حالنا حال مكسور لكن صامد..
أما الآن أصبحت رفح شبه فارغة من السكان فقط قلة قليلة منهم هناك والاحتلال أنذر بالإخلاء وما باليد حيلة اجبرنا على الرحيل مرة أخرى وجميع السكان الآن ذهبوا إلى دير البلح أو خانيونس ، الاحتلال يريد الآن رفح ليفتفتها ليدمرها ليصعقها صعقة كغزة و خانيونس تشل حركتها مؤبداً .
الاحتلال أتعبنا لا يتركنا و شأننا لا يعطينا حقنا يقهرنا ويعيشنا أيام صعبة أيام نتمنى لو أنها مجرد حلم سيء و نستيفظ منه ، الاحتلال لا يريد إلا أن يتعالى ويفرض ويُتَنَفَذْ مهما كلفه الأمر .
عندما ينزح الناس من مكان لمكان بأثناء تحيملهم لأغراضهم من معلبات ودقيق وملابس وفراش إلى السيارة أو الشاحنة أرى في عيون كل شخص الإستياء والقهر يشعرون بالذل والحزن المرهق للقلب والمضيق على النفس يحاولون تمالك نفسهم ولكن تغلبهم دموع عيونهم فتنهمر كشلال على وجنتيهم حزناً على حالهم و مصيرهم ، فيرفعون رأسهم للسماء ويقولون الحمد لله على ما عشناه من خيرك وبركتك وسترك .
ما أريده وما نريده هو حياة كريمة بعيدة عن الظلم والاستبداد والتدنيس والجبروت والتحكم ما نريده هو حياة عادية نحن نزرع بها بذورة سعادة فتنمو وتثمر حكاية مبهجة .
عائلتي الآن في خانيونس ، صنعنا خيمتنا على أيام واليوم هو اليوم الثالث لنا في خانيونس ، سأروي ما عشناه في الوقت الذي انتقلنا به من رفح لخانيونس ، بعد أن حمّل إخوتي وزوج أختي وأبي أغراضنا في الشاحنة وبعد أن إلتقطُ بعض الصور لمكاننا انطلقنا في طريقنا بعد أذان العصر وتوكلنا على الله وتركنا أمرنا له ، لم يكن نزوحنا لخانيونس سهلاً ولم يكن لباقي الناس فأثناء سير الشاحنة كل حينٍ تتوقف وينزل من حمّلوا أغراضنا لدفعها ويقوم السائق بمحاولة تشغيلها ، وتسير بعد وقتٍ ومن ثم تتوقف ويفعلون نفس الشيء ينزلون ويحاولون دفعها بقوة ولا أقول أن الشاحنة كانت تحمل حمولة خفيفة الوزن بل كانت ثقيلة ، نزل ودفع إخوتي الشاحنة ما يقرب ١٠ مرات وبتعب وفي لحظة من لحظات توقفها توقفت مدة طويلة في ظلمة الليل وبين بيوت مقصوفة مهدومة وزنانات الاحتلال فوقنا شعرنا بخوفٍ شديد ارتعبنا وفي هذا الحين نزلت طائرة علينا وانتظرت لبعض الوقت ونحن مهلوعين ننطق بالشهادة ونستغفر الله ونتمنى حفظه لنا ونرجو رحمته فليس لنا معين في هذه اللحظة وفي كل لحظات عمرنا إلا الله -تبارك اسمه- ومن ثم ذهبت وذهبت معها روحنا من الخوف ولكن الحمد لله بأنه حفظ أهلي ، كنا نسير بالشاحنة بحثاً عن مكان فارغ ننصب به خيمتنا ولكن لم نجد من عتمة الليل ولأن كل مكان نذهب إليه يكون حوله عشرات البيوت المقصوفة فكنا نخاف ونغادر إلى أن حلَّ منتصف الليل ،فاضطرننا للبيات عند خيمة خالي حتى يحلَّ الصباح وفي الصباح الباكر وجدنا مكان قريب من خيمة خالي وبالطبع حوله بيوت مقصوفة ولكن كنا مضطرين ولا يوجد مكان إلا وبه بيوت مقصوفة .
واليوم هو الثالث لنا بخيمتنا الجديدة والحمد لله نحن بخير صحيح بأننا نجد صعوبة كبيرة في نقل الماء لأنها بمكان بعيد عنا لكن دائماً واجب علينا حمد الله على كل شيء حتى أبسطها والحمد لله وحده .
كما كتبت سابقاً بأن كلماتي المتواضعة لا تصف مشاعر النازحين لحظة بلحظة لكني أحاول أن أجعلكم تتصورون ما نعيشه بعقلكم وأتمنى أني إستطعت ، الحزن الذي نعيشه و النفسية المهتكة والحال العصيب الذي نمر به الذي يجعلنا تعساء مكسورين الخاطر نبكي بكل لحظة بكل لحظة عند تذكر مفقودينا الشهداء ونتمنى لهم الرحمة والمغفرة.
حالُنَا حالٌ مكسورٌ لكن صامد
حالُنَا حالٌ متهتك لكن شاكر
متعبين حزينين مخذولين تعساء
نرى السعادة من بعيد
نرى الحرية بالزنازين
نريد العيش نريد الأمان
نريد الحياة ..
كم أكتب وكم أقول أتمنى لو يقرأ كتابتي هذه كل العالم صحيح بأنها بسيطة لكنها معبرة عمّا نعيشه.