الفصل التالت
---
**ظل الضباب**
.
.
.
حياتها في المنزل كانت أشد قسوة مما يمكن أن تتحمله فتاة في مثل سنها. منذ أن توفي والدها، الذي كان مصدر الأمان والدعم في حياتها، تحولت حياتها إلى جحيم لا يرحم. كان والدها هو الشخص الوحيد الذي يفهمها ويحتويها، وعندما رحل، خلف وراءه فراغًا هائلًا لا يمكن ملؤه. أصبحت سوزن وحيدة في مواجهة عالم لا يبدو رحيمًا.
عائلتها لم تكن فقط غير قادرة على تقديم الدعم، بل أظهرت قسوة وتعاملًا جافًا تجاه مشاعرها. كانوا يعتبرون فقدان والدها مجرد أمر يتعين عليهم تحمله، وبدلاً من أن يكونوا سندًا لها، أصبحوا مصدرًا لمزيد من الضغط. كان لسانهم مليئًا بالانتقادات، وكلماتهم تعبر عن الاستياء والبرود. كلما حاولت سوزن التعبير عن حزنها أو طلب المساعدة، كانت تجد نفسها أمام نظرات غير مبالية وتعليقات قاسية تُعمّق جراحها.
كانت سوزن تذهب بانتظام إلى قبر والدها، في محاولة يائسة لتجديد ارتباطها به، ولتخفيف الأحزان التي تراكمت في قلبها. في كل زيارة، كانت تقف بجانب القبر، تبكي بشهقة لا تنقطع، وأحيانًا تظل على ركبتيها، مغمورة في موجات من الحزن والشوق العميق. كان القبر بالنسبة لها ليس مجرد مكان للراحة الأبدية، بل كان ملاذًا لمشاعرها المكبوتة، ووسيلة للتواصل مع والدها الذي فقدته بشكل مفاجئ.
في تلك اللحظات التي كانت تقف فيها بجانب القبر، كانت تشعر بأنها تحلق في عالم آخر، عالم يتجاوز قسوة عائلتها وضغوط الحياة اليومية. لكن بمجرد عودتها إلى المنزل، كانت تجد نفسها مرة أخرى محاصرة بين قسوة العالم وظلامها الداخلي، دون أن تجد أي مرفأ آمن يخفف من حدة الألم.
تضاعف ضغط عائلتها الذي أضاف عبئًا جديدًا على كاهلها. تعتمد على هاتفها النقال كوسيلة للهروب من واقعها المرير، تقضي ساعات طويلة في عوالم افتراضية، محاولةً نسيان الألم ولو لبرهة قصيرة. لكن رغم ذلك، كان الهاتف يُضيف إلى شعورها بالوحدة، حيث كانت تدرك أنها تغرق أكثر في العزلة.
تسير أيام سوزن في دوامة لا تنتهي، تجمع بين فقدان الأمل وتراكم الألم. تبحث عن مخرج، لكن كل ما تراه هو ظلام كثيف يغلف حياتها. وفي خضم هذا النفق المظلم، تبدأ في البحث عن الضوء الذي قد يخلصها من عذابها، عسى أن تجد يومًا ما طريقًا يقودها إلى الشفاء والراحة التي تفتقدها بشدة.
---