نـور - الفصل الثاني - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: نـور
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني

الفصل الثاني

روايه نور 🫶❤ً.ً꒰﮼ْ◜* *​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ 6-7-8-9-10 ما أجمل متابعة الطفل الصغير! متابعة حركاته، سكناته ولزماته، كيف يكبر أمام عينيك، كل مشعرة من مشعرات نموه. فكيف يكبر حجمه تدريجيًا! وكيف تتغير ملامحه وتميل مع كل فردٍ من أفراد العائلة! فتارةً يشبه الأب، الأم أو أحد الجدود أو يكون مختلط بين ملامح الجميع ليظهر خليطًا رائعًا وجديدًا. + كيف تنمو الأسنان تدريجيًا! وكيف يبدأ بتناول القليل من الطعام اللين ثم مع الوقت يتقارب مع طعام الكبار حتى لا يوجد فارق بينهم إطلاقًا. كيف تنمو حركته من تقلّب، جلوس، حبو، محاولات الوقوف والمشي، محاولات الإمساك بالأشياء إلى محاولات تفحّصها بدقة والتعرف عليها. كيف تنمو لغته بدايةً من التمييز بين الأصوات فصوت فرحه غير صوت ألمه ويختلف عن صوت لعبه أو صوت غضبه، ثم تلك المناغاة اللذيذة وظهور بعض الأحرف البسيطة إلى الكلمات الطفولية والجمل المعكوسة خاطئة التركيب. كل ذلك أمتع ما يمكن عندما تجالس ذلك الطفل وتحاكيه ويكون كلاكما جزءًا من حياة الآخر. هكذا كانت نور في حياة عزيز فقد كان جليسًا لها ومتابعًا رغم فارق العمر الكبير فهو في المرحلة الإعدادية وهي طفلة في عامها الأول. بالطبع ليس من المنطق أن نقول قد نبت الحب بينهما وترعرع لكنه حتى مجرد جاذبية غير مبررة. فهو سعيد باللعب والاهتمام بطفلة صغيرة في ذلك العمر وهي قد اعتادت عليه وتعرفه، بمجرد أن تراه ترفع ذراعيها إليه ليحملها وبمجرد أن يحملها يجدها تضحك و تلعب معه وأحيانًا توافق أن يقوم بإطعامها وحينًا أخرى تصرخ عندما يغادر المكان ويتركها، وكل تلك الأشياء عادية ولا شيء فيها ولا يمكن لأحد أن يتوقف عندها. مرّ عامٌ بعد عامٍ ونور تكبر شيئًا فشيئًا فقد تمكنت من المشي بل الجري أيضًا، وقد نبتت جميع أسنانها وضروسها، وبالطبع قد ضبطت أخيرًا دخول الحمام. كان لنور شعرًا أسودًا غزيرًا وطويلًا للغاية بشكل ملفت وكانت حميدة كثيرًا ما تحب أن تصففه لها وكانت عديلة تتركها فهي ترى أن نور ابنتها، فهي طفلة محظوظة لديها بدل الأم أُمّان وبدل الأب أبوان وكل أخوات عزيز هن أخواتها. خاصةً وأن عديلة لم يكمل لها حمل بعد أن أنجبت نور، فكانت كل عدة أشهر تصبح حاملًا لكن سرعان ما لم يكتمل ويُجهض. أما عزيز فكانت وطنيته وعشقه لبلاده يزداد يومًا بعد يوم وأيضًا لازال عشقه الهائم بعبد الناصر حتى أن أباه كثيرًا ما يقول له كأنه ابن عبد الناصر وذلك كان يشعره بفخرٍ كبير لكنه كان يخفيه بداخله فليس من اللائق أن يشبه حبه لأي رجل بمكانة الأب. كان عزيز متابعًا لأهم الأخبار في البلاد وقد حدد حلمه وقتها فهو حلمٌ واحد لا ثاني له ولا بديل، تمنى أن يكون ضابطًا في الجيش المصري، يرى قدوته الزعيم جمال عبد الناصر وأراد أن يحذوا حذوه في كل شيء ويسير على خطاه، حلم أن يصبح أحد أسود جيش مصر فينقض وينهش أي معتدٍ أثيم مهما كان الثمن حتى لو سالت دماءه فداءً لبلاده. كان يعد نفسه منذ أن صار بالمرحلة الإعدادية فيجري كل يومٍ لمدة ساعة ويقوم ببعض التمارين الرياضية التي رآي أحد المدربين في ناديٍ قريبٍ من البيت يفعلها وقد حفظها وظل يمارسها بشكل يومي. ومع مرور الأعوام