الفصل 25
قد مر أربعة أشهر في هذا العالم مثل الماء لم يشعر بها أحد، وأصبحنا في العام 1824 وبالتحدث في شهر فبراير شهر الحُب والأحبة.
سريعة تلك الأيام أليس كذلك؟
وكيف لا؟ ونحن نرى أنه قد مر أربعة أشهر تقريبًا على انقلاب حياة أبطالنا وتغيُرها تغيُر جذري تام.
فلم تعد الأسود تزأر والأسماك تسبح.
ولكن لله الحق، فإن التغير كان للأفضل طبعًا وللغاية.
فأمامنا حكمت التي استعادت شطراً كبيراً من صحتها وروحها ورونقها، وقد باتت علاقتها بانطونيت أقوى وأفضل من ذي قبل، وباتت لها ابنه لم تُنجبها.
وبالمثل أنطونيو التي اعتبرتها أمها لا تنم إلا عند سماع
قصصها، وعودة يحيى للقصر في المساء، ولا تحكى شيء إلا لها، ولا تترك يدها، وترعاها في مرضها كأنها شابة كبيرة لا طفلة لم تتجاوز السادسة.
ويحيي، فيكفي إسلامه، وقد أثبتت الأيام أنه كان بحاجة إلى الإسلام، لكن لم يكن يعرف، أو لعل تلك الغشاوة التي كانت على عينيه والأقفال والتروس الصدئة على قلبه التي تراكم عليها الصدق والغبار لمدة خمسة وثلاثين عامًا من التعصب والغضب والحقد كانت تمنعه من إيجاد نفسه وحياته وطريقة الذي يريد أن يمشي فيه ويسلكه للنهاية.
فمثلًا إذا كنت أخاف القطط والاقتراب منها بسبب سمعي الدائم والمستمر عن ما يحمله فراء القطط من أمراض وطُفيليات وعضتها القوية وخربشتها المؤلمة، ولكن عندما تعاملت مع قطة لطيفة باللون الأخضر الداكن بخطوط سوداء تغيرت وجهة نظري، ولم تخدش يدي، أو تعضني بأسنانها الحادة؛ لأنني تعاملت معها بلطف ورحمة، ولكن ذلك الفتى القصير، في حين الذي يركب عجلته، ويسُب المارة بلا تربية أو أدب ووالدته تجلس أمام التلفاز تُتابع المُسلسل التركي، وترى أفعال سمر الشائنة مع مهند تاركة ابنها بلا تربية عندما فكر في أذية القطة شرحت يديه.
والأمر سيان وبالمثل مع يحيى الذي كان يسمع منذ صغره أن هؤلاء المسلمين والأندلسين همج ومتوحشون يقتلون الناس والأطفال، ويسلبون الأموال والبلاد تكونت له مناعة وردة فعل عنيفة ضدَّهم، ولكن عندما تعامل مع والد حكمت وأمانته في صنع الأسلحة والأموال والخامات وحب خديجة له ورعايتها بيتهم وصيانة عرضه، وتحملها إعاقته في ساقه، ومن ثم حكمت، وكل ما تحمل من حسن خلق وخجل وشجاعة وصبر وإيمان وخالها الصالح الذي لم يتردد لحظة في حماية ابن أخته وأهل المغرب الذين كونوا وشكلوا صورة بأخلاق الإسلام السمحة غيرت جُل تفكيره، وفتحت أمامه آفاقاً وأبواب من المعرفة والحقيقة التي كان يجهلها وأحيانًا يرفض فهمها.
ولكن اليوم يوم مميز في هذا الشهر.
لا ليس عيد الحب، بل عيد ميلاد حكمت الثالث والعشرين، لنتمنى لها سويًا العمر المديد.
وقد أعد يحيى حفلاً صغيراً للاحتفال بتلك المناسبة السعيدة لأول مرة منذ أن عرفها.
ولكن غباء منه عكر صفو ذلك اليوم المميز، وجعل قدميه لا تقترب من مكان هي فيه بسبب إحساسه وشعوره بالذنب الرهيب الذي يقيمه ويزيد الخناق على عنقه مانعًا عنه الهواء.
وقد حل الليل، وأسفل ضوء القمر الفضي جلس يحيى على كرسي خشبي مُنجد بالإسفنج، ومنقوش قماشه ببعض الأزهار وأفرع الأشجار.
عقد ذراعيه أمام صدره، وأغمض عينيه وأراح رأسه على ظهر الكرسي سامحًا لنسمات الشتاء الأخيرة بمداعبة وجهه غير قادرة على تجاوز ذكرياته ورميها في مقرها إلى حيث يشاء الله.
