الفصل 23
قد مر أسبوعان كاملان منذ أن أخذ حنا الإجازة، وقرر الابتعاد عن بلايو الذي كل يوم يزداد كرهه له وغضبه يوماً بعد يوم تُجاه بلايو.
وكم هو مقرف هذا الرجل يملك شراً لا حد لجنونه وبربريته!
فيكفي حقًا أنه السبب في قتل رؤيتنا المسكينة التي كل جريمتها أنها فقط حاولت إنقاذ النعجة التعيسة من فكي ضبعًا قذر، وجمع قلبين تائهين.
ولكن بلايو يضمر من الحقد والكره لكل من يقف في طريقه كما يضمر من الحب والعشق للسلطة.
ولا تظنوا أن بلايو أقدم على ما أقدم حتى ولو بطريقة غير مباشرة سواء تفرقة حنا وجوليانا وقتل صانع السم وقتل رؤيتنا _وكل ذلك عن طريق رجال بلا ضمير انساقوا وراء شهوة المال والعوز والحاجة _بدافع حب حنا فقط!
وإن ظننتم ذلك فاسمحوا لي نحن هكذا نعيش في عالم كوكب زمردة على سبيستون، ونرى العالم مبتهجاً وسعيداً كما رآه شمشون بعين سبونج بوب.
بل دافع بلايو مادي بحت، وكله خوفًا على فرار السلطة منه، وتلوث سمعته بمجاراته الفقراء والمشكوك في كلكتة وبائعات الهوى، وإن عرف أحد سيدعى الجميع الشرف والعزة، وتُسحب منه طبقته الاجتماعية.
لكن القتل فعل عظيم وسيئ حقًا، فلا أدري كيف سينتقل إلى الدار الآخرة بيدين ملطخة بدماء الأبرياء هكذا؟!
---------------------------------------------------------------------------------------
أتتذكرون ذلك القصر الكبير المليء بالحدائق والورود وبه امرأة جميلة الذي وعد به حنا انطونيت؟
ها نحن الآن فيه، أو حنا هو من يقتحم أبوابه بهدوء وسلام داخلي وطمأنينة تغزُ قلبه عند الاقتراب منه.
وقد اتبع أصوات الضحك القادمة من الغرفة الواسعة في الطابق الثاني متجاوزًا الخدم القليل جدًا الذين شرعوا في وضع الطعام على الطاولة قاصدًا حديقة المرح بالأعلى.
ابتسم بهدوء بعد أن دخل الغرفة، ورأى أنطونيو التي تجلس على كرسي كبير ضاعت فيه لضآلة جسدها على مكتب، وإلى جانبها جوليانا التي كانت كلتا قدميها مربوطة بشاش طبي وكذلك رأسها، وكانت تغطيها أسفل أشارب صغير، حتى لا يرى أحد رأسها المُجرد من الشعر.
مهلًا لحظة، جوليانا!...
نعم جوليانا، هي جوليانا بأم عينها ولا أحد غيرها.
ما لكم حط على رؤوسكم الطير فلا يزال في القصة بقية!
قفزت أنطونيو من على كرسيها تاركة جوليانا التي كانت تعلمها كيفية كتابة اسمها، وقفزت في أحضان حنا متعلقة برقبته، وقد بادلها العناق، وحملها من على الأرض.
قلبت وجنته الملتحية قائله ببهجة: عمي حنا اشتقت إليك كثيرًا، ثم أشارت إلى الأوراق على المكتب قائله: انظر لقد استطعت كتابة اسمي من دون خطأ، خالة جوليانا ساعدتني.
اقترب وحمل الأوراق باهتمام وقراها، ثم وضعها جانبًا قائلاً بفخر: أنتِ أذكى الفتيات يا أنطونيو، وعندما تكبرين ستصبحين عالمة كبيرة.
ضحكت الفتاة ببهجة وتعلقت بعنقه، وقد اقترب من حكمة، وقبل جبهتها وعانقها لتبادله العناق قائلة بصوت ناعم مُستكين: اشتقت إليك اليوم كثيرًا.
ثم رفعت وجهها عن صدره ليُقبل عينها المُطفئ ضوءها ليردف بهدوء: ليس أكثر مني يا سكرة.
