الفصل والاخير 27
- قد مرت الساعات والليالي والأيام والأسابيع، واجتزنا الشهور والحب يزداد ويشتد ويقوى بين قلبين أبىٰ الله إلا أن يجمعهما في حلاله وبسعادة وتفاهم وود ورحمة.
كانت حديقة القصر مزدهرة، وازدادت ازدهارا بتلك الورود والأزهار والأعشاب التي غرستها حكمت في تلك الحديقة، والروائح العطرة والوصفات الطبية التي ملأت القصر وجدرانه، وتلك الصغيرة التي أضافت إلى حياة الزوجين وحياة مارلين وريموندا الفارغة طعم من المرح والسعادة افتقده الجميع بلا استثناء.
وبالأخص ريموندا التي باتت تشعر بالفراغ والفتور يحيط بقلبها وعقلها من كل جانب بعد زواج إيفا وانشغالها بطفلها وسفر ديف منذ خمس سنوات، ولا تقولوا بلايو سيتكفل بالحب والود لا، فزواج بلايو منها لم يكن إلا شكل اجتماعياً فهي ابنة دوق، وهو يحب السطلة وهي أسهل وسيلة للسلطة حتى ولو بطريقة غير شرعية، فلم يدق الحب باب زواجهم أبدًا على عكس يحيى وحكمت تمامًا.
فيكفي أنه منذ مدة أرادت حكمت وضع رقعة عين حتى لا يخجل من شكلها مع أقاربه وأصدقائه من السادة، وقد رفض تمامًا، وأحرق تلك الرقعة متعللًا بأن الله وهبه في عينيها لؤلؤة، وقدح قهوة وكلاهما أروع من الآخر.
وها هو جدار البيت يشهد بذلك التحول الجذري في حياتهم وحياة العائلة بعد أن رحل الرسام، وتعلقت تلك الصورة التي تضم بلايو ومارلين وريموندا وإيفا وتيتوس ويحيى، وحكمت وانطونيت، وقد أدرك بلايو المعمية عينيه أن حكمت وانطونيت حقًا باتوا من العائلة، وها هي زوجته تقربت منها وبالمثل مارلين وإيفا عندما تأتي للزيارة، وبات هو نسيًا منسيًا، ولكن هو من فعل بنفسه هذا لم يحب أبناءه أو زوجته أو أخاه أو أمة كما يدعى وينبغي، بل أحب السلطة أكثر وأكثر، وفعل كل ذنب وقبيح غير مكترث لعاقبته في الآخرة.
وإن كنتم تتساءلون عن خديجة وطارق، فأقول هم في خير صحة وعافية، وقد بدأ طارق بالعمل في مراكب السيد خطابي إلى جانب دراسته، وذاع سيط خديجة بين أهل الحي بمهارتها في الحياكة والتطريز، وباتت حياتهم مستقرة لا ينقصها إلا حكمت.
وهناك في غرفة نوم العصفورين قد صففت حكمت شعرها الذي تطاول قليلاً ولامس كتفيها، ومن خلفها يحيى الذي أضجع على السرير مُعطيها ظهره في حالة من التيه غريبة يمر بها مؤخرا منذ مدة.
تركت الفرشاة على التسريحة، واندست جانبه أسفل الغطاء، ومررت يدها على كتفه حتى تقلب واخبأ رأسه بين أحضانها، وطوق خصرها بذراعيه ساحبًا أكبر قدر من الهواء الممزوج بعطرها، ثم زفر بهدوء، وراحة وأصابعها الرقية تلاعب خصلات شعره الكثيف ليتحدث بهدوء مغمض عينيه يفرغ حملاً صدرت: منذ مدة قدمت طلب استقالة من محكمة مدريد، واستقلت الأمس وعدت إلى الشرطة، وغدًا سأستلم العمل، فكرت مليًا ووجدت أني غير مرتاح نظرات الأسرى تعطيني إحساساً بالذنب وغير هذا أنا أحب التحقيق والبحث والتحري الجلوس على المكتب لا يليق بي.
ضحكت بهدوء غير مصدره صوت وشدة على عناقه بقوة وسعادة، وقبلت رأسه بحنان قائلة: خيرًا ما فعلت يا يحيى دعنا نبدأ حياة هادئة، عندي خبر سار لك.
خرج من أحضانها، واعتدل في جلسته، ونظر إليها باهتمام لتبتسم بصدق وسعادة، وتُمسك كفه الضخم، وتضعه على رحمها قائله بابتهاج: منذ مدة شعرت بالتعب وشكت ريموندا، وأما مارلين بالأمر، وجأئت بالطبيبة وصدق حدثها وأنا حامل منذ شهرين يا يحيى، سيأتي وريثك إلى الدنيا قريبًا إن شاء الله.
لا أدري ولا حكمت تدري كيف فعل يحيى ذلك، لكنه بلمح البصر كان يحملها بين ذراعيه القوية، ويدور بها في الغرفة صارخًا ببهجة: الله! سأصبح أباً، سيأتي طفلي للدنيا، وأنتِ أمه!
ضحكت ببهجة ومرح، وقد أنزلها بعد أن أدرك خطر ما يفعله، وقد ارتمت في أحضانه وصدورهما ترتفع وتهبط بقوة من فرط الضحك والسعادة، وقد رفع ذقنها قائلاً بحب: الشكر لله ثم لكِ على كل هذه السعادة أنا مدين لكِ بحياتي كلها ولن تكفي.
هزت رأسها بالنفي موضحة بصوت دافئ وناعم: بل الشكر لله ثم لك؛ لأنك لم تتركني وأنا في عز ألمي ومحنتي، وضعفي وضحيت بالعالم كله من أجلي، أحبك يا يحيى كثيرًا.
