الفصل الاول
[١٣/٩ ٢:٤٩ م] null: رواية نور 🫶❤ ً.ً꒰﮼ْ◜*
1-2-3-4-5
دائمًا يجئ النور بعد ظلام الليل مهما كان طويلًا، وإن أشد ساعات الليل سوادًا التي يعقبها شروق الشمس وانتشار نورها.
ومنذ أزمانٍ طويلة وقد اعتاد وطننا أن يمر بظلمة الصعاب، المرار، الظلم والفوضى حتى تشتد ظلمته، وهي ليست ظلمة واحدة بل ظلماتٍ بعضها فوق بعض يكاد لا يُرى كف اليد من شدتها، وما أن تشتد وتشتد وتبلغ الأنفس الحناجر حتى تبدأ الظلمة تنقشع وتشرق شمس الأمل فتملأ بنورها الدنيا شيئًا فشيئًا ثم تنفرج الغمة وتنزاح.
+
ويمكث وقت النور ما شاء أن يمكث ثم يبدأ بالغروب حتى يختفي النور تمامًا ونعود من جديد لظلمةٍ حالكة.
1
إن الشروق والغروب سنة كونية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فلا نور ولا ظلمة إلا بإذن الله سواء في الكون وأيضًا في الأوطان.
مصر في زمن الخمسينيات والسنوات الأولى بعد ثورة يوليو 1952، بدأت تُرى ملامح الإزدهار والنهضة في شتى المجالات، بدأ المجتمع ينتعش بعد سنواتٍ عجاف من ظلم وطغيان الإحتلال والحكام .
ومن الأسكندرية عروس البحر المتوسط روحي وعشقي، وما ذنبي؟! فإن كان الإسكندر المقدوني بذاته قد سقط في عشقها متيّمًا أفلا أعشقها أنا؟!
ومن إحدى المناطق الشعبية، الأنفوشي أصل الأسكندرية حيث كانت الشوارع متسعة وأرضيتها مرصوفة بما يُشبه البلاط والبيوت من طابقين أو ثلاثة متمتعة بارتفاع سقفها العالي حتى أن حجم النافذة يعادل حجم الشرفة الآن وحجم الشرفة عملاقٌ للغاية، منقوشًا على البيوت من الخارج بطريقة جميلة ومنمّقة وعلى الشرفات والسلالم أعمدة من النحاس أو الحديد.
كم كانت رائعة!
ولازالت بعض مناطق الإسكندرية تتمتع بذلك حتى الآن.
كانت تعيش فتاة في السابعة عشر من عمرها تُدعى عديلة، وحيدة أهلها، جميلة الملامح فبشرتها قمحية تميل للبياض قليلًا، عيناها عسليتان وقصيرة القوام بعض الشيء.
كانت عديلة مدللة وكسولة وهذا شيء نادر في زمانها، فمن الصعب أن تجد فتاة في عمرها لا تجيد أعمال البيت والطبخ وكان ذلك في حد ذاته سبب يجعلها مصدرًا لحكايات النساء في مجالسهن.
ورغم ذلك كانت مخطوبة لابن عمها يوسف، حسب الحكم السائد حسب الأعراف أن البنت لإبن عمها، لكن مع حالتنا هذه فقد كان يوسف متيّمًا بابنة عمه، فقد ولدت على يديه وتربّت أمام عينيه عامًا بعد عام حتى بلغت مبلغ النساء فتقدّم لها خاطبًا.
ويوسف شابٌ في منتصف العشرينيات متوسط القامة، قمحي البشرة وله شارب أسود كثيف، شعره أسود كثيف أيضًا، كان يعمل كفنيّ حرفيّ في إحدى الشركات والتي كانت حديثة البناء.
وجاء يوم زفافهما وكان حفلًا بسيطًا فوق سطح المنزل كما هو سائدًا وقتها في الأفراح، وكان الحفل رائعًا حتى أن (عجائز الفرح) لم يجدوا ما ينتقدوه فيه.
تستمر القصة أدناه
ولم تكن أفراح العامة في ذلك الزمان تحتاج للبهرجة، الإسراف والبذخ، بل يكفي عددًا من الكراسي الخشبية والمصابيح الملونة تُعلّق فوق سطح المنزل وعلى واجهته وربما أمام البيت، مع باقة من الورد حول كرسيي العروسين.
وغالبًا ما يترك العريس عروسه ويذهب جالسًا وسط الرجال، بينما تقوم النساء والفتيات بالدق على الدفوف والطبول مع بعض أغاني الأعراس المشهورة في ذلك الوقت، والقليل من الأسر يأتون بفرقة موسيقية لتحيي الحفل.
حتى ثوب العروس وزينتها لم تكن مكلفة، فيكفي مقدار من القماش الأبيض الستان وتقوم إحداهن بحياكة فستان بسيط بنفس الهيئة تقريبًا؛ فلم يكن وقتها آلاف التصميمات مثل الآن.
وأخرى تمسد لها شعرها، تزجج حاجبيها، تكحلها مع بعض الزينة، وسريعًا ينتهي كل شيء ويذهب كلٌ إلى بيته.
وانتهى الحفل وذهب العروسان لعشهما الجديد وسط أصوات الزغاريد والفرحة تعلو وجهيهما؛ أجل فهو حب العمر وأخيرًا قد جُمع بينهما، قد صارت ملكه يحق له أمرها ونهيها، التدخل في أدق شئونها، محادثتها، مجالستها، رؤيتها بحُرية بل ويحق له أن يدقق النظر فيها كما يشاء.
فلا ننكر أن الحب فيه من الإمتلاك خاصةً عند الرجل الشرقي و خاصةً في ذلك الزمن.
ومرت الأيام وكان يوسف يتعامل معها بقلبٍ محب متغاضيًا عن عدم إجادتها لأعمال المنزل بل كان يساعدها رغم أنه في ذلك الزمن كان شيئًا غير مقبول وربما اتُهم في رجولته ونخوته.
وكانت أم يوسف معترضة على ذلك الوضع ولا يرضيها إطلاقًا، فكيف لابنها وهو زينة الشباب، رجلٌ لا غبار عليه أن يقوم بأعمال النساء ويُقلل من هيبته؟!
لم يكن يوسف يُلقي بالًا لكل ذلك فقد كان شيئًا متوقعًا ومعروفًا للجميع فلماذا المفاجأة؟
وحتمًا ستأخذ وقتها حتى تتمكن وتجيد الأعمال المنزلية، ولأنه زوجها المحب فعليه أن يتحمل ويصبر بعض الوقت.
