الفصل 22
فتحت عينيها، ولكن يا ليتها لم تفعل وهي الآن تزيد وهو يرى عينها اليسرى التي انقلبت بكاملها إلى البياض، واختفى منها قدح القوى الذي سلب لُبه وقلبه، وشغل عالم أحلامه، وكم تغازل به، وغنى له، وقد خسرته مثلما خسرت كل شيء حولها.
يريد أن يصرُخ! يُحطم! يُدمر! يقتُل!
كل من ساهم، ولو بالمشاهدة والصمت على ما وقع على رأس حبيبته.
والآن فقط يا حنا أنت تشعر وتتألم مثل البشر، وشعرت بفجاعة وبشاعة ما تفعله بالأبرياء مثلاً حكمت؟! ولأنها غالية عليك فقط ما كنت أشفقت عليها.
كانت نزعة الغرور وداء العظمة المُسيطر على المكان بدأت تكبر في قلبه وقساوته زينة له الجلوس على عرشه الفاخر لتفتح عينيها، وتراه في ما هو فيه جاه وعظمة، لكن رؤيته لعينها وحالتها السيئة تلك كانت بمثابة الصفعة على وجه النائم الغارق في بحر عسل من النوم.
ركد! نعم ركد إليها، وقد استسلمت هي أخيرًا إلى عناقه ويديه التي قد طوقت خصرها بتملك شديد وراحة، وقد وجد السلام الغائب عن عالمه أخيرًا.
أما هي، فقد تعلقت بعنقه بقوة مثل الغريق الذي قد تعلق بقشة بإيمان ويأس حتى ينجُ من الكرب والبلاء، ولا تفعل شيئاً سوى البكاء والانتحاب بقوة وكأن روحها سترحل إن لم تفعل!
وقد كان الأمر كذلك، وكيف تبكي وقد قُتلت امرأة ليلة أمس بسبب إصابتها بالربو وارتفاع صوت سعالها؟!
حاول النظر إلى وجهها، لكنها شدت على عناقه قائله بتية وخوف: لماذا تركتني ورحلت... الغرفة مظلمة وأنا أخاف الظلام... أريد العودة إلى أمي وأخي... لا تتركني يا حنا أنا أحتاجك... لا تتركني مجددا... قلبي يؤلمني... رائحة الموت حولي لا تتركني... أريد أن أستحم وأمشط شعري.... آه! لقد حرقوا شعري يا حنا... لم يعد لشعري وجود... لقد فقدت عيني... أصبحت مشوهة بشعة.
ابتعد قليلاً، وكور وجهها بين كفيه وإبهامه يمسح دموعها تلك بأصابع مرتعشة من قوة اللحظة قائلاً بحنان وصدق: لا بل ما زلت جميلة، هم المشوهون والبشعون، لكن لا يوجد من هي أجمل منكِ، شعرك سيعود، وستخرجين من هنا هذا وعد حبيب حر، فقط أخبريني ماذا حدث؟
مسحت أنفها في طرف ثوبها الخشن، وأردفت بصوت مبحوح من البكاء: بلايو عرض على ترك أوروبا، وأن ابتعد عن طريقك أو، وأنه سيستمر في أذيتي وأذية عائلتي، ورتب لنا في مركب ذاهبة للمغرب.
ثم توقفت للحظة، وهي تلتقط أنفاسها، ثم تابعت تحت اهتمامه وغضبه الجلى من بلايو: عند رجل يُدعى رياح خطابي، وفي الطريق تعرض لنا الجنود أمي، وأخي هربوا وأنا لم أستطع الهرب.
قبل جبهتها، وأعادها لأحضانه قائلاً بحنان: حدث ما حدث اهدئي أنا ساجد حل لإخراجك من هنا فقط توقفي عن البكاء، وإن سائلك أحد قولي كنت أستجوبك.
ثم رفع وجهها، وقبل جبهتها قائلاً: أريد المكوث معك، لكن سالفة الأنظار عودي، وفي المساء سوف أجد حلًا.
تمسكت في قميصه الحريري قائلة بذعر من ذكر القبو: أرجوك لا تتركني أموت هنا، لن يكون لي قبر ولن أدفن.