---------------------------------------------------------------------------------------
وقد مرت السبعة أشهر بسلام وسعادة، وأنجبت حكمت صبياً يشبهها كثيرًا في لون العينين والشعر، وسماه يحيى إدواردو ليحي ذكرى صديقه وبالوقت نفسه حمزة لعشقه لشخصية حمزة بن عبدالمطلب عم الرسول الذي لحُبه له وللحمية والرحم أسلم وكان أسد الله، وكم شبهة قصة إسلام سيد الشهداء بقصة إسلامه.
ومر عامين، وأنجبت توم صبياً وفتاة سرقوا الشبة من أبيهم بقوة، وسمى الصبي بعبدالله سرًا ومارك للعامة والفتاة مريم، وفي العلن ماري.
وازداد عدد اللوحات الخاصة بالعائلة لتنتهي بلوحة تجمع أبناء يحيى الثلاثة وانطونيت، وحكمت مستقلة تظهر شيب، وتقدم عمر يحيى صاحب التاسعة والأربعين من عمره وجمال حكمت ذات الستة والثلاثين ربيعًا وقوة أبنائه، ورحلت مارلين عن الدنيا، وسُجى جسدها لمثواها الأخير، وقد مر على تاريخ 1820 أربعة عشر عامًا من الحزن والفرح والسعادة والفراق والحب والألم والمكائد والغضب والهجر.
وبالرغم من تلك الحياة الحلوة الهادئة مع أبنائها ومالك قلبها إلا أن ينقصها أمها، وطارق لا تريد شيئاً من الحياة غير عائلتها، وأحبتها كلهم حولها، وقد توعد يحيى بلم الشمل والتجمع مجددا، لكن متى هذا؟
ولكن اليوم فريد من نوعه ومميز جدًا في تاريخ الإنسانية والأندلس فاليوم هذا ذلك الذي ستُعتق فيه رقاب، وينفُذ القسم ويتحقق العدل ويثبت الانتقام.
فاليوم هو 15/7/1834، وإن كنتم لا تعرفون فاصمتوا وتابعوا القادم فالأمر مُثير للغاية.
حول طاولة الطعام قد ترأس الطاولة بلايو بعد وفاة مارلين، وإلى جانبه ريموندا ويحيى، وحكمت وأبناؤه الأربعة المتفاوتة أعمارهم من عشرين سنة إلى عشر سنوات.
كان في فخر وعز بين عشيرته الصغيرة التي يتمنى أن تكبر أكثر، وتزداد أكثر وأكثر، ولكن يكفي ما حدث في آخر ولادة والتعب الذي تعرضت له حكمت فيها.
كانت وردية عمله مسائية، وقد كان يتناول العشاء الأخير، وستفهمون لماذا هو الأخير بعد قليل.
انتهى العشاء، ودخل الجميع إلى غرفهم، وتأكد من نومهم، ثم دخل إلى غرفته وبها حكمت التي قد أخرجت له ثيابه وسلاحه وعطره.
ابتسم بود، وعانق خصرها من الخلف، واستند بذقنه على كتفها وبالمثل شدت على عناق يديه، ومالت برأسها على وجنته قائلة: حماك الله ورعاك يا حارسي ووطني، فلا وطن لي سواك.
قبل وجنتها هامسًا: وطني الوحيد هو قلب العصفور الذي تملكية يا سكرتي.
ثم التفت تنظر إليه قائلة بقلق: هل تظن أنه كان من الصائب أخبار الأولاد عن الإسلام وبالأخص الصغيرين؟ أعني انطونيت تقبلت الأمر وحمزة، لكن أشعر بأن عبدالله ومريم مشتتان، في حالة تيه دائمًا، ولا أستطيع إخراجهما من تلك الحالة، أعني كان علينا الانتظار قليلاً، لقد تسرعنا بالأخص مع الصغيرين.
ابتسم بهدوء، وأعاد تلك الخصلة الشاردة من شعرها خلف أذنها قائلاً بعقلانية: أمر طبيعي، مثلًا أنا قبل أن أُسلم وعرفت أنكِ مسلمة كنت مشتتاً تمامًا وبالمثل انطونيت وقبلت الأمر عندما خيرناها بين دينها وديننا وكذلك طارق أخبرني بأنه مشتت، الأمر طبيعي وعن قريب سيعودون إلى طبيعتهم، وغير هذا كان عليهم المعرفة يا حكمت، حتى يعتادوا ولا يسألوا أسئلة نعجز عن إجابتها هذا أفضل للجميع يا سكرة.
ضمت شفتيها بقلة حيلة وسام قائلة: أتمنى من الله هذا.
ثم قلب يحيى عينيه بملل وسام عندما استمع لصوت بوق العربة والخيل ليصبح في تزمر أضحكها: آه يا الله! لماذا كان على الترقي، وأصبح لواء أنا رجل عجوز لا طاقة لي بهذا؟!
---------------------------------------------------------------------------------------
كان الوضع عادياً، وعلى ما يرام مثل أي يوم، فمنذ أن نُقل ديغو إلى قرطبة، وبات لا يأتي إلا في الأعياد والإجازات بات لا يؤنس ليلة في عمله أحد، بالرغم من كثرة معارفه وزملائه هنا، إلا أن لا أحد يحتل مكان ديغو وإدواردو الراحل أبدًا.
نظر في ساعته الذهبية، وقد كانت تُشير إلى الثانية صباحًا، وقد اقترب موعد الفجر.