ثم نظر إلى لؤلؤتيه قائلاً بحنان: أنا جائع وأريد أن أكل بقرة بحالها من سيأكل معي؟
رفعت كلتاهما يديها قائلتين بحماس: أنا!
---------------------------------------------------------------------------------------
ماذا يريد الإنسان في تلك الحياة سوى الراحة والسكينة والطمأنينة والستر والسلام الداخلي؟
لا شيء، فمن ملك تلك المقومات قد ملك الدنيا بمن فيها، ومن عليها وبات أغنى من أغنى ملوك الأرض والعالم.
كان هذا حال حنا الذي وجد الراحة والسكينة التي أضاع ما أضاع من عمره في البحث عنها، ولم يتخيل أنه سيجدها هنا بين امرأة يحبها وتبادله الحب الحقيقي بلا تكلف أو طمع فقط عليه أن يُقدر حبها له، ويبادلها الأمر نفسه، وطفلة صغيرة تملأ حياته سكينة وحنان حتى، ولم تكن ابنته، فيكفي النفس البريئة الطاهرة على الفطرة لم يلوثها خُبث الشيطان ودنس الدنيا وظلم الناس.
وإن كانت حكمت وانطونيت تأكُلان بين الضحكات والمرح والسعادة فحنا لأول مرة يشعر بلذة الطعام، رغم أنه نفس الخضار ونوع الدجاج والأطباق وإلى آخره... إلا أن للراحة والفوز والسعادة والنصر طعماً آخر لا يدركه إلا المحارب الذي كسر في معركته مئة سيف، وحطم ألف درع، وانتصر على ألف جندي في حرب ضروس بين نفسه وما يريد وبين نفسه وهوى نفسه والنتيجة أمامه، حب حياته يبادله الابتسامات والحديث، ويؤنس قلبه ويسكن إليه في الليل، ويعطي حياته لونًا أخضرا مريحاً وجميلاً!
---------------------------------------------------------------------------------------
صوت تأوهات وأناة متألمة كان هو المسيطر على غرفة حنا، وحكمت ولولا وجود الباب المنيع لكانت خرجت تلك الأصوات للخارج.
وقد كانت حكمت تجلس على كرسي وثير ودافئ وأمامها حنا الذي كان يُطهر جرح رأسها، ويضع لها ذلك الدهان، ويربطه بالشاش القطني جيدًا.
وبالرغم من أن الحرق قد كون فوقه طبقة جلدية جديدة دليلاً على اقتراب الشفاء والاستجابة للعلاج، إلا أن النار نار!
تحرق القلب قبل الجسد؛ ولهذا لم يكن اختيار رب العالمين لها عقاباً للمنافقين والقتلة والكاذبين والظالمين عبثًا _حاشى لله وتعالى_، بل لأن أصعب الأم الإنسان هي النار التي تفتك وتحرق بلا رحمة أو هوادة.
فما بالكم بحكم المسكينة التي حُرقت بغير وجه حق، وفي أعز ما على قلب المرأة شعرها الذي تتفنن فيه النساء سواء بالصبغة أو التسريحات والقصات على أحدث صيحة من الموضة أو شراء الزيوت باهظة الثمن للعناية به والظهور بأبهى صورة، والآن تلك المسكينة محرومة منه مؤقتًا وبلا سبب فقط الكرة.
وإن كان علي حنا، فبالرغم من ظهوره الخارجي القوي والمُساند لها، إلا أن نياط قلبه تتمزق بقوة وببطء على شعورها بآلام، وتجمع تلك الغشاوة البلورية في عينيها ومحاولات تماسكها الفاشلة التي تنفضح إذ تنتفض أو تشهق أو تهرب من عينيها دمعة تأبى الرضوخ.
غسل يديه، وعاد إليها، وقد مسحت عينيها بأصابعها المرتجفة بسرعة، حتى لا يرى بكاءها.
جلس على ركبتيه أمامها، وكور وجهها بين كفيه الضخمين، وداعب وجنتيها بإبهامه قائلاً بحنان: حكمت، صدقيني شعرك سيعود كالسابق، وأجمل فقط الأمر متعلق بنفسيتك، عليكِ أن تتحلى بالقوة والثبات لتُشْفَى.