ازداد تقارب عديلة وحميدة خاصةً في المناسبات، ففي رمضان يلزم أن تتبادلا الإفطار وفي نهاية الشهر تجلسان وحولهما الأبناء ويتشاركون جميعًا في صنع الكعك والبسكويت وتشكيله، فذلك التجمع الذي تعرفه معظم البيوت المصرية يبهج النفس ويُدخل فرحة العيد الحقيقية وإن كانت قد اندثرت هذه العادات فصار نادرًا ذلك التشارك بين الجيران. وعندما يجئ يوم العيد يذهبون جميعًا لصلاة العيد ثم يعودون ويتناولون الشاي والبسكويت معًا وإن كانت عديلة أحيانًا تسافر للأسكندرية قبل العيد فتصنع الكعك وحلوى العيد مع أمها وتشهد العيد مع أهلها في الأسكندرية، وأيضًا في عيد الأضحى كانت أحيانا تشهده مع أهلها في الأسكندرية وحينًا أخرى تظل في السويس وتشهده مع حميدة الجارة والأخت. بالإضافة للمواسم خاصةً رأس السنة الهجرية فقد اعتادا صنع الفطير مع بداية العام الجديد وكانت عديلة وحميدة تتفننان فيه ما بين فطير باللحم أو فطير بالسكر أو سادة مشلتت. وبعد أربع أعوام فقد أتمت نور الرابعة من عمرها وأخيرًا قد اكتمل حمل عديلة، وهاهي وصلت لشهرها التاسع وفي انتظار وضع وليدها بين الحين والآخر وهذه المرة قد جاءتها أمها لتشهد ولادتها. لم تختلف ولادتها هذه المرة عن ولادتها المرة الأولى إلا في وجود أمها جوارها تربت عليها تارة وتجفف عرقها تارةً أخرى وهاهي حميدة أم عزيز ستتولي أمر ولادتها مثل المرة الأولى. لكن جاء يوسف من العمل وأصر على الذهاب بعديلة إلى القصر العيني وهي مستشفى قريبة ومهما قالت أمها أو حميدة في كون الولادة سهلة ولا تحتاج لذلك لكنه أصر على الذهاب بها إلى المستشفى فهذا الحمل المكتمل قد حدث بعد سنوات من الحمل والإجهاض ويخشى على عديلة للغاية. فلم تجدا بدًا إلا أن تمتثلا لرغبته حفاظًا على صحة عديلة وجنينها.... ذهب يوسف بعديلة ومعهما أمها والجارة إلى المستشفى جميعًا، ولما وصلوا دخلت للطبيب المسئول فورًا ففحصها وتأكد من كونها حالة ولادة فأسرع وأمر بنقلها لغرفة الولادة. + نُقلت عديلة لغرفة الولادة ورغم ما تعانيه من آلام المخاض المبرحة إلا أن ذلك التخت المخصص للولادة وهيئته الغريبة عليها أثارت في نفسها الخوف. بالإضافة لصراخ الأخريات حولها و هن أيضًا تعانين من آلام المخاض، فغرفة الولادة وقتها عبارة عن غرفة كبيرة مليئة بالأسرة بين أسرة تقليدية وخاصة بالولادة، محاطًا بكل سرير ستارة تغطيه تمامًا، لكنها تحجب الرؤية فقط في حين أن كل النساء اللائي تلدن تسمعن صراخ بعضهن. وبعد فترة من الصراخ والآلام سُمع صوت بكاء وليد، لم يكن هو الصوت الوحيد الموجود بل هناك أصوات لأطفال أخرى متداخلة، فيصعب على الواقف بالخارج تحديد إن كان صوت ذلك الطفل يخصه أم لا. لكن بعد لحظات خرجت الممرضة تبشر مرافقين المريضة عديلة أنها قد وضعت ذكرًا، فاستبشر الجميع فرحًا وأخيرًا جاء الذكر. بعد ذلك خرجت عديلة من غرفة الولادة يجرونها بسريرٍ نقّال حتى وصلت لغرفة أخرى كبيرة مليئة بالأسرة لسيدات حديثة الولادة وكل منهن تحمل طفلها وحولها من مرافقيها من الأهل والأقارب. كانت عديلة بهيئتها المنهكة من أثر آلام المخاض، وجهها شديد الشحوب وأصفر اللون، تكاد تتلاقط أنفاسها بالكاد وقد حملت طفلها محاولة إرضاعه ماسحة على رأسه برفق وتهدهده لينجح في الرضاعة. ربت يوسف على زوجته وقبّل جبهتها قائلًا: حمدًا لله على سلامتك يا أم الأبناء! فأجابت عديلة بإنهاك: سلمك الله يا عزيزي! ماذا تنوي أن تسميه يا أبا نور؟ فصاحت الأم بعدم رضا: لازلتِ تناديه أبا نور! فأجاب يوسف بابتسامة: سنسميه جمال إن شاء الله. فتابعت حميدة بسعادة: بارك الله فيه وفي أخته يا أستاذ يوسف! وقالت الأم بفرحة: بارك الله فيه يا أبو جمال! لكن المهم الآن علينا الخروج من هذا المكان. فأومأ يوسف رافضًا وتابع: سننتظر عندما يخبرنا الطبيب بذلك. فصاحت الأم: لابد أن نغادر فورًا من هذا المكان، فيلزم أن نحممها ونداوم عليها بالطعام والمشروبات الساخنة حتى تتحسن صحتها ويدر لبنها، كما أني أخشى عليها وولدها الذكر من حسد أولئك النسوة المقيمات حولنا وتختلسن النظرات إلينا. فتنهد يوسف قائلًا: حسنًا يا خالة! بمجرد أن ألمح الطبيب يمر سأطلب منه ذلك. فزمت الأم شفتيها وتابعت: لا أدري ما فائدة الذهاب للمستشفى من أجل ولادة؟ تخترعون أشياءً جديدة! لقد ولدتُ عديلة وكانت ولادتي الأولى وجعلتني حماتي أنهض وأعد العشاء للبيت بأكمله! يا له من دلال نسوةٍ مفرط! STORY CONTINUES BELOW فأكملت حميدة: أقسم لك يا أم عديلة أنه في المرة السابقة بمجرد أن وضعت نور وخرجت من الغرفة ولم أدخل إلا بكوب الحلبة المحلى بالعسل الأسود ومعلقة السمن البلدي وتناوبت عليها به كثيرًا والموغات وغيره من المشروبات الساخنة، ذلك غير الطعام البيتي المعد بالسمن البلدي، ولم يمر الكثير من الوقت إلا ووجهها قد تورد وصحتها تحسنت ولبنها قد درّ وزاد. فرفعت الأم كفها وقالت: لا يحسد المال إلا أصحابه يا أم عزيز، قولي ماشاء الله اللهم بارك! ولا تكثري من قولك هذا! فإن النسوة حولنا ربما يحسدون ابنتي وولدها! فأومأت حميدة تؤمّن على قولها: معك كل الحق يا أم عديلة. فابتسمت الأم وقالت بفخر: تسلمي يا أم عزيز يا أم الذوق كله! وظل حديثهما هكذا ذاهبًا وآيبًا وكلما همت عديلة بإرضاع وليدها غطتها أمها بمنشفة خوفًا من الحسد وعيون من حولها من الأغراب. بينما نور ذات الأربعة أعوام كانت في البيت مع بنات حميدة ومعهن جميعًا عزيز يتولى العناية بهن، والذي أتم الخامسة عشر من عمره المقبل إلى المرحلة الثانوية في تعليمه وبات حلمه نحو الإلتحاق بالكلية الحربية يقترب فيكثف تدريباته. كان يجلس بينهن ويقص لهن بعض الحكايات حينًا وأحيانًا أخرى يتركهن للعب معًا فكل منهن تحمل دمية من قماش مصنوعة يدويًا من الخرق البالية. وما أن يبدأ الخلاف ينشب بينهن حتى يرسل عزيز إحداهن لتشتري لهن جميعًا بعض الحلوى، فقد تمتع عزيز برجاحة عقله منذ صغره فالجميع واثقًا بوجوده وسطهم أنه سيحسن التصرف ويتحمل مسئوليتهن. لكنه كان لا يصبر إن صرخت نور، بكت أو غضبت من أي شيء فسرعان ما كان يبحث عن طريقة مناسبة ليرضيها، والغريب أنها كانت تطيعه وتنفذ ما يقول. مضى الوقت وعزيز قد أحسن دور الحارس الأمين على البنات حتى وصل يوسف ومعه عديلة وأمها تحمل جمال الوليد و حميدة، ودخلوا جميعًا لشقة عديلة. فاتجهت حميدة إلى المطبخ مسرعة لتعد وجبة لعديلة ومشروبًا ساخنًا بينما اتجهت أم عديلة بابنتها للحمام لتقوم بتحميمها. وبعد أن أخذت عديلة حمامها وخرجت لغرفتها جاءتها حميدة بكوب الحلبة لتشربه وتبدأ رحلة الإطعام المبالغ فيها. وبعد فترة نادت حميدة على نور لتجئ وتسلم على أمها وأخيها الجديد جمال، لكنها لم تأتي وحدها بالطبع بل سحبت باقي الفريق خلفها، وجميعهن في كفة وعزيز في كفة فرغم بلوغه مبلغ الرجال ومثل تلك الأمور