رفع كفها إلى شفتيه يقبله بنعومة ويداعب وجنتها: أموت ولا أضرك أبدًا الأمر ساعات، وسنكون سويًا في الخارج، وحقك سيعود قريبًا يا سكرة.
--------------------------------------------------------------------------------------
وقفت عربة حنا عند بيت رؤيتنا البعيد قليلًا عن بيت جوليانا وقد نزل ديغو _الذي جاء مع حنا المجنون على مضاد ليثبت له أن رؤيتنا تلك كاذبة، وقد كان يشعر أن حنا أغبى أغبياء الأرض، ولم يصدقه ولو لدقيقة وكيف، إذ حضر عزاء جوليانا بنفسه؟!! _وحنا على جنب، ولكن نظروا إلى بعضهم بدهشة عندما كان هناك تجمُع كبير من الجيران والمارة في الشوارع حتى الباعة المتجولين، ومن يحمل قفص دجاج وطيور فوق رأسه قد توقف أمام بيت روايتنا.
وقد كان هناك صوت بكاء أطفال وصراخ مُنبعث من البيت يُنذر بالشؤم والمُصيبة التي يبدوا أنها وقعت لا محالة.
استغل ديغو، وحنا ملابسهم الشرطية الرسمية، حتى يفرقا الزحام من أمام المنزل وبالفعل قد نجحا في ذلك، وتفرق الناس خوفًا من تلك الرُتب الكبيرة التي دخلت الحي، ولكن لم يتوقعوا قدوم الشرطة بتلك السرعة إلى حيهم الفقير المتواضع.
قد كانت الصاعقة على رأس ديغو أكبر وأعظم من صاعقة حنا الذي كان يشك في الأمر، وبات الآن شكه حقيقة.
كانت رؤيتنا مُعلقة في السقف بحبل غليظ مشنوقة مفارقة للحياة وعينيها تنظر إلى اليسار، وقد كان أسفلها كرسي مرمى أرضًا، ولكن بالرغم من ترتيب المنزل، إلا أن فيها كانا مبعثرين في المنزل وشعرها مشعشع بفعل أصابع يدين وهناك احمرار على معصمها، وتمزق في فستان البيت.
وقد لفت نظر ديغو ورقة في جيب فستانها ليرتفع على أصابع قدمه ممسكًا بالورقة، وقد كانت رسالة انتحار، وقبل أن يمررها لحنا همس له: رؤيتنا لا تجيد الكتابة أو القراءة تلك جريمة قتل، أبدأ التحقيق يا ديغو رجاءً.
بالفعل أخلى ديغو البيت، وطلب المدد من مركز الشرطة وبدأ التحقيق.
وقد كان هناك حنا مع ابنه رؤيتنا المدعوة انطونيت ذات الست سنوات التي عرفته، وقد ركدت عليه ما إن عادت من درس الكنيسة، وعانقته وهي لا تعرف أي شيء عن ما يحدث بالمنزل ولا أن والدتها فارقت الحياة فقط قد نبهت عليها أنه إن رأت ذلك الرجل صاحب العينين الزرقاء والشعر الطويل تذهب معه إلى حيث يأمرها.
ابتعدت عن عناقه قائله بعينيها المتسعة التي تُشبه عيني أمها تمامًا: أنت العم حنا، أمي أخبرتني أنك ستأخذني معك.
ملس على شعرها النحاسي الطويل بحنان زرعته به حكمة ليردف بهدوء: سنذهب إلى مكان جميل به امرأة جميلة الآن، وستكون هناك ألعاب وحدائق وورود.
نظرت إليه بعيني القطة قائله بتساؤل: ألن نأخذ أمي معنا؟
غصب على شفتيه ابتسامة قائلاً: أمك لأنها امرأة صالحة، وتحب ابنتها وتفعل الخير أصبحت ملاكاً كبيراً بجناحين وفستان أبيض في السماء، وأخبرتني أن أنطونيو ستكون ملاكاً، لكن بعد أن تكبر وتهرم.
ثم وقف ومد يده إليها، وقد ألقت نظرة أخيرة على بيتها، ولوحت إليه بطفولية، واضعه إصبع السبابة في شفتيها قائلة: وداعًا ماما سأصبح ملاكاً، وألحق بكِ عندما أكبر.