بللت شفتيها، ومسحت عينيها بأصابعها قائلة بصوت مبحوح من البكاء: متى سنوعد إلى القصر؟
أردف بعزم وإصرار: عندما تستردين عافيتك وقوتك وعزمك، يجب ألا يراكِ أي أحد مهزومة أو مكسورة، أنتِ ملكة يجب أن يكون رأسك مرفوعاً في السماء.
ابتسمت بدفء وهدوء هامسة: أنا أحبك جدًا، وأحسد نفسي على وجودك وحبك في حياتي.
قبل جبهتها، ثم ابتعد قليلًا قائلاً بابتسامة هو الآخر: ليس أكثر مني يا حكمت السكرة.
ثم وقف واتجه إلى التسريحة، وأخذ الفرشاة ثم جلس عند قدميها، وحل رباط شعره، وأعطاها الفرشاة لتبتسم بحنو ودفئ، وهي تلتقط الفرشاة، وقد شرعت في تسريح وتهذيب شعره الطويل قائلة بهدوء وسلام ولا شيء آخر غيرهما سوى الحب: نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يقول.
توقفت ليردف بهدوء مغمض عينيه من الشعور الغريب اللطيف الذي يغزُه عندما يُذكر نبي الإسلام مؤخراً بلكنة عربية ضعيفة للغاية: صلى الله عليه وسلم.
لتتابع: من كان له منكم شعر، فليكرمه وأمنا عائشة -رضي الله عنها- تقول زين الله الرجال باللحى والنساء بالضفائر، وإذا نظرت في المرآة تقول اللهم كما حسنت خلقي حسن خلقي، لذلك كل فعل نفعله نأخذ عليه أجور كثيرة من عند الله، سواء إحياء سنة نبينا محمد، وفعل الخير والواجب وذكر الله، فالنظافة لها أجر، وقال الفاروق عمر -رضي الله عنه- لو أسرفت نصف مالك على العطر ما كنت مُسرفًا، والوضوء له أجر وكلما أحسنت الوضوء ارتفعت قيمتك عند الله، وبر الوالدان له أجر، عيسى ابن مريم -عليه السلام- قال في سورة مريم وبرا بوالدتي، ولم يجعلني جبارًا شقيًا، والكلمة الطيبة صدقة، والعطف على المسكين والضعيف والحيوان له أجر، وتوقير الكبير ورحمة الصغير من الإسلام، والعدل واجب وأمر وفرض، وأن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر خيره وشره تلك أركان الإيمان، والصلاة عماد الدين من أقامها أقام الدين ومن تركها، فقد هدم الدين، والجهاد له أجر سواء مجاهدة نفسك على المعصية أو بالمال أو بنفسك، ولقد كرمنا الله، ووهب لنا عقول وشهوة إما أن نرتقي بشهوتنا، ونغلبها ونصبح كالملائكة عقولاً بلا شهوة، أو نتبع الشهوة، ونصبح كالحيوانات شهوة بلا عقل، والمرأة سكن للرجل، وهو آمن لها، وآخر شيء الليلة ربنا لم يحرم علينا الخمر إلا لحماية جسدنا وصحتنا من الأمراض وعقلنا وروحنا من الدنس.
وقد أنهت حديثها الهادئ مع انتهائها من جدل شعره على هيئة جدلة أنيقة رجولية، ليفتح عينيه من حالة الاستمتاع التي عاش بها للحظات قليلة سواء من ملمس يديها أو صوتها الدافئ أو نصيحتها الغالية، وكل شيء أفضل من الآخر.
أرجع رأسه للوراء ليستقر على فخذها لتلمس لحيته الكثيفة قائلة بهدوء: فهمتني يا يحيىٰ؟
أمسك بكفها الموضوع على وجنته الملتحية ليضعه على شفتيه يقبله بنعومة، ثم وضعه على قلبه قائلاً: فهمتك يا حكمت.
---------------------------------------------------------------------------------------
ولعلكم تتساءلون ما الذي يجري هنا؟! وكيف جاءت القلعة إلى جانب البحر؟ وكيف لهذا أن يصبح ذاك.
لكن لأنني امرأة عطوف، وأكره القصص المأساوية والحزينة قررت تغير النهاية لشيء مُبهج للجميع، ولكن احذروا ففي أي وقت قد أغير رأياً والجميع سيحزن عندها _حاليًا أنا أضحك بشر_!
والآن نعود إلى الوراء سويًا وصولًا إلى أسبوعين ماضيين.
