وسقطت حكمت - الفصل 21 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 21

الفصل 21

"بسم الآب والابن والروح القدس، وبسم الملك والبابا والكنيسة والدولة نوكل إلى حنا باخوميوس منصب الضابط الأعلى لمحكمة مدريد العليا، ونأمل أن يكون كفا لتلك المهمة" كانت تلك الكلمات خارجة من فم البابا المسؤول ف محكمة التفتيش بمدريد بعد أن نصب وأعلن لسائر العاملين في المحكمة وحضور بعض مستشاري الملك، ومنهم بلايو بالطبع بأن حنا صاحبنا بات رئيس محكمة التفتيش بمدريد في حركة الترقيات التي تُقام كل بضع سنوات، ولو قلنا على المستوى المهني، فقد استحقها حنا بإدارة، ولو أن بلايو قد توسط ليحصل حنا على هذا المنصب، لكن لا تخبروا أحدًا بذلك! تحت أنظار بلايو الفخورة والمنتصرة وقف حنا الراكع على ركبته بزيه الأبيض، وعلى صدره ووشاحه صليب أحمر، وعلى رأسه خوذة الحرب المعدنية، ثم أمسك بالسيف من يد البابا قائلاً بطريقة عسكرية: بسم الآب والابن والروح القدس وبسم الصليب، وكل فرد في الدولة أتعهد أنا حنا باخوميوس بأن أُحافظ على سلامة وأمن البلاد وتطهيرها من الخونة وأعداء الكنيسة والمحتلين. وهكذا قد تعهد حنا وابتدأت الاحتفالات، ونزلت أصناف الأطعمة والخمور على طاولة طويلة جلس عليها كل من في المكان ما عدا الجنود الحراس للمكان وبلايو! وآه من بلايو! فقد خرج من قاعة الاجتماعات بالمحكمة القائم بها الاحتفال إلى أحد المكاتب بعد أن أشار إليه فرانسيس بأن عنده كلاماً مهماً. دخل فرانسيس، ومن خلفه بلايو وقد همس فرانسيس في أذن بلايو بعض الكلمات قد جعلته يشطات غضبًا، وقد سحب سيفه من غمده، ووضعه على رقبة فرانسيس، وجذبه من ياقة قميصه بيده الخالية، وصاح بغضب غطى عليه صوت الموسيقى والضحك في القاعة: أتسمع يا ابن اللخناء ما الذي تنطق به؟ جوليانا من التي بالأسفل؟!! انكمش فرانسيس على نفسه برعب، على الرغم من هالته الضخمة قائلاً: أقسم بيسوع أني رأيتها بالأسفل بأم عيني، وقد قُبض عليها هي والبعض ليلة الهرب. دفعه بلايو بغضب ساحق وحنق مثلما يدفع الدنس عن ثوبه الفاخر، ووضع سيفه في غمده، ثم أخذ في شد شعر رأسه بقوة وهو يفكر، وقد وقع في مشكلة حقيقية الآن، ولا حل لها، فلم يعُد بإمكانه تنحية حنا عن منصبه أو إخراج حكمت من تحت أقبية الكنيسة أبدًا! وكأن الدنيا بمن فيها قد تآمرت عليه، واتحدت على أن تهد كل ما بناه فوق رأسه بمنتهى السلاسة والهدوء. التفت إلى فرانسيس رافعًا سبابته في وجهه بتحذير قائلاً بفحيح وهمس مرعب: إياك ثم إياك أن يعرف حنا عليك أن تحول بينه وبين أي وسيلة توصله بالحقيقة. هز فرانسيس رأسه بالموافقة، وأخذ يُعدل ملابسه وبالمثل بلايو الذي خرج ورسم على شفتيه ابتسامة وملامح سعيدة وكأنه لم يسمع أبشع خبر في حياته منذ قليل. --------------------------------------------------------------------------------------- دائمًا ما يوصينا أطباء القرن الحادي والعشرين بأهمية السير على الأقدام لما يُعانيه الجيل الحالي من كسل وبدانة وسوء في تنظيم دورتهم الدموية وأكبر دليل ألوان بشرتهم السيئة بالأخص في عصر التقنية والكسل والأطعمة السريعة والمُصنعة وسوء التغذية، ولكن كأحد أفراد هذا الجيل يمكنني