الفصل الثاني
*_⤶ࢪوايـةامـاريـتـا🥺🤎🍁:)_*
الفصل السادس
الفصل السابع
الفصل الثامن
الفصل التاسع
الفصل العاشر
*القافلة - الحلقة السادسه*
كان وقت ترحيل السجناء إلى أماريتا قد حان، وأمام باب السجن
تلاصق مئات من الجنود بخوذهم وسيوفهم ودروعهم مانعين أي من اهل بيجانا الذين تجمعوا خارج السجن أن يقترب من بابه الخارجي،
ومفسحين الطريق لعربات خشبية ضخمة كان يجر كل عربة منها
ثلاثة أزواج من الخيول يقودهم جندي يشق سوطه الهواء، وفي صناديقها الخشبية ثبتت أغلال حديدية علي مسافات متساوية . .
وحين توقفت العربة الأولى أمام باب السجن أسرع إليها ثلاثة من
ً الجنود، اعتلي اثنان منهم صندوقها بينما وقف الثالث مجاورا لسلم فولاذي ثبته، بمؤخرتها
ته بمؤخرتها، بعدها أمر قائد الحرس أن يتحرك السجناء فأطلق بوق
أعلي سور السجن، وبدأ السجناء يتحركون أزواجا تراصوا بدروعهم صانعين ممر ساحة
كبلة اليدين والقدمين بين صفين من حرا
ورماحهم صانعين ممرا طويلا بين ساحة السجن والعربات بالخارج،
وكان الجندي الذي يقف عند مؤخرة العربة يسجل بأوراقه علامتين
مع كل زوج يصل إليه من السجناء، قبل أن يلتقطهما الجنديان
الآخران أعلاها ويكبلا أغلالهما بأغلال العربة المثبتة، ثم يشيران إلى جندي الأوراق كي يمرر إليهما زوجا ليكبلاهما كما كبلا
سابقيهما، حتي امتلأت العربة الأولى، ورفع أحد الجنود راية بيضاء،
فحمل جندي الأوراق السلم الفولاذي متجها إلى عربة أخرى بينما ظل الجنديان الآخران مع السجناء أعلي العربة التي تحركت إلى
الأمام لتحل محلها عربة أخرى .
***
امتألت العربات عربة تلو الأخري، واصطفت في صف واحد علي
امتداد سور السجن في انتظار العربات الباقية، ثم تقدمت أسيل
مكبلة يداها اليسر ى وقدمها مع الفتاة الخائفة، وسارت مطاطأة
الرأس تخفي وجهها يغطي رأسها قلنسوة معطفها، ووصلتا إلى
مؤخرة عربة، وكادتا تصعدان سلمها الفوالذي فصاح جندي الأوراق
بأسيل :
- لماذا تخفين وجهك
فأسرعت الفتاة ونظرت إليه، وتحدثم فى دلال متجاهلة سؤاله
لأسيل :
- أنظر ماذا فعلت قيودكم بقدمي ..
ثم كشفت عن ساقها وفخذها كاملاا فلمعت عيناه، وكاد يمد يده
يلامسها فصاح به قائده كي يسرع فسجل بأوراقه عالمتين حانقا،
ُ ثم التقطهما جنديا العربة وكبلاهما بقيدي حديدي مثبت بجانبها،
وأسرعا إلى سجينين آخرين، فهمست الفتاة إلى أسيل ضاحكة :
- الرجال هم الرجال .
ثم تابعت :
- قمر، اسمي قمر ..
فابتسمت أسيل، وهمست إليها:
- أدين لك بحياتي الآن يا قمر.
فقالت الفتاة مازحة:
- عليك أن تتذكري هذا لاحقا
ثم رِفعت الراية البيضاء أمام العربة بعدما امتلأت، فتحركت قليلا للأمام لتحل محلها عربة نقل السجناء الأخيرة التي انتهت هي
الأخري مع منتصف الليل ..
بعدها امتطي قائد الحرس جواده ودار حول العربات وتفقدها بعينيه سريعا، وصاح بصوت رخيم بأن يستعد الجميع للرحيل،
ِفعت راية سوداء كبيرة بالعربة الأولى، وأطلقت الأبواق مجددا، وأغلق باب السجن الرئيسي، وامتطي الجنود خيولهم،
وإلتفوا حول العربات ليكونوا إطارا بيضاويا مزدوجا بأجساد خيولهم، تفصل بينهم
ً بينهم أقدام قليلة، وأمسكت يد كل منهم سوطا هوي علي جسد من اقترب من أهل بيجانا دون أن يفرق بين شيخ أو طفل أو امراة، وبدأت العربات تتحرك رويدا رويدا، تحتشد كل منها بأجساٍد مكبلة، تنظر إلى بعضها البعض وإلى سماء بيجانا التي بدأت تمطر حزنا مع
بكاء سجيناتها ووجوم سجنائها ونحيب نسائهم وشرود نظرات اطفالهم، وغادرت القافلة بيجانا كانت الأكثر قسوة في
تاريخها .
***
سارت القافلة في إتجاه الجنوب، عشرون عربة خشبية، كانت
مقدمة كل منها تحمل شعلة زيتية، وأحاط بهم مئات من الجنود علي
جيادهم، يحمل بعضهم شعلا ًمماثلة، وكانت أسيل تجلس بالعربة
قبل الأخيرة وبجوارها قمر التي قالت لها:
_اكشفي وجهك إن أردتي، لقد تركنا بيجانا، وهذان الجنديان
ومن معنا من فقــراء العـــربة ليسوا من المنطقة الغــربية، لا
أعتقد أنهم
سيعرفونك ..
فكشفت أسيل رأسها، والمست وجهها قطرات من المطر، فسألتها قمر: - هل عرفين أماريتا تلك ؟
- لا .. إنني لم أعرف إلا بيجانا وزيكولا .
- أنا أيضا لا أعرفها، إنني لم أترك بيجانا قط، سمعت أنهم
يقولون أنها بعيدة للغاية ..
- نعم سمعت هذا أيضا ..
- هل تعلمين ماذا سيفعلون بنا في أماريتا ؟
- لا ..
ثم نظرت أسيل إلى السماء بعدما انتهت أمطارها وعاد صفاؤها
فوجدت أسيل النجم، فابتسمت وقالت لقمر فرحة
- أنظري إلى هذا النجم اللامع ..
فردت قمر متعجبة من فرحتها :
- ماذا به ؟!
- لقد سماه حبيبي أسيل، وها هو يرافقني
فضحكت قمر:
_هناك حبيب إذن ..لابد أن أعرف القصة
فقالت أسيل باسمة :
- لا تتعجلي.. يقولون إن طريقنا طويل، لن يكون لدينا أكثر من الحديث فقالت قمر في خيبة أمل :
- إنني لم أحب بعد .. تجاوزت العشرين ولم أحب، مأساة أليس
كذلك ؟!
فابتسمت أسيل وأكملت حديثها إليها ..
ومر مزيد من الوقت أكملت معه القافلة مسيرتها نحو الجنوب،
وزادت برودة الجو فتالصق السجناء مرتجفين رجالا ونساءا،
يستعيرون دفء بعضهم البعض، ولم يتوقف صفيرالرياح عن دويه
وسط ظلام الطريق، تراقصت معه نيران المشاعل لتظهر وجوها
ذابلة كساها التعب، وشفاه مشققة آثرت أن تصمت، وجفون مرهق
غلبها النعاس فسقطت، عدا أسيل التي ظلت تراقب نجم
السماء دون أن تفكر بشئ آخر، بينما نامت قمر علي كتفها .