لمعت عينا حنا الذي كره شخصيته الطرية التي اكتسبها مؤخرًا، ومسحها بسرعة ثم أمسك بيدها الصغيرة بعد أن ابتسمت له بصدق وأمان.
وأثناء مروره إلى العربة تساءل: هل تعرفين؟ أين هيكتور لقد طرقت على بابه ولم أجده؟
هزت رأسها، واهتزت جدلتها الطويلة لتنظر بعينيها الخضراء الواسعة قائلة: بلا، لقد التحق بالدير، وأصبح راهبًا بعد أن ماتت خالة كاترينا.
ثم وضعت إصبعها على شفتيها قائلة بصوت منخفض: لقد جاء رجل، وقال إن جوليانا ماتت، لكن جاءت بعده ومعها رجال ضربوها عند بيتها المحترق.
حملها من أسفل ذراعيها، وأدخلها العربة قائلاً بهدوء ظاهري، وقد تشنجت أطرافه بغضب: اسمعي انطونيت عندما نذهب للبيت أخبريني بكل شيء، ولكن يجب أن يظل الأمر سرًا بيني وبينك فقط.
---------------------------------------------------------------------------------------
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وكان صوت صرصور الليل، وضحك السُكارة وبكاء العاشق مكسور القلب الذي جاء إلى الحانة طلابًا للشراب من أجل النسيان هو المُهيمن على الجو العام في الحانة حول حنا.
ولكن هنا كان في عالم آخر، وإلى الآن أنهى ثلاث زجاجات خمر، ولا يزال عقله يعمل ويفكر وهو ينظر إلى جُحر الفئران الصغير التي كل مدة تخرج من الجحر تسرق الطعام وتعود، وقد كان يفكر في ما حدث اليوم ورؤيته لجثة روايتنا ونظرها المصوب إلى شيء ما بعينه وبالتأكيد قاتلها، وبات يوسع أُفق تفكيره، ويشعر بمدى حماقته في تقديره للأمور.
تذكر حُلم الأشباح قبل قرابة العشرة أشهر في بيت جوليانا وشك بلايو الذي صرح به بدل المرة ألف، ثم رفض والدتها للخطوبة في البداية، ثم الهرب للمغرب ومدارات الأمر، والآن مقتل رؤيتنا المدبر، وقبل أن تتسمم جوليانا تحدثت عن صندوق في السرداب الأيمن، وقد رفضت أن تخبره عنه أي شيء!
كل هذا جعله يدرك كم هو أحمق، وأن مرآة الحب عمياء بحق، وكان لا بد من البداية أن يشك في أمرها، ولكنه كان مسحورًا مأخوذا بعشقه لها والآن فقط قد بدأ يرتب أفكاره، ويجمع الخيوط والأمور ليست عادية أبدًا، بل هناك شيء مُريب وغريب مجهول يجب أن يعرفه.
كرع آخر كأس على مرة واحدة، ثم ترك النقود في طبق مخصص للحساب، وخرج راكبًا خيله الأسود قاصدًا بيت جوليانا وليبحث تحت الأرض، وفي كل مكان ليفهم ما يحدث من وراء ظهره.
ربط خيله بلجامه الجلدي في إحدى الأشجار، ثم سار على قديمه، وتسلل إلى البيت المُتفحم والمُتهالك، حتى دخل بين الهباب وجيفة الغنم والستائر والكراسي المحترقة، وبالرغم بالحزن على موت ذكرياته هنا، إلا أنه دفن قلبه، وأيقظ عقله ليكتشف الحقيقة الآن.
دخل إلى المخزن المحترق، وضرب باب السرداب الأيمن قبضة يده، وقد تحول إلى غبار لم يحتج إلى وقت حتى يفتحه، فقد تهالك بالفعل.
أخرج الكبريت من جيبه، وأضاء مصباح كيروسين معلق في الحائط، وقد نجح ونزل إلى السرداب ليكتشف عالماً آخر وكأنها مكتبة بغداد قد سُرقت، وها هي الآن تحت بيت جوليانا!
كانت كُتب كثيرة بلا اسم أو عنوان وأوراق، ولكن باللغة العربية والأسوأ هو نسخة من القرآن الكريم بالعربية والإسبانية.
