«اللقاء الآخِير»
حينما مرَّ آخِر أسبوعين قبل امتحانات الفصل الدِّراسي النّهائي لم يَكُن أڤناي يذهب فيهم إلىٰ الجامِعة كان يَطلُب من مُحمّد تسجيل المُحاضرات كي يسمعها .
كانت راجية تُحاول أن تعرِف دائمًا لماذا لا يأت أڤناي إلىٰ الجامِعة في آخِر أسبوعان لكنّه كان يخبِرها أنَّ والِدته مريضَة وعليهِ أن يَجلِس في المنزل تلك الفترة، وانقطع تواصُلَهُ معها حتّىٰ إنّها كانت تسأل صديقهُ مُحمّد عنهُ كثيرًا وكان ما يَرُد دائمًا هوَ بِخَير والحمدُ للّه كما قال لك مَرض والِدَتهُ فقط من حَكَم عليهِ أن لا يُغادر المنزل ،وكان يقول إن شاء اللّه نراه قريبًا في الامتحانات النِّهائيّة.
الآن وقد حانَ وقت امتحانات الفاينل كان أڤناي يذهب لِكل امتحان ويَخرُج عائدًا للمنزل دونَ أن يرىٰ حتّىٰ صديقهُ مُحمّد حينما كانت تَتّصل عليهِ راجية؛ لتطمئن عليهِ كانت دائمًا ما تَجِدُه قد وَصَل المَنزِل واستمرَّ الحال علىٰ هذا النّحب
حتّىٰ آخِر امتحان طلبت راجية منهُ أن ينتَظر ذلك اليوم لكنّهُ رَفَضَ بِحُجّة مرض أُمه
فإذا بِه يسمع راجية في الهاتف تقول ما ما الخَطب أڤناي لماذا تغيّرت فجأة هل حدث منّي شيء كنت أود أن أجلس معك اليوم بعض الوقت قبل أن أغادر المدينة كلّها ،الآن لا تود أن تراني ولا أن تودِّعنِي علىٰ أي حال سَأتُرُكَك كما أحببت لكن ستجِدُني دائمًا في الحديقة الثالِثة كما تعوّدت أن تراني بِها وأغلقت المُكالمة بعدها .
أنتهىٰ أڤناي من الامتحان وقابل صديقهِ مُحمّد إذ بمُحمّد يسأله هل ستذهب لتوديع راجية اليوم قبل أن تُغادر المدينة أم لا؟ لم يَكُن لأڤناي رد لكنّهُ بعد مدّة قال نعم سأذهب فأخبرهُ مُحمّد حسنًا اذهب وبعدها أتصل بي كي نجلس سويًّا قليلًا وبالفِعل وافق أڤناي
ذهب أڤناي إلىٰ الحديقة الثالثة فوجد راجية في نفس المكان الّذي اعتادت أن تجلس فِيه.
راجيه :-أڤناي كَيف حالُك ماذا حدث لك لماذا تغيّرت فجأة حتّىٰ توديعي لا ترغب فيه!
لم يَكُن أڤناي يتفوّه بكلِمة كان يجلس أمامها فقط، كانت راجيه تُحدّثهُ عن ترتيبات السّفر
حتّىٰ استوقف حديث راجية سؤال أڤناي «مش هشوفك مرّة تانية صح ..!»
حتّىٰ أكملت راجية حديثها وقالت لا أعتَقِدُ ذلك يا أڤناي لم يَعُد لَدي أي شيء يجعلَني أرجِع هُنا مرّة أُخرىٰ لقد توفّىٰ أبي قبل عام، وكانَ علينا المُغادرة لكن كُنت بدأت الدّراسةِ فما كانَ مِنّا سوىٰ أن ننتظر انتِهاء العام ونَعود.