حك عنقه بإرهاق ومسد عضلاته، ثم زفر بملل، واتجه إلى الحزينة المعدنية في زاوية المكتب، وأخرج المفتاح من جيب سترته ليفتح الخزينة التي تحتوي على ما هو أهم وأعظم، وﭢفضل من أي ذهب وفضة ولؤلؤ، بل كانت تحتوي على مجموعة أوراق خلاصة تحرياته، وتعبه وشكاوى المظاليم وأدلة جنائية على بلايو من أصدقائه ومساعديه، وكل من أُذى بسببه يومًا ما سواء بائع السم الذي قدمت زوجته شكوى في ذلك الأحدب، وبعد البحث والتقصي اكتشف أنه ذلك الأحدب، وحادثة تسمم حكمت وحادثة التشهير بها وقتل رؤيتنا، وقتل وأذية كل من فكر في الوقوف أمام وجهه.
منذ أن حصل على تلك الأوراق تمنى أن يقدمها، وفي الحال للملك ليأخذ بلايو جزاءه، فيكفى ظُلمه الفج للجميع، لكنه ينتظر الفرصة التي يمكن فيها ذلك، ولكن ليس قبل تدمير محكمة مدريد، فعلى مدار ثلاث عشرة سنة من زواجه بحكم وهو كل يوم وليلة يُفكر في الانتقام والأخذ بثأرها وحقها مِْمَنْ سلبوه وامتهنوه عنوة وحق كل مظلوم مثلها، وقد بذل جهود لمحاولة إسقاطها، إلا أنها باتت بالفشل الشنيع.
زفر بهدوء، وعاد الأوراق لمكانها، وأغلق الشموع ومكتبه ليغادر مخبرًا مساعده بأنه إن حدث شيء يرسل في طلبه من المنزل.
ركب فرسه، وقد أراد الشعور بنسمات الهواء العليل تداعب شيبته وتجاعيد وجهه التي دائمًا ما تمتدحها حكمت وتثنى على وقاره وهو بالمثل على جمالها وشبابها، ويحاول دائمًا أنا يُنسيها هو وأبناؤه أمر إعاقتها المكتسبة تلك، وكلما سأل الأطفال الصغار عن سبب ضياع عينها كانت الإجابة سقطت وهي صغيرة على السلم.
ابتسم لا إراديا عندما تذكّر حكمة وأبناءه عمار حياته واُنس قلبه.
ولكن الضحكة اختفت ما أن استمع إلى صوت شجار وقتال بالسيوف حاد ليقبض على سيفه، ويقترب من مصدر الصوت بحذر يشاهد ما يحدث من بعيد، ويدرس الوضع قبل التدخل وإذ به يرى جندي فرنسي يتناوش مع جنديين من محكمة مدريد، ولكن تفرقوة عندما مر الجنود الفرنسيون الذين يناورون ليلاً على إثر الصوت، وبدأوا بإطلاق النار، وقد فر جنود المحكمة.
أخذ يسترق السمع لهم، وإذ به يقول الضابط المدعو مارشال سولت: لقد بلغ هؤلاء الهمج حدهم، وعلى أحد إيقافهم، هيا بنا علينا اليوم دك المحكمة فوق رؤوسهم.
ثم ركبوا خيولهم مُتجهين إلى ثغرتهم العسكرية، وظل يحيى يتبعهم على فرسه حتى وصل إلى نقطة خالية ليصيح بأعلى صوته: توقفوا عندي حديث مهم لكم، اسمعوني سوف أساعدكم، أنا ضابط سابق بمحكمة مدريد!
توقف المارشال والجنديان، ونظروا إليه بشك وريبة، ولكن خالف ريبتهم بعض الشيء عندما هبط يحيى من علي خيله، وألقى سيفه وسلاحه الناري أرضًا، ورفع يديه باستسلام تام لهم.
أشار المارشال إلى أحد الجنود برأسه، وقد اقترب من يحيى، وفتشه بالكامل قائلاً بعملية: نظيف يا حضرة المارشال.
اعتدل يحيى في وقفته، وضم كفيه على بعضهم قائلاً بهدوء: لقد رأيت ما حدث وكنت سأتدخل لولا جنودك، ولكن إن كنت ستهدم المحكمة فأنا هنا لأساعدك، لقد عملت هناك لمدة، ويمكنني إخبارك بأضعف نقطة للاقتحام.
رفع المارشال أحد حاجبيه دون الآخر قائلاً: أفصح.
أخذ يحيى يشرح موضحًا: تحتاجون سلاح ومدافع السور منخفضاً، لكن مليئاً بالحرس والجنود المسلحين والأبواب قوية لن يهدمها سوى المدافع، واحذروا هؤلاء القوم غدارين، وهمج سيدعي البراءة واللين، وإن سلمت واستسلمتم لن يترددوا في قتلكم.
اقترب منه المارشال عاقدًا ذراعيه خلف ظهره قائلاً بتساؤل: لماذا تساعدنا ما دمت إسباني، وعملت هناك رتبتك كما أرى كبيرة في الدولة أليس هذا جنوناً؟
ابتسم يحيى ابتسامة جانبية، والتقت سيفه ووضعه في غمده، وسلاحه الناري في حزامه، ثم ركب فرسه قائلاً بجدية وإصرار، وقد أدرك أن الآن هو الوقت المناسب لكي يدفع بلايو الثمن: عندما ترون الأسرى وحالتهم البشعة ستعرفون لماذا فعلت ذلك، أنا إسباني ولواء شرطة، لكن حراً لا أقبل الظلم.
فر يحيى بخيله من أمام المارشال الذي بقي على حالة الشك تلك وقد ذهب هو أيضًا مع جنوده لإحضار العتاد والرجال.