لكن كما يقول المصريون: «الزن على الودان أمرّ من السحر».
لم تسكت الأم يومًا من التنمر على زوجة ابنها والانتقاد الدائم لها، لطبخها ولكل ما تفعله ثم تذهب للزوج وتشحنه ضدها، كيف يسكت؟ ماذا ينتظر؟ كيف يتحمل؟!
هو زوجها وفي يده كل السلطات وتلك الأشياء أبسط حقوقه فعليه تأديبها.
وإن كان الزوج لديه من المبررات التي يدافع بها عن زوجته أمام أمه، لكنه قد بدأ يوغر صدره من ناحيتها وبدأت المشكلات تنزغ بينهما شيئًا فشيئًا وتتفاقم تدريجيًا حتى صارت لا تنتهي وساءت الأحوال بينهما لأقصى درجة حتى اضطرت عديلة لجمع أشياءها وترك البيت والذهاب لبيت أهلها.
مرت فترة من الزمن وكلاهما في بيت أهله وقد أثّر فراقهما عليهما معًا، حزنت عديلة حزنًا شديدًا على ما حدث وعلى بعدها عن زوجها، لكن ماذا تفعل إن كان قد صار منساقًا خلف كلام أمه! وقد بلغت المشاكل بينهما مبلغها فلم تعد تطيق ذلك التدخل.
تستمر القصة أدناه
تُرى هل انتهى حب السنوات؟
ومن حزنها هذا عزلت نفسها وحدها لا تجلس أو تتحدث إلى أي فرد وامتنعت عن الطعام إلا القليل جدًا حتى بدأ الضعف والهزال يزحف عليها واضحًا على جسدها وملامحها.
لم يطول الأمر كثيرًا فقد نُقل يوسف للعمل في إحدى شركات البترول بالسويس وذلك يعني لزوم سفره والإقامة بمحافظة السويس وقد انتهزها فرصة للذهاب لزوجته ليصالحها وتعود معه لبيتهما ثم يسافران معًا.
كان ذلك أسلم حل لهما خاصةً وأن كل المشكلات الكائنة بسبب تدخل خارجي وليس هناك بينهما ما يسبب مشكلات حقيقية، إذن فالبعد هو الأفضل و الأنسب.
وبالفعل ذهب يوسف لبيت أهل عديلة وتحدث إلى والديها، قدّم اعتذاراته لهم وتعهّد لهم أنه لن يُسئ إليها بعد ذلك ولن ينساق خلف أي حديث أو أي تدخل خارجي.
أكد لهما ذلك التصالح بأنه قد نُقل للعمل في السويس وذلك سيبعدهما عن أي صدامات وتدخلات وسيجيئان للأسكندرية في إجازات على فترات.
وبعد الحديث والنقاش وافقت جميع الأطراف على هذا الحل ونادوا على عديلة لتخرج من عزلتها وتقابل زوجها الحبيب.
لكن ما أن خرجت من باب حجرتها حتى سقطت مغشيًا عليها فأسرعوا بإحضار الطبيب لها فقد ظنوا جميعًا أنه بسبب ضعف وهزال قد حل بها من أثر حزنها وقلة الطعام.
لكن عندما فحصها الطبيب خرج يبشرهم بأن عديلة حامل، كم كان خبرًا سعيدًا! قد أسعد الأسرتين، لكنه تركها في بيت أهلها حتى تسترد صحتها.
وبعد عدة أيام جاء يوسف آخذًا زوجته وعادا لبيتهما، و كان البيت مكون من حجرتين أحدهما للنوم والأخرى بها أريكة، أربعة كراسي كبيرة و تسمى غرفة (المسافرين) أي لاستقبال الضيوف، و بالخارج منضدة مستطيلة ذات ستة كراسي، خزانة لوضع الأطباق الأواني الفاخرة (دولاب الصيني)، وكان مجرد خزانة ذات بابين بداخلها عدد من الأطباق، الأكواب والكئوس غير مبالغ فيه، هو فقط يُستخدم عند استقبال الضيوف، ثم المطبخ والحمام.
وما أن دخلا بيتهما حتى جلست عديلة على أول مقعد قابلها فظن يوسف أنها لاتزال متعبة أو قد أُنهكت بفعل الطريق رغم قصر المسافة، لكنها ظروف الحمل!
جلس يوسف أمام عديلة ممسكًا بيدها وباليد الأخرى رفع وجهها إليه وهو منحنيًا نحوها.
- ماذا بك عديلة؟!
هل أنت تعاني؟ هل أنت متعبة؟
مم تشكو حبيبتي؟
فأجابت بهدوء: إطمأن أنا بخير، كل ما هنالك إني قد اشتقت لبيتي.
فابتسم يوسف وقال: البيت وصاحب البيت قد اشتاقا إليكِ أكثر، لقد انتهي أي فراق، انتهت المتاعب، سأذهب بك بعيدًا عن الجميع ستكوني لي وحدي وأنا فقط بينك وبين عملي.
فابتسمت قائلة: ربي لا يحرمني منك أبدًا!
لكني سأشتاق لأهلي، كيف سأبعد عن أمي وأنا حاملًا؟ كيف سألد وأنا بعيدة عنها؟!
- لا عليكِ حبيبتي، سأتدبر أمر عملي وبمشيئة الله إما ستجيئين هنا لتلدي أو سأجعل خالتي أم عديلة تجئ هي إلينا بالسويس وتحضر ولادتك، وفي الحالتين ستظلان معًا حتى تستردين صحتك تمامًا وتكتسبي كل مهارت الأمومة و مهامها.
فابتسمت وأومأت رأسها توافقه فمَدّ بيده نحوها لتنهض معه، ثم قال: علينا أن نبدأ بإعداد حقائبنا وأمتعتنا من الغد فالمفترض أن موعدي بالشركة في السويس مع بداية الأسبوع القادم.
فقالت وهي تنهض واقفة: لازال أمامنا أسبوعًا كاملًا.
- وأنا لا أريد إرهاقك بالعمل الشديد وأنتِ امرأة حامل، سنقسم العمل كل يوم نقوم بجزءٍ منه، ما رأيك؟
- هو نعم الرأي.
ثم قالت بدلال وهي تعبث في ياقة قميصه: ولا رأي بعد رأيك يا غالي وتاج رأسي!