وقد احمر وجهه حتى أذنه بغضب، وزادت حرارته، وقد بدأت شكوك بلايو تصدق وتنقشع تلك الغشاوة عن عينيه، وقد أخذ يُفتش بعصبية في السرداب وبين الرفوف، حتى وجد الصندوق الذي حدثته عنه، وقد وضع المصباح على أحد الرفوف، وفتح الصندوق ليجد به الورود والرسائل التي كتبها لها وليجد ورقة كبيرة مختلفة بينهم، وقد أخذ يقرأها لتشتعل عينيه بغضب ساحق، وقد كان يُتَلَاعَب به كالدمية الحمقاء من فحواها الذي كان "إذا وصلتك تلك الرسالة يا حنا، فاعلم أني ميتة حتى ولو كنت حية فأنا سأموت، أنا مسلمة أندلسية اسمي حكمة خالد محمد، قد عرفتك وأنا طفلة شملتني بحنانك، وكنت أفضل أصدقائي، وعندما كبرنا تغيرنا وباتت الصداقة البريئة تتحول إلى حب عذري، لكن مليئاً بالكذب، أنا أحببتك ولم يكن بيدي شيء، كنت أموت ألف مرة، وأنا أرى في عينيك الصدق ومشاعر الحب، وأنا أكذب عليك، العالم كله ضدي، لكن لا يمكنني أن أُغضب ربي، سامحني يا حنا."
صرخ بقوة، وهو يركل صندوق الورود بطول قدمه إلى عرض الحائط، وقد أطلق ألفاظ نابية بطيئة تعبر عن مكنون الغضب من الحقيقة واللعبة القذرة التي كان بها.
ليخرج صاعدًا على السلالم قاصدًا الكنيسة ليحرق الأخضر واليابس، ويدمر من دمرت قلبه قبل حياته.
---------------------------------------------------------------------------------------
صوت صرير عال دليل على فتح باب زنزانة المسكينة الصدى، وقد كانت متكورة حول نفسها في زاوية الغرفة وأقل مكان يصل إليه الماء الذي يسكبه عن قصد حتى تظل وقفة طوال الوقت.
رفعت رأسها الموضوع بألم وإرهاق بين ذراعيها على ركبتيها، ونظرت بنصف عين إلى الدخول، وقد توحشت غربتهم لأكثر من أسبوع لم يقترب منها أحد، وقد ظنت أنهم نسوي أمرها، وتركوها وموتها البطيء مع نفسها مثلها مثل الآلاف هنا من مات منسيًا في زنزانته، ومن مات منسيًا في العذراء الحديدية؛ بسبب السكاكين التي مزقته إربا، ومن مات على كرسي الاعتراف المليء بمئات المسامير، ومن مات بحبس الغائط بسبب حزام العفة وغيره، وقد ظنت أنها مثلهم، ولكن خاب ظنها وهو ترى حنا بزيه العسكري الفاخر ونظرة غاضبة وحاقدة تملأ قلبه قبل عينيه، وإلى جانبه البابا وبعض الملثمين، وقد تقدمهم أجهرهم صوتًا، وقد فتح لفافة ورقية، وأخذ في قرأت فحوها، وكان "بسم المسيح وبسم الكنيسة، وبعد مراجعة الأدلة والتدقيق في التحقيق ومباركة البابا للطائفة الكاثوليكية قررنا نحن الضابط الأعلى لمحكمة مدريد حنا باخوميوس معاقبة المدعوة جوليانا أندرو أغسطس بالإعدام حرقًا حتى الموت لاستحالة كثلكتها، وذلك في ميدان مدريد الرئيسي بعد غد بحضور جلالة الملك المعظم ولفيف من مستشاريه."
وقع الخبر على قلبها وقوع الموت على عاصي غافل _عافكم الله _مؤلم الأمر وصعب للغاية أليس كذلك؟
ولكن تلك الحقيقة المرة التي كرهت حكمت تصديقها وسماعها، وقد تأملت فيه هو الخير، وقد وعدها بالأمان والآن يخلف بوعده، ويهد ما بناه بينهم عبر سنوات في لحظة أقل من ثلاث دقائق.
والآن فهمت ما معنى كلمة خذلان، وشعرت بألم الخذلان، ولكنه أمر بشع وسيئ أن يأتيك الخذلان من أقرب!