وقد أقبل الشروق، وتجمعت مجموعة كبيرة من الجنود الفرنسيين أمام محكمة مدريد، وقد كان السور منخفضاً وعليه مجموعة كبيرة من الملثمين يحملون البنادق، وقد تساءل أحدهم قائلاً بصوت جهوري: من أنتم؟
أقبل من الباب جندي فرنسي يحمل ورقة ملفوفة قائلاً: بسم الملك وفرنسا نأمركم بتسليم الأسرى ومفاتيح المحكمة وتطبيق قانون اللورد نابليون بونابارت وإلغاء هيمنة محاكم التفتيش.
رد الملثم: لحظة واحدة أخبر البابا بقدومكم.
ثم اختفى للحظة، وعلى حين غرة هبط وابل قوى وبشع من الأعيرة النارية على رؤوس الفرنسيين، وقد أخذوا بالتدرع ومبادلتهم إطلاق النار، وضرب الباب بالمدافع بقوة حتى تهدم وسقط قتلى من الطرفين.
دخل المارشال والضابط دي ليل والجنود من خلفهم مقتحمين القاعة الرئيسية التي كانت أفخر من قاعة قصر الملك سواء من النجف من الذهب والكرستال وصورة مرسومة بطول الحائط للبابا المؤسس لمحاكم التفتيش عند سقوط الأندلس وشموع عطرة وسجاد كبير بقماش فاخر، وكراسي مساندها من الذهب وأواني الشرب والطعام من الفضة.
أقبل عليهم الضابط المسؤول والبابا بمنتهى البراعة والرقة وكأنه لم تحدث معركة بالخارج ليتساءل بقلق مزيف: خيرًا يا بني لا يمكن أن تتعدوا على حرمات الرب بتلك الطريقة.
ابتسم المارشال بسخرية قائلاً: سنرى من يتعدى على حرمات الرب الآن.
ثم أمر الجنود بالانتشار والبحث عن الزنازين والأسرى، ولكن لم يجدوا أي شيء أو أي أحد، وباتوا يفقدون الأمل والبابا والضابط والجنود يبتسمون بنصر، وقد مر وقت وبلا فائدة ليصيح المارشال بيأس: هيا بنا يا جنود.
لكن أوقفه الضابط دي ليل، وقبض على كتفه قائلاً بيقين وشك: انتظر لم ننته بعد.
تحدث المارشال بضيق ويأس: لم نجد شيئاً، ما الذي تنتظره؟
نظر دي ليل أسفل قدميه قائلاً بشك: السر أسفل الأرض.
ثم أشار إلى الجنود قائلاً بأمر، وقد لاحظ خوف وارتباك الضباط والبابا: ارفعوا السجاد واسكبوا الماء على الأرض.
وبالفعل حدث ما قال وظل يتبع انتشار الماء حتى بدأ بالانحدار عند نقطة ما، ثم تسرب منها ليصفق الضابط دي ليل بحماس ويصيح بنصر: ألم أخبركم، هيا افتحوا الباب.
ازداد توتر الضابط والبابا، وبدأ الخوف جليًا عليهم والجنود الفرنسيون يكسرون الباب بمقابض السيوف والبنادق بقوة، حتى انكسر الباب، وقد كان يُفتح بحركة خبيثة من عند المكتب البابا بزر وترس يرفع الباب.
أمسك المارشال بشمعة عطرية طولها متر، وقبض على كتفه البابا قائلاً بمسكنة: لا تلوث الشمعة الطاهرة بيدك المخضبة بدماء الأبرياء.
نفض المارشال يده قائلاً: سنعرف الآن من صاحب اليد المخضبة بالدماء.
هبط المارشال ودي ليل والجنود الفرنسيون، وقد وصف دي ليل في مذكراته ما رأى بأبشع ما رآه في حياته.
إذ رأى زنازين طولية بحجم السجين يظل واقفاً حتى الموت وبالمثل بالعرض وآلات التعذيب والمساجين الذي يسترون عوراتهم فقط، وقد خلع الجنود ملابسهم لستر النساء والرجال، وخرجوا بهم للضوء بشكل متأن لمدة ساعة حتى لا يصابوا بالعمى من شدة الظلام الحالك بالأسفل.
وبسرعة الضوء انتشر الخبر في أرجاء مدريد، وتجمعت الأهالي وأهالي المساجين، وطبقوا حكم الإعدام في العساكر والضباط والبابا وما هي إلا نصف ساعة، حتى انتهى رعب محاكم التفتيش، وجاء الحق وبر يحيى بقسمه بتدمير تلك المحاكم، وكل من ظلم حكمت.
وعلى الناحية الأخرى قد عاد يحيى، وأحضر الأوراق التي تُدين بلايو وذهب إلى قصر الملك، واضطر للانتظار حتى يتجهز ويهبط إليه بعد إصراره بأنه أمر مهم وعاجل لا يقبل التأخير، وقد أشرقت الشمس، وأقبل الصباح وسمحوا له بمقابلة الملك، وقد أطلعه على الأوراق ومعه مساعد بلايو فرانسيس الذي أصيب بشلل في ذراعه الأيمن، وقد أيقن أن هذا جزاء ما اقترفت يداه، وأراد تطهير نفسه قبل مقابلة الرب، واعترف للملك بكل شيء ليتخذ القرار بعزل بلايو ومحاكمته تجاه أعماله غير المشروعة.
قد كان يحيى مُطأطًأ رأسه في حضرة الملك، حتى رحل فرانسيس، وتحدث الملك بفخر: الشكر للرب لأن دولتنا فيها رجال أوفياء مثلك يا حضرة اللواء حنا، بالرغم من كون بلايو أخيك، إلا أنك وضعت مصلحة البلاد صوب عينيك شكرا لك.
هز يحيى رأسه بازعان قائلاً: هذا واجبي أن أحمي البلاد من الخونة والأعداء.