القول بأنه لا حياةً لمن تنادي. لكن السائر الآن حنا ضابط المحكمة الجديد الذي تولى منصبه الجديد، وقد كان مثالاً سيئاً في اللا مبالاة وعدم الانتظام والاهتمام بالعمل، فقد كان طوال الأسبوع الفائت لا يذهب إلى عمله، ولم يذهب اليوم إلا بعد إلحاح قوي من والدته التي أشفقت على حالة التيه والضياع التي هو بها منذ خبر وفاة حكمت الكاذب منذ شهر مضى، ولم يمكث طويلاً، وقد عرج على الحانة أخذ حصته من الكونياك، ثم أخذ في العودة سائرًا على قدميه إلى بيته بلا اهتمام. لكن أوقفه في منتصف طريقه بجانب سور قصره وقوف وجه مألوف له، وقد أقبلت عليه صاحبت ذلك الوجه، وعانقته بقوة بفستانها الوردي ومشده الأسود، وقد كان مدهوشًا من أن تلك رؤيتنا التي أبلغته حكمت بتوبتها. حاول أن يبعدها عن صدره، لكنها تمسكت به بقوة قائلة بهمس: عانقني السيد بلايو يراقبنا من خلف نافذة مكتبه رأيته وأنا أقف هنا منذ الصباح ولدى كلام هام بخصوص جوليانا. اتسعت حدقتاه على فورها ما أن نطقت باسم جوليانا وقد عانقها كما قالت لتكمل من دون إضاعة وقت: جوليانا لم تمت لقد أمسك بها جنود الكنيسة. "رؤيتنا أنتِ متأكدة من ما تقولين؟!!" صاح بتلك الكلمات حنا الذي انتفض من أحضانها، وأبعد رأسه لينظر إليها مدهوشًا، وقد تفوهت الآن ببعض الكلمات قد أحيت الأمل في قلبه، ولكن كيف وقد رأى مقبرتها بأم عينيه، وقد شهد الجميع في الحي على موتها بلا استثناء والآن تأتي هي وتُعيد قلب موازين اللعبة والقصة ببعض الكلمات أثقل في الوقوع على قلبه قبل أذنه من ثقل مدفع البازلين الذي هدم به محمد الفاتح أسوار القسطنطينية! شدت رؤيتنا على عناقه، ودست أناملها النحيلة بين خصلات شعره الطويلة لتجذب رأسه إلى أحضانها بقوة قائلة بصوت منخفض، حتى لا يسمعها أحد: سيد حنا أعقل أفعالك، أحتاج إلى الحديث معك، وأعين السيد بلايو لن تتركنا وشأننا هناك الكثير لتعرفه أنت لا تعرف شيئاً عن ما يحدث من خلف ظهرك دعنا نذهب إلى أي مكان بعيد عن الأعين. ابتعد عن أحضانها بهدوء، ونظر في عينيه التي، وسبق له أن رأى فيها الانكسار والعهر والعوز والحاجة، وقد استغل كل هذا في نزوة فانية ولذة مُنقضية يرى فيها الآن الصدق والقوة التي تدفعه أن يصدق ما تقول ويتمسك بها وهي الآن تعطيه أملاً جديداً في حياته التي ظن أنها انطوت بموت معشوقته وفنائها وفناء أحلامه معها إلى الأبد. أحاط كتفاها، واتجه إلى الحارس يُخبره عن حاجته إلى العربة، وقد امتثل إلى أمره، وفي ثواني مُعدودة تحت وطأة أنظار بلايو المندهشة من أفعال أخيه وعودته إلى تلك المرأة مجددا قد جاءت العربة وركب حنا، وإلى جواره رؤيتنا، وانطلقت إلى بهما إلى تلك الحانة التي يتردد عليها. -------------------------------------------------------------------------------------- "أنا أخاف من الظلام، وعندما أنام أشعل مصباحاً بجانبي لذلك يهرب أخيلا، وأمي من النوم في غرفتي" أتتذكرون أعزائي اللطفاء تلك الليلة التي ولأول مرة تفتح فيها حكمت أبواب قلبها الصدئة من طول مدة الإغلاق لصالح حنا يوم التفتيش. والآن صغيرتنا التي تعاني رهاب الظلام تقع تحت نوع آخر من التعذيب النفسي وهو مكوثها في تلك الغرفة المظلمة طوال الليل والنهار. تشعر