سلوى جمال
أنا سلوى جمال، زوجة حيدر نور الدين، و والدة كل من سامر وزُهير. وأنا أيضًا الزوجة السابقة لعزام المسيري ووالدة مايا المسيري.
تزوجت في بداية حياتي بعزام المسيري ذاك الرجل العسكري جامد المشاعر ومتحجر العقل والفكر. لم يكن زواجي به من اختياري، فقد اختاره لي والدي رحمه الله بسبب سمعة عائلته الطيبة، وكذلك بسبب رتبته المرموقة في الجيش وراتبه الذي كان كفيلًا بتوفير حياة كريمة لنا. لكن كما يقول البعض فإن الزواج يشبه ثمرة البطيخ؛ لا يمكنك أن تعرف إن كانت حمراء أم لا قبل أن تفتحها. كان يجب أن أتزوج عزام لأكتشف عيوبه واحدة تلو الأخرى. لم يكن عزام يفرق بين معاملتي ومعاملة جنوده في الجيش؛ فقد كان قاسيًا وحازمًا لا يقبل بالنقاش في قراراته أو الاعتراض عليها. صحيح أنه وفر لي كل ما هو مادي، ولكنه في المقابل حرمني من كل ما هو معنوي ومرتبط بالمشاعر.
لم يبالِ أبدًا إن كنت مستاءة منه أو حزينة، ولم يسأل يومًا عن رأيي في أي قرار يتخذه في حياتنا. اعتاد دائمًا على مخاطبتي بلهجة عنيفة وقاسية، وإذا أخطأت في شيء مهما كان بسيطًا كنت أسمع منه كلامًا يسمّ البدن ويجرح الروح والكبرياء. لطالما شعرت بالراحة عندما كان مشغولًا بالعمل ولا يعود إلى المنزل، فقد كنت أرتاح من لومه الدائم لي وأسلوبه الغليظ.
لم أكن سعيدة كأي أم عندما عرفت بحملي. عرفت أن هذا الطفل سيعاني كما أفعل أنا. أنجبت طفلة صغيرة هي قطعة من القمر. لقد عنت العالم بالنسبة لي.
لقد عانيت كثيرًا لاختار اسمها الذي كان عزام يقرر أن يسميها على اسم والدته. احترم والدة عزام بالطبع، ولكنني أردت أن أعطيها اسمًا ليس بقديم فيسخر منها أقرانها فيما بعد، كما أنني ارتأيت أنه من حقي أنا كأمها أن أمنحها اسمًا. عشنا أنا وابنتي "مايا" عامين هادئين، ولا أقصد بهادئين أنه كان خاليًا من بكاء مايا، وإنما كان خاليًا تقريبًا من صراخ عزام واعتراضاته. تعمّد هو في البداية أن يبيت في بيت أهله أو في العمل تجنبًا لبكاء ابنتنا الذي كان يزعجه ويمنعه عن النوم. وبعدها بفترة وجيزة سافر في رحلة عمل إلى بلد آخر. لم آبه كثيرًا بسبب غيابه، كنت سعيدة فقط أنه غير موجود و أنني أنعم بالهدوء والسكينة وبمايا.
لم يدُم ذلك الهدوء طويلًا، فقد عاد عزام من رحلة عمله بإصابة في ظهره. تلقى عزام العلاج في المستشفى، ثم واظب على جلسات العلاج الطبيعي، ولكن إصابته كانت بالغة لدرجة أنه لن يستطيع مواصلة خدمته العسكرية. كان ذلك كابوسًا بالنسبة لي أكثر مما هو بالنسبة له. فهذا كان يعني بقاء عزام في البيت لوقت أطول، مما يعني مشاكل أكثر وصراخ أكثر.