هز الملك رأسه بالموافقة، وقد كاد أن يتحدث لولا اقتحام أحد الحرس الباب مُسرعًا بتوتر يحمل الأخبار الجديدة، وقد انحنى بسرعة، واعتدل تحت أنظار يحيى والملك وزجته وأولاده ووصيفة زوجته ووزيره المقرب ليتحدث بتوتر قائلاً: حضرة الملك لقد اقتحم الفرنسيون محكمة مدريد، وأسقطوها وقتل العامة كل من فيها.
التفت يحيى بسرعة إلى ذلك الرجل، وقد اتسعت عيناه ببهجة وفرح، لكن كبح ابتسامته وفرحه، وأدعى التأثر، وهو يرى الملك بدأ بالاختناق، واقترب منه الجميع بساعدونه حتى يتنفس وناوله يحيى كوباً ما، وقد شربه وهمس بصعوبة: ضاعت هيبة الدولة، أعلن من اليوم نهاية محاكم التفتيش في البلاد.
ثم أشار إلى وزيره قائلاً بصعوبة: نفذ الحكم واعزل بلايو باخوميوس، وخذ قوة إلى قصره حالًا.
وما إن سمع يحيى هذا حتى تراقص قلبه فرحًا، وقد حقق قسمه بفضل الله، وارجع بعد ثلاثة عشر عامًا حقاً حكمت في الدنيا.
---------------------------------------------------------------------------------------
قد مر أسبوع على كل تلك الأحداث والتفاصيل المُبهرة والمهمة، وقد دخل بلايو السجن أخيرًا، وتحقق العدل، وما كان من ريموندا سوى التسليم بالأمر الواقع، وقد شعرت حكمت بالذنب تجاهها، وقررت مؤسستها بعد أن قُبض عليه من قلب القصر تحت أنظار الخدم والجميع _وقد تهاوى على حكمة بالسب والقذف البشع لولا أنها أمسكت بحمزة ابنها لكان ضرب بلايو بلا تردد، وقد كان بلايو لا يحب أبناء حكمت من الأساس متعللًا بأنهم أبناء المشكوك في كثلكتها، وبالطبع نال يحيى جزاءه من الوعيد والسب والقذف مثلها، ولكنه فضل استراتيجية البرود، وهي يرى ثورة أخيه الذي كان في يوم من الأيام أباه ومثله الأعلى، لكن حب السلطة أعمى بصره، وجعله يكره كل من يقف في وجهه، ولم يتخيل يحيى أن تؤول الأوضاع لتلك المأساوية، لكن إنك لا تجني من الشوك العنب! _.
تذكّرت حكمة كلمات ريموندا التي جمعت أغراضها، وتركت القصر قاصدة بيت ابنتها، حتى تعيش فيه "أنا لا أكرهك يا جوليانا ولا أبغضك صدقيني بلايو أخذ جزاءه، لقد كان قلبه أسود لم يحبني يومًا، أو حتى أحب أبناءه على العكس كنا مجرد تُحف مثل اللوحات الأنيقة يتباها بنا فقط من أجل صورته الاجتماعية، علمت بأذيته لكي وحاولت في أثناءه، لكنه ضربني ورفض، وهذا جزاؤه العادل يستحق هذا حقًا لو كان به خير لبكت بناته، لكن على العكس الجميع بات حراً، ويمكنه العيش بحُرية الآن، فقط نصيحتي قبل أن أترك القصر حنا يحبك يا جوليانا بشدة لا تخذلية وبادلية الحب، نادرًا ما نجد رجلاً في هذا العالم يحب زوجته بحق مثله، اهتمي بأبنائك وكبريهم وحبيهم فهم سندك وعزك في الدنيا، وداعًا يا أختي الصغرى، قد نلتقي، لكن الرب وحده أعلم متى اللقاء الثاني."
ولكن الجانب الرائع أن يحيى يُقسم أن حكمت بعد سجن بلايو وانتهاء محاكم التفتيش قد عادت حكمت الصغيرة الخجولة المرحة المُقبلة على الحياة لا تلك التي لا ينطفئ الحزن من عينيها، تذكّر كيف بكت بعد عودة حقها، وشكرته وظلت الليل كله قائمة لله تشكره على فضله وكرمه معها، وتدعى ليحيى وأبنائها، الآن بعد أن وسقطت حكمت يمكنني القول ونهضت حكمت!
---------------------------------------------------------------------------------------
تحلق يحيى، وحكمت وانطونيت _التي اختارت اسمًا لها بعد إسلامها، وكان ولادة لغرامها بأشعار ولادة بنت المستكفي، وقد سمعت عنها الكثير من حكمة _وحمزة وعبدالله وماريا في حلقة صغيرة، وقد كانت ابنتاه ولادة ومريم بين أحضانه، وإلى جانبهم حكمت وعبدالله وحمزة، وقد كان الجميع يبكي ويمسح دموعه بتأثر، وقد حكى يحيى لأبنائه ما عانته حكمت في محكمة مدريد وما فعله بلايو لتفريقهم وفراق حكمت وصبرها طوال سنوات على بُعد أمها وأخيها عنها.
مسح يحيى دموع ابنتيه قائلاً بثبات: يكفى، لقد بكت أمكم لأربعة عشر عامًا؛ بسببي ولسنا هنا للبكاء، بل للأمر آخر، لكن كان يجب أن تعلموا الحقيقة، ويجب ألا تموت سيرتنا بعد الموت أبدًا والكتاب الذي ستأخذه ولادة سيكون أمانه عندها، وستتوارثونه بالتناوب، وقد خطت أمكم فيه كل شيء وعليكم قصة على أحفادكم وأبنائكم حتى قيام الساعة، لكن الشيء المهم أننا سوف نعود إلى المغرب الأسبوع القادم، ونستقر هناك إلى الأبد.