بأن تلك الأشباح التي كانت تُرعبها ليلًا أثناء طفولتها عادت، لكن أكثر رعبًا وبشاعة من ذي قبل. كانت تتشكل على هيئة وسائل التعذيب تارة وتارة على هيئة بلايو بأنياب كبيرة ملطخة بالدماء وتارة على هيئة كاترينا وعينيها الغائرة سوداء مثل قلبها المُتعفن. تتمنى فقط، ولو بصيص ضوء صغير. قد تظنون أنه من غير المنطقي ذلك الخوف، ففتاة في عمرها تخاف الظلام أمر غير منطقي. ولكن مُنذ متى كان الرُهاب أمراً منطقياً؟! فأنا أعرف رجالاً ونساء لديهم رهاب من بعض الثقوب المتلاصقة يسمى رهاب النخاريب! ولكن ليس موضوعي الآن، فأنا أرى أن حنا المُهمل الذي لا يعرف أن حبيبته أسفل الأرض لا يراعى عمله، وقد أصدر أمره بمضاعفة العذاب ضعفين، وقد خرجت من زنزانتها مع ذلك الملثم الذي حفظت رسمت عينيه عن ظهر قلب، وقد كانوا يتخذون هذا الزي مخافة الانتقام في حالة خروج أحد المساجين حياً من محكمة التفتيش. لا تدري كيف جلست على الكرسي، وقد اكتشفت لتوها أنها في الصباح من ضوء الشمس الخافت الداخل من فتحة التنفس. مُدت أصابعها عنوةً داخل آلة كسارة الأصابع التي عبارة عن تروس مثل تروس الدراجات، لكن متقاربة بشدة بها عشر فتحات للأصابع تدخل بها، وتُدار الإله بمقبض يتحرك في حركة يدوية دائرية. وما أن بدأت بالتحرك على أصابعها حتى صرخت وهي تسمع صوت طقطقة عظام أول أصبع من يدها لتصيح بعلو صوتها وهي تلهث بإضراب من فرط الألم: أنا... أنا اعترف... كنت ذاهبة للمغرب. رفع ذلك الضابط البرتقالي الأبيض طرفاً شاربه كدلالة على الابتسام قائلاً ببرود: وماذا كنتِ ستفعلين هناك؟ ارتجفت شفتاها بألم قائلة بشنهجة: أنا... هاربة... هناك شاب يلاحقني وأردت الهرب منه. هبطت صفعة قوية على وجنتها، ولكن لا طاقة للصراخ فمن ماذا؟ ولماذا ستصرخ؟! أشر الضابط للملثم بالتوقف قائلاً: يكفي ما سمعت أعدها للزنزانة حتى يأتي المسؤول ويسمع اعترافها، هيا. --------------------------------------------------------------------------------------- وقف طارق أمام المرأة، وهو يتأمل هيئته برضا وسعادة، وقد أخذ يلتف حول نفسه، ويتطلع إلى ثوبه العربي والمختلط بالثقافة والزخارف الأمازيغية بإعجاب وانبهار، وقد اختلفت هيئته تمامًا عن هيئته بالزي الإسباني. ومن نظر إليه الآن لظن أنه عربي بن عربي _أو أمازيغي _من هيئته تلك. ابتسم واقترب من خطابي قائلاً بود وصدق: سيدي خطابي أشكرك على هذا الزي، وعلى ما تفعله معي أنا وأمي. ضحك المدعو خطابي، وربت على كتفه قائلاً بحنان: يكفي أنك بطل من أبطال الأندلس وقدوكم إلى بيتي زادني شرفًا. رفع طارق أصبع الإبهام في وجه خطابي بمعنى جيد قائلاً: أنت تتحدث الإسبانية ببراعة. ثم أخذ يدفعه برفق من كتفه إلى الخارج، وهو يسير إلى جانبه قائلاً: أنا أتحدث خمس لغات عربية وإسبانية وإنجليزية وفرنسية وتركية، والآن هيا جرجس حضر العربة سنذهب إلى مراكب الصيد الخاصة بي. توقف طارق ومعه خطابي لينظر إليه طارق قائلاً باستحياء: عمي خطابي نحن مسلمون والمسيحيون مختلفون عنا، وفي أوروبا يقتلونهم لماذا جرجس مساعدك ويعمل معك؟ ضم خطابي شفتيه لثواني، ثم زفر أنفاسه بهدوء قائلاً بعقلانية: أنظر لي يا بني ربنا في كتابنا القرآن يقول "طعام أهل الكتاب حلًا لكم" ويقول "وقفينا بعيسى بن مريم، وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة»، ويقول" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن"،" ويقول أيضًا من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" وأيضًا" لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون". ديننا يا بني دين محبة، ورحبت إلهنا هو إله أهل الكتاب، ومثل ما يوجد مسيحيون أشرار يوجد كذلك مسلمون أشرار، الدنيا خير وشر، وفي كلا الجانبين، يوجد آلاف الأديان والأعراق، فقط نحن إخوة في الإنسانية، وقد كان خادم النبي يهودياً وزوجته مسيحية مصرية وأسلمت. ابتسم طارق، وهز رأسه بعد أن اقتنع قائلاً: أعرف أختي حكمت أخبرتني ثم تثاقلت عيناه الزرقاء بالحزن وتابع بقلق: أنا أخشى على أختي الموت قد أمسكها الجنود منذ شهر ونحن لا نعرف عنها شيئاً، ومن يدخل محاكم التفتيش لا يخرج إلا جثة، هل ستموت؟ داعب خطابي شعره بحنان قائلاً: انظر يا طارق كل ما قيل صحيح، لكن هناك حالات كانت يأسه على وشك الموت، وقد استطاعت بفضل بحارة مسلمي الهرب مثل سلطان الجزائر بابا عروج، حراس الله كُثر، وليس بيدنا فتح الأندلس مجددا ولا بيدنا إنقاذها، ولكن بيدنا أعظم من كل هذا الدعاء فقط ادعى لها. ثم أخذ يمسح دموعه قبل الخروج قائلاً بود ومرح: حسبك يا طارق ماذا ستفعل عندما تعود من رحلة الصيد بلا أي سمكة؟ هل ستبكي هكذا، تماسك يا رجل ما تزال نيئًا. مسح طارق عينيه بطرف كم قميصه، ثم تسائل وهو يركب العربة إلى جوار خطابي: هل صحيح نرى إسبانيا من طنجة؟ "يمكنك ذلك من الميدان الرئيسي، ولكن نحن الآن في حي الحسنى، وسنذهب إلى السوق، وفي نهاية اليوم سآخذك معي الميدان الرئيسي" --------------------------------------------------------------------------------------- أخذ حنا رؤيتنا إلى الحانة التي اعتاد التردد عليها منذ أيام صباه مع إدواردو وديغو، وإلى أبعد طاولة في المكان وبعيدة عن الأعين والآذان جلس الاثنان. وقد نظر إليها حنا باهتمام لتُباشر بالحديث من دون الغاز مفصحة عن حقيقة من المقرف إخفاءها. قضمت شفتيها قائلة: منذ شهر جاء السيد بلايو إلى بيت جوليانا وفي اليوم التالي قبل شروق الشمس اشتعلت النيران فجأة في بيتها، ولم نجد جثثاً ليأتي بعدها السيد بلايو بمدة قصيرة نصف ساعة على الأرجح، ويرشى الجميع بالذهب حتى لا يتحدث أحد بأن جوليانا وعائلتها جثثهم غير موجودة وهم أحياء. تنفست قليلاً لتُكمل: بعدها في الصباح وجدنا جنود محكمة التفتيش قد أحضروها للحي مُقيدة يفتشون البيت، ولكن رحلوا ما إن وجدوا أنه لا يوجد شيء وهي معهم. طحن حنا أسنانه بغضب، وقبض على زند رؤيتنا قائلاً بغضب بصوت منخفض: لماذا لم تخبريني من قبل؟ هل تعرفين ما الذي تعانيه الآن؟ وهل هي حية أو ميتة؟ رفعت إبهامها وسبابتها المضمومتين قائله برجاء وتبرير: صدقني سيدي أنا لم أكن أعرف طريقك، وحاولت الذهاب إلى مقر الشرطة، ولم أستطع مقابلتك، وخفت أن أذهب للبيت، ويفعل بي السيد بلايو شيئاً أو بابنتي، لكن عذاب الضمير لا يجعلني أنام، جوليانا لا تستحق مني جبني هذا، لكن عدني أنك سوف تحمي ابنتي من أي شخص أنا لن أعيش والسيد بلايو لن يتركني وشأني. ترك زندها، وخال أصابعه الغليظة في داخل شعره بعصبية وتوتر، وأخذ يهز قدمه بتوتر، وهي يتأكد الآن من كذبة بلايو التي، وإن صدقها فقلبه كذبها ألف مرة كل يوم. زفر أنفاسه بغيظ، ووقف وهو يضع مالًا على الطاولة قائلاً: رؤيتنا أشكرك وصدقيني أنتِ وابنتك أمانة عندي خذي المال، واركبى إلى بيتك وأنا اليوم قبل غروب الشمس سوف أمر عليكِ. ثم رحل وركب العربة قاصدًا المحكمة وهي من خلفه قد تنفست بهدوء، وكان رئيسها قد سُدت والآن فُتحت وباتت تتنفس هواء نقياً وطبيعياً، وقد أزاحت عن صدرها حمل الصخور، واستقلت عربة بعد أن ركلت أحد السُكارة الذي حاول التحرش بها متجهة إلى منزلها مُتغافلة عن ذلك الذي سلطة بلايو لمُراقبتها! --------------------------------------------------------------------------------------- هواء الخريف البارد كان يدغدغ وجنتيها، ويداعب سواد الليل الكامن في شعرها المموج الطويل. وقد كانت جالسة في إحدى الحدائق أسفل شجرة تفاح بدأت أوراقها بالتساقط واحدة تلو الأخرى وبفستانها الأبيض الطويل الفضفاض أخذت تتأمل جمال الأزهار والنباتات من حولها، وتطلق على كل نبتة وزهرة اسمها وفائدتها، وقد كانت هناك أرجوحة مكونة من لوح خشبي كبير ومعلقة في جزع شجرة الزيتون العتيقة بتلك المنطقة بحبال كتان غليظة. ابتسمت ببهجة وفرح، وهرولت إليها وهي تُمسك بالفستان حتى انكشفت قدماها العارية التي تتلمس برودة النجيلة بحرية. ثم جلست على الأرجوحة، وبدأت بدفع نفسها بنفسها بهدوء مغمضة بحري القهوة أسفل ستائر جفنيها باستمتاع وهدوء ولا شيء حولها سوى الهدوء وأصوات الطيور الشجية وصوت الكروان، وقد رددت خلفه بيقين وإيمان "الملك لك يا صاحب الملك". ولكن قاطع صفو مزاجها يداً دافئة ربتت على كتفها، والتفتت إلى صاحب اليد ببهجة، وقفزت من على الأرجوحة حتى تعانقه بقوة وهو كذلك قائلة تلك الفتاة: أبي اشتقت إليك كثيرا لما رحلت وتركتني وحدي؟ ابتعد ذلك الرجل، وكور وجهها قائلاً بحنان: ابنتي حكمت الجميلة اشتقت إليك كثيرًا يا صغيرة أبيك، لقد جات الاطمئنان عليكى، وأُبشرك بأنه قريب ستعود الحياة إلى طبيعتها، وستعودين ملكة كما كنتي. قوست شفتيها، ولمعت عيناها بالدموع قائلة بتوسل: أبي أرجوك خذني معك، ولا تتركني هنا أنا خائفة، لم أعد أتحمل كل هذا الألم وحدي، خذني معك إلى ربى الناس هنا سيئة للغاية. ربت على وجنتها اليمني قائلاً بحنان وإيمان تام بما يقوله: صدقيني كل شيء سيتحسن والألم سينتهي وستعود حياتك، لا يمكنك المجيء معي الآن العمر أمامك ستنجبين أطفالاً، وستتزوجين وسينتقم ربى من ظلمك لا محالة فقط كلما يأتي تذكري أن سيدنا بلال بن رباح كم كذبه أمية بن خلف الكافر، وفي النهاية بلال بات سيدًا في الدنيا والآخرة، وكلما زاد العذاب عليكِ بدعاء يونس عليه السلام. أغمضت عينيه بيأس من ذهابها معه لتفتح عينيها، وتشهق بقوة، وقد عادت إلى غرفتها المظلمة النتنة، واستيقظت من هذا الحلم الوردي على دلو الماء الذي سُكب عليها، وقد انتفضت من مكانها، ووقفت بسرعة وعدلت الوشاح الخيري على رأسها، وقد جذبها الجنود بقوة من ذراعيها بعد أن قُيدت يديها، وقدميها وغمرت عينيها إلى حيث لا تعلم ولا تملك الجرأة