فابتسم يوسف وطوق خصرها وقال مقتربًا منها: لقد اشتقت إليكِ وإلى دلالك ورقتك ومرحك ومزحاتك.
فضحكت ضحكة لها مغزى له فحملها وذهبا معًا يبثان أشواقهما ويطفئان لهيب عشقهما بعد طول غياب.
مَرّ يومٌ بعد يومٍ يرتبان حقائبهما ويجمعان أمتعتهما حتى صار كل شيءٍ معدٍ للرحيل، فسلما على أهلهما وسافرا.......
سافر الزوجان، وصلا إلى السويس وكان سكنهما في حي الأربعين بمنطقة (زرب)، وكانت شوارع ذلك الحي لا تختلف كثيرًا في تصميم الشوارع والبيوت عن الأسكندرية، فكانت الشوارع رائعة حقًا!
+
وصلا إلى شقتهما وكانت بالطابق الأول في بناية من طابقين، وكان الطابق شقتين ويبدو من الشقة المقابلة أنها سكنٌ لإحدى الأسر.
دخلا شقتهما وكانت جيدة من حيث الاتساع والمرافق، فكانت عبارة عن صالة بها مائدة مستديرة حولها ستة كراسي وإلى الجانب أريكة عربية، أربعة كراسي منجّدِين ومنضدة صغيرة، و من الناحية الأخرى حجرتان للنوم أحدهما صغيرة بها تختين صغيرين وخزانة ملابس معدنية، الأخرى بها تختٌ واحد كبير ييلغ عرضه ما يقارب المائة والستون من السنتيمترات، خزانة ملابس كبيرة، ومرآة والحجرة كلها من الخشب بني اللون، ثم المطبخ وبه موقدين قديمين يعملان بالكيروسين وخزانة خشبية لحفظ الطعام وأخرى للأواني، ويقابله مكان الحمام العربي.
بدءا يرتبان أشياءهما وملابسهما، ظل يوسف معها في اليوم الأول ولم يذهب لعمله ليعاونها على ترتيب كل شيء.
ثم خرجا معًا يستكشفان المكان من حول البيت والأماكن التي يمكن شراء منها الاحتياجات ومكان السوق وما إلى ذلك من أماكن ضرورية.
وفي اليوم التالي استيقظا في الصباح الباكر فيوسف سوف يذهب لعمله اليوم، فأعدت الإفطار وجلسا يتناولان فطورهما ثم انصرف يوسف لعمله فمكان عمله ليس بعيدًا للغاية.
وقفت عديلة في الشرفة لتودع زوجها رابطة منديلًا مزركشًا فوق شعرها المنسدل على ظهرها ثم وقفت بعض الوقت تنظر للمكان من حولها فالجو رائع في الصباح الباكر وقناة السويس تبدو على مرمى البصر والسفن العملاقة تمر من خلالها ذهابًا وإيابًا.
ما أروع المنظر!
وبينما هي واقفة هكذا إذ خرجت جارة في الشرفة المجاورة تبدو بدينة وقصيرة القامة مرتدية جلبابًا مزركشًا بالورود مغطية رأسها بمنديلٍ مزركش بالخرز والورود تخرج منه خصلات شعرها الأسود وضفيرتها متدلية على ظهرها، تبدو بشرتها قمحية وعيناها بنيتان.
فنظرت نحوها ثم أهدرت بلطف: صباح الخير!
فأجابت عديلة مبتسمة: صباح الخير.
- هل أنتم السكان الجدد؟
- أجل!
- أنا حميدة وأُلقَّب بأم عزيز.
- مرحبًا! وأنا عديلة.
- لقد ازدادت شرفًا بمعرفتك.
- أنا أسعد عزيزتي.
- تبدين من لهجتك أنك لست من السويس كأنك من الأسكندرية!
- أجل أنا من الإسكندرية، لقد نُقل زوجي يوسف للعمل هنا بشركة البترول.
STORY CONTINUES BELOW
- وأنا زوجي الأستاذ عبد المنعم يعمل كمعلم في المدرسة التي في أول الطريق.
- الحمد لله، لقد ظننت أني سأملَّ من الوحدة فأهلي جميعهم بالأسكندرية.
- أي وِحدة تتحدثين عنها؟!
لا وِحدة ومعك أم عزيز، سأكون بمثابة الأخت لك وكل ما تريديه فأنا تحت أمرك.
كأنك تبدين حاملًا!
فابتسمت عديلة مجيبة: أجل! إنه الحمل الأول لي.
- ماشاء الله ربنا ييسرلك ويرزقك بولادة يسيرة وخلفًا صالحًا!
- تسلمين يا أم عزيز!
- بدايةً سنذهب معًا إلى السوق وأعرّفك على البائعين الذين أتعامل معهم بثقة ويقين من جودة بضائعهم وأيضًا بالسعر الذي أريده.
- جئتيني في وقتك، فأنا أحتاج لذلك كما أحتاج لتعلّم كل شيء فقد كنت كسولة ومدللة في بيت أهلي ولا أجيد فعل أي شيء، و زوجي لازال يتحملني لكن كفى وعليّ التعلم.
- لا تحملي أي هم، فأنا معك سأعلّمك كل شيء وستتحولي إلى ربة منزل ماهرة.
- نعم الأخت والله!
وبالفعل ذهبت المرأتان إلى السوق معًا وعرّفتها حميدة على الأماكن والبائعين، بدأت تعلمها كل يومٍ شيئًا جديدًا وبمرور الأيام صارت عديلة تجيد كل أعمال البيت وبكفأة.
وقد تعرّف يوسف بعبد المنعم وجمعتهما صداقة، فالمرأتان كل يوم ترتبان البيت وتذهبان إلى السوق معًا وكل منهما تعد غداءها ولا مانع من أن ترسل كلًا منهما للأخرى طبقًا لأكلة شهية من صنع يدها.
وبعد العصر يجلس الجميع فوق السطح فالطقس في السويس أكثر حرارة نسبيًا من الأسكندرية، ويكتمل المجلس بالاستماع إلى المذياع لصوت أم كلثوم، فريد الأطرش، عبد الحليم حافظ أو فيروز.
ومعهم صينية الشاي وفيها أكواب زجاجية صغيرة، علب للشاي، السكر والقهوة و(براد للشاي) و(كنكة) وموقد صغير بحجم اليد يعمل بالكحول لصنع الشاي والقهوة.