***
كانت الرياح قد هدأت مع بزوغ فجر اليوم التالي وسطوع شمسه، أسيل ملأت صدرها بهواء منعش كان قادما من مسطح مائي رأته عينها علي امتداد بصرها، ودق قلبها حين قال أحد
الجنديين للآخر :
- انظر .. إنه بحر مينجا، لن تراه كل يوم
وواصلت العربات تقدمها في طريقها إليه، ثم اقتربت منه
فانحرفت لتسير موازية لشاطئه فأبصرت أسيل سفينة كبيرة انتصب بأوسطها صار طويل لف ثلثه الأعلى بشراع قماشي كانت تقف مجاورة لجسر خشبي طويل شق ماء البحر متعامدت، عليها
شاطئ البحر اصطف عدد من الجنود الغرباء كان مماثلا لمرافقي
قافلتها، يتقدمهم قائد شاب تقدم إليه قائد الحرس البيجاني ما إن
رآه، ثم تبادلا أوراقهما، بعدها تفقد القائد الشاب العربات بجواده
ثم أشار إلى جنوده الذين أفسحوا الطريق لتتحرك العربة الأولى
إلى
الجسر الخشبي في إتجاه السفينة، وعبرت لوح خشبي سميك مائل ثبت بينه وبين السفينة لتأخذ مكانها أعلاها، ثم حلت خيولها بجوار العربة الأولى، وعاد بهم قائدها
بهم قائدها مع جنديّ
بجوار العربة الأولى، وتعود خيولها إلى الشاطئ مع قائدها وجنديها
هي الأخري .. ثم نهضت قمر وتلفتت حولها في دهشة بعدما وجدت
ذلك البحر وتلك السفينة، وسألت أسيل :
- أين نحن ؟
- إنه بحر مينجا، كما سمعت ..
_ إنها المرة الأولى التي أرى بها بحرا .
ثم أشارت إلى السفينة العمالقة:
- ما هذا ؟
- إنها السفينة التي ستحملنا إلى أماريتا .
- هل ستحمل القافلة جميعها ؟!!
- يبدو كذلك
أجابتها أسيل شاردة كأنها لم تتوقع أن تكون أماريتا بعيدة إلى
هذا الحد، وظلت تنظر إلى العربات التي تتحرك إلى السفينة فتعود
الخيول وحدها مع جنودها، ثم حركت عينيها إلى البحر الذي لا تظهر
له نهاية، وأكملت شرودها حتي لسع قائد العربة خيول عربتها
بسوطه، فتحركت بهم تجاه السفينة، وعبرت اللوح الخشبي ثم
توقفت أعلاها مجاورة لعربات أخرى محملة بسجناء آخرين، وقفز جنديا العربة، وعادا بخيولها مع قائدها، ثم تبعتها العربة الأخيرة،
فانتشر الجنود الأماريتيون حول العربات وثبتوا عجلاتها بحلقات معدنية كليرة تناثرت بسطحها، وأوزيل اللوح الخشبي
السفينة وجسرها، وبأعلي السفينة وقف القائد الاماريتي الشاب،
وودع قائد الحرس البيجاني الذي اصطف بجنوده علي الشاطئ،
قبل أن يلتفت إلى العربات املتراصة حول صارى السفينة، ويصيح
بصوته إلى رجاله :
- فلترفع الأشرعة إلى أماريتا .
-
******
يتبع ..........................
`تـم مـشـارڪـ𓂆ـه الـــ𓂆ـروايـة مـن اتــشـــ𓂆ــنـل ↷͢𝐌𝐚𝐥𝐨𝐎𝐤𝐚 𝐍𝐨𝐕𝐞𝐋𝐬💘⃟،𔘜`
https://whatsapp.com/channel/0029VaNogsV9MF91ykrESB2E
`تـابـع اتـشــ𓂆ــنـل لـــ فــتــاة ࢪقـيــ𓂆ــقــة'ة↻•`
https://whatsapp.com/channel/0029VaiMQpB2975IyLiSRb1G
*الشميل ـ الحلقة السابعة*
غادر الملك شُرفة قصره، ثمَ أمَر القائد الشاب جنودَهُ بأن يقَسموا فقراء بيجاناَ إلى جماعات، ومر بينهم يتفحصهم بعينه ومعه مساعديه، وأختار عدداً من أقويائهم أخبرهم إنهم سينضمون إلى جنود أماريتا فتَنَحوا بعيداً عن باقيهم، ثمَ مر بينهم ثلاث رجال آخرون يرتدون عباءات ثمينة وتفحصوا الفقراء عن قرب وأدركت أسيل إنهم يهتمون بالنساء فقط وإن لفتت أحدهم أنظارهم اختاروها وسمعت أحد الجنود يقول لفقير خلفهَ إنهم رجال قصور الملك مَن يختارهن كُتِب لهن الرغد في هذا البلد، ثمَ اقترب أحدهم وسأل قمر إن تنظر اليه ومسح خدها المتسخ بإصبعه فنَظرت إلى الأرض خَجلا وسارت بجسدها رعشا شَعَرَت بها أسيل الملاصقة لها فأمرها أن تتحرك للأمام ثمَ اتجه بعينه إلى أسيل ومعطفها المتهالك، وأقترب برأسه منها وهي ثابتة تبتلع ريقها قبل أن يبعد رأسه عنها منتعضاً من رائحة رأسها ومعطفها اللذين كُسيا برائحة قيئ السجناء وأبتعد عنها مغمغماً بكلمات غاضبة عن رائحتها الكريهة، وأتجه إلى أخريات في صفوف مجاورة وتحركت قمر مع فتيات أخريات مبتعدة نحو جندي كان يجلس ليسجل مَن اختارهن رجال القصر وكانت تتلفت بين لحظة وأخرى إلى أسيل كأنها تُناجيها إن تلحق بها لتجدها واقفة بمكانها شاهقة الرأس تلتمع عيناها بالدموع أبت إلّا تفارقها.
أما اسيل ومن تَبَقى معها فقسّموا إلى خمس مجموعات تفاوتت أعدادها لِتوزع على مدن أماريتا الخمس: الشِمِيل، بؤما، مساقيا، بيساناَ، وأماريتا - منطقة الحاكم التي يتواجدون بها - وَوقَف أمام كل مجموعة شاب أماريتي أخبرهم بالمدينة التي سيتجهون إليها قبل أن تتقدم كل مجموعة إلى عدد من الرجال والنساء الجالسين بأركان الساحة الأربعة وإنتظم الرجال في صفين أمام أربعة من الرجال، ثمَ إنتظمت النساء في صفين آخرين أمام أمرَأتين وجاء دور أسيل فسأَلَتها المرأة إن تكشف عن كتفها وأخبرتها مبتسمة بأنها ستضع وشماً صغيراً برقم على كتفها الأيسر كان أربعُمائة وأربعة عشر وأردفت إليها بأن تلك الأرقام الموشومَة هي طريقة إحصاء أماريتا لأهلها كما أنها تُحدد عملها ومضيفها وأنَ مادة هذا الوشم غير ضارة يزول أثرها تماماً بعد عام فيجدده صاحبه مع دفعه لِضرائبه وطالما وجد هذا الوشم كان حامله حراً لا أرقام للعبيد فَهزت أسيل رأسها إيجاباً دون أن تتحدث ثم صرخت بألم بعدما وَشمتها المرأة بآلة معدنية صغيرة فَأعتذرت منها ودَونت بأوراقها رقمها مع غيره من أرقام دُونَت بتاريخ ذلك اليوم بصفحة كُتِب أعلاها، الشِمِيل... المدينة التي سَترحل إليها أسيل مع رِفاقِها، ثم تحركت لتأخذ مكانها أمرأة أخرى، تردد بينها وبين نفسها؛ أربعُمئة وأربعة عشر!!