تذكّر في الصباح عندما كانت ُتُمشط خصلات شعرها العائدة من الموت القصيرة التي بالكاد تجاوزت شحمة أذنها، وقد عانقها من الخلف بمرح وهي أمام المرآة، وقد قبل وجنتها بمرح قائلاً، وهو ينظر إليها في المرأة: حكمت الصغيرة كبرت سنه، وباتت في الثالثة والعشرين، عاماً سعيد يا سكرتي.
ضحكت بخجل، والتفت واضعة يدها على صدره وذراعيه تطوق خصرها.
ردت وابتسمت بود وحب حقيقي: وأنت بخير وفي قلبي دائمًا يا يحيى.
ثم جلست على وجنته قائله وهو تتلاعب بلحيته: كيف حال الأذكار والقرآن واللغة العربية.
أمال رأسه مُجيبًا: بأفضل حال، أنا في الجزء السابع الآن، وقلت أذكار الصباح عندما استيقظت، والعربية وصلت لحرف الطاء، لكن لا أفهم شيئاً في تشكيل الحروف، فشلت فشل ذريعاً.
فلتت منها ضحكة لطيفة لتُردف وهي تبتعد عنه، واضعه الفرشاة على التسريحة: لا تقلق سنحل هذا الأمر قد كنت سيئة في هذا أيضًا.
ثم عقدت ذراعيها النحيلتين أمام صدرها قائلة بتشوش وشعور بالذنب والحزن: أنا أشعر بأني سيئة، أعني أن أمي لن تكون معي عند حفل الزفاف واليوم أول مرة احتفل بعيد مولدي من دونها، أعني هل أنا أنانية؟
مط شفتيه، وأمال رأسه قائلاً بجدية مزيفة: نعم أنانية للغاية، من أي طينة خلقتي كيف تفعلين هذا بأمك؟
ابتسمت من دون إرادة على تمثيله الجدية السيئ ووكزته في كتفه قائلة: توقف تمثيلك سيئ.
تجرى وتغابى وتحامق وقرص ذراعها مُردفًا بمرح: بربك يا فتاة...
"ابتعد عني!"
توقف عن الحديث عندما دفعته حكمت بقوة في صدره وبخوف وصراخ عندما قرص ذراعها، وتذكرت بفعلته الحمقاء تلك أسوأ كوابيسها وأيام حياتها التي لن تنمحي من ذاكرتها مهما حية، وقد تذكّرت التعذيب والغرف المظلمة والحشرات والفئران، ومن دون إرادة وبلا وعي منها دفعته وصرخت كرد فعل دفاعي، فتلك أول مرة يتلمسها يحيى بأريحية ومزاح ومنذ زواجهم لم يقترب منها مُراعاةً لحالتها النفسية السيئة، وقد أقسم أن لا يلمسها إلا بطلبها وإرادتها.
ولكن لم يتخيل أن الوضع سيئ هكذا!
وقد توسعت زرقاوتاه، وفهم فورا خوفها، وقد اقترب منها، وقد كانت تضع يدها على فمها تكتم بفشل واضح شهقاتها، وتهز رأسها بالنفي موضحة بصوت متقطع: أنا. آسفة حقًا... آسفة لم... لم أقصد هذا... سامحني أنا... أنا فقط تذك. تذكّرت ما حدث.
ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه المفتوحين لأجلها مُستقبلًا بُكائها واعتذراتها بصدر رحب، وأخذ يمسد على ظهرها بحنان وحنو وأسند ذقنه على شعرها قائلاً بحنان بالغ: أنا لست غاضبًا مني بل عليكى، لا تزال صغيرة لا تجعلين تلك الأفكار والذكريات السيئة تُنكد عليك عيشتك، هم وحوش بربريون لا تجعليهم يهزمونك ويحبسونك في زنزانة أبدية لا مخرج منها.
ثم امتدت يده، ورفعت ذقنها ناظرًا إلى وجهها المكتنز بالاحمرار والاختناق وشهقات مكتومة، ثم قبل جبينها وابتعد قائلاً، وهو يمسح دموعها للمرة الألف: اهدئي واغسلي وجهك، اليوم يوم مميز عندي للغاية وهناك مفاجآت كثيرة الليلة، متفقان يا سُكرة؟
هزت رأسها، ودفنت وجهها في صدره مجددا باحثة عن الأمان، وقد دس أنامله في شعرها الرقيق والقصير، ونظر إلى الهدهد الذي توقف عند الشرفة ليهمس بصوت غير مسموع: أقسمت بالله العلي العظيم أن أدمر محكمة مدريد على رؤوس الوحوش، وأعيد حقك يا حكمت، سأدمر مدريد لأجلك يا حكمت.