بعد تنفيذ حكم الإعدام الذي لا ريب أو شك فيه، فقد كان حقيقيًا مئة بالمئة أمام البابا والملك والجميع إلا حنا وحكمة، فقد كان هناك رأي آخر.
فبعد أن علم بأمر إسلامها جلس عند النهر الذي اعترف عنده بحبه لها، وقد كانت نفسه تشتعل غضبًا وحقدًا من تلك اللعبة التي كان بها كالدمية ذات الحبال وقلبه الغبي هو من يتحكم بها.
جلس وتذكر كلماتها بأن ما يفعله خاطئ وكلاهما يقع في ذنب عظيم، ثم نظر إلى الرسالة المُجعدة بين قبضته، وتذكر وعوده لها بأنه سيحارب العالم لأجلها وسيفوز بها، وتذكر كل شيء جميل صنعته لأجله، وكيف داوته وعند البرودة سهرت طوال الليل تُعد له تلك البطانية، ودافعت عنه بجرأة ليلة التفتيش، وفكر للحظة أليس الحب الحقيقي هو نفسه أرض المعركة التي يحارب بها الجندي الحقيقي بالسُبل كلهم حتى ولو بيديه العاريتين!
ألا تستحق حكمت الحرب والمُجازفة؟
ألا يستحق هو أن يفوز بقلبها، ويقف أمام الصخر، ويصرخ بأعلى صوت أنا من حطمت غرور الجبل؟
بلا يستحق وهي تستحق، كلاهما عانى الألم وداس الشوك بقدميها العارية منذ بداية الطريق وعليهما الوصول للأرض الخضراء الناعمة.
أغمض عينيه لعدة دقائق يحاول فيها نسيان كل شيء تعلمه وعرفه في بلاده والسلطة منذ نعومة أظافره.
لأجلها سينسى حقد أجداده الدفين، سينسى أن المسلمين همج ووحوش، سينسى أن هؤلاء المسلمين لا يستحقون العيش وما هم إلا مغتصبو بلاد، سينسى كل ما تعلمه مثل ذلك، وسيفتح لقلبه وعقله صفحة جديدة فقط لأجل حكمت!
أمسك تلك الرسالة، ثم وقف ومزقها إربًا، ورماها في النهر لتجري مع الماء، ويجري معها تاريخ جديد سيخطه حنا بالجنون والعشق.
---------------------------------------------------------------------------------------
قد كان حنا مع ديغو الذي جذبه من قميصه في مكتبه بمركز الشرطة عنوةً إلى محكمة التفتيش، حتى يبحث معه في ذلك الحل الجنوني.
وقد كان ديغو مجهولا تمامًا من حماقة صاحبه، وينظر إليه بضيق، وهو يُفتش في دفتر أوراق المساجين والتحقيقات، حتى يجد اسم مشابهاً لاسم جوليانا.
قذف حنا ديغو بريشه القلم بغضب ليردف بنفاذ صبر، وهو يرى ديغو يجلس على كرسيه عاقدًا ذراعيه بلا اهتمام: أيها الوغد أبحث معي لا وقت للكسل.
رفع ديغو كتفيه ببرود ورد، وهو ينظر إلى نظافة أظافره: لا شأن لي هي حبيبتك، أنت من سينقذها جُل الأمر وما سأفعله سأوصلها إلى القصر لا أكثر ولا أقل.
نظر إليه حنا بزرقته الغاضبة بنظرة جانبية، وأطلق لفظ بذئ من شفتيه، وتابع بحثه في الدفتر الثامن عشر، وقد بدأ في هذا العمل منذ الثالثة صباحًا والآن الساعة قد اقتربت من الثامنة ولحسن حظه أنه لا أحد يجرؤ على دخول مكتبه مهما كانت سُلطته.
مسح عينه حمراء البياض بإرهاق ليصيح بابتهاج وتتسع عيناه على وسعها، ويقفز من كرسيه قائلاً بنصر: أنظر جوليانا أندرو أغسطس نوح، ثم أمسك ورقة حكمت قائلاً جوليانا أندرو أغسطس بيتروتشي.