---------------------------------------------------------------------------------------
قد حان موعد الطعام، وقد كان جسد بلايو على سريره الضيق غير مُضجع بصورة صحيحة، وقد كانت تلك عادته منذ أن دخل السجن، وقد افتقد إلى فراشه الدافئ الواسع، وحصل على ذلك الضيق السيئ، ولا ينام مرتاح، وهو يستحق هذا!
وضع الحارس الخاص بالزنزانة الطعام الرديء، وأخذ يصيح باسمه حتى يأكل، ولكن لا فائدة، اقترب منه ودفعه في كتفه، وقد سقط من على فراشه مُفارقًا الحياة لا يملك شيئاً مثلما دخل وهو لا يملك شيئاً، وانتهت أسطورة بلايو المستشار القوى صاحب الحصانة وللأبد وأسوء ما في الأمر أن تيتوس من استلمه ودُفن دون أن يحضر عزاءه أحد نكالًا لما اكتسبت يديه من ظلم وافتراء غير مكترث لعاقبة الأمور.
ولعل سبب موته الأول بعد انقضاء أجله الحتمي هو الكمد والغيظ والغضب فاخر وجه رآه قبل موته هو وجه يحيى الذي زاره في منتصف الليل متلثمًا، وقد جحظتْ عيناه عندما همس له يحيى ببرود وتشفى: أنا يحيى باخوميوس زوج حكمة خالد محمد يا حضرة المستشار.
وقد ثار غضب بلايو وجن جنونه لينتهي به الأمر يضحك بهستيرية عالية في وجه يحيى وآخر ما قاله: لقد كنت على حق يا عديمي الكثلكة!
---------------------------------------------------------------------------------------
أكره القيئ حقًا، لكن هذا ما يحدث الآن على سطح المركب منذ أن ركبت حكمت وهم في عرض البحر لثلاثة أيام، وقد أقبلوا على الوصول إلى طنجة.
وطوال تلك المدة كانت لا تتوقف عن القيء، وقد كانت تتعلل وتتحجج بأن ذلك بسبب دوار البحر.
ولكن يحيى ليس طفلاً إصبعه في فمه، بل رجل بالغ عاقل يدرك أن دوار البحر لا يستمر كل تلك المدة أبدًا، وقد بدأت الشكوك تساوره في أمر ما.
أحاط يحيى كتفي حكمت وأخذ يسوقها بشكل متأن إلى سريرهم في تلك السفينة الضخمة _نعم سفينة ضخمة، وقد وضع بها كل متاع القصر وخيله وأسلحته والأثاث والخدم، وكل ما يخصه في قصره إلى قصره الجديد في المغرب، وقد أخذ في بنائه سبع سنوات، حتى يصبح شبيهاً للقصور الأندلسية التي تمنت حكمة العيش بها وبدوره لن يراها تشتهي شيئاً، ويمنعه عنها مدام في مقدرته _.
أبعدت كأس الماء عن شفتيها ليمرر يده على كتفها صعودًا وهبوطًا قائلاً بهدوء: لم أكن أعرف أن دوار البحر سيئ هكذا؟
بللت شفتيها، وتلاعبت بأصابعها بخجل وتوتر قائلة: انظر... الأمر ليس كما تظن... أنا... نظفت حلقها، ونظرت في عينيه مُوضحة: أنا حامل... ثم استدركت بسرعة، وهي ترى ضيقه من ما سمع: أقسم بالله العظيم أني كنت سأخبرك، لكن أردت أن أجعلها مفاجأة.
قلب عينيه بملل، وحنق قائلاً بنبرة عتاب: حكمت لماذا؟ ألم نتفق أنكي لن تكرري الأمر مجددا؟ ويكفي مرضك في ولادة عبدالله ومريم، لقد كدت أن أموت وأنا أراكي تصارعين الموت، ولماذا بعد كل هذا الوقت تكررين الأمر مجددًا؟ يكفي أبناؤنا حولنا.
حاوت عنقه، وجلست مُقابله قائلة باستعطاف ودلال: يحيى، الوضع كان مختلفاً لقد جئت بحمزة، وكنت بخير عند ولادة عبدالله ومريم كنت متعبة قبلها لا علاقة لتكرير الأمر بشيء كان مجرد حادث، ثم انظر إلينا كلانا تفرق عن أخيه؛ بسبب وبغير سبب وأنا لا أرضى لأبنائي الفراق والتشتت، بل يكونون قلباً واحداً، ويقفوا وقفة رجل واحد باتحادهم وقوتهم.
زفر بهدوء، وألصق جبهته على جبهتها مغمضًا عينيه قائلاً ويديه تشتد في عناق خصرها: آه منك يا حكمت! ماذا تفعلين بقلبي وحياتي وعقلي؟ غيرتي كل شيء بقوة إيمانك وطهارة قلبك، إلى الآن غير مصدق ما يحدث، غير مصدق أني مسلم، وأنكِ زوجتي ولدى أبناء وعن قريب إن شاء الله سيأتي الخامس إلى الدنيا أحيانًا أحسبني بحلم، بالأمس كنت اليد الباطشة بالإسلام والمطهرة منه في إسبانيا واليوم أنا مسلم، وساهمت في هروب عشر عائلات من إسبانيا بربك ماذا فعلت بي؟
مالت على وجنته ولثمتها لعدة ثواني، ثم ابتعدت قائلة: لم أفعل أي شيء، بل الله أراد بنا خيرًا، كان عمر بن الخطاب من أشدّ الناس عداوة للإسلام في مهده، وقرر في يوم أن يقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن الله أراد به خيرًا، وأسلم وكان إسلامه عز ونصر للمسلمين والإسلام، والأمر كذلك قد احتسبت عيني عند الله، ويكفي رؤيتك الآن وإلى جانبي، وعلى ما صرت عليه الآن يا حارسي.