إلا يوم الحفل الشهري للسيدة أم كلثوم حيث يكون لها إعدادت خاصة من إحضار التسالي بأنواعها وتقوم كلًا من عديلة وحميدة بصنع صنف من الحلوى ليكتمل مجلس السلطنة.
تجلس المرأتان تحكيان عن أي شيء وحولهما بنات أم عزيز فهي لديها من الأبناء البنات إلا عزيز ابنها الأول والذكر الوحيد.
بينما يجلس الرجلان يحكيان عن أحوال العمل وأحوال البلاد.....
وآنذاك كانت مصر تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر وكان منذ قيام ثورة يوليو 1952 وقد بدأت بناء المشروعات الإقتصادية المختلفة بهدف النهضة بالبلاد ،وكان ينتوي بناء مشروع ضخم في جنوب مصر في أسوان وذلك لحماية الأراضي الزراعية من خطر الفيضان واستغلال ماء النيل الزائد وتوليد الكهرباء منها (مشروع السد العالي).
كان عبد الناصر في بداية أيام حكمه يوطد علاقته بأمريكا في بادئ الأمر والتي وافقت وقتها على قرض البنك الدولي وبلغت العلاقة لدرجة أن رئيسها قد أرسل له فيلمه المفضل مترجمًا بالعربية، فقد ظنت أمريكا أنها بذلك تسيطر على عبد الناصر، لكن لما رأى من مساعدات أمريكا لإسرائيل من إمدادها بأحدث الأسلحة ورفضها بإمداده للسلاح الذي طلبه منهم جعله يعيد النظر في ذلك.
لكن ما أنهى العلاقة بشكل ظاهر هو إلغاء القرض من البنك الدولي ومما زاد عبد الناصر غضبًا واستياءً أنه قد عرف من وكلات الأنباء مثله مثل أي فرد من العامة دون أي اعتبار لكونه رئيس دولة وقد عُقد اتفاق معه.
كان عبد الناصر يهتم بأحوال باقي الدول العربية محاولًا اتحادهم معًا، بطبيعة الحال فمصر هي الشقيقة الكبري لباقي أشقاءها العرب ولعل ذلك كان واضحًا في دعمه ومساعدته لثورة الجزائر ضد الفرنسيين وذلك أوغر صدر فرنسا ضد عبد الناصر.
لم تكن فرنسا فقط من تكره عبد الناصر وتريد الخلاص منه بل عدد من دول الغرب فقد وصفوه بالكارثة وأنه خطر حقيقي عليهم لدرجة جعلتهم يدبرون لاغتياله بدل المرة مرارًا.
وحولت مصر أنظارها ناحية الشرق والسوفيت وعقدت صفقة الأسلحة مع الإتحاد السوفيتي وسلّح عبد الناصر جيشه بأسلحةٍ حديثة نسبيًا، لكن ظلت مشكلة تمويل السد العالي وتحقيق الحلم الذي سينهض بالبلاد وظل يفكر ويفكر لإيجاد حل......
صار يوسف وعبد المنعم يتحدثان عن أحوال البلاد مثلهما مثل باقي الشعب، فالأحوال السائدة بعد رفض البنك الدولي للقرض وإصرار عبد الناصر لبناء السد العالي يجعلهم يتوقعون حدوث خطب جلل لكن تُرى ما هو؟
+
حقيقةً لم يتوقع أحد ما ينتوي عليه عبد الناصر لأنه كان شيئًا مستحيلًا في نظر الكثير، بل قد رآه البعض نوعًا من الجنون، رغم كونه كان أيضًا في نفس الوقت أمنية للكثير.
وذات مساء من أمسية شهر يوليو وكان الجو حارًّا وأسرة يوسف وعبد المنعم مجتمتعتان فوق السطح كعادتهما وحولهما البنات تلعبن بينما كان عزيز يلعب مع أقرانه الصبية في الشارع فكانوا يلعبون بالكرة الشراب، عسكر وحرامية، السبع طوبات ،.....وغيرها من الألعاب التي انتشرت وقتها في زمانهم بين الصبية بشرط أن يصعد لبيته عندما يضئ نور الحكومة تقصد أعمدة الإنارة.
لكن اليوم قد تأخر عزيز قرابة التاسعة مساءً، ثم دخل عليهم فجأة مسرعًا ويصيح بعلو صوته: عبد الناصر يلقي خطبته الآن.
أدروا المذياع مسرعين للإستماع إليه فهذا الصبي الذي لا يتعدى الحادية عشر من عمره متيّمًا بعبد الناصر ولديه وطنية غريبة منذ صغره.
التصق بالمذياع مستمعًا إلى خطاب الرئيس بكل جوارحه وحواسه، ولم يكن هو وحده بل كان الجميع بحالة العشق تلك، فعبد الناصر لم يكن وقتها مجرد رئيسًا للجمهورية فحسب، بل كان بمثابة الأب الروحي لكل الشعب المصري، كان له المنزلة في قلوبهم لدرجة تجعلهم لا يصدقون ولا حتى يظنون مجرد الظن أنه ربما يخطئ أو يتخذ قرار خاطئًا.
وبدأ السيد الرئيس في خطابه الذي قارب الساعتين والجميع منصتًا في هدوء كأن على رؤسهم الطير.
وبعد الساعتين بدأ يحكي قصة حفر قناة السويس منذ أن جاء مسيو دليسبس (فرديناند دليسيبس) للوالي سعيد باشا عارضًا عليه فكرة مشروع حفر قناة ملاحية تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر وأن في ذلك فائدة لمصر وللمصريين.
لكن بدأ حفر قناة السويس بالفعل في عهد الخيديوي إسماعيل والتي حُفرت بنظام السخرة ودماء المصريين فقد مات إثر ذلك الحفر قرابة المائة وعشرين ألف مصريّ.
وبعد كل ذلك لم يُعطوا لمصر سوى نسبة من القناة لا تتجاوز حتى الخمسون بالمائة وقد أهداها بعد ذلك الخيديوي لإنجلترا فلم تعد لمصر أي حصة.
وصارت قناة السويس دولة بداخل دولة لها أحكامها ولوائحها الخاصة بها وهاهي القناة تُدخل ملايين الدولارات وقتها ومصر لا تستفاد أي شيء رغم أنها على أرضٍ مصرية وحُفرت بأيديٍ مصرية أي حق مصر والمصريين.
