ذلك الوشاح لكن لديه لحية يختلط فيها الشعر الأبيض بالأسود، لكنه يبدو أصغر سنًا من الشيخ بدر فوجهه غير مجعد كما إنه أكثر سمرة من الشيخ بدر ربما بفعل الشمس. ولما وصل إليه عزيز وصار أمامه وقال: السلام عليكم ورحمة الله، أنا حامد يا شيخ هواري وقد جئتك من طرف الشيخ بدر نصّار. أجاب الشيخ بسرور: أهلًا بك ومرحبًا، ومرحب بكل ما يأتي من طرف أخي وصديقي الشيخ بدر، لكن قبل أي شيء عليك أن تأخذ ضيافتك أولًا. تستمر القصة أدناه ثم صاح لأحدهم: احضر برادًا من الشاي يا فتى. سار عزيز مع الشيخ حتى وصل لكوخٍ لا يدري إن كان كوخ الشيخ أم لا! على أية حال هو لم يسأل، جلس الاثنان على وسادتين أرضًا وقُدّم لهم الشاي. ثم قال الشيخ: أنت من تريد مركب ذاهبة إلى بورسعيد، أليس كذلك؟! فأجاب عزيز وهو يومئ برأسه أن نعم: أجل يا شيخ. فتنهد الشيخ وقال بحزنٍ عميق: لكن يا بُنيّ لقد أُغلقت القناة فلا يوجد بيع ولا شراء؛ فقط هو الخراب المنتشر في كل مكان. ثم أكمل بتنهيدة وحزنٍ وأسى أكثر: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: ما رأيك يا بُنيّ أن تعمل معنا هنا وسط باقي الرجال ولا داعي للذهاب إلى بورسعيد. أجاب عزيز على استحياء ولازال يحاول المحافظة على اللهجة السيناوية: لا تؤاخذني يا شيخ، لكني أريد الذهاب إلى بورسعيد؛ لقد وعدني أحدهم بفرصة عمل جيدة. فأمسك الشيخ بلحيته وقال: أتمنى ألا يكون قد خدعك، لم أعارضك يا بُنيّ وافعل ما تشاء وتحمّل نتيجة قرارك وأفعالك، لكن إن لم تكن الأمور على ما يرام فأنا موجود وتستطيع المجئ في أي وقت والعمل معنا. ثم أكمل: يا لكم من جيلٍ طائش! ثم قال: الآن كما ترى لا يمكنك الخروج إلى البحر، فالجميع الآن قد عاد برزقه وذاهبًا لبيعه في السوق، لكن موعد الخروج إلى البحر بعد منتصف الليل، يمكنك الآن أن تأخذ قسطًا من الراحة؛ فيبدو عليك التعب والإنهاك وقلة النوم. فأومأ عزيز برأسه موافقًا وتركه الشيخ فافترش الأرض نائمًا في الحال. لكن عزيز لازال في صراع مع كوابيسه تلك التي لا تدعه يقر جفنيه بنومة هنيئة، ففزع منتفضًا وفي نفس اللحظة دخل الشيخ وخلفه غلامه حاملًا صينية تنبعث منها رائحة سمكٍ مشوي. رتب الشيخ الوسائد بينما يضع الغلام الصينية ونادى قائلًا: هيا يا حامد يا ولدي، انهض لتأكل ما تيسر لتتقوى في طريقك، يا عالم متى ستتاح لك فرصة أخرى للأكل؟ وجلس عزيز يأكل مع الشيخ الذي لم يكف عن الحديث معه بمعنى أدق لم يكف عن استجوابه وسؤاله عن أحوال الشيخ بدر وأهل القبيلة وهو يجيبه كما حكى له الشيخ بدر. وجاء الليل وحان الوقت، فخرج عزيز مع الشيخ حتى وصلا للشاطئ لمكان ممتلئٍ بالصيادين وكل مجموعة تصعد لمركب، فأشار الشيخ لأحدهم وهو يقول لعزيز: هذا القارب الذي ستركبه سيوصلك إلى بورسعيد بمشيئة الله. أومأ عزيز بامتنان: أشكرك يا شيخ وبارك الله فيك! وصافح عزيز الشيخ، قبّل كلا منهما كتف الآخر واتجه وسط جموع الصيادين وركب تلك المركب التي أشار لها الشيخ. كانت المركب بسيطة وصغيرة، شعر عزيز أنها غير آمنة، كان الجميع حوله يثرثر وهو جالسٌ في عالمه يمر أمامه نفس شريط الذكريات وبنفس الأحداث. كان يفكر ماذا سيفعل بعد عودته؟ هل يمكن له العودة للجيش مرة أخرى بعد هذه الهزيمة الساحقة؟! هل يمكن أن يقفون من جديد أم أن الأمر صار بعيد عن أرض الواقع؟! ماذا سيفعل أهله عند لقائه وبالأخص أمه؟ لم تكف رأس عزيز عن التفكير وإن هدأت قليلًا ظل يتابع بعينيه ذلك الظلام الأسود المحيط به بداخل الماء، فناحية لداخل البحر وناحية لداخل الصحراء؛ حيث كان يُرى الشاطئ عن بُعد فمراكب الصيد لا تبحّر لأعالي البحر بل تسير بمحاذاة الشاطئ. ولازال تاركًا لأفكاره العنان، فلا يسمع صوت وسط الأمواج بل لازال دوي القذف والمدافع، لا يسمع رائحة البحر المحيط به من كل جانب فقط الدم و الموت، أنين و آلام، لكن ترى لمتى سيستمر الحال؟ ومتى سيأتي النور؟! ومع بدايات الصباح الجديد وصلت المركب إلى بورسعيد فهبط عزيز منها وشكر قائدها. + سار عزيز وسط الطرق في الصباح الباكر لم يكن هناك الكثير من المارة، لكن هناك أثر لحطام بعض المنشآت والمباني، حتى وصل لمحطة القطار وكان منهكًا من شدة الإعياء، وقد علم أن القطارات المتجهة والآتية من السويس قطارات مجانية لنقل سكان السويس وغيرهم من سكان مدن القناة من الأماكن المتضررة بفعل الحرب لأي مدينة أخرى (التهجير). ولما وصل عزيز جلس أرضًا مثله مثل غيره ينتظرون القطار، ربما كان منهك الجسد للغاية، لكن من الممكن تحمل إنهاك الجسد لكن إنهاك الروح لا يطاق حتى لو كان بسيطًا فما بال حجم النكبة؟! فكلماتٍ جارحة بوسعها عمل آلام وفجوات عميقة بداخل النفوس والقلوب. أما عزيز لن أتحدث عن المجهود البدني الشاق الذي قد تعرض له، ولا عن وجع الحرب وهزيمتها، مقتل أقرب صديق له ببشاعة وأمام عينيه، أم وجع الهروب و الفرار؛ فكل تلك الأوجاع قد جاءت من العدو، لكن ماذا عن الوجع القادم من أهل القُطر الواحد؟! جلس عزيز مستمعًا لثرثرات من حوله سواء الجالسين المنتظرين القطار أو حتى عندما ركب القطار... - لعن الله الحرب على من أوقدها. = تعلم، لو كان لدينا رجالًا ما كان حدث لنا كل هذا. * لا تذكرني، ما أحمقهم! كيف لهؤلاء الكلاب أن يهزموهم ويفعلوا بهم الأفاعيل؟! ▫ أجل! لقد رأيت أشكال وألوان من الحماقات والخيبات لكني لم أرى بخيبة وفشل ذريع كهؤلاء؛ أيتركون مواقعهم للأعداء ويفروا منهم مثل الفئران؟! ▪ ليتني أرى أو أقابل أحد هؤلاء الجنود لألقنه درسًا لن ينساه، وسأفعل به الأفاعيل وأريه كيف تكون الرجولة! كان عزيز بينهم يكاد يكتم أنفاسه من صدمته! فقد شعر بالخزي من تلك الهزيمة وبكسرة من داخله لكن لم يتصور للحظة أن يجد كل ذلك الهجوم من أهل بلده الذي مهنته الأولى والأخيرة حماية أراضيهم بصورة أو بأخرى. كم تمنى أن يصيح فيهم أنه يتوجع أكثر منهم! فجراحه لازالت تنزف و لم تندمل بعد! هل رأيتم الموت مثلما رآه هو وزملاءه؟! هل رأيتم أشد أنواع الذل والمهانة على يد الأعداء؟! هل رأيتم الغرباء وهم يدنّسون الأرض، يذهبون ويروحون كأنها حقٌ مكتسب؟! بل ويأمرون وينهون، يحكمون وينفذون! كاد أن يهجم عليهم ويبطش بهم جميعًا، لكنه تماسك ولسان حاله يقول المثل الشعبي: «أتترك الحمار لتمسك بالبردعة؟» وصل أخيرًا إلى السويس متخيلًا حال الجميع وكيف فعل بهم فراقه لهم طوال تلك الفترة؟ وكيف حال أمه، اخوته وسائر معارفه؟ تستمر القصة أدناه وما أن سار بشوراع السويس حتى رأى كم الدمار الذي لحق بها، فالشوارع مليئة بهدم المباني والمنشآت، سواء بقطع الأحجار المستخدمة في البناء أم بقطع الأثاث المحطمة، الفرش، الملابس الممزقة وملقى بأجزاءٍ منها، حتى إنه يمكن أن ترى فِرَدًا من الأحذية والقباقيب. وإن لم تكن المباني محطمة تمامًا وقد انهارت معانقة الأرض، فيجدها مثقّبةً ومحطّمًا منها أجزاء بفعل القذف. سار عزيز متألمًا وكل الأوجاع ملأت قلبه واحتلته مثلما احتل العدو أرضه، ملأه الخوف أيضًا إن كان قد أُصيب أسرته بمكروه خلال الحرب. ظل عزيز سائرًا مطأطئًا رأسه، مبعثر الهيئة، متسخ الملابس وأشعث اللحية. وما أن وصل حتى وجد بيتهم كما هو لم يصاب بمكروه فلم يُهدم ولا حتى به ثقب، فحمد الله في نفسه وأسرع في خطاه. لكنه لمح مأتمًا منصوبًا فانخلع فؤاده تُرى فقط من يكون؟! فأسرع نحو البيت، لكن بمجرد أن وصل لأسفل البيت وما كاد أن يدخل من عتبة البيت حتى سمع أصوات الجيران المحيطين، ينادون على أهله. - يا أم عزيز! يا أم عزيز! لقد عاد عزيز! عزيز لازال على قيد الحياة! = يا أم عزيز! لا عزاء اليوم! إخرجي واستقبلي ابنك وخذيه بين أحضانك! * يا أستاذ عبد المنعم! لقد عاد عزيز! ابنك على وجه الدنيا هاهو حيٌ يُرزق! ثم توقف وتجمد مكانه، إذن هذا العزاء كان لروحه هو! ثم استمع إلى أصوات تعليقاتٍ أخرى: ▪ لماذا عاد؟! ألم يخبرونا بخبر قتله، لقد قالوا أن الجميع قد قُتل ومن نجا أُسر ثم قتل، لماذا عاد؟! ليته ما عاد ؛ كان الموت أفضل وأشرف له، ربما قد نال الشهادة أفضل من عودته ملطّخًا بالعار. ▫ وكان يتصنع الوطنية من طفولته! أرأيت ماذا فعلتم بنا؟! ليته يشعر بحجم الجرم الذي ارتكبوه فينا! أين هذا التدريب الذي تتدربوه ليلًا نهارًا ومنذ زمن؟! أم كنتم تدربون كيف تتزحلقون على الزلاجة وتركبون الأرجوحة؟! فقهقه آخر بطريقة مبتذلة قائلًا: لا! بل كانوا يلعبون لعبة العسكر والحرامية وكلما جاءهم عدو بدلًا أن يحاربوه كالرجال تراهم يجرون فارِّين منهم، فارِّين كالفئران! و أكملوا قهقهاتهم، سخريتهم، همزهم ولمزهم، فلم يلتفت نحوهم ولم يرد عليهم، لكن تلك الكلمات كانت كافية لتحطيم ما تبقّى منه، هل عليه أن يشرح لكلٍ منهم ملابسات الأحداث وأنه غُدر بهم وأنهم قد تحملوا ظروفًا شاقة؟ لا، لو كان فيهم من الخير لقدّروا الظروف من البداية، ولما ظنوا فيهم ظن السوء، ولسان حاله يقول لهم كيف لأمثالكم الساخرة أن تتذوق مذاق الانتصار؟ كيف لأمثالكم المتهكمة أن تعيش في رغد، حرية واستقرار؟! كنتم تأكلون ملئ بطونكم وتنامون ملئ عيونكم و نحن وسط النار، حتى لم تشعروا بنا أو تشفقوا علينا! أتحمّلونا نحن الجنود والضباط هَم الهزيمة؟ ألا ترون الأسباب الحقيقية؟ ألا ترون إلى أين وصلنا؟! بل هي العدالة الإلهية بحق، فلا تنتظروا إلا مزيدًا من الهوان والذل... وما أشبه اليوم بالبارحة! وفجأة وجد أمامه أبويه يهبطان من أعلى ليتأكدوا من صحة ما سمعوه، لقد كانت حميدة مرتدية الأسود و قد قيل أن الجميع قد قُتل في الحرب أو أُسر وقتل في الآخر مع الأسرى... فقد قُتل حوالي مئة وخمسين ألف جندي وأكثر من أربعة آلاف أسيرًا قد قُتلوا هم الآخرين، إذن فكم عدد الناجون؟ وماذا يفيد الناجين إن كان قد ضاع أكثر من واحد وستين ألف كيلومترات من أرض الوطن، لقد ضاعت سيناء بالكامل واستحلّها المغتصبون وكأنها أرضهم بحق! كان والديه يعانقاه بينما هو متجمّدًا مكانه في أرضه وكل الأفكار تدور وتدور دون توقف...