قبل وجنتها عدة قبلات صغيرة هامسًا بسخرية: بل قولي يا جدي ابنتك الكبرى على وشك الزواج، وتأتين لها باخ، وقد اشتعل رأسي شيبًا.
ضحكت بمرح رافعة يديها باستسلام قائلة: أنت من كبر أنا ما زلت صغيرة.
شد على عناقها بقوة قائلاً: عندما تقابلين اخاكى وأمك سيقولن كم كبرتي، ولم تعودي صغيرة يا سكرة.
داعبت خصلات شعره المجدولة بحنان قائلة بشوق وأمل: أتمنى ذلك يا يحيى، لقد اشتقت إلى أمي وطارق كثيرًا، لا أصدق أنه قد مر ثلاثة عشر عامًا على آخر مرة رأيتهم بها.
ملس على ظهرها بهدوء وود قائلاً بتأكيد: إن شاء الله سيكونون بخير، وستجتمعون سويًا مجددا إلى نهاية العمر، وفي الجنة بإذن الله.
---------------------------------------------------------------------------------------
في بيت خطابي_ الذي لم يترك خديجة، وطارق يغادرون بلاطه أبدا، وقد كان السبب الأول أم الخير التي تعلقت بطارق بشدة لشبهه بينه وبين ابنها الراحل، وتعلق طارق بخطابي نفسه، وقد وجد فيه مشاعر الأبوة التي افتقدها منذ أن سافر أباه إلى الرفيق الأعلى، ولم يُقصر خطابي في شيء تجاههم، وقد استقرت خديجة في هذا الحي، واستقرت تجارتها وعملها وكذلك طارق الذ بات يركب البحر في سُفن خطابي، وقد كسب شعبية وشهرة في مهارته في الصيد، وكسب حباً خطابياً وسره وأمانته وقوية العلاقة بينه وبين جرجس، وزال حاجز الرعب الذي عاش به في إسبانيا، وتزوج وأنجب طفلاً صغيراً _كانت حكمت ويحيى وأبناؤهم ينتظرون قدوم خديجة، وطارق إليهم للقاء بعد اشتياق وفراق.
قد كانت حكمت متوترة للغاية في انتظار والدتها في صالون البيت بعد أن حيت خطابي وزوجتيه، وسمعوا قصتها الخزينة، وأخبروها أنها قادمة من مشغلها الخاص بها في وسط المدينة، وأخذوا يقصون عليها كم أن أخاها أصبح شاباً قوياً ومسؤولاً، وكم أن زوجته فتاة طيبة وابنه الصغير كم هو لطيف، وكم عانى طارق مثلها حتى تزوج بزوجته، وقد كانت بينهم قصة حب قوية كالتي بين يحيى وحكمة.
قرضت أظافرها بتوتر في انتظار الوقت الذي لا يمر، لا تدري لكن صبرت ثلاثة عشر عاماً، وصبرت أسبوعاً منذ وصولهم واستقرارهم، ولا تصبر بضع دقائق الآن.
زفرت بحدة، وقبض على طرف ثوبها مغمضة عينيها لثواني، وقد فتحتها على وسعها عندما فُتح باب الحجرة، والتفت واقفة من على الأريكة تنظر إلى الداخل، وقد كانت وأخيرًا خديجة، ومن خلفها طارق وزوجته وابنه الصغير.
هرولت خديجة إلى حكمة وبالمثل فعلت حكمت، وقد أسقطت خديجة عكازها الخشبي أرضًا متشبثة بعناق حكمت التي أمسكت بها قبل أن تسقط أرضًا، وجلستا على الأرض سويًا وكلتهما تبكي بحرقة وشوق للأخرى.
ثلاثة عشر عامًا من الفراق والحرمان والآن ابنتها أمامها، لكن ليست كالسابق فأقل الخسائر عينها البيضاء.
أخذت حكمت تقبل رأس خديجة ويديه بشوق، وشدة قائلة من بين دموعها: آه يا أمي اشتقت إلى كي كثيرًا... اشتقت إلى عناقك... اشتقتك لحديثك وطعامك... آه!
تعلقت خديجة برقبتها، وشدت على عناقها قائلة بحرقة: قتلهم الله على ما فعلوه فيكي يا ضياء عين أمك وقلبها النابض... أنا لست غاضبة منكِ... ولا أكرهك بل فخورة بكِ... آه يا حكمت ثلاثة عشر عامًا من دونك يا قلب أمك مروا بلا حياة... لا حياة من دونك يا قرة عيني.
ومن حولهم كان الجميع يشاهد ويبكي بصمت وتأثر سواء خطابي وزوجتاه وطارق وزوجته ويحيى وأبناؤهم الكل كان يبكي، وقد مر وقت وكلتهما تعانق الأخرى بصمت وبكاء حتى هبط طارق إلى مستواهم، وربت على كتف حكمت قائلاً بهدوء وعاطفة: أختي حكمت تشوقت إليك كثيرًا.
وضعت حكمت يدها الحرة من عناق والدتها قائلة بفخر وعينيها تلمع بالدموع تتحسس لحيته الكثيفة: أصبحت رجُلاً يا طارق، اشتقت إليك يا عزيزي، اشتقت إلى شجارنا ومرحنا يا منقذي.
هبطت دموعه وهو يقبل يدها بحرارة، وعانق رقبتها بقوة قائلاً، وهو يجهش بالبكاء: أنا فخور بك يا حكمت... لو لم تكوني أختي لدعوت الله أن تكوني... الحياة باردة من دونك يا حكمت... مر العمر ولم نكبر سويًا... قتلهم الله.