تخص النساء في المقام الأول إلا أنه بمجرد أن سمع اسم المولود الجديد وعرف أنه (جمال) وقد أصرّ على المجئ لرؤيته. لكن ما حدث قد غيّر الأمور عن سيرها المعتاد، فما أن حل الليل على عديلة حتى بدأت ترتجف من البرد و تفاجأ الجميع بإصابتها بحُمّى شديدة فجائية... إنها حُمّى النفاس. وكان أول شيء أن ألقت أم عديلة اللوم على يوسف قائلة: أرأيتم نتيجة ذهابكم للمستشفى! لقد مرضت ابنتي وأُصيبت بالحُمّى بسبب ولادتها خارج البيت، تخترعون أشياءً جديدة وبدعًا وتقليعات لا أصل لها. فأجاب يوسف باعتراض: لا يا خالتي! الأمر ليس هكذا ، لابد أنه من أثر استعجالنا في عودتها للبيت ربما كانت تحتاج للمكوث ومع إلحاحنا على الطبيب اضطر للسماح بخروجها. فشهقت الأم وصاحت: تقصد أني كاذبة أم أنا المتسببة في مرض ابنتي! فتنهد يوسف بفرغ صبر وجزّ على أسنانه: عفوًا خالتي لم أقصد هذا ولاذاك. فتدخلت حميدة: دعينا الآن من هذا الحديث يا أم عديلة، علينا أن نسعف عديلة ونسرع في إحضار الطبيب، وأنا سأقوم بإذهاب نور لتمكث مع البنات حتى لا تصاب بعدوى من أمها، مؤكد هي عين تلك المرأة التي كانت تجاورنا هل تذكريها؟ تلك التي كانت مخططة عينيها بالكحل! فسكتت الأم قليلًا تضيق عينيها كأنها تحاول التذكر ثم قالت موافقة: أجل! صدقتي يا أم عزيز، وربما تكون عين تلك المرأة ذات الشامة على خدها هي الأخرى كانت تنظر على ابنتي ووليدها. فمسح يوسف على وجهه بغيظ: الصبر يا الله! رجاءً لا تتهما الناس بالباطل وتلقيا بالتهم وتقولا كلامًا لا صحة له ولا منطق، هي مجرد حُمّى نفاس، كما أنها غير معدية. فقالت حميدة بهجوم: كأنك تتهمني بالكذب والإفتراء يا أبا جمال! جز يوسف على أسنانه محاولًا كتم غيظه ونبس: عفوًا والله لم أقصد! أعتذر منكما أنتما الاثنتين سأذهب من أمامكما الآن. وتركهما مع عديلة يقومان بعمل كمادات ويصنعان بعض الكراوية للطفل الوليد لتسدا به جوعه حتى تستعيد الأم عافيتها وتستطيع إرضاعه. وبعد عدة أيام بدأت عديلة تستعيد صحتها وتُشفى من تلك الحُمّى..... ستعادت عديلة صحتها وتحسنت كثيرًا، كانت أمها وحميدة تلازماها وتجرعانها من الشراب والطعام، فهكذا اعتقاد الشفاء واستعادة الصحة. + وأخيرًا قد أقاموا حفل لسبوع ذلك الوليد فلا يمكن ألا يُحتفل به إن كانوا قد احتفلوا بالأنثى ألا يحتفلون بالذكر؟! ولم يختلف كثيرًا عن الاحتفال بنور فتقاليد حفلات السبوع واحدة آنذاك. وبعد أن أتمت عديلة أربعين يومًا بعد وضعها عادت أمها إلى الأسكندرية وهي توصيها برعاية نفسها وأبناءها والحرص من غيرة نور لجمال. هكذا يسبّقون بهذا الأمر و يحذرون من غيرة الأخوة قبل حدوثها . لا ننكر أبدًا حدوث الغيرة بين الإخوة خاصةً في حالة قدوم طفل جديد للأسرة فيغار منه إخوته السابقين لإهتمام الأم وجميع أفراد الأسرة بالوليد الجديد بشكل مبالغ فيه مع إهمال الطفل السابق خاصةً إن لم يحدث تمهيد لقدوم ذلك الطفل الجديد. بالإضافة للتحدث أمام الطفل من الإحتراس من غيرته كأنك تضئ ذلك الأمر بخطوطٍ فسفورية عريضة فتلفت انتباه الطفل أكثر، وأيضًا سوء تصرف الكبار والإتيان برد فعل فيه من الحماقة والمبالغة. فكانت نور مثلها كغيرها من الأطفال التي تتعرف على ذلك الوليد وتستكشفه على طريقتها، فعندما تحاول لمس عينه مثلًا فهي لا تقصد بذلك أن تفقأ عين أخيها لأنها تغير منه فيتم معاقبتها. أو عندما تيقظه وهو نائم أو