عاد إلى عالمه، وإلى أرض الواقع، وفتح عينيه ناظرًا إلى السماء هامسًا بجدية وإصرار: أمنتُك يا الله أن تجعلني دواءً لألمها وحزنها، وأن ترزقني الثبات والصبر في مشواري الطويل.
ثم التفت إلى المدعوة ازادورا التي وقفت أمامه، وقد بدلت ملابس العمل إلى أخرى عادية قائلة بعمليها، وقد سبقها الخدم القليل لخارج القصر: حضرة الدوق حنا لقد انتهيت من ما اتفقنا عليه، وسنذهب كما طلبت.
اعتدل في جلسته، وهز رأسه بالقبول ليتساءل بهدوء: أين سنيورة جوليانا؟
أجابت: أنها بغرفة السنيورة الصغيرة حضرة الدوق، ثم انحنت بهدوء بعد أن سمح لها بالذهاب.
صعد إلى غرفة أنطونيو، ودخل بعد أن أذنت حكمت للطارق.
ابتسم بهدوء عندما ركدت إليها انطونيت بفستان بلون الفستق واسع وجدله أنيقة تلتف حول نفسها ببهجة والفستان يلتف معها وتصيح ببهجة: أنظر إلى الفستان والجدله خالة جوليانا ألبستني إياه ما رأيك؟
حملها من على الأرض، وارتفعت قدماها وباتت في الهواء، ووضع جبينه عند جبينها، وحركوا رؤوسهما سويًا ليهمس لها بمرح: أنت أجمل الفتيات يا أنطونيو الجميلة.
ثم أبعد رأسه، وثنى ذراعه الآخر، وقد ابتسمت حكمت واقتربت منه بفستانها الوردي المنسدل لأسفل بلا بطانة تزيد حجمه، وبالرغم من قصر شعرها وانتشاره بعشوائية حول وجهها، إلا أنه أعطاها جمالاً خاصاً وفريداً قد لا نراه، لكن يكفي أن يحيى يراه!
نزل جميعهم السلم إلى حجرة الطعام، وقد أمر يحيى بتزين المكان بالشموع، وقالب كعك كبير وبعض الحلويات وعصير البرتقال والتفاح والكثير الكثير من الهداية.
ضحكت حكمت ببهجة ومالت على صدره قائلة بامتنان: شكرًا لك على كل هذا.
مرر يده صعودًا وهبوطًا على ذراعها ليُصحح لها: اشكري انطونيت هي من أشرفت على الأعداد.
ربتت حكمت على ظهرها قائلة: أجمل الفتيات وأطيبهم قلبًا.
ابتسمت انطونيت بخجل، ووضعت إصبعها في فمها قائلة بهمس خجول: شكرًا.
ثم بدأ الحفل الصغير وتقسيم الكعك، وأطعمة صاحبة عيد الميلاد الجميع الكعك بيديها، ثم انتهت الكعك، وصفق أنطوانيت بحماس، وقفزت مع على كرسيها مثل القردة لقصر قامتها، وهرولت إلى الهداية تُمسك بعلبتها، وتصيح ببهجة وهي تقدمها لحكمت تحت ابتساماتهم: وقت الهداية، افتحي هديتي أولا!
وضعت حكمت طبقها على الطاولة وإزالة غلاف العلبة من الورق الأبيض، وفتحت العلبة وابتسمت ببهجة وهي تخرج مدق ويد الهون، واحتضنتهم ببهجة حقيقية قائلة، وهي تضم الصغيرة بيدها الثانية وتقبل وجنتيها: أشكرك كثيرًا يا صغيرتي، لقد فقدته منذ مدة، وأردت شراء آخر، شكرًا يا صغيرتي.
وقد قاطع تلك اللحظة اللطيفة يحيى الذي أمسك بالكثير من العلب، ووضعها أمامها قائلاً بمرح: دوري الآن!
ثم أمسك علبة متوسطة قائلاً، وهو يزيل غلافها: تلك هدية أمي إليزابيث لجوليانا.
ثم فرد الفستان البنفسجي، وقد شهقت ببهجة وتلألأت عيناها بالدموع البلورية، وهي تحتضن الفستان، وكم تمنت لو كانت أمها جوارها الآن، ولكن كل شيء بقدر، ولكن أيضا ليحل غضب الله على كاترينا وبلايو الذين فرقوا شملها وشمل أسرتها.
ثم مد العلبة الثانية التي كانت تحتوي على أسواره أنيقة من الخرز من عدة طبقات قائلاً: وتلك هدية أخيلا.
وقد ارتدت الإسوارة ببهجة وأثنت انطونيت على أناقتها.