مط ديغو شفتيه المزينة بشاربه، ووضع قبعته العسكرية على شعره الخفيف قائلاً بعدم فهم: ماذا في ذلك؟! أنا عندما كنت في الكنيسة كان معي فتى ذكي اسمه ديغو دانييل وأنا ديغو دانييل أيضًا، وكنت أبغضه لسرقة الأضواء مني.
صفع حنا مؤخرة رأسه قائلاً بضيق من غبائه وتكرار خطة الهروب للمرة السابعة قائلاً: أيها الحمار كم مرة سأكرر؟ فقط بعد غد عند موعد التنفيذ تعالى وخذ العربة، أغرب عن وجهي الآن.
نظر إليه ديغو شرزًا، وامتعضت ملامحه وخرج من المكتب يتمتم ببعض السب والكلمات المتذمرة التي لم تصل إلى مسامع حنا الذي نزل إلى القبو يبحث عن جوليانا نوح، وقد وجدها امرأة في الأربعينات، وقد كانت تهمتها هي التحالف مع الفرنسيين.
دخل إلى الزنزانة بعد فتح له الملثم، ثم غادر بعد أن أشار إليه.
وقد كانت تلك المرأة لا تقل سوءًا عن حال حكمت بقدر أنملة سوى أنها ما زالت تُبصر والضوء في عينيها مُقيم.
عقد حنا ذراعيه خلف ظهره، وفي زاد ذلك المعطف من الفراء حجمه ضخامة وهيب.
نظرت إليه تلك المرأة، ثم نزلت علي قدماه تُقبلها بيأس وألم وخوف من وصلة عذاب أخرى قائلة ببكاء ومرارة: اقتلوني. أجرؤكم لم أعد... أتحمل هذا العذاب... لقد اعترفت... اقتلوني لا أريد أن أعيش!
دفعها حنا بحذائه اللامع بتقزز قائلاً ببرود، وهو يُدرك أنه يعقد صفقة رابحة: أنا هنا لتلبية طلبك، لقد صدر أمر بإعدامك حرقًا بعد غد استعدى.
ضحكت تلك المرأة، وأخذت تصفق ببهجة وهستيرية مُخيفة ترسم حجم الرعب والمُعاناة التي تعرضت لها خلال مدتها هنا تحت أقبية المعبد.
خرج تاركًا تلك فاقدة العقل على حالتها المُرعبة ليأخذ الجنديان الحارسين لغرفتي كلتا الجوليانا، ويأمرهم بعد إبلاغها بخبر الإعدام بتبديلهم في الغرف من دون أن يعرف أحد، وبالطبع لا ننسى تلك الإكرامية التي دفعها لتمام المهمة.
وبدل أوراقهم، وأحرق ورقة حكمت وظلت ورقة جوليانا نوح تلك، وبات لا وجود لجوليانا بيترتوتشون تلك في دفاتر المحكمة.
وقد جاء اليوم المنشود، وعندما تشحمت المرأة بالشحم، ولم يظهر منها حتى وجهها خرج كل اولوا الأمر من المحكمة، وتأكد ديغو من أن الجميع في ميدان مدريد العام، حتى تسلل إلى المحكمة، وأخرج حكمت معصوبة العينين والمقيدة إلى عربة خشبية مغلقة جوانبها بالخشب، حتى لا يراها أحد، وقد وضع الأمانة في بيت حنا الخاص بالاستراحة في أقاصي المدينة، وقد كان اختيار متهوراً من حنا أن تظل حكمت في المدينة، وفي بيت قد يصل إليه بلايو بسهولة، لكن أفضل مكان تختبئ به هو بيت عدوك لن يظن أحدًا بأن حكمت في مدريد أبدًا.
وقد كانت أنطونيا في القصر عندما كان ديغو يحمل حكمت المقيدة إلى الغرفة، وقد تمسكت بها الخادمة بحرص كما أمرها ديغو فور صعود الطبيب خلفه.
وقد مر ما مر من الوقت، وفي نهاية اليوم بعد الإعدام والتنفيذ، وقد كان حنا بدل ملابسه لأقل من بسيطة للغاية لا تلفت الأنظار، ولا تُظهر مدى ثراء صاحبها، وقد حزم حقيبة ملابس صغيرة تكفيه للسفر، وتلك المهمة التي أقدم عليها.
دخل إلى القصر في وقت متأخّر قاصدًا أن لا يلتقي أنطونيو التي لا طاقة له اليوم بها وبالوقت نفسه لا يريد أن يجرح مشاعرها الصغيرة بكثرة الأسئلة والحديث.