كانت الشمس تقترب من المَغيب حين غادرت العربات إلى الشِميل تحمل فقراء بيجاناَ بينهم أسيل التي غلبها النعاس ولم تفتح عينيها إلا مع وصولهم باب تلك المدينة المفتوح على مصراعيه مع شروق الشمس والذي صممت جوانبه كساقين ضخمتين لمحارب يمر بينهما اياباً وذهاباً لو أغلق ذلك الباب لفصلها عن باقي مدن أماريتا بعدما أحيطت بسور صخري مرتفع..
دَلَفَت العربات في تتابُع إلى المدينة التي لم تختلف كثيراً عن أماريتا وتلاصقت بيوتها ذات الارتفاع الواحد تفصلها شوارع معبدة بِقطع صخريه ثمَ إنحَرفت العربة التي تحمل أسيل إلى شارع جانبي منفصلة عن باقي العربات وسألهم الشاب الأماريتي الذي صاحبهم بعدما توقفت العربة إن ينظر كل منهم إلى رقمه الموشوم وأشار إلى بيت مجاور كُتِب على بابه رقم وقال:
يطابق كل رقم من أرقامكم رقم أحد بيوت هذا الشارع سيكون ضيفا لِأهله ستة أشهر من اليوم.
عليكم أن تنالوا قسطاً جيداً من الراحة بعد عناء رحلتكم اليوم وغداً منحة من الملك..
وسألقاكُم هنا صباح بعد غد لإخبار كل منكم بعمله الجديد..
وأمَرهم أن ينطلقوا فترجَلت أسيل تحمل معطفها تحركت تبحث عن الباب الذي يحمل رقمها وسط غيرها من غرباء بيجاناَ الذين إنتشروا أمام البيوت وبدأ أهل المدينة يظهرون تباعاً أمام بيوتهم مُرحبين بهم قبل أن تجد بيتاً يحمل رقمها أربعُمئة وأربعة عشر لم يظهر أمامه أحد.. فطرقت بابه وبعد دقائق أجابها رجل مسن متجهم الوجه دق قلبها خوفاً حين أبصرته للمرة الأولى.........
*********
يتبع .............`
*عجوز غريب الأطوار ـ الحلقة الثامنة*
وجدت أسيل البيت الذي يحمل رقما مطابقا لرقمها الموشوم وطرقت بابه، بعدما لم تجد أمامه أحداً في إستقبالها كَباقي أهل المدينة أمام بيوتهم، وبعد دقائق فُتِح لتجد مُسناً في عقده السادس سقيم الوجه مصفر بياض العينين، بدى أنه نهض تواً من نومه فكشفت له عن كتفها وأخبرته إنها ضيفته لستة أشهر طبقاً لِخطاب الملك، فأشار اليها بالدخول دون أن يتحدث، فَدَلَفَت من وراءِه ودق قلبها قلقاً حين لَمحت زجاجات خمر فارغه تناثرت بكثرة على أرضية ردُهَته ونظرت في صمت إلى أثاث بيته المتهالك وستائره البالية المغطاة بالأتربة وجلست على كرسي أمامه في إنتظار أن يقول كلمة واحدة فلم يفعل، ثمَ نهض فجأة وتحرك إلى إحدى الغرف وعاد ووضع أمامها قطعة من الجبن ورغيف خبز وهَم بالمغادرة مجدداً إلى الغرفة، فنَطقت بعدما تحرك خطوات:
- اسمي أسيل ..
وسكتت فألتفت اليها وقال باقتضاب:
- ليس لدي غيره من الطعام..
وأشار عن يمينه إلى باب غرفة مجاورة وأردف:
- هذهِ غرفتك..
ثمَ أكمل تحركه فقالت أسيل باسمة:
- شكراً سيدي ..
وتابعت:
- كنت أظنك أبكم..
ثم سألَته:
- ألا توجد إمرأة هنا؟
فتَجاهَل سؤالها .. ودَلَف إلى حُجرته ولم يخرج مجدداً وأدركت أنه غاب في سُباته فتحدثت إلى نفسها:
- كان خطاب الملك بأن يساعدني هذا الرجل يبدو أنهُ هو الذي في حاجة إلى المساعدة.
ثم نَهضت وَدَلَفت إلى غُرفتها التي أشار إليها فوجدتها أفضل حالا من باقي البيت وابتسمت حين لَمحت بأحد أركانها حوضاً للإستحمام وضعت بجواره أوانِ مُلِأت بالماء وبِجانب آخر من الغرفة رَقَد سرير نظيف بدا أنه أعُدا سلفاً لضيف هذا البيت من غرباء بيجاناَ، فأغلقت بابها بإحكام وأسندت ظهرها إليه وأغمضت عينها للحظات قبل أن تفتحها وتُلقي بمعطفها جانباً وتنزع فُستانها وتَسرع إلى حوض الإستحمام.
في اليوم التالي إستَيقَظت أسيل من نومها مع شروق الشمس وابتسمت حين وجدت نفسها قد نامت منذ ظهيرة يومها السابق وكادت تُغادر فراشها فَتذكرت أنها عارية بعد أن غسلت ثيابها بحوض الإستحمام قبل نومها.. ثمَ أبصرت بنطَالا وقميصا على كرسي مجاور لمرآة الحُجرة لم تلحظهما يوم أمس وكأن صاحب البيت لم يتوقع أن يكون ضيفه إمرأة فنهضت وإرتدتهما بعدما تحركت إلى حوض الإستحمام وغمرت وجهها بمائه، ضحكت حين نظرت إلى المرآه ووجدتهما واسعين للغاية فأمسكت ببنطالها كي لا يسقط وتَفقدت فُستانها فوجدته لم يجف فجلست على الكرسي أمام المرآه ثم سمعت حركة مفاجئة أمام باب الغرفة فحبست أنفاسها وتحركت ببطء نحوه ممسكه ببنطالها وتوقفت ملاصقة له حتى ساد الصمت أمامه فَفتحته بحذر فوجدَت طبق الطعام الذي تركته بالأمس قد أضيف إليه قطعة من الدجاج ووضع على الأرض أمامها فنظرت إلى الردهة باحثة عن المسن فلم تجد أحد فمدت يدها وأخذته ثم أغلقت بابها ..
مرت ساعات وأسيل تجلس بغرفتها وكان فُستانها قد أوشك على الجفاف وأصبح مبتلاً قليلاً حين بدلت ثيابها وخرجت لتجد صاحب البيت جالساً على كرسي ممسكاً بزجاجة خمر فارغه في شرود فَتنحنحت، ثمَ إتخذت كرسي بجواره وجلست وساد الصمت قليلاً، ثمَ قالت:
- ألم يكن هناك بنطالً أصغر حجماً؟
فَرد الرجل دون أن ينظر إليها:
- كان عليكي أن تسمني أنتي قبل أن تأتي إلى هنا.
فضحكت وقالت:
- وجهة نظر أيضاً..
- ما اسمك يا سيدي؟
قال:
- سيمور
قالت:
- ولماذا تتجاهلني سيد سيمور
فلم يجيبها فأكملت:
-حسنا عليك أن تتحمَلني مَلِكُكُم مَن قال أنكم ستساعدوننا بأشهُرنا الأولى، فنَظر إليها وقال عابس الوجه:
- لقد كان حظك بائساً باختياري مضيفاً لكِ..
فقالت باسمة:
- لا عليك .. أؤمن أنَ الحياة لا تعطي كل شيء..
فقال الرجل:
- أرى أن تعودي إلى غرفتك وتُغلقي بابك لقد نَفِذَ خمري ووقت قليل وسأصبح أسوأ مما تتخيلين.
قالت:
- سيقتلك هذا الخمر..