بدأ عزام التركيز على كل تصرفات مايا، وكان يصرخ فيها بشدة عندما يراها تتصرف بعفوية وطفولية كأن ترسم على الجدران أو أن تلطخ نفسها بالطعام. كانت مايا المسكينة تركض إلي لترتمي في حضني في كل مرة يصرخ فيها والدها. كنت أتقبل توبيخه لي على تصرفات مايا واتهامه لي بالتقصير والإهمال في تربيتها وتعليمها آداب السلوك، ولكن ما لم أقبله هو تصرفاته العنيفة تجاه ابنتي. كنت أتشاجر معه بصوت عالٍ بشكل شبه يومي، وكانت مايا المسكينة تجلس في أي ركن وتضم ساقيها الصغيرتين إلى صدرها وتحاول إغلاق أذنيها بيديها بينما تنهمر الدموع من عينيها في صمت.
استمر الحال على ذلك المنوال لمدة ثلاث سنوات. ثلاث سنوات من الصراخ والتعنيف. ثلاث سنوات حُرمت فيها ابنتي من اللعب بعد أن قتل والدها روحها الطفولية، فلم تعد ترغب في فعل أي شيء داخل المنزل. كنت آخذ مايا بين الفينة والأخرى عندما كان والدها يخرج من المنزل -كان مشغولًا بتأسيس شركته- للتنزه بالخارج. كنت آخذها إلى المتنزه لتلعب وتطلق العنان لنفسها، ولكنها كانت تذبل شيئًا فشيئًا. لم تتمكن من الانسجام مع الأطفال في سنها أو اللعب معهم. بعد ثلاث سنوات كان كل ما تفعله مايا في المتنزه هو الجلوس على أحد المقاعد ومراقبة الأطفال وهم يلعبون معًا أو برفقة أهاليهم.
طفح بيّ الكيل عندما رأيت ابنتي هكذا. كيف يمكن لطفلة في الخامسة من عمرها ألا تلعب وتمرح وتضحك كمن هم في مثل عمرها؟ تشاجرت في أحد الأيام بعد عودتي إلى المتنزه شجارًا مع عزام كان الأعنف على الإطلاق منذ زواجنا. صارحته بعيوبه التي كان من المستحيل أن يتقبلها، أخبرته كم هو نرجسي وأناني ومختل. أخبرته كم أن عقله متحجر وتفكيره بدائي. صرخت بأعلى صوتي بوجهه وقلت كل ما كتمته في نفسي لسنوات. لم يكن رد فعله مفاجئًا بالنسبة لي، فقد توقعت صفعته تلك التي أعطاني إياها ما إن واجهته كلام لا يملك ردًا عليه. قال لي يومها بأنه يمكنني الرحيل إن لم تعجبني الحياة معه. ظننت أنه سيتركني أنا وابنتي لنمضي في حال سبيلنا، لكنني كنت ساذجة، فهو لم يرِد التخلي عن ابنته. لا أعلم لماذا، ولكنه أبى أن يترك لي ابنتي. خيرني عزام بين أن يتركني أمضي وحدي وبين أن أبقى معه ومع مايا في ذلك السجن. لم تكن روحي قادرة على احتمال المزيد، فقررت الرحيل يومها وحدي.
قضيت سنتين في علاج روحي من الجروح التي تسبب فيها عزام. منعني من اللقاء بابنتي، ولكنني كنت أذهب لرؤيتها خلسة عندما تخرج من المدرسة، وكنت أطلب من إحدى الخادمات في المنزل أن ترسل لي صورها. كانت طفلة بائسة قُدر لها أن تعيش مع وحش مثل أبيها وتكون تحت إمرته. عوضني الله بعد عامين من طلاقي برجل حنون اسمه حيدر. أحبني حيدر بصدق وكان ممتنًا لوجودي في حياته كما كنت أنا ممتنة لوجوده في حياتي. رُزقت بعد زواجي من حيدر بطفلين هما سامر وزُهير. لم يتسنَّ لي تقديم مايا لأخوتها، بل لم يتسنَّ لي لقاء مايا حتى أتمت أربع عشرة سنة. كان عزام قد طمس هويتها وحولها لجماد بلا روح أو مشاعر. لم تعد مايا تتقبلني أو ترغب في لقائي. حاولت الاتصال بها عدة مرات ولكنها كانت تغلق الخط ما إن تسمع صوتي.