وكانت كلمة (دليسيبس) هي كلمة السر التي على إثرها تتحرك القوات بخطة دقيقة للسيطرة على كل مكاتب ومراكز الشركة ومعهم أسلحتهم تحسّبًا لأي مواجهة لكن الإقتحام كان سِلميًّا.
STORY CONTINUES BELOW
وذُكرت كلمة (دليسيبس) في خطاب الرئيس قرابة الأربعة عشر مرة، إلى أن جاءت الكلمة التي خلّدها التاريخ التي حتى الآن عند سماعها تقشعر الأبدان وتتحرك القلوب كلمة أن «تم تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية.»
لو تخيل أحد ذلك قبل الخطاب لقيل عنه أنه مجنون لكن ما حدث كان انتصارًا عظيمًا و يومًا مجيدًا في تاريخ مصر، ولازال من يستمع لذلك الخطاب الآن كخطاب مسجل ينتابه شعور غريب، بل يشعر بقشعريرة تسري في جسده وكأنه يسمعه لأول مرة!
وصارت قناة السويس تحت إدارة مصر، وظنت دول الغرب أن مصر لن تتمكن من إدارتها وسيشاهد دول العالم فشل مصر في إدارة قناة السويس.
لكن مصر أثبتت غير ذلك فلم يمر وقتًا طويلًا وصارت الملاحة منضبطة ذهابًا وإيابًا عبر القناة، وذلك أيضًا كان صدمة لدول الغرب.
وبدأت تُدبَر المكائد، اجتماعات سرية مثيرة للقلق والشبهات بين القادة تدور بين فرنسا، إنجلترا وإسرائيل ومن خلفها أمريكا التي تمدها بأحدث الأسلحة.
حتى فجأة في شهر أكتوبر من عام 1956 تفاجئت مصر بقوات إسرائيلية تهبط وسط سيناء وقد تعاملت معها القوات المصرية فانسحبت بسرعة، وكان الغرض من تلك المناورة أن تُثبت إسرائيل للعالم أنها غير مؤمنة من قبل المصريين فأُصدر قرار بالتحذير للطرفين لأن ذلك سيؤذي القناة.
وبالفعل مرت قرابة خمسة أيام استيقظت مصر يوم التاسع والعشرون من أكتوبر عام 1956 على قصف من قوات جوية إنجليزية وفرنسية تجتاح مدن القناة من ناحية البحر المتوسط وبالأخص بورسعيد التي كان لها النصيب الأكبر في الدمار والقتلى.
وبعد عدة أيام من القصف حتى قصف أحياء فقيرة كانت مملوءة ببيوتٍ بسيطة خشبية قد أُحرقت وأُبيدت على بكرة أبيها وألسنة وأدخنة الحريق تصل لعنان السماء وصارت الشوارع مليئة بجثث القتلى.
ثم بدأت تهبط قوات مظلات على بورسعيد واقتحمت برًا القوات الإسرائيلية من ناحية سيناء بغرض خروج القوات المصرية للتصدي لها فتجئ من خلفها القوات الإنجليزية والفرنسية التي قد دخلت من ناحية القناة بالفعل وتكون قد حدثت خدعة تشبه الكماشة.
كان ذلك سيحدث بالفعل إن ظل الجيش المصري مكانه دون تراجع لكنه تراجع وأفسد عليهم مؤامرتهم الضخمة.
ومن كثرة عدد القتلى المصريين الممتلئة بهم الشوارع كانوا يحملون الجثث فوق بعضها على عربات (الكارو) التي تحمل البضائع.
لكن كان الشعب كله مقاومة، كل مصريًّ مدني معه سلاح ويحارب ليس فقط الجنود والضباط لدرجة أنهم كانوا يصوبون بنادقهم ناحية طائرات العدو.
كانت دول الغرب تندد بذلك العدوان وتلقي باللوم على عبد الناصر تريد إحراج موقفه أمام شعبه، لكنها لا تعرف المصريين وعشقهم له عشقًا لا يتزعزع وأن جمال حبيب الملايين والجميع يقف في ظهره يحميه ولا يتركه أو يسمح له بذلك.
كان سكان مدن القناة يتفننون في أساليب المقاومة الشعبية مهما بلغت بساطتهم.
كانت المدارس قد أُغلقت في ذلك الوقت وتوقفت الدراسة لكن عزيز كان يصرّ ويخرج مع شباب منطقته، يقف مع جنود الحرس الوطني خلف تلك الساترات من أكياس الرمل التي يختبؤن خلفها ومهما تمنعه أمه كان يخرج باستماتة.
حتى أن الأهالي يقدمون ما يستطيعون من خدمات للجنود والفدائيين من ماء وطعام وأحيانًا بعض الإسعافات البسيطة.
وكانت الغارات الجوية تقذف مدن القناة بورسعيد، الإسماعيلية والسويس، فكان سكان تلك المدن ليلًا بمجرد سماع صوت الغارة يطفئون الأنوار جميعها ويهبطون لمخابئ في أدوار تحت الأرض للإختباء فيها حتى تنتهي تلك الغارة.
وكانت عديلة وقتها في شهرها الثامن وكان حركة الإسراع في الهبوط والصعود تؤلمها كثيرًا، كما قد انتهت احتمالية سفرها لأهلها في الأسكندرية أو حتى مجئ أمها إليها لتحضر ولادتها، فالطرق مغلقة ووسائل الإتصال أيضًا مقطوعة، لكن حميدة كانت معها تساندها وتطمئنها أنها معها وجوارها لن تتركها.
ومن ناحية أخرى كان يوسف يطمئنها هو الآخر بوجوده معها وجوارها، لكنه بمجرد خروجه من المنزل لأي سبب تظل في قلقٍ وخوفٍ شديد حتى يرجع.
تخشى من حدوث غارة وهو في الطريق خارج البيت فربما يصيبه مكروه رغم وجوده هو وعبد المنعم مع فرق المقاومة الشعبية، فالسماع عن القتلى وامتلاء الشوارع بهم مع أصوات القذف وإطلاق النار يثير في نفسها الخوف والرعب.
وظلت المقاومة الشعبية تساند الجنود ببسالة رغم بساطة أسلحتهم التي أثارت دهشة وفزع العدو حتى أجبرتهم على الرحيل.
وانتصر الشعب والجيش معًا على قوات العدوان الثلاثي......
دع سمائي فسمائي محرقة
دع قنالي فمياهي مغرقة
+
وبعد قرابة الشهرين من المقاومة المستميتة من الجيش والشعب معًا رحلت القوات المحتلة.