فأشار إليها محذراً كي تصمت، ثمَ أشار إلى غرفتها، فحاولت أن تنطق فألقى بزُجاجته إلى الأرض فجأة، وصرخ بها غاضباً:
- عودي إلى غرفتك.
فَانتَفض جسد أسيل ونهضت مضطربة الوجه لكنها لم تتجه إلى الغرفة بل اتجهت نحو باب البيت وغادرت إلى شوارع المدينة.
#####
كانت ساحة الإحتفالات بالمنطقة الشرقية لِزيكولا محتشدة بأهلها بعدما تجمعوا ليشهدوا ذَبح خائنة بلادهم كي تكون عبرة لأي شخص يقترب من سور زيكولا ووسط صياح الكثيرين لَوَح السياف بسيفه في الهواء قبل أن يهوي على رقبتها مطيحاً برأسها المغطى بِغطاء قماشي أسود لِيسقط متدحرجاً على منصة الذبح، وينكشف عنها غطاؤه ويظهر وجه نادين العاهرة ساكناً شاحباً تنساب من أسفله الدماء بغزارة، ثمَ صعِد قائد الحرس الزيكولي ليُمسك شَعر ذلك الرأس بين أصابعه ويرفعها عالياً صائحاً بمن أمامه من أهل زيكولا:
- إنهُ عقاب من يقترب من سور زيكولا، إنهُ عقاب الخيانة، ونظر إلى جندهِ وقال:
- فَليُمزَق هذا الجسد ويوزع على مناطق زيكولا أما هذا الرأس فلن أتركه حتى يخبرني بمكان الباقين وتحدث إليه في صرامه:
- عليك أن تخبرني أين ذهب الباقون وإلا سأُمزق هذا الوجه الجميل بِخِنجَري..
ففتح الرأس عينيه وتحدث خائفاً:
- سَأُخبرك سيدي سَأُخبرك.
- تُخبري مَن؟
سألَهَا يامن ضاحكاً، فتحركت إليه عيناَ نادين الناعِسَة قبل أن تتحرك بعيداً عنه في دهشة لتنظر إلى الشُعله التي تُضيئ الغرفة من حولها وإلى الغطاء الذي تنام بأسفله ثمَ نظرت إليه مجدداً وقالت:
-كابوس لَعين
-تُذبَحين
- نعم
ثمَ أكملت بعدما نهضت لتجلس على سريرها:
- سيمزق جسدي ويوزع على مناطق زيكولا.. وأضافت ساخرة:
- يبدو أن قدرهُ لَطالما كان ملكاً لزيكولا وأهلها
فقاطعها يامن:
- سيصبح كل شيء على ما يرام
فثارت سَاخطة:
- سنُذبَح لا محالة إلى متى نختبأ؟ إلى متى نستطيع أن نكمل حتى؟ لم يمضي سوى شهر وأصبح حالنا بائساً أخبرني إلى متى؟
فأجابها هادئاً:
- سيأتي يوم زيكولا وسنخرج حين يُفتح بابها،
- بعد سبعةِ أشهر
ثم نهضت وتركت فِراشها ووقفت بقميصها العاري:
- أخبرني كيف نكمل حياتنا هكذا إلى يوم زيكولا انظر إلَي لقد أصبحت بائسة بين جدران هذهِ الغرفة بسبب صديقك عليه اللعنة.. أخبرني كيف نكمل؟
ثمَ غَمغَمت:
- حتى أنت لا ترغب بجسدي اللعنة عليك أنت الآخر.
قبل أن يُفتح باب الغرفة ببطء ويدخل إياد مغطي رأسه بِغطاء رأس فأكملت في تذمُر:
- ها قد جاء البائس الثالث.
فقال إياد مُتجاهِلا حديثها:
- لدي أخبار جديدة.
فَنظراَ إليه مترقبين فقال:
- سيجتمع المجلس الزيكولي الأعلى ليضعوا قانوناً جديداً بشأن خيانة زيكولا لقد أوصاهم الحاكم بقانونٍ لا يفلت منه خائن.
فَنَطَق يامن في شرود:
- المجلس الزيكولي الأعلى؟.. سيكون أشد قسوةً بكل تأكيد.
كان الصخب يعم الأرجاء حين غادرت أسيل بيت المسن إلى شوارع الشميل، سارت تستكشف تلك المدينة وأهلها الذين تنوعت ملامحهم وألوان بَشراتهم كأنهم جمعوا مِن بلاد كثيرة بهذا العالم وأبصرت عربات مجرورة إنتشرت بشوارعها تحمل صناديق خشبية كبيرة مجيئاً وذهاباً، وإبتسمت إبتسامة مُرة حين وجدت عربة تشبه عَربتها بزيكولا، وواصلت تحركها دون أن تتحدث إلى احد، قبل أن تتوقف بجوار عربة ناداها قائدها متسائلاً:
- أنتِ من غُرباء الأمس؟
فإلتفتت إليه ووجدت بجواره فقير بيجاني كان على العربة ذاتها التي حملتها إلى الشميل، فأومأت برأسها إيجاباً، فتابع الرجل باسماً:
- ما رأيك في جولة بمدينتنا قبل بدءكم العمل غداً؟
فَإبتسمت وأشارت بيديها الخاليتين بأنها لا تمتلك مقابلاً فقال ضاحكاً:
- لا عليكِ تستطيعين إستغلال كَرَمي اليوم.
فَصعدت إلى العربة التي تحركت لتخرج من الشارع الجانبي إلى طريق أكثر اتساعاً، لم تتوقف عيناها مِن التلَفُت إلى جانبَيّ الطريق، المحاط بالمَباني المتماثلة يعجبها نظافة المدينة وشوارعها وطرقها المُعَبَدَة بقطع صخرية مستوية والأشجار وحيضان الورد التي تراصت على جوانبها، وأخبرها قائد العربة بأنه مضيف مَن بجواره من غرُباء بيجاناَ، وبدأ يتحدث عن عظمة أماريتا وعن قوة جيشها وعن أرضها التي تخرج لهم كل شيء وجبالها المليئة بالثروات ومناجم المعادن وخاصة الذهب .. غير بحر مينجا الذي يعطيها ما يكفيها، ثمَ سكت حين وجدها تراقب المدينة من حولها كلما مضت العربة للأمام وسألته بعدما لاحظت كثرة العربات التي تحمل صناديق خشبية:
- ماذا تحمل تلكَ الصناديق؟
فأجابها:
- سيوف ورماح ودروع ومصنوعات معدنية، إنَ الشميل المنطقة الصناعية الأولى في أماريتا..
وتابع:
- «أماريتا» بلد صناعية وتجارية كبيرة ستجدين تلكَ العربات بكل أرجائها تحمل صناديقاً .. هنا تُحمَل السيوف والرماح والدروع والمصنوعات المعدنية كما أخبرتُكِ، وفي «بيساناَ» تحمل خُضروات وفاكهة ومحاصيل زراعية متنوعة.. وفي «بُؤماَ» تحمل صناديقها أسماك وخيرات بحر مينجا، تجوب تلك العربات أنحاء أماريتا دون توقُف، ويتبقى فائض كبير تحمله سفن بحر مينجا إلى بلاد أخرى كثيرة، لا يترك مَلِكَنا قَدماً بهذا البلد لا يستغل ما تجود به أرضه..
فقالت:
- أرى أنكم تحبون مَلِكَكُم كثيرا
قال:
- نعم.. لقد كان نقطة فارقة في تاريخ *هذا البلد معه أصبحت أماريتا أقوى* البلدان.
فقالت أسيل:
- يبدو أنك لم تسمع عن زيكولا......
*************
يتبع ......