خرج الجميع. أما هو قد وقف ينظر إليها بقسوة وحقد عارم وهي لا تقل قسوة وحدة عن أنظاره، وبالرغم من جلوسها أرضًا أسفل قدميه، إلا أنها تحمل شموخ وعزة العالم كله.
بصقت جانبها على الأرض قائلة بكرة: كاذب نجس ترك الفرنسيين يمرحون في البلاد، وتجرأ على النساء والأطفال.
طحن أسنانه بغضب، وقد هبط إلى مستواها قابضًا على فكها بقوة، ورفعها من فكها قائلاً بتقزز: النجس هو أنتِ يا كافرة، ستحترقين في الدنيا وفي الآخرة. يا حكمت الكاذبة.
قاومته برأسها بغضب وقوة، وأردفت "الكافر هو أنت وأمثالك أنا سأدخل الجنة لأني آمن بالمسيح وأمه، أنا لم أظلم أحداً، ولم أقتل أحدًا، كيف ستدخل الجنة أنت بما تفعل؟!"
ظل قابضًا على فكها بقوة جسدت كم الغضب والألم الذي بداخله ليهمس بعد أن أسند جبهته على جبهتها: أكره قلبي الذي لا يزال ينبض إليكِ، لقد ذبحتني وقتلتينى وأنا حي، يا ليتك رفضي حبي، ولا تفعلي بي هذا.
ضربته في صدره بيديها الضعيفة قائلة ببكاء مرير: لقد دمرتم حياتي... آه... ما ذنبي أني مسلمة... هذا حقي المسروق... أكرهك وأكره حبي ليك... لماذا ظهرت في حياتي... أنا كنت مرتاحة البال خربت حياتي ودمرت عائلتي... قتلت روحي بالبطيء. لا أستحق كل الألم هذا... كان أمامي عمري، وبنيت أحلامي وأنت دمرت كل شيء... كل شيء ضاع.
سقطت دمعة من عينيه على وجنتها لتختلط بدموع عينيها الساخنة، وقد اكتفى إلى هنا من تلك الكذبة الكبيرة التي عاش بها ليهمس مرة أخيرة قبل أن يرحل: لا يمكنني نسيان حبك ولا التفكير بكِ أو الوقوع في حبك كلما رأيتك، لكن يمكنني كرهك وهذا جزاء ما اقترفته يداك.
---------------------------------------------------------------------------------------
"يا رب موسى وعيسى ومحمد، يا منقذ يونس من بطن الحوت، يا من جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، يا من نجيت نوح من الطوفان، وشفيت أيوب من الضر، وأتيت داوود الحكمة، ورفعت يوسف مكانًا عليًا، ونجيت لوطاً وأهله من القرية الفاسق أهلها، وسخرت الحمامة والعنكبوت لإنقاذ محمد والصديق، سخر لابنتي إذن الخير، اجعل طريقها سهلاً لا عثرت فيه ولا سقوط، نجها من القوم الظالمين كما نجيت امرأة فرعون من فرعون وعمله، احفظها بحفظ، سخر لها جنودك، احميها كما حميت مريم عليها السلام، وعيسى من الكرب العظيم، يا رب أذن لها بالخير والعمر المديد، احمها وأربت على قلبي وقلبها، أنا أم أربت على قلبي يا الله"
كان هذا دعاء خديجة على المُصلية الخضراء في غرفتها المطلة على النافورة في وسط المنزل، وقد راودتها كوابيس بشعة أيقظتها من نومها، ودفعتها للدعاء والصلاة لأجل ابنتها.
وآه من هذا الدعاء! سحر عجيب لا أدري لما لا يستغله البعض اليأس والمحبط مثلي ومثلكم في تغير قدرة والإلحاح على الله في طلب العون والمدد إلى جانب العمل؟
ولكني أدركت أنه رزق من عند الله لا يؤتيه الله إلا لا صالحة قلوبهم وأعمالهم حتى ولو بفعل صغير، فكم من قصص الخطائين الذي دعوا الله، وقد انقلبت حياتهم رأسًا على عقب، وتبدل الخطأ بالعمل الصالح.
والأهم هو صلاح ونقاء القلب النادر في آخر الزمان.