وضع حقيبته أرضاً في مدخل القصر، وقد قابله ديغو الذي كان يحتسي فنجان قهوة في الصالون، وقد ترك الفنجان، وأقبل عليه ليبادر حنا الحديث بهدوء: كيف حالها اليوم؟
عانق ديغو كفيه بنفسه مع بعضهم، وضم شفتيه ثم أمال رأسه بعد ثانية تفكير قائلاً بواقعية وصدق: ليست بخير، تأكل وتأخذ العلاج، لكن خائفة وتبكي بصمت، وتستيقظ من نومها مفزوعة حالها سيئ، لقد أخبرتها بما فعلت وما ستفعل، لكن أتمنى أن تكون مُدركًا لما تُقحم نفسك فيه.
هز حنا رأسه بالقبول، ثم تنهد قائلاً قبل أن يتجاوزه: شكرًا على كل ما فعلته يا أخي، انتظرني لحظة ستوصلنا للميناء.
وقبل أن يتجاوزه قبض ديغو على ساعد حنا قائلاً بصدق وفخر: صدقني بالرغم من خطورة الأمر إلا أنا فخور بك، ولو إدواردو هنا لكان أشد فخرًا مني بك.
ربت حنا على كتف ديغو قائلاً بصدق: وأنا أحمد الرب على وجود أصدقاء، وفيه مثلكم في حياتي.
ثم تركه وصعد حيث قلبه يقبع هناك في الأعلى.
وقف أمام باب غرفتها للحظة، ثم سحب نفساً كبيراً، ثم زفرت بقوة قبل أن يدخل الغرفة.
دخل وقد وجدها نائمة في السرير البيضاء ملائته ولحافة وخشبه بني اللون بتصميم بسيط للغاية، وقد كانت تغوص في اتساع السرير بسبب ضآلة جسدها ونُقصًا وزنها الشديد.
جلس على طرف السرير، وأخذ يمرر سبابته على وجنتها زرقاء اللون، وأثار السوط التي بدأت في الاختفاء بعض الشيء، وقد كانت مُتعرقة يدها، بالرغم من إقبالهم على الشتاء والجو البارد، وقد كانت ملامحها متألمة غاضبة، ولكن عليها الاستيقاظ الآن حتى يأخذ الموافقة منها.
ولكن انتفض برعب من وضعه عندما استيقظت برعب وصراخ: ابتعدوا عني!
وقد كانت تتخبط بهستيرية ظنًا منها أنها ما زالت في المحكمة إلى الآن.
وقد عانق جسدها حتى يُقيد ويشُل حركتها، وقد هدأت بالفعل، لكن بصعوبة ووتيرة أنفاسها عالية وكأنها كانت ترقد في ماراثون جري سريع.
ابتعد عنها قليلًا، وأخذ يربط على وجنتها بهدوء قائلاً بهدوء ظاهري يخفي ذلك الألم الذي يعتصر قلبه: حكمت إهدائي هذا أنا حنا اهدئي.
ثم سكب القليل من الماء في الكوب، وساعدها على الشُرب حتى هدأت.
ثم نظرت إليه بعينين متناقضتين الحال قائله بتيه: صحيح ما قاله ديغو؟ أنك من أنقذني.
زفر بهدوء، وأردف وكفه يعانق وجنتها والآخر يدها: الأمر ليس سهلًا أبدًا على، ثم أطلق ببصره إلى النافذة قائلاً بتيه: وكأنها الأيام في عيني لم تمضي، هناك أبو ضابط محكمة مدريد وبلايو الشاب وابنتاه ديف وإيفا وأنا هناك أعود من الشمال مكللاً بالانتصار، وأصيح بأعلى صوت المجد للملك... لا مكان للمسلمين في بلادنا، ثم اصحوا على الجديد، وقد تغيرت نظرتي والعالم من حولي، ثم عاود النظر إليها متابعًا بنفس التخبط والتيه: والآن مات أبي، لم يعد بلايو ذلك الشاب مع ابنتيه الصغيرتين، فارقت الجيش، ثم ماذا؟ أسلمت... خنت قسمي بقتل كل مسلم، وطردهم من البلاد وأسلمت، فكرت مليًا في الأمر، وجدت نفسي حائرة عند مُفترق طُرق بين نداء قلبي وحبي لكي، وبين السلطة وقسمي بتطهير البلاد من المسلمين وإعلاء كلمة الصليب والكنيسة، ولم أجد نفسي، إلا أنها انساقت وراء نداء القلب وأسلمت، لأني قطعت وعدًا بأني سأحرب وأُحطم الجُدران لأجل حكمت وعينيى حكمت.