`
*أيام صـعبة ـ الحلقة التاسعة*
كملت العربة طريقها إلى الجنوب ووصلت إلى منطقة الشميل الوسطى وشقت طريقاً* *صخرياً واسعاً بنيت على جانبَيه قلعة ضخمة قد تحتوي آلافا من البشر داخلها، وعلى جانبه الآخر ظهرت في الأفق بُحيرات، قال الرجل إنها بُحيرات الشميل العذبه، ثمَ وصلت العربة إلى مَشارف المنطقة الجنوبية لـ ألشميل مع منتصف النهار منطقة سكنية كانت تشبه المنطقة *التي يسكنها العجوز الغريب، وإنتفض قلب أسيل حين وجدت أشخاصاً عرايا يجرون عربات صُغرى تحمل رجالا ونساء يبدوا على ملابسِهم الثراء، وتحمل أياديهم سياطن تشُق الهواء لتسقط ممزقه الجلود العارية دون رحمه، فقال الرجل بعدما لاحظ تغير وجه أسيل ومن معه:
*
ستَعتادان هذا المشهد كان عليهم إن يتحاشوا هذا المصير لقد جاءوا إلى هذا البلد أحرارا وأعطتهم أماريتا فرصه لم يستغلوها وتكاسلوا، لم يستطيعوا دفع ضرائبهِم فأصبح من حق أماريتا إن تبيعهم عَبيدا يفعل بهم سادتهم ما يشاؤون وإن عصوا أمرا واحدا تكفلت الجنود بتقطيعهم ارباً أمامنا جميعا..
ثمَ أردف:
- للغريب هنا فرصة عام كامل إن أصبح عبداً سيظل عبداً حتى يموت..
وأشار إلى عربة تجُرها إمرأة نحيلة:
- رجالاً كان أو إمرأة..
لا كرامة لِعَبد هنا هو من أضاعها بيده فإحذروا إن تقابلا هذا المصير..
فسكتت أسيل في قلق وسكت من معها، وتابعت تحركها إلى الجنوب لتعبُر هذهِ المنطقة السكنية وتَظهَر أمام أعينهِم سلسلة من الجبال المتجاورة فقال الرجل؛ جبال الرِيمِيوز ..جبال الثروات والمعادن، و كاد يتخذ طريقا رملياً متعرجاً يمتد نحوها.. فسألَته أسيل أن يعود بها إلى شمال الشميل حيثُ رَكِبت معه فوافقها البيجاني الآخر على ذلك..
توقفت العربة أمام بيت العجوز وهبطت أسيل بعدما شَكَرت صاحبها وتَمَنت للبيجاني الآخر حظاً موفقاً بيومهم التالي دَلفت إلى البيت حيثُ لم يكن بابهُ محكم الإغلاق، وجدت العجوز جالساً على الطاولة بمنتصف الرُدهه يتجرع خمره وأبصرت في تعجب زجاجات جديدة ممتلئة أسفل طاولته، فقالت:
- لقد عدت سيد سيمور..
فلم يقُل شيئاً ولم ينظر تجاهها وواصل تجرُع كوبه فأكملت تحركها إلى غرفتها ولم تُغادرها إلا صباح يومها التالي..
في صباح اليوم التالي، كانت عربة الشاب الأماريتي الذي رافقهم إلى الشميل قد أحيطت بغُرباء بيجاناَ بينهم أسيل ينظرون إليه في ترقب بعدما وَقَفَ اعلاها يحمل أوراقا وبدأ ينادي أرقاماً متتابعة يتبع كل رقم أحد أماكن الشميل ومر قليل من الوقت ثمَ نادى أربعُماءة وأربعة عشر فإِنْتَبهت أسيل قبل أن تجمد تعابير وجهها فجأة حين تابع:
-جبال الرِيمِيوز،
ثمَ إنتهى فوُزعت كل جماعة من الأرقام على عربات وفقا للأماكن المتقاربة، وصعدت أسيل إلى عربة أتخذت الطريق ذاته الذي سلكَته يومها السابق.
وصلت العربة إلى جبال الرِيمِيوز ثمَ إنحرفت لتسير بطريق رملي موازٍ لها، نظرت أسيل عن يسارها لتجد أسراب العاملين ينتشرون بأعلاها رجالاً ونساء وشباباً وعجزه، أُلوف من البشر تجمعوا في هذا المكان قسّموا إلى جماعات عدة إنتشرت على إمتداد بصرها غير مئات من العربات الخشبية كانت تصعد وتهبط طرقاً ممهدة ومتعرجَة تحمل صناديقً وعُمالً لَفَحت وجوههم إشاعة الشمس..
توقفت العربة بالقرب من إحدى جماعات العُمال وترَجَل الشاب الأماريتي وتحرك إلى رجل سمين قصير مدَور الوجه كان في إنتظاره أخرج أوراقه وسلمها إليه ثمَ إلتَفت إليهم وأمرهم أن يترجلوا جميعاً وبدأ ينادي أرقامهم مجدداً من أوراق أخرى وبينهم أربعُمئة وأربعة عشر فأشارت أسيل بيدها عن وجودها ثمَ إنتهى فأقترب منهم السمين وتحرك بينهم وتَفحصهم بعينيه وقال بصوت مزعج سمعه الجميع:
- لقد طلب منا الملك إنهاء العمل في هذا المَنجَم قبل نهاية العام الحالي وأريدكم أن تبذلوا قصارى جهدكم إذن ..
ستنضمون إلى باقي عُمالنا وستجنون أجراً مثلَهم لا فَرق بينكم وبينهم للثلاثة أيام قطعة نحاسية للشهر عشر قطع مَن يعمل بِجِد سيجني أجره كاملا وَمن يتكاسل يوماً واحداً فلا يسألني أجر خمس عشر يوماً وَليسدد ضرائبه صخوراً.
ثمَ قال عابِساً:
- إن لم تعمل سأكون أنا طريقك إلى العُبودية.
وتحرك أمامهم وقال:
- ستحملكم العربات كل يوم مِن شمال الشميل إلينا مع الفجر وستعود بكم مع غروب الشمس لدينا أقل من عام لنخرج خير هذا المَنجم الرجال سيكسرون الصخور أما النساء سيحملنهاَ إلى العربات لتُستخدم في صناعات أخرى بعيدة عنا..
ونظر إلى أسيل وألقى إليها وعاءً قماشيً لحمل الصخور وقال ساخراً:
- سيقوى هذا الجسد الضعيف مع العمل.
ثمَ نظر إلى الباقين وصاح بهم:
- أهل أماريتا الجدد فلتبدأوا عملكم.
بعد هذا اليوم مرت الأيام جميعاً ثقيلة متشابهة عربات خشبية تنتظر مع حلول الفجر بِناصية أحد شوارع ألشميل يسرع إليها العُمال ويصعدون إليها تتلاصق أجسادهم الهزيلة وتتحرك بهم جنوباً في طريقها إلى جبال الرِيمِيوز لتصل إليها بعد شروق الشمس فيبدؤون عملهم ومعهم أسيل التي فقدت مع أيامها الأولى جزءاً ليس بالقليل من وزنها وإختفت نضارة وجهها وجف جلدها وتشققت شفتاها..