---------------------------------------------------------------------------------------
في ميدان مدريد الرئيسي، وفي منتصف حلقة كبيرة من تجمهر الناس والسكان وحول حلقة أصغر من مجلس الملك الذي توسط دائرة من مستشاريه والبابا الكاثوليكي الأكبر في البلاد ورئيس محكمة التفتيش حنا والبابا المسؤول بها وبعض الجنود والملثمين.
وبالمناسبة بلايو هنا، لكنه لا يعرف من هي المحروقة!
وفي حلقة أصغر من الصُغرى كانت هناك طاولة عليها من الطعام كل ما تشتهيه الأنفس من لذات وأنواع فاخرة ونادرة عليها القليل القليل من المساجين في محكمة التفتيش قد خرجوا مع تلك المسكينة المحكوم عليها بالموت حرقًا اليوم، ولم يكن الخروج بغرض الفسحة أو التهوية، بل للعبث والضغط النفسي عليهم ليروا جزاءهم القادم لا محال في حالة إخفاء دينهم الأصلي، واعتناقهم ديناً غير الكثلكة، ولم يكن الطعام، وحث الجنود لهم على تناول الطعام إلا للظهور بصورة لطيفة طيبة للعامة وبالطبع لم يجرا الأسرى على لمس الطعام.
أما المسكينة، فكانت ترتدي جلبابًا مُغطى من أوله لآخره بالشحم والكيروسين وكذلك وجهها الذي اكتسب اللون الأسود الذي، وقد اختفت ملامحها تمامًا وكأنها بثرة سوداء في وجه أبيض!
ولكن كانت روحها التي تحمل كل تعابير الألم والعذاب متهالكة لا تقدر على حمل قدميها، وقد رُبطت بالكامل بعمود خشبي، وأسفلها خشب وقش فوق منصة خشبية استعدادًا للرحيل للدار الآخرة، وقد فقدت الأمل القليل تمامًا، ونظرت إلى السماء نظرة أخيرة تتأمل الطيور والسحاب، وتلعن كل من وضعه هنا الآن.
وأما حنا، أتتذكرون عندما تأملته حكمت ووصفته بغليظ الملامح والصلب كان وجهه أسود بالإضافة إلى غلاظة ملامحه، وليس السمار خلقه الله، بل السواد الذي في قلبه قد ظهر على وجهه، وقد نظر إلى تلك الكاذبة بتشف، وفخر من ما أقدم عليه.
وقف رجل ضخم الجثة ملثماً بالأسود بالكامل، ويحمل فأس أكبر من فأس تورجوت الغازي وبيده الأخرى شُعلة نار، وبدأ بصوت جهوري يعلن بيان موتها "بسم المسيح وبسم الصليب قد تجل عدل الرب في الأرض، وحكمت المحكمة بعد مباركة الملك والبابا بإحراق تلك المرأة بعد استحالة كثلكتها، واتباعها الشيطان وعدم دفن رمادها"
ومع آخر كلمة أغمضت عينيها لتفر منها دمعة تائه لا تدري على ماذا تهبط والموت الذي تمنته ودعت به يأتيها الآن، ولكن تلك الدمعة كانت دمعة ألم الخذلان من الجميع، وهي ترى في أعينهم نظرة الشماتة والحقد والكره وبحياتها لم تتمن الشر لأحد، وترى الآن أعز الناس على قلبها يسبها ورفاقها من بين الحشود يلقون عليها الحجارة والقذف البشع، والآن وحدها بجسدها الصغير وقلبها المكسور تحمل خطايا وذنوب العالم كله.
وقد ألقى الملثم الشعلة ومعها على صراخها والنار تلتهم جسدها بوحشية وافتراس بشع ومؤلم، لكن ليس كالم قلبها الذي ينبض للمرة الأخيرة.
وهناك حنا قد وقف بشموخ، وأخذ يصيح بقوة، وقد سحب سيفه من غمده "المجد للملك. المجد للملك"
ومن خلفه الجميع يردد المجد للملك. المجد للملك.
---------------------------------------------------------------------------------------
"لا أدري يا بني، لكني أشعر أن الطعام بلا طعم!"
كانت تلك الجُملة ترددت على مسامع حنا كثيراً منذ وفاة والده.