مسح بأنامله دموعها التي انسكبت وهي تسمع حديثه بهدوء، وقد كانت نظراتها كلها فخراً وحب كاملاً وسعادة لوقوع حظها برجل مثل حنا وبالفعل استحق قلبها عن جدارة، فيكفى فخر أنه يُهدد عمله بالخطر، ويقف أعزل أمام قانون دولة لأجلها فقط.
رفع كفها الأيمن إلى شفتيه يقبله بنعومة وهدوء، ثم ابتعد وهو يداعبه بإبهامه وزرقواتيه استحالت لون صافي وأداء ليُكمل: بعد حفل الحرق سافرت لغرناطة، وطلبت يدك من خالك وهو من لقنني الشهادة، بت أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله، كان وقوعها على قلبي غريباً لا أدري هل أنا سعيد أم حزيناً لكني خائن، ثم أمسك الصليب المعلق في رقبته قائلاً في صراع بين الماضي والحاضر: لقد خُنت حبي ليسوع وأمه، وأسلمت واتبعت الهمج كما تعلمت، بعت يسوع وأمه لأجلك يا حكمت.
هزت رأسها الملطخة بالدموع والكدمات بالنفي القطع، وقد ارتفعت يدها إلى وجنته الملتحية قائلة بصوت مبحوح من فرط المشاعر التي تداهمها: لا لا أنت لست خائناً، صدقني لو نزل عيسى -عليه السلام- وأمه البتول لكنت أنا أول من يُقبل قدميهم، نحن نُقدس عيسى روح الله ومعجزته وأمه الطاهرة التي أحصنت فرجها مثل ما نُقدس محمد حبيب الله وآل بيته الطيبون، نبي الله عيسى فخوراً بك لأنك أنقذتني، في القرآن هناك سورة كاملة باسم مريم الطاهرة، وقد ذُكر عيسى -عليه السلام- في أكثر من موقع في القرآن بالتكريم، ولم تُذكر زوجة من زوجات النبي محمد أو بناته فقط مريم العذراء؛ لأنها حملت آمنة ما كان لأي امرأة أن تُطيقها، يكفي أن المسيحيين أقرب إلينا مودة ورحمة كما في القرآن، ويكفي أن زوجة النبي محمد كانت ماريا المصرية المسيحية، نحن والمسيحيون أخوه وإلهنا واحد هو الذي خلقنا جميعًا، النصارى أهل زمة وكتاب عزيز نزل من عند الله، لم يدخل طارق بن زياد ولا موسى بن النصير إسبانيا إلا لنشر راية التوحيد، البلاد بلاد الإسبان والدين لله ومن شاء فليؤمن، لست خائنًا يا حنا، وأنا لست همجية متوحشة.
ثم تسللت أناملها الهزيلة تمسح دموعه التي لأول مرة تراها ترقرقت في زمردي حنا الذي أغمض عينيه لعدة ثواني تحت سطوة يديها ليفتحها قائلاً: خالك ينتظرني في ميناء بلنسية هو يعرف كل شيء سنذهب إلى والدتك حتى نعقد القران هناك هل أنتِ موافقة.
بللت شفتيها، وهزت رأسها بالقبول وضحكت، بينما دموعها تتساقط مثل حبات المطر: موافقة، موافقة يا يحيى، من الآن اسمك كاسم نبي الله يحيى وابن خالة مريم البتول وعيسى المسيح، قد كان معجزة، وقرة عين لزكريا عليه السلام، قال فيه نبينا محمد هو الشهيد بن الشهيد، وقال الله ولم نجعل له من قبل سميًا أي أنه أول من لُقب بيحيى على الأرض يا يحيى.
ابتسم بهدوء، وقبل جبهتها وربت على وجنتها، ثم ابتعد قائلاً، وهو يتذوق لحن اسمه الجديد: يحيى، اسمي يحيى