كان جسدها يهتز بقوة جراء بكائها وبكاء طارق ليهبط يحيى إلى مستواهم، وربت على كتف طارق قائلاً: يا طارق ظننتك رابط الجائش أكثر من ذلك، لقد عدنا ولن نذهب إن شاء لله.
ثم ربت على كتف خديجة، وأمسك كفها يقبله قائلاً بحنان: أمي خديجة اشتقت إلى كي كثيرًا، لقد عدنا يا أمي، وعادت أمانتك، وقد أقسمت لكي أن أحافظ عليها، وقد فعلت بفضل الله.
تركت عناقاً حكمت وأمسكت بيد يحيى قائله بفخر وامتنان: حماك الله يا بني، أشكرك على ما فعلته لأجل ابنتي يا يحيى أشكرك يا طيب القلب.
تسللت أنامله تمسح دموعها قائلاً بابتسامة جاهد في إظهارها: لا تشكريني على حماية روحي وقطعة من قلبي.
ثم أشار إلى أبنائه، وقد اقتربوا ليعرف خديجة عليهم قائلاً، وهو يشير إلى ولادة: تلك ابنتنا الكبرى ولادة يا أمي لولا فضل الله ثم رؤيتنا ما كنتي لترى حكمت، وهذا أقل جزاء لما قدمته لنا.
فهمت خديجة ما يرمي إليه يحيى، واستقبلت ولادة بالأحضان والأشواق والسعادة وكأنها حفيدتها بحق، ثم أشار إلى حمزة لتعانقة خديجة قائلة: نفس عيني أمك يا صغيري حرسك الله ورعاك.
ثم إلى التوأمين مريم وعبدالله، وقد عانقتهما وبالمثل الصغار وآخر شيء أشار إلى رحم حكمت قائلاً بابتسامة هادئة: وهبه الله بعد عدة أشهر ستأتي إلى الدنيا أدعى لها.
قبلت رأساً حكمت، وأخذتها بين أحضانها، وربتت على ظهرها بحنان وهدوء ليقاطعهم طارق الذي وضع بين يدي حكمت ابنه الرضيع قائلاً: ابني مُعاذ الصغير.
ثم أشار إلى زوجته الواقفة قائلاً: وتلك مريمة زوجتي، عشنا نحن أيضا قصة حب قوية مثلكم.
حيتها حكمت ثم نظرت إلى طارق وخديجة قائله بشوق: أنا هنا إلى الأبد إن شاء الله، وكل ما أريده أن أسمع ما الذي جرى في الثلاثة عشر عامًا الماضية.
---------------------------------------------------------------------------------------
مرت الأيام والأسابيع والشهور والسنان العادية والكبيسة السعيدة والحزينة، وقد أنجبت حكمت طفلة سمتها ليلى وكذلك طارق أنجب طفلاً سماه أسامة، ومن بعده فتاة سماها حفصة، ومرت السنين وعمل يحيى في التجارة وهي الشيء الوحيد الذي يفهم به بعد الشرطة، وسلم سُفنه التجارية لطارق، ومر العمر ورحلت خديجة إلى بارئها، وتزوج أبناء حكمت ويحيى وامتلاء بيتهم بالأحفاد، وأخذت ولادة كتابهم الذي خطته حكمت بيديها، وقصته على أبنائها وإخوتها، ولم يشعر أحد بأنها غريبة عنهم على العكس كانت أخت كبرى بحق.
ومر سبعة وعشرون عامًا على وصولهم واستقرارهم في المغرب، وباتت حصيلة سنوات الحب والعذاب أربعين عامًا.
أربعونَ عامًا مرت بحلوها ومرها، وقد قضتها حكمت كما تمنت في قلب رجل أحبها وقدر حبها، ورحلا إلى بارئهم سويًا في نفس اليوم واللحظة عندما وقفت حكمت تنظر بعينيها المترهلة إلى تلك اللوحة الأخيرة التي تضمها وتضم يحيى، وطارق وعائلتهم كلهم لتنظر إلى يحيى الذي لم يعد في رأسه شعرة سوداء، واستحال للأبيض قائله براحة وسعادة: الحمدلله يا يحيى الحمد لله، كل ما دعينا به الله تحقق أنا سعيدة لما مر من العمر معًا، وأتمنى أن يجمعنا الله سويًا في الآخرة في الفردوس الأعلى.
ربت على وجنتها بكفه المرتعش والمجعد قائلاً: إن شاء الله، هيا نصلي لله شكراً على ما وصلنا إليه.
وبالفعل توضؤا، وتطهروا لله العزيز القهار وأمها يحيى في الصلاة، وفي من خلفه، وقد سجد وبالمثل هي حتى خرجت الروح لله -عز وجل- ولم يفرقهما الموت، ورحلوا ساجدين لله سويًا، وسيبعثون يوم القيامة إن شاء الله سويًا ساجدين لله.
---------------------------------------------------------------------------------------
أغلق ذلك النجار مذكرات حكمت ويحيى، ومسح جفنيه الممتلئين بالدموع، ونظر إلى أبنائه الذين كانوا يبكون هم أيضا، ولم يلاحظوا حلول الظلام وانقضاء الوقت كله في القرآن ليمسك بالكتاب قائلاً بثبات وفخر: حارب أجدادي من أجل الحب والإسلام والأندلس، وخطت جدتي حكمت هذا الكتاب بأمر من جدي يحيى لتعيش ذكراهم ولتعيش ذكرى الأندلس فلا تنسوا الأندلس!
تمت بحمد الله رواية وسقطت حكمت!
إلى اللقاء في عمل جديد إن شاء الله ♥.