فقد انسحبت القوات الإنجليزية، الفرنسية والإسرائيلية في الثالث والعشرين من ديسمبر لنفس العام واحتفل الشعب المصري خاصةً أهل مدن القناة من قادوا تلك المعركة بحق رجالًا، نساءً وأطفالًا.
فقد انتهت الغارات، المخابئ وغلق النور فلا صفارة غارة بعد اليوم!
ولا صوت المنادين «اطفئوا النور!»
بل صوت الجميع «ولعوا النور!» (أضيؤه)
وكانت عديلة وسط تلك الاحتفالات منهكة للغاية من أثر مجهود الأيام السابقة، التوتر والقلق الشديد وهي الآن في نهاية شهرها التاسع ويُحتمل أن يجيئها مخاضها بين ساعةٍ وأخرى.
فقد صار يجيئها ذلك المسمى بالطلق الكاذب فهي تتألم من حينٍ لآخر كأنها ستلد ولكن ليست آلام المخاض.
لقد انتفخت بطنها كثيرًا وصارت قدماها متورمتان بشكلٍ كبير مما سبب ثقلًا وألمًا في حركتها، كما صار وجهها منتفخًا خاصةً الأنف والشفاه.
كانت حميدة خلال اليومين السابقين ذهبت بمفردها لشراء حوائج المولود والولادة، كانت تخبرها دائمًا أنها حامل في أنثى رغم عدم ذهاب النساء وقتها للأطباء لمتابعة الحمل ولا كان هناك أجهزة لأشعة الموجات و غيرها للتبين من نوع الجنين، لكنه حدسًا يكون لدى بعض السيدات خاصةً سيدات ذلك العصر.
وكانت عديلة تخشى أن تقول هذا الكلام أمام زوجها فقد كان معظم الرجال في ذلك الوقت يرغبون في الذكور وليس الإناث ونادرًا ما تجد صاحب العقل المتفتح المؤمن الذي لا يهتم بنوع الوليد.
وذات ليلة استيقظت عديلة من نومها تصرخ من شدة الوجع فاستيقظ يوسف على أثر ذلك الصوت فيجد زوجته تصرخ وتبكي فيحاول أن يهدئها ظنًّا منه أنه طلق كاذب.
لكنها لا تهدأ ولا تسكت فاتجه نحو شقة جارتهما أم عزيز وقبل أن يصل للشقة وجدها تخرج مسرعة فصوت عديلة قد شق الجدران ووصل إليها.
دخلت حميدة لحجرة النوم عند عديلة، تفقدتها فأدركت أنها ولادة، وكان آنذاك أي سيدة يمكنها أن تقوم بالتوليد حتى إن منهن من تلد وحدها.
وبدأت بإحضار متطلبات التوليد فهي الولادة الأولى لعديلة وتعلم أنها ستستغرق وقتًا طويلًا، فجلست تخرج ملابس الوليد، المزيد من المناشف وأغطية السرير، خرجت مسرعة في اتجاه المطبخ لتسخّن بعض الماء وتصنع فنجان من القِرفة الساخنة وتعطيه لعديلة فأجلستها نصف جلسة وأخذت تقوم بإعطاءها لتشرب رشفة بعد رشفة في أثناء وقت الهدوء بين طلقة المخاض والأخرى.
STORY CONTINUES BELOW
ويوسف جالسًا بخارج الحجرة في قلقٍ وخوفٍ شديد خاصةً وهو يسمع لصوت صراخ زوجته ويوسوس له شيطانه بكل ما هو سيء يمكن أن يحدث فيصيبها أويصيب وليدها.
وجواره عبد المنعم محاولًا تهدئته ويتحدث إليه لينشغل بعض الوقت فأخذ يقص له بعض من نوادر زوجته أثناء وضعها في كل مرة.
لكن ما أن تجئ صوت صرخة من عديلة فكانت تخلع قلبه وتجعله لا ينتبه لأي شيء ولا يستمع لأي صوت سوى صوت صراخها.
ويمر الوقت ساعة بعد ساعة وكل ساعة تمر ببطءٍ شديد.
حتى أصبح الصباح فاستأذن عبد المنعم ليذهب لعمله وييقظ أبناءه ليذهبوا إلى المدرسة.
وبعد قليل صرخت عديلة صرخات شديدة متتالية لدرجة أن نهض يوسف مسرعًا يطرق الباب عليهما يريد الدخول لكن لم يوقفه سوى سماع صوت بكاء ضعيف... إنه صوت الضيف الجديد، صوت الوليد.
فتجمد مكانه ولا يدرك بم يشعر فلديها مشاعر عجيبة متضاربة لم يشعر بها من قبل بمجرد سماع ذلك الصوت الضعيف الرفيع فماذا لو حمله وضمه لصدره؟
وبداخل الحجرة قامت حميدة بربط الحبل السري في بطن الوليدة جيدًا ثم تنظيفها من الدماء وسوائل المخاض، ألبستها، لفتها وأعطتها لعديلة وأمسكتها لها لتتمكن من ضمها فهي منهكة للغاية وتتلاقط أنفاسها بصعوبة وليس لديها أي قدرة على الكلام أو النطق بأي حرف.
لكن يلزم أن تضم طفلتها لتطمئن وتسكت.... أجل هي أنثى كما كان حدس أم عزيز من قبل.
وما أن ضمتها عديلة بمساعدة حميدة ووضعتها على صدرها لترضعها حتى شعرت بمشاعر جديدة لم تشعر بها من قبل، بدأت تبتسم وتمسح بيدها على شعرها الرقيق بخفة متأملة وجهها الأحمر وملامحها الصغيرة بل كل شيءٍ فيها صغير للغاية ثم تمسك بإصبعها ذلك الكف الصغير متأملة تلك الأصابع الدقيقة بأظافرها المنمقة المرتبة فترفع كفها وتنحني قليلًا مقبلة هذا الكف الصغير.
وفي لحظات انتهى كل وجع وألم، صارت لا تشعر بأي شيء سوى بهجة وتعلّق شديد بهذه الصغيرة وسعادة من نوعٍ خاص، ولا كأنها كانت تصارع الموت على مدار ساعات وحتى منذ لحيظاتٍ قليلة مضت، أو لازالت تتألم الآن بإرضاعها لطفلتها تلك.
فسبحان من جعل الجنة تحت أقدام الأمهات!