بَعدَ تلك الكلمات وَجَدت راجية اتّصال من أُمِّها تَطلُب منها الإسراع حتّىٰ تُساعِدهُم في تجهيز شُنط السّفر لِذا استأذنت راجية أڤناي ،وقالت له الكلمات الآخِيره سُرِرتُ كثيًرا بِمعرفتك أڤناي أنت من الأشخاص الجيّدة أعلم أنَّ فرصة لقائي بِك مرّة أُخرىٰ تَكاد تَكُون أشبه بالمُستَحيل لكِن حتمًا سأظل أتذكّرك أتمنّىٰ أن لا تنسانِي ياصديقي ،خل بالك من نفسك
ودَّ أڤناي في تلكَ اللحظة أن يسألها سؤالًا﴿أخل بالي من نفسي اللي سابتني ورايحة معاكِ علشان مالهاش أمان غير معاكِ..!﴾
لم يكن أڤناي يتفوه بأي حرف كل ما كان يفعَلهُ هوَ النّظر إليها كأن عيناه تَحفظ ملامح وجهِها كأنّه يعلم أن اللِقاء مرّة أُخرىٰ سيكون مُستَحِيلًا
بعد أن ذهبت راجية جاء مُحمّد إلىٰ المكان الّذي يجلس فيهِ أڤناي وقال أعلَم أنّكَ لا تود التّحدّث وليسَ لديك طاقه لِذلك لكن« راجية لم تَكُن من نصيبك أڤناي يومًا»
إنّها الجُملة الّتي أفاقت أوجاع أڤناي المُخمدة مرّة أُخرىٰ ليست مِن نصيبي !هل كُنت كل هذا الوقت في وهم كانت كل تلكَ الأشياء الّتي تحدُث لِتُخبِرني أنّها لي مُجرّد صُدَف !
يَشهد اللّه عليّا أنّي دَخلت الجامعة وأنا مُبتلي مئة مرّة وعندما رأيتُها قُلت إنّها عَوضي لم أكُن أعلم أنَّ سهم رجائي سَيَخيب هذهِ المرّة.
الأمر مؤلم جدًا أكثر بِكثير من أن تشرحَهُ كَلِمات هل تعِي معنَىٰ أن يتحوّل الشّخص الّذي أحببتَهُ لدِرس في حياتك أن تظُن أنّها نهاية المطاف وأنّه عوضك فيتحوّل لِدرس جديد الّذي كان يُردِّدهُ أڤناي في ذاك الوقت أمام مُحمّد « ماكونتش عاوز أخد درس حياتي فيها يامحمّد أنا فعلًا حبّيتها كنت أتمنّىٰ لو مليش نصيب في حاجة ما شوفهاش، ماتعدّيش عليّا، ماعرفش حتّىٰ إنّها موجودة»
لم يكُن محمّد يتفوّه بأي كلِمة لأنّه يعلم أنَّ جميع عِبارات المُواساة لن تواسي صديقهُ ،لكِن كانَ يدعو له بإن يُهَوّن اللّه علىٰ قلبِه ويُعينه علىٰ هذا البلاء
وَبعد قليل من الوقت قرّر كلاهُما المغادرة للمنزل.
بعد أن رَكبَ أڤناي القِطار أسند رأسهُ إلىٰ النافِذة قائلًا «ودّعتُك ودّعتُك وأنا خاطري فيك ».
أتعي معنىٰ أن يترُك الإنسان الأشياء الّتِي تعلّق قلبهُ بِها وَهوَ مازال يُريدَها!
أڤناي كانَ مُشتّت جدًا حتّىٰ حينما كانَ يُناديه بائع التذَاكِر كي يتأكّد من شرائه التذكرة لم يَكُن يُجيبه لكن كانَ هُناك رَجُل عجوز يجلس أمامه شدَّ منه التذكرة ،يقول العجوز كُنت أعلم ذاك الشّاب من غير أن أعلَمه حينما كُنت أركب معه كلَّ يوم في القطار كانَ في عيناه آمال لِحبًّ يتمنّىٰ أن يدوم يبدو أنَّ اختياراته لم تُصِب سهم آمانيه أو أنّها أصابت لكن لم يتم قبولها
حينما وصل أڤناي للمنزل كان متعبًا جدًا قالت والِدتة أڤناي لماذا تأخّرت إلىٰ هذا الحَد نظر إليها أڤناي ولم يتحدّث لكنّهُ سأل نفسه كيف لكِ ألّا تُلاحظي تعبي يا أُمّي
استلقىٰ أڤناي علىٰ السرير حتّىٰ شعر بِثُقل جِسمه لأول مرّة لم يَكن يود النّوم بقدر ما كان يود البُكاء ومن فرط البُكاء الّذي كانَ يبكيه نامَ فجأة .