تضربه ضربات خفيفة فهي لا تنوي قطعًا إيذائه بل فقط تستكشف انفعالاته وردود أفعاله. لكن مثل تلك الأفعال الطبيعية كانت تلاقيها عديلة بضرب نور ضربًا مبرحًا فهي تفعل ذلك كما أخبرتها أمها لأنها تغار من أخيها الذكر. لكن كان يوسف أكثر تعقّلًا ففي حال وجوده يوّقف هذه المهزلة بسحب ابنته من أمام أمها محاولًا التحدث مع كلًا منهما على حدا. فيتودد لنور ويخبرها أن تلعب مع أخيها بهدوء وبلطف وأن تسرع لتعتذر له لأنه قد أحضر لها هدية أو نوع من الحلوى ويرفض يوسف أن يريها أي شيء قبل أن تذهب و تعتذر لأخيها ولأمها ثم تعود مسرعة لأبيها لتأخذ تلك الهدية أو الحلوى، ثم يعقد معها اتفاق إن مر يوم دون أن تضرب أخاها فسيحضر لها هو حلوى. ثم يعود لعديلة ويطلب منها أن تكون أكثر تعقّلًا في رد فعلها وعليها أن تحتوي ابنتها ولا تنهرها طوال الوقت حتى لا تكره أخاها ويزداد عنادها. وهكذا يوسف بين الاثنين حتى مَرّ عامٌ بعد عامٍ كبرت نور وجمال وتحولت نور لأمٍ صغيرة، لكن لاتزال طفولتها تتحكم بتصرفاتها فلا يسلم الأمر من مشاجرات ومشاكسات مع أخيها الصغير. أما عديلة فتحولت هيئتها مثل هيئة غيرها من نساء عصرها فمال جسدها نحو البدانة خاصةً الجزء السفلي منها، ولازالت كلما تحمل بطفل لا يكتمل حملها وسرعان ما يُجهض. أما نور فقد بلغت السادسة وهاهي ستذهب للمدرسة لتلتحق بالصف الأول الإبتدائي مرتدية تلك (المريلة) ذات اللون البيج، مجدلة شعرها في ضفيرتين سوداوتين طويلتين وكثيفتين ثم تربطهما عديلة معًا وترفعهما حتى لا يحسدها أحد بسبب طول وغزارة شعرها، وخلعت قرطها الذهبي هذا ووضعت قطعة من الخيط في ثقب أذنها حتى لا يضيع القرط أو ربما يُسرق. وفي أول يوم دراسة لها سارت بصحبة أبيها حاملة حقيبتها الجلدية المربعة والتي كانت سائدة وقتها ومرتدية ذلك الحذاء الأسود ذات (الأبزين) على الجانب وذلك الشراب الأبيض المزين بشريط الدانتيل. هيئة تلميذات المدرسة قديمًا في كل المدارس. ثم تودعها أمها وهي تعطيها كيس الطعام، توصيها بأكل طعامها بأكمله ولا تجعل أحد زملاءها يخدعها ويأكله نيابةً عنها. لكنها تبحث عن شخصٍ بعينه بقدر ما كان دائم المشاغبة معها بقدر ما كان يدللها ويشتري لها الحلوي، بالطبع هو عزيز كانت تتمنى أن تراه وتصافحه قبل ذهابها إلى مدرستها. لكن عزيز قد حقق حلمه أخيرًا والتحق بالكلية الحربية وسافر إلى القاهرة لتجهيز بعض إجراءات التحاقه بها وسيظل طوال الوقت بعد ذلك في القاهرة لأن الكلية يقيم بها طلابها، لكنه سيجئ في إجازة من حينٍ لآخر. لكن يوم أن جاء عزيز في أول أجازة وقد اختلفت هيئته خاصةً بعد أن صار شابًا في مقتبل عمره، فقد كان متوسط القامة من البداية لكنه قد فَقَدَ الكثير من وزنه فصار ذات وجهٍ منحوت ومالت بشرته من اللون القمحي لتصير أكثر سمرة أما عن شعره الأسود فهو قصيرٌ جدًا. كانت نور بمجرد أن سمعت بوصوله حملت حقيبة المدرسة وأسرعت إلى شقة حميده لتسلم عليه وتريه حقيبتها، كتبها، دفاترها وماذا درست. لكنها تفاجئت بهيئته المتغيرة فبدأت تتراجع فذلك شخصٌ غريب لا تعرفه، فيضحك منها بشدة ويقسم لها أنه هو عزيز صائحًا: تعالي يا نور! اقتربي عزيزتي! كأنك لا تعرفيني! أم قد نستيني! أنا عزيز من كان يحرس دميتك عندما تذهبي لفعل أي شيء حتى لا يمسك بها أحد، أنا من يشتري لكِ الحلوي ومن يضايقك أحيانًا، هل تذكري يوم أن كنتِ ترتدين ذلك الفستان القصير وذاهبة إلى الشارع وصرخت فيكِ لألا تخرجي به مثلما أصرخ في أخواتي؟! وبعدها اضطررت أن أذهب أنا لأشتري الحلوى لكم جميعًا. فردت متراجعة: لا، ليس أنت! أنت شخص آخر غيره ولونه أسود. فضحك بشدة ثم أكمل مازاحًا: هذا لون الضباط الجديد! ثم إنه ليس أسود تمامًا، هو يميل للبني قليلًا! ثم عاود قهقهته من جديد وهي تومئ برأسها نافية فيكمل عزيز: هل تذكرين هذه اللعبة ؟ قالها وهو مادًّا يده كأنه سيضربها وما أن يقترب منها وهي منكمشة في نفسها مغمضة عينيها نصف فتحة وجفناها متحركين بتوتر حتى يخبط إحدى يديه في اليد الأخرى...... فيقهقه بشدة ويضحك كل من حوله فتغضب نور وتنصرف من أمامه فيكمل الجميع ضحكهم. ولازال عزيز يحاول أن يذكرها بنفسه، يضحك ويمزح معها ويشاكسها، بدأت نور تعتاد على هيئته الجديدة تلك وكلما جاء السويس في إجازة تذهب إلى بيت حميدة ومعها حقيبتها المدرسية لتريه ما تدرسه وأحيانًا تبدأ في أسئلتها التي لا تنتهي إبتداءً بمنهجها فيجد نفسه فجأة يشرح لها ويراجع دروسها بدلًا أن تكون فترة مجيئه كأجازة تراه يقضيها في مذاكرة. + كانت نور أحيانًا تسأله عن دراسته في كليته ورغم عدم رغبته دائمًا في الحديث عن دراسته وتدريباته فهو يراها سرًا لا يصح أن يبوح به لكل من حوله أو يحكي به عندما يجلس مع أبناء منطقته من نفس جيله ممن كانوا يلعبون قديمًا معًا في الطرقات. لكنه كان يجيبها إجابة مختصرة وعامة قائلًا: نتعلم كيف نضرب باليد والقدم والمسدس والبندقية، وأيضًا نتعلم كيف نقود الدبابات والطائرات..... ثم يقهقه ضاحكًا. هكذا يجيبها بطفولية، لكن في الحقيقة هو يتدرب تدريبات شاقة أو ربما هي في نظر الكثير من زملائه شاقة لكنه يؤديها بحب. فالأمر لم يتوقف عن مجرد التدريب على الرماية واستخدام عدد من الأسلحة بل أيضًا الكثير من المهارات التي تكسب اللياقة الجسدية والألعاب القتالية بمختلف أنواعها. فالجندي لا يُقيّد بالضغط على الأزرار في لقاء الأعداء بل كيفية المواجهة بدون سلاح أو بسلاح أبيض، كيفية القفز من مرتفعات مختلفة والتسلق، الصبر والتحمل بلا طعام ولا شراب لفترات طويلة، الصمود والتحامل أمام أقسى الظروف والضغوط المختلفة. هذا بالإضافة لبعض الإسعافات الاولية فكيف يسعف مصابًا وكيف ينقذ زملاءه أو رجاله إن صار قائدًا، والكثير و الكثير ما يُملأ به السطور والصفحات. أما عن عزيز فكان يتخطى كل تدريباته مهما بلغت قسوتها فأصبح من الطلبة المتميزين مهارةً و خُلقًا. وعامٌ بعد عام ونور ترتقى في دراستها الإبتدائية لكنها قد صارت أكثر بدانة رغم جمال وجهها وملامحها، لكن عادات الأكل الخاطئة قد تسببت في ذلك لها ولعديلة أيضًا. حيث كانت اعتقاداتهم حول أن الصحة في البدانة والوجه المستدير الذي يكاد ينفجر من انتفاخه، وأيضًا أنوثة المرأة والفتاة في بدانتها، وأن تلك النحيلات لا علاقة لهن بالجمال ولا بالأنوثة. هكذا كانت الأعوام تمر على كل واحد منهم، وقد كبر جمال وأتم السادسة من عمره والتحق هو الآخر بالمدرسة. أما عن نور فقد أتمت العاشرة ومع امتلاء جسدها بدأت تظهر عليها ملامح الأنوثة باكرًا وذلك قد تسبب في خطوة ختانها. تلك العادة الجاهلية التي تؤثر سلبيًا ونفسيًا على البنات وقد تغيرت نور بالفعل فصارت تميل للوحدة والابتعاد عن الناس فربما قد جاء في مخيلتها أنها فقط من حدث فيها هذا. فكانت فقط تذهب إلى المدرسة ولا ترغب