ليخرج يحيى هديته، ومدها إليها، وقد أزالت الغلاف إذ بها دفتر وريشة قلم للأعمال وزجاجات حبر للكتابة.
وقد أعجبت بها، ولكن نظرت إليه بعجبه قليلاً ليُوضح: أريد منكِ أن تخطى بيديك كل ما مررنا به، وسنمر به سويًا وحتى بعد وفاتي، وتُهديه لأبنائنا وتتوارثه أحفادنا، حتى لا تموت ذكرانا، فما عشناه أكبر من أن يُنسى.
هزت رأسها، ومسحت عينيها الغبية تلك التي تبكي كثيرًا مؤخرًا قائلة: سيحدث يا حنا، سيذكر التاريخ أن فتى حارب العالم والدولة ليفوز بحبيبته، حُبنا لم يكن سهلًا، ولن يكون سهل النسيان يا مالك قلبي.
أنت طفولتي وشبابي وهرمي وحياتي، وعندما ندخل الجنة سندخلها ممسكين بأيدي بعض، أنا أحبك كثيرًا يا حنا.
رفع كفها، ولثمه بهدوء وأراح وجنته عليه يسرق الهدوء والسكينة في حياته المزدحمة العجيبة.
وقد داعبت وجنته بهدوء ونعومة متناسيين انطونيت التي نامت على الكرسي جانبهم!
---------------------------------------------------------------------------------------
جنون!!
ما يحدث الآن ليس سوى جنون وحماقة لا شيء يليق على ما يحدث الآن سوى الجنون والتهور والغباء.
فأنساتى وسيداتي وسادتي نحن الآن في كتدرائية المدينة، وعلى موعد مع أهم حدث في تاريخ عائلة باخوميوس، وفي سائر حياة النُبلاء، فنحن الآن ننتظر كما ينتظر يحيى وانطونيت وبلايو ومارلين وإيفا وزوجها تيتوس وريموندا والقس على المنصة والمدعين قدوم العروس الغامضة التي لا يعرف أحد هويتها إلا القس.
فبطلنا الشاب المغوار والمجنون قرر منذ أسبوع مضى بعد حجز موعد الإكليل في الكنيسة أخبر أهله مثل الغرباء عن موعد زفافه، وقد صدقت شكوك بلايو ومارلين فيه مؤخرا سواء من عودته متأخرا للبيت أو حالة الصمت والشرود التي تلبسته الفترة الأخيرة وعدم حديثه عن تلك الفتاة التي قال منذ أربعة أشهر أنه قرر خطبتها، والآن كالأطفال سحبهم خلفه ولا أحد يفهم ما يحدث.
وبالأخص تلك الطفلة التي تُمسك بيد يحيى عند منصة القس، ويتبادلون الابتسامات كل فترة حتى وأخيرًا فُتحت أبواب الكاتدرائية من قبل الحارسين، ودخلت العروس التي لم تكن سوى حكمة وخالها أحمد، وقد تأبطت بذراعيه بفستانها السكري المنفوش وبه بعض الكسرات والطبقات والورود البيضاء والوردية والصفراء بيدها اليُسرى، وأزالت فوق شعرها قبعة بلون الفستان وبها حجاب شفاف يغطي وجهها، وبالرغم من نقص عينها، إلا أن من نظر بعينها اليُمنى الباقية لوجد سعادة وإصراراً وعزيمة ونصر.
بل النْصر هو الطاغي مشيتها وخيلاؤها وعيناها وابتسامتها.
نصر للفوز بالحبيب نصر لهزيمة الأعداء وأولهم بلايو الممتقع وجهه بدهشة من وقوفها هنا أمامه وغضب ساحق من تحقق ما كان يخشاه، قد حطمت غرور الجبل بصبرها ومثابرتها، ودعائها وصلاتها ونجحت وفازت بمن عانى وحارب مثلها.
استلمها يحيى، وسلم أحمد أنطونيو، ثم رفع حجابها الشفاف وعينيه تبتسم قبل شفتيه وهي لم تكن أقل منه حالاً.
قبل جبينها بهدوء، ثم تأبطت بذراعه، وسعدت الدرجات المعدودة أمام القس ليقوم بتلك المراسم الشكلية لمدارات إسلامهم.
وهناك في الجوار كانت مارلين لا تقل دهشة عن إيفا وريموندا وتيتوس الذين قد حضروا غذاءها، وكيف تعود من الموت بالتأكيد ما يحدث الآن حلم سخيف وسيستيقظون.
لكن لا لم يستيقظوا فالقس الآن يقول جملته الشهيرة "سيد حنا باخوميوس وسيدة جوليانا باخوميوس أعلنكما الآن زوج وزوجة!