لماذا هو؟
في صباح اليوم التالي استيقظت كعادتي في الخامسة صباحًا لممارسة الرياضة في الصالة الرياضية، فشخص مثلي يجب أن يحافظ على جسد ممشوق وصحي. عدت بعد التمرين إلى البيت لأتناول فطوري المعتاد المكوّن من البيض المسلوق والأفوكادو وبعض الخضراوات المطهوة بالإضافة إلى كوب من العصير الطبيعي. في الحقيقة أنا لا أحب أيًا من ذلك، لقد اعتدته فحسب كما اعتدت كل شيء في حياتي. لا شيء بالنسبة لي له طعم أو لون أو رائحة. أنا أرى الحياة رمادية. كل شيء فيها متشابه.
يقوم المساعدون الذي عينهم لي الرئيس بالاهتمام بالتفاصيل اليومية المملة كملابسي، وطعامي وتسريحة شعري، ومكياجي؛ وذلك ليتسنى لي التركيز على العمل.
وصلت إلى المقر الرئيسي لمجموهة المسيري وأخذ مراد -سكرتيري الخاص- بإلقاء جدول أعمال اليوم على مسامعي بينما نتجه إلى مكتبي.
لست محبوبة من قبل العاملين لدي، ولا يهمني ذلك حتى، المهم هو أن يخافوني ويدركوا مدى قدرتي وسلطتي، وأن يقدموا عملًا مثاليًا كما يليق بالشركة التي يعملون بها. أنا واثقة أنهم يطلقون علي أسماء وألقاب بشعة من وراء ظهري، ولكن ذلك أيضًا غير مهم. فحتى أنا لا أحب الرئيس عزام، وأمقته بيني وبين نفسي، ولكن المهم هو ما يبديه المرء وليس ما يبطنه. يكرهني البعض بسبب انحيازهم لمروان ابن عمي الذي ظن أن عمه الحبيب سيمنحه منصب الرئيس التنفيذي، ولكنه تفاجأ كم تفاجأ معظم حاملي أسهم الشركات بأن الرئيس منحني أنا ذلك المنصب. كرهني مروان منذ ذلك الوقت، فهو يعتقد أنه أحق بذلك المنصب، فأخذ ينشر في الشركة أنني لا أستحق المنصب، وأنني لا أقوم بالعمل على أكمل وجه.
توجب علي حضور اجتماع في التاسعة صباحًا، وقد كان الاجتماع مرهقًا بما فيه الكفاية بالنسبة لي. كان يجدر بي توبيخ الموظفين وتأنيبهم على إهمالهم وأخطاءهم. كالعادة أسامحهم -لأنني طيبة القلب- وأترك لهم المجال لتصحيح أخطاءهم مع تكليفهم بأعمال إضافية كنوع من العقاب.
كنت أحتاج إلى الراحة بعد ذلك الاجتماع المثير للأعصاب، فاتجهت إلى مكتبي لأنال بعض الراحة. لم تمر بضع دقائق منذ جلوسي على المكتب قبل أن يبلغني مراد عبر الهاتف في مكتبي أن الرئيس يستدعيني لمكتبه. سرت رعشة في جسدي، فأنا لم أكن على علم أن الرئيس هنا اليوم. تُرى ما سبب استدعاءه؟ هل أخذ جولة في إحدى الشركات ولم يعجبه الحال هناك؟ هل استدعاني ليوبخني؟ رغم أنني لم أعد طفلة صغيرة إلا أن استدعاء الرئيس لي مازال يبث الرعب في داخلي.
طلبت من سكرتير الرئيس أن يبلغه بقدومي، فدخل إليه لأقل من دقيقة، ثم عاد وأشار إلي بالدخول. أخذت نفسًا عميقًا، ثم فتحت باب المكتب، وخطوت بضع خطوات لأقف أمام مكتبه. كان ينظر إلي دائمًا نفس النظرة الحادة الفاحصة التي تصيبني بالتوتر. بعد ثوان من الصمت قال الرئيس:
- كيف حال العمل؟
ازدردت ريقي ثم أجبته بتوتر شديد حاولت إخفاءه: - كل شيء على ما يرام. أجابني بلا مبالاة:
- نعم، نعم أنا واثق من ذلك.
رغم نظراته التي تخيفني دائمًا، إلا أنه يبدو هادئًا على غير عادته، مما جعلني أتساءل عن سبب استدعاءه لي. قطع الرئيس حبل أفكاري قائلًا:
- ما رأيك في عمر؟
أجبته في غير فهم:
- معذرةً؟
فقال:
- هل تذكرين عمر أنور الذي عرفتك به وبوالده بالأمس؟
كثيرًا ما عرفني والدي بأناس لم ألقِ لهم بالًا ولم أعطهم أهمية، فأنا أذكر الأشخاص الذين تربطنا بهم علاقة عمل فحسب. ولكن عمر أنور ذاك الوقح الذي لم يعرني اهتمامًا بالأمس كنت أذكره على نحوٍ خاص. أجبت:
- نعم أذكره.
نهض الرئيس عن مكتبه وتجول في الغرفة قليلًا ثم وقف أمام النافذة وقال:
- لقد أخبرني والده أنه يبحث لابنه عن عروس.
لم أكن أفهم حتى الآن ما يرمي إليه الرئيس، فبقيت صامتة. تابع هو:
- أعتقد بأنكما ستشكلان ثانئيًا جيدًا.
استدار الرئيس لينظر في وجهي متفحصًا، والحق أنني لم أملك أية مشاعر في تلك اللحظة، فبقؤ وجهي جامدًا دون أية تعابير. أنا أعلم جيدًا أنه لم يستدعني ليأخذ رأيي أو يشاورني، بل استدعاني ليعلن لي قراره بتزويجي من ابن زميله. بعد دقائق من الصمت المطبق سألته:
- لماذا هو بالتحديد؟
اتجه الرئيس نحو مكتبه وهو يقول:
- سيكون من الرائع التعاون بين مجموعة شركات المسيري المختصة في المقاولات والبناء مع شركة النصر لمواد البناء، كما أن الفتى وسيم، وستبدو صوركما معًا على أغلفة المجلات رائعة.
ابتسمت بسخرية في داخلي، فهذا هو والدي الذي أعرفه. ما كان ليقدم على قرار كبير كهذا بدون أن تقبع وراءه مصلحة تجارية. بقيت صامتة لا أعلم ما يجدر بي قوله، ولكنه كسر ذلك الصمت قائلًا:
- سأدبر لك موعدًا للقاءه، يمكنك الانصراف الآن.
هكذا ببساطة! يريد أن يزوجني شخصًا مثل عمر فقط لتحقيق تعاون تجاري! عرفت طيلة حياتي أنني سأتزوج بطريقة كهذه، ولكن لمَ يجب أن يكون عمر؟ لماذا اختار أبي أكثر شخص لم يبدِ لي أي اهتمام أو احترام لأتزوجه؟ كاد رأسي ينفجر من كثرة التفكير.