كانت تتحرك حافية القدمين تحمل على ظهرها وعاء قماشياً قوياً ملئ بصخور مُقطعة لِتفرغه بإحدى العربات القريبة ثمَ تعود لِتملأه من جديد وإن تباطئت ناداها السمين الذي لا يكُف عن التَنقُل بينهم؛ أربعُمئة وأربعة عشر أسرعي وإلا لن تنالي أجرك فتُكمل طريقها إلى من يكسرون الصخور بِباطن الجبل دون أن تتحدث وتملأ وعاءها من جديد وتتجه به مجدداً إلى عربة الصخور وتنزلق قدماها بين حين وآخر وتسقط صخورها فتُعيدها إلى وعائها وتنهض وتكمل عملها حتى ينتهي يومها فتعود بها العربة إلى بيت مضيفها فتجد المسن البائس يجلس بِرُدهه بيته ثملاً أمام مصباح ناري لا يتحدث ولا يشعر بشيء من حوله يتناول خمره فحسب فتجلس لتأكل قليلاً من طعام رديء وضعه لها قبل مجيئها قبل أن تَدلُف إلى غرفتها في صمت وتلقي بجسدها المُرهق إلى سريرها حتى فجر يومها التالي، فَتنهض وتسرع إلى عربة العُمال وتكُمِل عملها كَيومها السابق لا يناديها أحد باسمها الكل يناديها بِأربعمئة وأربعة عشر وصارت تتحرك بين جماعات العُمال لا ترفع رأسها تحمل صخورها وهي تنظر إلى موضع قدميها كي لا تنزلق كعادتها وإن أصابها تعب أبطأت من حركتها ونزلت على ركبتيها لتلتقط أنفاسها قبل أن تنهض وتُتابع عملها وتخبر من حولها إنها بخير وأن جُرحت قدَمها ضمدتها بِقطعه قماشية مزقتها من فُستانها البالي ..
تتحرك من فوقها شمس أماريتا من الشرق إلى الغرب تحمل أشعتها الملتهبة كل يوم عناء لم تشعر به من قبل وجرحٌ جديد مؤلم بقدمها، فَتُحدث نفسها دون توقُف :
- سَيمر هذا العناء لن أُصبِح عبدَةً في هذا البلد الملعون لن يَمتَلِكني أحد..
و تحمل وعائها وتتحامل على نفسها وتواصل عملها حتى تغيب الشمس ليتوقف التعب مؤقتاً وتعود بهم العربات ليلا فتجلس بإحداها مستندة ظهرها إلى صندوقها الخشبي شاردة لا تتحدث وإن أبصرت العربات الصغرى التي يجُرها العبيد حين تمُر بمنطقة الشميل الجنوبية أبعدت عينيها ونظرت إلى السماء قبل أن تضحك بألم هي والباقون إن ألقى أحدهم بمُزحَة عن السمين متناسين آلامهم للحظات.
تتكرر أيامها ولياليها دون جديد نهار شاق بطيء وليل تهرول ساعاته ثمَ جاء ذلك اليوم حين أشتدت حرارة الشمس من فوقها وتصبب منها العَرق بغزاره وحَملت صخورها في إتجاه العربة ثمَ أبطأت مِن حركتها بعدما شَعرت بالأرض تهتز فجأة من أسفلها وتوقفت فناداها السمين بأن تُسرع للعربة فتحركت فإهتزت الأرض مِن أسفلها مرة أخرى فتوقفت مجدداً فصاح بها السمين غاضباً فَنظرت أمامها فوجدَت ما حولها يدور بها وزادت هزة الأرض من تحتها فسقطت على وجهها وسقطت معها صخورها وإنغمس رأسها بالرمال وأغمضت عينها وكأن الحياة توقفت لا تشعر بشيء مما حولها ولا بصوت السمين الذي ظل يصيح بأن تنهض وإلا لن تحصل على أجر هذا اليوم ومعه أجر يومين آخرين تسمع دقات قلبها التي تنبض بقوة وأصوات أنفاسها التي تعمقت ثمَ فتحت عينها ببطء إلى الفراغ أمامها فذهلت حين رأته بعيداً يقطع الصخور كان جسده العاري يلمع مع إشعة الشمس بعدما لف قميصه حول خصره كعادته قبل أن يلتفت ويسرع إليها لما وجدها قد سقطت وجثا على ركبتيه بجوارها ومد إليها يده باسماً، وقال :
- حبيبتي إنهضي ..
فمدت يدها إليه بصعوبة إبتسمت شفتاها الجافة المشققة حين قبل يدها ثمَ أرقدها على ظهرها مسح الرمال عن وجهها وقال مجدداً وهي تحدق به دون ان تنطق؛ حبيبتي إنهضي..
فلم تستطع أن تتمالك نفسها وإنزلقت دموعها على وجهها وإرتعشت شفتاها وقالت باكية:
- لست بتلك القوة لم أعُد استطيع يا خالد لم أعُد استطيع..
فأبتسم إليها ومسح دموعها عن وجهها بِيده وهوَ يقول:
ستستطيعين يا أسيل ستستطيعين.
ثمَ قَبَل رأسها ونهض وخطا خطوات للخلف مبتعداً عنها دون أن يعطيها ظهره وهي تحدق به ورأسها ثابت على الأرض ..حتى إختفى عن نظرها فأغمضت عينيها في طمأنينة قبل أن تشعر بإهتزاز جسدها وصياح كثيرون من حولها؛ أربعُمئة وأربعة عشر إنهضي، ثمَ شعرت بماء يغُمر
وجهها فَفتحت عينها فوجدت العاملين يحيطون بها وبينهم السمين وسألتها فتاة أخرى:
- هل أنتِ بخير؟
فأجابتها أسيل بتعب:
- نعم
فصاح بهم السمين كي يُكملوا عملهم وأن تنهض هي الأخرى ويكفيها ما أضاعته من وقت فنهضت بصعوبة حملت وعاءها وملأته بصخوره المُبعثره وتحركت نحو العربة تجُر قدميها المضمدتين تعبُر بهما الأرض الصخرية المكسره من أسفلها وتنظر إلى أمامها في يأس وتخطو في طريقها خطوة وراء خطوة.....
**********
يتبع .....
*هذيان مفاجئ ـ الحلقة العاشرة*
`تـم مـشـارڪـ𓂆ـه الـــ𓂆ـروايـة مـن اتــشـــ𓂆ــنـل ↷محيط الروايات`
https://whatsapp.com/channel/0029VaM22Q1GZNCs342ZUL3q
`تـابـع اتـشــ𓂆ــنـل لـــ حكاية قلب ↻•`
https://whatsapp.com/channel/0029Vafe8Y0LCoXAlQMb3B0g
مضت أيام أخرى بعدها كانت أسيل تُكمِل عَملَها وتعود إلى بيت المسن مساءً، فتغمر جسدها وفستانها بالماء ثمَ تتركه ليجف مع شروق الشمس، وإن جلست أمام مرآتها تحَسَست وجهها الهزيل الذي ضَمَرَت وِجنتاه وبرزت عظامه، نظرت إلى رقمها الموشوم على كتفها كأنها تندب حظهُ الذي أوقعها في هذا العمل، وهذا المسن الذي يسهر ليله وينام نهاره حتى طعامه الذي كان يعده أيامها الأولى لم تعُد تجده في أيامها الأخيرة، ثمَ تأوي إلى فراشها فَيمُر ليلها سريعاً لتنهض وترتدي فُستانها المبلل ويبدأ يوم جديد، لا يختلف عن سابقهِ شيئاً.