في الذهاب لأي مكانٍ آخر ولا أي تجمعات خاصةً وأن جاراتها من أخوات عزيز كن يكبرنها بعدة أعوام، ومثل ذلك التوقيت من العمر نجد العام يفرق كثيرًا، خاصةً بين الفتيات. فقد بدأت جاراتها يتقدم لهن الخطاب وصار لكل واحدة منهن حياتها التي ابتعدت عن حياة اللعب والطفولة بل حياة البالغات التي تعد أنفسهن للزواج. أما عزيز فقد صار في العام الأخير من الكلية، أتم الحادي والعشرين من عمره وقد ابتعدت نور عنه تمامًا فصارت لا تذهب له كعادتها، فهكذا يبدأ الحياء يحتل حياة الفتيات في ذلك العمر نحو تعاملها مع الشباب. و بالنسبة لنور قد تحولت نظرتها نحو عزيز لنظرة أخرى بدأت تختلف عن نظرتها الطفولية له كأخٍ أكبر يلعب معها و يشتري لها الحلوى. وقد زاد من تلك النظرة ظهور التلفاز ووصوله إلى داخل البيوت ومع مشاهدة بعض الأفلام العربية التي فيها من قصص الحب التي تجمع ابن الجيران بابنة الجيران، ورغم جهلها بالكثير من الأمور فهي على أية حال لازالت طفلة لكنها بمجرد أن ترى مثل تلك المشاهد وأعني مشاهد رومانسية قديمة يتقابل فيها الحبيبان وكل منهما يختطف النظرات نحو الآخر في ارتباكٍ وحياء (هكذا كانت مشاهد الرومانسية قديمًا بعيدة عن الإسفاف والإباحية وتعتمد على الإيحاءات المجازية دون خدش للحياء وكان الأطفال لازالوا أطفالًا يتمتعون ببراءتهم ولا يدركون معاني تلك الإيحاءات بتفاصيلها). فتجد نفسها ترى عزيز أمامها مكان البطل وهي مكان البطلة، ربما هو شعور مراهقة طبيعي من فتاة لا تعرف إلا ذلك الشاب الذي فتحت عينيها وجدته لكن لم تكن هذه قناعتها. لكن مع ذلك كانت تختفي مسرعة من أمامه بمجرد مجيئه أو إن كانت واقفة في الشرفة أو التقت به بالمصادفة على السلم فلم تعد تقف معه تتحدث وتمزح. ورد الفعل هذا كان محيرًا بالنسبة لعزيز الذي لم تختلف نظرته نحوها بعد فهي لازالت له تلك الطفلة التي وُلدت وحملها بين يديه وكثيرًا ما جلس يلعب معها ويراضيها بالحلوى، لكنها أيضًا صارت تمثل له لغز فلم يفهم سر تغيرها هكذا. لكن بطبيعة الحال لم يكن ذلك بالأمر الذي يشغله كثيرًا فبمجرد انتهاء إجازته وعودته من جديد لكليته لا يكون في عقله ولا قلبه سوى الوطن والجيش والواجب ... تخرج عزيز من كليته والتحق في مكان خدمته والذي كان بداخل سيناء، كان يذهب لمكان خدمته ويجئ في إجازات فلم يكن هناك فارق بين الآن وأيام دراسته... ومر عدة أشهر على ذلك. + في هذا الوقت كانت مصر تحت سيطرة عدة مؤسسات، الإتحاد الإشتراكي، وكان هو الحزب الرئيسي في الدولة المحرّك للشعب خاصةً وأن الإتحاد الإشتراكي وقتها كان مساندًا لجمال عبد الناصر والذي له شعبية كبرى من شعبه. الجيش، وكان له من السيطرة منذ قيام ثورة يوليو في ١٩٥٢ لكنه قد دخل في حسابات مراكز القوى وكان وقتها لعبد الحكيم عامر شعبية كبيرة في الجيش. المخابرات، والتي كانت جزء من الجيش . الإعلام الموجه، وكان مسيطرًا عليه من قِبَل الإتحاد الإشتراكي. إذن يمكن أن نقسم الدولة إلى قوتين بين قوة الإتحاد الإشتراكي وقوة الجيش. وها نحن قد دخلنا في عام ١٩٦٧ وكان لازال عزيز يذهب لمكان خدمته و يجئ في إجازة حتى جاء شهر مايو وكان المنتظر مجيئه في إجازة لكنه لم يأتي ولم يكن هناك أي وسائل إتصال. كان آنذاك قد وصلت معلومات بوجود حشود إسرائيلية على الحدود السورية فطلب عبد الناصر سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء وأعلن غلق مضيق تيران في وجه السفن الإسرائيلية الذاهبة والآيبة من ميناء إيلات. وزار عبد الناصر القاعدة الجوية في مدن القناة، وقد بدأ يكثف قوات الجيش في سيناء استعدادًا لأي رد فعل، لكن عبد الناصر ظن أن الأمر سيأخذ أسابيع. وفي صباح الخامس من شهر يونيو الساعة السابعة وخمسة وأربعين دقيقة طارت طائرات إسرائيلية على ارتفاعٍ منخفض؛ لتهرب من مجال الردار وهاجمت المطارات الحربية المصرية ودمرت حوالي مئة وخمسون طائرة على الأرض قبل أن تطير. وفي نفس الوقت هجمت على القوات المصرية في سيناء والضفة العربية التابعة للأردن ومرتفعات الجولان واستولوا على غزة والتي كانت تابعة للسيادة المصرية وقتها. وبذلك الهجوم حدث ارتباك للقوات في سيناء فليس لديها معلومات عن ماذا يجري وليس لديها أي أوامر. لكن الطائرات الإسرائيلية بعد أن انتهت من الطائرات المصرية راحت لتشن هجومها على المدرعات المصرية والتي لم تكن محمية بغطاء جوي في سيناء. وبدأت القوات المصرية تنسحب بدون خطة منظمة تاركة سيناء وذهبت لغرب القناة وذلك قد سهّل من الإستيلاء على سيناء بكاملها. أما في البيت عند عديلة وحميدة وبعد أن خرج يوسف لعمله صباحًا كما اعتاد كل يوم و لأنهم في الإجازة الصيفية فلا ذهاب لمدارس وكانت عديلة بعد انصراف زوجها لعمله تنام قليلًا ثم تستيقظ في العاشرة لتبدأ يومها وما لديها من أعمال المنزل. لكن فجأة بينما كانت لاتزال مستيقظة إذ سمعت كأنه صوت قصفٍ عن بعد، كانت تكذّب أذنها في بادئ الأمر فقد جاء في ذاكرتها تلك أيام، أيام العدوان الثلاثي لكنها كانت تطرد تلك الأفكار من رأسها. لكنها وجدت حميدة تجيئها وتسألها عما إن كانت سمعت لأي أصوات، فامتلأ قلبيهما بالقلق والفزع والذي كان يملأ قلب حميدة من مدة حيث لم يجئ عزيز في إجازة منذ زمنٍ بعيد والآن يحدث أمرٌ ما. ثم بدأ يُسمع أصوات لسيارات الإسعاف حيث كان هناك مستشفى حكومية بالقرب من البيت. وصوت صياح لأُناسٍ في الشارع «لقد نشبت الحرب» فتتجهان نحو التلفاز أو الراديو ربما تسمعان أي أخبار وتفهمان ما يجري. فلم يكن هناك إلا تلك الأخبار المكذوبة بالإنتصارات الوهمية وقد تم إسقاط عدد كذا من الطائرات الإسرائلية والجميع مستمعين ومهللين بسعادة. لكن عدد الجنود المصابين المتوافد على المستشفى المجاورة لا يدل على ذلك فالعدد في تزايد وصارت لا تكفيهم سيارات الإسعاف بل يحضرون الناقلات ويخلعون المقاعد منها ويملؤنها بأجساد الجنود بين جرحى ومصابين. وامتلأت الشوارع بالجنود ووجدوهم يحفرون الأرض ويدفنونها بالمدافع ويوجهون فوهتها للسماء. وسكت المذياع عن الإدلاء بالبيانات العسكرية ولم يتبقى سوى موسيقى لمارشات عسكرية. وصار الجميع في حالة مبهمة من عدم الفهم والقلق المميت، فحميدة تمسك قلبها بيدها وتبكي دائمًا من غياب ابنها، وعديلة الأخرى تبكي و تحتضن أبناءها فيوسف الآخر لم يأتي من عمله بعد. وظلت كلًا منهما جالسة وحولها أبناءها يتحركون ذهابًا و إيابًا بين الشرفات ليروا ما يجري في الشارع، حتى المواطنين العاديين وشباب الحي يحملون الجنود بين جريحٍ وقتيل وربما أشلاء. الوضع يبدو خطير وكلما سُمع طرق على الباب ظنتا أنه أيٍ منهما سواء يوسف أو عزيز لكن يجدوه أحد الجنود يريدون بعض الماء أو يريد بعض الطعام. ويبقي الطلب والرجاء الذي تردد على ألسن الجميع: «الحقيقة! أين الحقيقة؟!أخبرونا بها حتى لو كانت مُرة