وقد كانت تتكرر من أمه المُتيمة عشقًا بأبيه، ولن تكذب إذا قالت إنه لا مذاق للسعادة والبهجة من دونه، وكأن العالم من دون نصفها الآخر مثل شيء جميل، لكنه لم يكتمل بعد فغاب جماله، وعبرت عنه الأيام، وبات نسيًا منسيًا.
ولكن تلك المرة كان قاسي القلب عديم الرحمة حنا هو المُتحسس والشاعر بهذا الأمر.
أقنع نفسه بأنه فعل الصواب، ومن عرف بذلك فقد هو فعل الصواب.
فأرواح المسلمين الوحشية تلك لا تستحق الشفقة أو الرحمة حتى.
وإن أشفق عليهم لبسوا جلد النمر له ولبلاده وكل من فيها، فأفضل أمر هو العصي لمن عصا!
ولكن سؤالي موجه هنا لقلبك لا لعقلك يا حنا، هل حقًا حكمت كانت وحشة، ولا تستحق الشفقة أو الرحمة منك أبدًا؟!
وكيف سولت لك نفسك الاستمتاع والفخر بقتل روح طاهرة منحتك الحياة، بينما لم تكن تقوى على هش الذبابة من فوق رأسك؟
أنت لست سوى قلب أسود متعفن ملئه الحقد، وأعماه الغضب الذي لا مبرر له سوى تعفن روحك في قصص وهمية وكره متوارث.
وقد كان على طاولة الطعام إلى جانب أمه وبلايو وعائلته، ولكن أمه هي الوحيدة التي تشعر بتغيره التام الذي يزداد كل يوم عن ذي قبل، ويتجه إلى الاسوء كلما مر الزمن، ولو فقط يعطها الفرصة، ويفتح قلبه لها لاستطاعت مداواة بعض جراحه فالبعض الآخر جوليانا فقط من تقدر على مداواته.
ترك حنا الملعقة المعدنية، وقد شعر أن طبق الخضراوات واللحم والمشروب مثل الماء لا مذاق لهم أبدًا.
مسح شفتيه ويديه في منديل الطعام، ثم وقف قائلاً ببرود وهدوء غير مدرك لحجم القنبلة التي يرميها الآن على الطاولة: أنا في إجازة لمدة شهر لا أريد أن يسأل عني أحد، وبالمناسبة لقد وجدت فتاة من غرناطة، وطلبت يدها للزواج وعن ما قريب ستأتي لمدريد لإتمام الزواج!
كقلب أي أم كانت مارلين سعيدة وفرحه بهذا الخبر، وقد ابتسمت ببهجة صادقة، وهي ترى أن ابنها قد اجتاز محنته وفراق خطيبته ليخطو خطوة قد طال انتظارها، ولكن لا بد منها في الأحوال جميعهم.
لكن بلايو قد أفسد سعادتها، وقد بدأ في استجواب حنا باستهزاء وبرود: وماذا تعمل تلك المرة أم أنها تقتات على التسول؟
طرق حنا بقبضة يده على الطاولة بنفاذ صبر وبرز فكه للأمام، ثم قلب عينيه ليرد بسام وضيق: لا تقلق تعيش مع خالها وهو تاجر معروف، فقط أنت دعني وشأني، ولا ترسل جواسيسك خلفي، الأمر شائن ومقرف حقًا.
أمال بلايو رأسه، ومط شفتيه قائلاً ببرود: أنا أفعل كل هذا من أجل مصلحتك، والنتيجة مبهرة قد نسيت جوليانا وكلامك الأحمق عن حبك لها.
وضع حنا يده في جيبيه قائلاً بنبرة ذات مغزى: جوليانا تحت الأرض الآن، وأظن أنك تشعر بالانتصار، لكن حياتي ليست لعبة بين يديك لتعبث بها، وتحطمها كما تشاء، أنا أُدير أمن البلاد، ولا أنتظر من أحد أن يُدير لي حياتي حضرة المستشار.
ارتفعت زاوية فم بلايو بابتسامة جانبية ساخرة، وعاود تناول طعامه وهو على يقين تام وسلام نفسي بأنه فعل الصواب الذي كان لا بد من حدوثه الآن، وغلق باب القصر القوى الذي أرعب الجميع عن خروج حنا كان بالنسبة له لحن شجي لم يسمع في روعته إلا بكاء جوليانا!
---------------------------------------------------------------------------------------