خرجت حميدة لتبشّر يوسف الملتصق بباب الحجرة من الخارج يريد الدخول لزوجته.
فقالت له: حمدًا لله على سلامتها، ومباركٌ عليكما تلك الأميرة.
فقال لها بلهفة وهو يتجه مسرعًا للداخل: بارك الله فيكِ يا أم عزيز!
فدخل الحجرةة وكانت عديلة تحمل الطفلة تقوم بإرضاعها ولازال وجهها متعرّقًا رغم فصل الشتاء وبرودة الطقس، شاحبًا لدرجة كبيرة فاختفت منه كل الحيوية وإحمرار خديها ليصبح يميل للإصفرار كم تبدو منهكة!
كانت لا تزال بنفس ملابسها والدماء تغطي بعض الفراش، لكنه لم يلتفت لكل ذلك فاقترب من زوجته وقبّل رأسها بعمق ثم انحنى محملقًا نحو هذه الصغيرة متفحصًا ملامحها ويدها وهو مبتسمًا.
- حمدًا لله على سلامتك حبيبتي!
هكذا همس لزوجته مقبلًا رأسها بحب، فأجابت عديلة بمزيج من الوهن والأسى: سلّمك الله! معذرة لقد وضعت لك أنثى!
فابتسم يوسف وربت عليها قائلًا: حمدًا لله على الرازق بالأنثى! الأنثى واسعة الرزق وسيفتح الله علينا هكذا أشعر ثم إنهم يقولون أسعده زمانه من رُزق ببناته قبل صبيانه، المهم أنك بخيرٍ غاليتي.
فأجابت براحة: الحمد لله! ربي يفتح عليك ويزيدك من فضله ويوسّع عليك رزقك!
- الله الله!
ما أجمل هذه الدعوة من شفتيكي حبيبتي!
لم تخبريني بعد، ماذا ستسميها؟
- لا أدري، فقد كنت أظن أنه ذكر ومثلنا مثل الجميع كنا سنسمي جَمالًا.
وهنا دخلت عليهما حميدة محمحمة وتحمل في يدها فنجان حلبة مُحلى بالعسل الأسود ومخلوط بملعقة من السمن البلدي لتشربه عديلة، هكذا كن تفعلن النساء حديثة الوضع قديمًا.
فقالت حميدة: أجل يسمون الذكور جمال ويسمون الإناث نور.
فصاح يوسف مبتهجًا: نعم هي نور.
فتابعت عديلة بسرور: إذن هي نور.
فقالت حميدة: إذن يا أبا نور عليك الإنصراف الآن فمهامنا لم تنتهي بعد.
أهدرت عديلة بتعب: ماذا هناك أيضًا؟
لقد هلكت تعبًا!
فأجابتها حميدة: ستتركي نور يا أم نور، وتشربي فنجان الحلبة هذا لتتقوي به وقد صنعت لك إناءً من الحلبة وكل ساعة أعطيكي فنجانًا كهذا حتى يدُرّ الحليب ربي يوسّع رزقها! ثم تتحمي وأنظف مكان المخاض سريعًا وأتركك لتنامي ثم أعد لك دجاجة لتأكليها وتشربي من مرقتها فعليكِ أن تتناولي في كل وجبة دجاج وتشربين من مرقتها وأيضًا سأُعدُّ لك الموغات، فأنا لم أجد وقتًا لأعده لكِ قبل الآن.
فقالت عديلة بامتنان: والله يا حميدة أنت بحق نعم الأخت! شكرًا لكِ على تعبك، جهدك ورعايتك لي، شكرًا لك على كل شيء.
فتابعت حميدة: لا يصح أن تقولي مثل هذا الكلام، فقد قولتِ أخت والأخوات تفعلن هذا وأكثر.
ثم التفتت ليوسف وقالت: أراك لازلت واقفًا، هيا أيها الرجل انصرف الآن دعنا لنكمل مهامنا!
فضحك يوسف وانصرف وتركهما لتفعل حميدة ما قالت.......
بالفعل خرج يوسف من الحجرة، وضعت عديلة نور في فراشها الصغير وقامت مع حميدة لتأخذ حمامًا دافئًا ثم قامت حميدة بتنظيف الفراش من أثر الولادة.
كانت حميدة تقوم برعاية عديلة كأنها أختها الكبرى فتذهب لبيتها مع أبناءها ترتبه وتعد الطعام ثم تعود لعديلة تيقظها وتعطيها مشروبًا ساخنًا أو تعد لها وجبة خاصةً في الأيام الأولى عقب الولادة.
تعلّمت عديلة على يد حميدة كيفية رعاية طفلتها من تنظيف، غيار وحموم و....... حتى بدأت تتقن أمور الأمومة تدريجيًا.
مرت سبعة أيام بعد الولادة وحان موعد سبوع الوليدة وكان حفلًا صغيرًا لم يحضره سوى بعض الجيران المقربين.
وقد قامت حميدة بمراسم السبوع من نخل الوليد، دق الجرن (الهون)، رش الملح وتوزيع الشموع الصغيرة على الجميع وأيضًا أكياس السبوع الصغيرة التي قامت هي، يوسف وعبد المنعم بتعبئتها وفيها الحمص، الفول السوداني وبعض الحلوى.
حمل عزيز هذه الصغيرة بين يديه ناظرًا إليها بسعادةٍ متأملًا لضآلة حجمها وسكونها بين يديه فلم يجري ولم يلهو مع باقي الأطفال بل ظل حاملًا نور بسعادة.
كانت عديلة تترقبه من حينٍ لآخر لتطمئن على طفلتها كونها على ما يرام أو ربما تبكي، بينما يوسف يبتسم من هيئته ويعود بذاكرته لأعوامٍ طويلة فقد كان في نفس الموقف منذ أعوام....
تذكر ذلك اليوم وكانوا آنذاك يعيشون جميعًا في بيت جدهم، ويومها صرخت أم عديلة فجأة بقوة فأدخلنها النسوة الموجودات بداخل الغرفة.
ظلت بداخلها يُسمع صوت صراخها من الخارج وكان يوسف لايزال طفلاً جلس في حجر أبيه وجواره عمه والد عديلة ينتظر زوجته أن تضع مولودها.
ظل الارتباك والتوتر سائدًا، خاصةً وتلك النسوة تذهب منهن من تحضر الماء الساخن وتدخل به للغرفة عند أم عديلة، وبعد فترة من الوقت سُمع صوت صرخة مدوية ثم صوت بكاء طفلٍ حديث الولادة.