كان ذلك قبل تلك الليلة حين إنتهت مِن عملها وعادت بهم العربات إلى شمال ألشميل، ودلفت إلى بيت المسن فلم تجده برُدهته كعادته، فلم تعطيهِ بالاً، واتجهت إلى غرفتها وكادت تدلُف إليها فسمعت صوتاً بغرفته فتوقفت، ثمَ ألتفتت إلى طاولته الخشبية فوجدَت زجاجة خمرهِ مغلقه لم ينقص منها شيء، فَإندهشت ثمَ تحركت ببطء تجاه غرفته وإنقبض صدرها حين وجدت دماء داكنة ممتزجة ببقايا الطعام تناثرَ على أرضية الردهة أمام باب غرفته، دفعت بابه بحذر فوجدته ملقى على وجهه يهذي بكلمات متقطعة وقد أغرقت ملابسه بدماء مُتَجَلِطة .. أسرعت إليه وحدثته؛ سيد سيمور، فلم يجيبها فهزت جسده وصاحت به ثمَ نهضت وأحضرت إناء ماء وسكبته فوق رأسه فلم يحدث جديد فأدركت أنهُ غير واعي وأن تلك الدماء الممتزجه بقطع الطعام ليست إلا قيئ دموي، فحاولت أن تحمله إلى سريره فلم تقوى فأرقدته على جانبه وأسرعت إلى الخارج لِتُحضر طبيباً يساعدها بينما بدأ يهذي مِن جديد بكلمات مُتقطعة كانت أكثرهم وضوحا:
- كان يجب أَلا أُبحِر تلك الليلة.
فتوقفت قدماها للحظات .. ثمَ أكملت طريقها راكضةً إلى الخارج.
***
كانت شوارع المدينة مُزدحمة بِالمارة حين ركضت أسيل بينهم تسأل مَن تقابله أين تجد طبيبا فَدلها أحدهم إلى مَشّفى قريب فأسرعت إليه وعادت بطبيب شاب إلى بيت المسن الراقد مغيباً على أرضية غرفته، فَحملاهُ إلى سريره وحدثت الطبيب بأنها إعتادت أن تجده يجلس كل يوم جالس برُدهة بيته يتناول شرابه الذي يُدمنه وأنها فوجأت هذهِ الليلة بِهذياته فَظَنَت أنه ثَمِل قبل أن تجد قيئه الدموي فأدركت أنهُ مصاب بغياب لعقله وأن هذيانه هذا بداية لأغماء لِقصور كبده، فِاندهش الطبيب وسألها كيف علِمَت بذلك فلم تخبره إنها طبيبة وأخبرته مضطربة بأنها قد رأت حالة شبيهة من قبل، كانت عيناها مصفرة مثلَه، دمر الخمر كبدها وحدث معها مثلما حدث مع سيدها، فقام بفَحصه لِدَقائق ثمَ إنتهى فَهَز رأسه معجباً بذكائها وأشار إليها بأنها صائبة تماماً وأن قيئه الدموي هو ما أدخله في إغمائته وتمنى أن يكون نزيفه الداخلي قد توقف، حيثُ لم تُكتشف طريقة بعد لإكتشاف مدة هذا النزيف وإن كان قد توقف أَم مازال ينزف إلى لحظتهم تلك ليس بوسعهم إلا الإنتظار وإمداده بِسائل مغذي مُنقى عن طريق أوردتِه قام بتصنيعه عُلماء أماريتا مِن عُصارة الخرشوف البري حتى يستعيد كبده نشاطَه ويستعيد جسده عافيته ووعدها بأنه سيرسل مساعده لِإعطائه هذا السائل وإفراغ أمعائه مرتين باليوم علهُ يساعد جسده في إفراغ سمومه فَشكَرَته أسيل ثمَ حَدثته خجلة بأنها، لا تملك مقابلاً بعد فابتسم الطبيب وأخبرها إن أماريتا ترعى مُسنيها ولا ينال الأطباء أجراً مقابل علاجهم خاصة وإن كانوا من بحاري أماريتا مثل السيد سيمور ولن ينال مساعده مقابلاً هو الآخر فشكرته مجدداً ثمَ غادر وجلست هي بجوار المسن وأمسكت بيده وهمست إليه:
-أتمنى أن تنجو أيها البحار
***
كانت تلك هي المرة الأولى التي تمكث بها أسيل بغرفة المسن ولم تكن الأخيرة وجلست بجواره تراقب تفاصيل وجهه الشاحب المريض وحركات جسده العصبيه اللاإرادية المفاجئة وهَذَيانه بكلمات غير مفهومة بين حين وآخر، لم تُغادر غرفته إلا مع مجيء مساعد الطبيب لإفراغ أمعائه، ثمَ عادت إليه بعدما إنتهى جلست بجواره على سريره تمسك بذراعه مُقيدة حركاته اللاإرادية بعدما ثُبت بإحدى أوردتِه أنبوب معدني رفيع تدلى مِن إنبعاج معدني صغير موصول بزجاجة داكنة اللون كانت تمتلئ بسائل منَقى وعلقت على حامل معدني بِجوار سريره ثمَ غادر المساعد متعللاً بأنه لديه مرضى آخرين فأخبرته بأنها ستعتني به، وظلت بجواره ممسكة بِذراعه طوال الليل تقاوم بجسدها الضعيف عنف حركاتهِ المفاجئة لا يغمَض لها جفن تنظر إلى تفاصيل غرفته وأثاثها العتيق مِن حولها وإلى زجاجات خمرهِ الفارغه المُتناثرة بكل مكان ثمَ تُبصر قدميها المضمدتين بقُماش متسخ وتُحرِك أصابعها بألم كأنها تَتيقَن أنها مازالت بخير حتى حل الفجر وهدأت معه حركاته وهذيانه فاغمضت عينها في سكون وأخرجت زفيراً مريحاً ثمَ نهضت بحذر وأزالت سن الأنبوب المعدني المدبب عن ذراعه وضمدته بقطعة قماشية نظيفة كان قد تَركها مساعد الطبيب وجلست بجواره مجدداً ومرت بضع ساعات قبل أن يفتح عينه متعباً وتعجب حين وَجد ذراعه مُضمدا وأسيل بجواره، فَسألَهَا في إعياء شديد:
- ماذا حدث؟
فإبتسمت وأجابته:
- أخبرتك إن الخمر سيقتلك ولكن يبدو أنك نَجَوت هذهِ المرة.
فأغمض عينه لِلحظة ثمَ فتحها بثقل وسألها:
- هل أشرقت الشمس؟
فأجابته:
-نعم
سألها مجددا:
- ألم تذهبي إلى عملك؟
ردت عليه:
- لم أذهب اليوم
قال لها:
- لماذا
- كان لابد أن أرعاك حتى تنهض..
ألا تعلمين أنَ عدم ذهابك يوما سيكلفك أجر خمسة عشر يوما؟!
- اعلم هذا .. لكني خفت أن أتركك فتسوء حالتك دون أن يدري أحد.
فَنَظر السيد سيمور إلى سقف غرفته وقال:
- كان لابد أن تذهبي
فقالت:
لم أعتد أن أترك أحدً يموت كان بإستطاعتي مساعدته.
فقال:
- فَقدتي خمسة قطع نحاسية مِن أجل أَلا تَدَعيني أموت ! ستندمين أيتها الفتاة إنَ هذا الزمان ليس لأصحاب القلوب الرَقيقة
فقالت:
- لا تضع لِندمي بالاً يا سيدي..
ثمَ نَهضت وبدأت تُلَملِمْ زجاجات الخمر المتناثرة بأرضية الغرفة وقالت باسمة بصوت عالٍ سمعه:
- لا خمر بعد اليوم
فقال بصوت سمعته:
- أنكِ تحُلُمين
فأقتربت من سريره تحمل زجاجات الخمر الفارغة بين ذراعيها، وقالت:
إنني أتحدث بجديية، لقد كنت طبيبة زيكولا الأولى وكما قلت لك لم أعتد أن أترك أحدهم يموت كان بأستطاعتي أن أساعده.
وأكملت:
سأبذل كل جهدي كي يستعيد كبدك وجسدك عافيته..