وبعدها خرجت الجدة ممتعقة الوجه متأففة فأسرع العم (والد عديلة) نهض واقفًا نحو أمه.
فتسآل العم بخوف: ماذا جرى يا أمي؟
فأجابت الجدة بتذمر: لقد أنجبت أنثى مع الأسف.
فتنهد العم براحة قائلًا: الحمد لله كله رزقٌ من الله!
فصاحت فيه الجدة بغضب: دع هذا الهراء وانتبه لحالك إن لم تنجب ذكرًا لن يكون لك اسم فالبنت لزوجها، إذن عليك أن تسرع في الإنجاب ثانيًا لتأتي بالذكر.
فتابع العم بتردد: لكن أمي......
فقاطعه الأب (والد يوسف): سيفعل ما تريديه يا أمي.
ثم غمز لأخيه قائلًا: اطمأني سأقنعه.
STORY CONTINUES BELOW
فقالت الجدة وهي تربت على ابنها (والد يوسف): انظر لرجاحة عقل أخيك وتعلم منه.
فأومأ العم: حسنًا يا أمي!
سكتت الجدة قليلًا ثم أكملت: ولنتخلص من تلك المصيبة علينا خطبة هذه البنت لابن عمها، والآن تقرؤن الفاتحة.
فتردد العم: يا أمي .....
فقاطعته الجدة: البنت لابن عمها.
فلم يجد بدًا إلا أن يستجيب لطلب أمه ويوافق على خطبة عديلة وهي حديثة الولادة لابن عمها واضطر لقراءة الفاتحة بالفعل هو وأخيه، وبالطبع لم يُحتفل بها فكيف يحتفلون بأنثى؟!
ولم ينتبهوا لوجود يوسف الذي كان حاضرًا للموقف وظل ذلك الحدث محفورًا في ذاكرته وتصرّف طوال حياته على هذا الأساس فكان متابعًا لها ولكل تصرفاتها وكان يسرع في تقديم خدماته ومساعدته لها دائمًا.
ورغم عدم لقاء يوسف بعديلة خاصةً بعد أن بلغت مبلغ النساء إلا أن تلك النظرات الخاطفة للحظات كانت تُرسل الكثير من المشاعر المدفونة التي قُدّر وأن تنبت بينهما، وكيف أن الأمر لم يعد مجرد طلب من الجدة قد فرضته عليهما.
جلس يوسف شاردًا ووجهه مبتسمًا غارقًا في تلك الذكريات فاقتربت زوجته ونادته: يوسف!
ماذا بك؟ كأنك شارد! ماذا يشغلك عن سبوع ابنتك؟!
فابتسم لها يوسف و ربت على يدها قائلًا: لا شيء.
ثم غنّى الجميع، احتفلوا وسعدوا ولازال يوسف يشرد من حينٍ لآخر.
بدأت عديلة تعتمد على نفسها شيئًا فشيئًا فقد تحملتها حميدة بما يكفي خاصةً مع اقتراب فترة إمتحانات نصف العام وعليها أن تجمع أبناءها في البيت وتشدد عليهم ألا يخرجوا.
بالطبع ليس لأنها ستجلس مع أبناءها لمراجعة الدروس! فحتمًا هذا لا يمكن لأنها ببساطة أمية لا تعرف القراءة والكتابة بعكس عديلة التي ذهبت للمدرسة في طفولتها لعدة سنوات وقبل حصولها على الشهادة الإبتدائية كانت قد ملت وتركت المدرسة فهي بالكاد تقرأ اسمها وأحيانًا تتعتع في قراءة العناوين الرئيسية في الجرائد بتهتهة.
انتهت فترة الإمتحانات وبدأت إجازة نصف العام وباعتبار أن نور هي أصغر من بالبيت فنجد جميع أبناء حميدة مقيمين عند عديلة يلعبون مع ذلك الكائن الصغير بفرحة فهي كما يطلقون (فاكهة البيت).
وبعد مرور فترة وعودة حركة الطرق بين المدن جاءت أم عديلة وأم يوسف لتريا حفيدتهما، مكثا فترة من الزمن وقد سعدتا بحفيدتهما وسعدتا أكثر بمهارة عديلة في أعمال البيت من طبخٍ وتنظيف بالإضافة لأعمال الأمومة.
وقد اعتادوا أن تجئ الاثنتان إلى السويس في إجازة نصف العام بينما يسافر يوسف عديلة للأسكندرية في فصل الصيف ويستمتعا أيضًا بالبحر والمصيف بين شواطئ الأسكندرية أحيانًا في أبي قير وحينًا في الأنفوشي.
وما أجمل بحر الأسكندرية نهارًا أو ليلًا! فإن لم تسبح فيه بالنهار يمكنك الجلوس أمام شاطئه ليلًا وأكل التسالي، الترمس، الذرة المشوية والفريسكا مع التمتع بذلك الهواء الرائع على طول ساحل البحر.
وعندما يكونون بالسويس فكانوا يذهبون غالبًا مع حميدة وأسرتها إلي بور توفيق حيث الحديقة الفرنسية والتي بالقرب من القناة أو يجلسون على شاطئ القناة مباشرةً يشاهدون بمتعة هيئة السفن العملاقة المارة ذهابًا وإيابًا، وكان في بور توفيق الكثير من بساتين الفاكهة فيشترون عدة أقفاص من الفاكهة.
وأحيانًا يذهبون رحلة إلى العين السخنة عند جبل عتاقة أو إلى شاطئ الفايد في الإسماعيلية وهو قريبٌ منهم في السويس.
وكان عزيز يذهب للبحر خاصةً وقت الجَزر حيث يكون انسحاب البحر كبيرًا واضحًا وتمتلئ الأرض بالقواقع ذات الأشكال المختلفة وأيضًا (الريتسا) و(السريديا) الشهية فيقوم عزيز بجمعهم ويحضر منهم كميات كبيرة.
وبمجرد عودته للمنزل يلتفت حوله الجميع ليلعبوا بتلك القواقع بعد أكل ما في داخلها.
_____________________________________
والسريديا تشبه الصدف يصل حجمها أحيانًا لمنتصف اليد، مفلطحة وتُفتح ويؤكل ما بداخلها، أما الريتسا فهي هيئتها متكورة قليلًا و محاطة بالأشواك هيئته مثل شوك القنفد وتُفتح ويؤكل ما بداخلها أيضًا.