ثمَ توجهت إلى باب الغرفة بعدما أغمض المسن عينه وكادت تغادرها فقال في إعياء:
- علمت منذ رأيتك للمرة الأولى أنكِ لستِ فقيرة، ما الذي جاء بك إلى أماريتا أيتها الطبيبة؟
فأقتربت منه مجدداً وجلست بجواره على مقعد خشبي ووضعت زجاجاته جانباً وقالت:
- إنهُ القَدَرّ سيدي.. يضع أمامنا طرقاً شتى ويوحي لنا بِأننا نملك اختيار طُرُقُنا .. ثمَ نَكتشف نهاية الأمر أنهُ مَن إختار لنا طريقاً ساقتنا إليه أقدامُنا بِإختياراتِنا نحن.
ولدت في بيجاناَ ثمَ إنتقلت إلى زيكولا بين العبيد حين كنت طفلة ثمَ أِشتراني رجل حكيم علمني الطب ثمَ أعتقني لِأُصبِح أمهر أطباء زيكولا ثمَ وضع لي القدَر حبيباً مِن عالم آخر كان اسمه خالد أرتطم به حصان عَربتي وأنقذ طفلاً مِن الغرق قبل قدومي إليه أحببت أختلافه عن باقي أهل زيكولا البُلَهاء عَلِم أنهُ لن يستطيع العيش بِعالمِنا فظل يبحث عن مخرج إلى سرداب بلده وأنا معه خطوة بخطوة ومع كل خطوة وضع لنا القدَر أناساً وأشياء لم تكن في حسابنا ثمَ تدخَل وتَقدم فجأة يوم مولد ابن حاكم زيكولا في وقت فقد مَن أحببته ذكاءه فأختير بين فقراء زيكولا ثمَ جاء دوري لأُحدد الأفقر بينهم فكان هو الأكثر فقراً يومها.. ولم أعتد أن أظلِم أحداً فخاض منافسة الزيكولا فاختاره قدره ليكون ذبيح عيدنا..
ثمَ ابتسمت وإلتمعت عيناها بالدموع وأكملت:
- أتدري يا سيدي لم أُخبِر أحدً من قبل عن تلك الليلة بعد أختيار الزيكولا لخالد لم أمُر بِلَيله أقسى منها ..
أن تسأل نفسك في الليلة ألف مرة لماذا لم تُساعِديه وتُعطيه مِن وحدات ذكائك منذ البداية، لماذا تركته ليصل إلى هذا المصير ويصبح ذبيح هذا البلد .. لم أكن أُدرك أن تكون أقسى لحظات الحياة حين تجلس لِيشتعِل رأسك بأسئله جميعها لماذا..
3
ثمَ قَرَرت أن أُزاحِم القدَر تلك المرة رغما عنه وأغيره بيدي وأعطيته مِن ذكائي ثروة تجعله ينجو مِن الموت ضاربة بقوانين زيكولا عرض الحائط وتركت زيكولا وكل شيءٍ حققته وأُعلنت خائنة لذلك البلد .. لِأعود إلى بلدي فيضع لي القَدَر اتفاقيه البشر مقابل الديون وآتي إلى هنا وَأُوشَمْ برقم يضعني بهذا البيت..
حلَقة تُسَلِّم أخرى .. لو فُقِدَت حلَقة واحدة بين تلك الحلقات .. حَلَقةٌ واحدةٌ فقط .. لَما كنت أحمل الصخور بهذا البلد أو أجلس بجوارك الآن في هذهِ الغرفة،
ثمَ تابعت بعدما صمتت برهة:
- كنت أظن أن القدَر سمح لي بِمنافستهِ لإنقاذ خالد .. ولكنه في الحقيقة تَركني أصنع بيدي حلقة مِن حلقاته أُكمِل بها طريقي الذي إختارهُ لي ..
كان خالد إحدى حلقات قدَري .. كما كنت انا إحدى حلقات قَدَره .. وقد أكون إحدى حلقات قَدَرك لِأكون بجوارك وأنت في إغمائتك .. وأحضر لك طبيباً ينقذ حياتك ويؤكد لي أنك مِن بَحاري أماريتا بعدما سمعت هذيانُك عن نَدمَكْ لإبحارك ذلك اليوم..
فسألها:
-هل قُلت ذلك؟
قالت:
-نعم
فصمت وأبتلع ريقه ثم أَغمض عينه وفتحها بعد لحظات وقال:
- ليتني أستطيع أن أفكر كيفما تُفكرين .. عشرون عاماً قضيتهُم داخل جدران هذا البيت لا أفكر إلا بِشيء واحد .. لماذا أبحرت تلك الليلة؟.. ليتني لم أُبحِر ..
لم أجد حلاً إلا الخمر كي أتناسى ذلك اليوم، ثمَ قال بصوت مرتجف:
- كانت جميلة .. بيضاء كالثلج .. ناعمة كالحرير .. كنت أقوى على بحر مينجا بشوقي إليها، أُبحِر لِأرى وجهها بِالسماء في أمواج مينجا في كل شيء مِن حولي أتحدث إليها .. لم تكن زوجةً فقط .. كانت رياحي التي تحرك شراعي .. ثمَ كَبِرت بطنها وعلِمنا أن مولوداً في طريقهِ إلينا فزادت معه أحلامُنا .. وعدتها بإننا سننتقل يوماً إلى حقول «بيسانا»َ لأبني لها بيتاً كبيراً تحيطَهُ حدائق مثمرَة تتدَلى مِن أشجارها حَبات الكروم الذي تحبهُ ..
ثمَ مر كل شيء سريعاً شعرت بِمدى تعبها فأردت أن أبقى بجوارها فأخبرتني إنها بخير سألتني أَلا أتَكاسل وأن أواصل عملي فأخبرتُها إنني سأعود إليها قبل أن تضع مولودنا .. وأبحرّت تلك الليلة..
ثمَ أَغمض عينه وفَتحها لِتلمع بِدموعه:
- عدت فلم أجدها ..
أخبَرني الطبيب وقتها أنها تألمَت كثيرً تَعجل موعد وضعها فجأة .. كان رأس الطفل كبيراً ولم تقوى على فِعلها أخبروني أن صراخها باسمي كان يَرُج أركان ألشميل، حتى سكتت فجأة، ولم يسكت سؤالي لماذا تركتها وأبحَرت تلك الليلة، و لم أُغادر بيتي بعدها، لا يدق بابي إلا حامل مَنح الملك لِبَحاري أماريتا وحامل الخمر وحامل الطعام وهذهِ الأيام أنتِ ..
ثم أكمل :
- كان حظك سيئا بالمَجيء إلى هنا
فقالت أسيل:
لا أؤمِن بالحظ يا سيدي .. إنني أؤمِن بالقدَر..
ربما إن بقيت يومها لَماتت أمامك ولم يغادر صراخها أُذنيك فأصابك الجنون، ربما عاشت وإفترقتُما لاحِقاً، ربما غادرتُما ألشميل إلى بيساناَ وحدائق الكروم كما كنتما تحلُمان وحدث ما لم تتوقعانه، جميعها طرق لكن القدَر إختار طريقاً واحداً .. تموت زوجتك منذ سنوات وتُدمن أنت الخمر لِيقتُل الخمر كبدك تسوء حالتهُ تلك الأيام يدخلك في إغماءه لعقلك .. تهذي بكلمات أمامي عن تلك الليلة ..
حلقاتٌ جميعها مُتَصلة إن فُقدت حلقة واحدة لم تكن لتصبح أنت صاحب الحلقة الجديدة مِن حلقات قدَري..
فَنَظَرّ إليها العجوز وسألها:
- أي حلقة؟
فأجابته:
- أن تعبُر بي هضاب ريكاتا.......
يتبع .......
🍒❤️
`لـ: ~_*✦༺༽مــتــمــرده༼༻✦*_~ة`✨💘