لتسأل أو تريد حتى إن تعرف! --------------------------------------------------------------------------------------- منذ أن رحلت حكمت عن الحي، ولن أقول إنه بلا حياة أو طعم أو روح طيبة فالبعض لم يفرق معه الأمر تمامًا والبعض لم يهتم والبعض خجول من موقفه السلبي والبعض حزين والبعض يبحث عن حل والبعض قد تضرر؛ لأن لا يوجد عشاب أو عشابة في مثل مهارتها، وبات عليهم الذهاب للحلاق لتلقي العلاج بمبلغ طائل من بعد الخدمة التي كانت تُقدمها حكمت. ومن هؤلاء المتضررين شخص لن يخطر على بال فرس النهر وكلب البحر. وقد كانت كاترينا التي منذ عدة أيام وبسبب إصابتها بالدمامل خرجت تركب حمارها إلى غابة معزولة في جنوب المدينة تبحث عن الفطر الأسود وأوراق البلوط، وقد كانت حكمت توفرهم للجميع وبأقل تكلفة. وبالرغم من معاناة البحث والألم الذي يفتك بظهرها المصاب بالدمامل، إلا أنها حصلت على ما تريد لتبتسم بنصر، وتضع أغراضها في حقيبتها، ولكن ما أن اقتربت من حمارها حتى ارتفع صوت الضباع، ودب بالحمار الرعب، ثم فر وأسقطها أرضًا على ظهرها، وقد صرخت بألم، وهي تحاول الوقوف مجددا، ولكن فشلت بسبب جرح أصاب كاحلها، وقد جذبت رائحة دمائها النجسة الضباع الجائعة، وقد اقتربت منها، وما زادهم صراخها، أو محاولة هربها البائسة إلا إصرارًا على تلك الوجبة الليلة. وقد زار الضبع، وظهرت أنيابه المملوءة بلعابه النتن، وقفز فوقها عاضدًا بطنها، وقد تجمعت حولها الضباع تأكلها وهي حية. وظلت تتعذب ببطء، وهي ترى الحياة تلوح بالوداع في الأفق، وتسود خطوة خطوة وكلما خرجت أنفاسها الأخيرة رأت وجوه الذين ظلمتهم واحدًا تلو الآخر نهايةً بحكم ولتنتهي أنفاسها، وينقضي أجلها في تلك الدنيا الفانية، وصعدت روحها إلى بارئها، وقد انقضى أجلها مُحملة بذنب كل من ظلمته وبكل خطاياها، ولم تُكرم حتى بالدفن! --------------------------------------------------------------------------------------- "سلمت يداك أختي خديجة؛ بحياتي كلها لم أر تطريزاً بهذه الدقة والروعة وكأن يدي ملك!" كانت تلك مُجاملة أم الخير زوجة السيد رياح خطابي الأولى التي قد استضافت خديجة، وطارق في غرفة بمبناها الخاص، وقد ألفت بخديجة، وأنست بها، وقد أشفقت عليها، وعلى ابنتها وكم هي بريئة وما تتعرض إليه الآن من ظلم وتعذيب جزاءً لنُبلها مع غيرها. وقد ذكرتها بابنها الأكبر الذي قد مات وهو ينقذ طفلاً قد سقط في بئر وما أن أخرجه حتى انهار البئر عليه بسبب تهالكه، وتكسر جدرانه في أثناء الإنقاذ. ابتسمت خديجة بوهن قائلة بلا حياة: هذا من ذوقك يا أم الخير، فقط هذا عملي، وعلى إتقانه ووضع كل حبى به. ربتت ست الحسن على يد خديجة _وقد كانت الزوجة الثانية للسيد رياح خطابياً، وقد كانت علاقتها بأم الخير أفضل من الأخوة، ولكن إشفاقًا على وحدة أم الخير؛ بسبب موت ولدها، وهجرت الاثنين الآخرين مع زوجاتهم تركت خديجة، وطارق لها ليؤنسوا وحدتها، ولكن العجيب في الأمر أنهم بنات خالة فام ست الحسن تكون الأخت الصغرى لأم أم الخير _قائله بود: خديجة امرأة ماهرة بحق. ثم وقفت تشير إلى فستانها الذهبي قائله بفخر: انظري هذا الفستان من صنع يديها. ابتسمت خديجة بفتور، ولم تُعقب وعادت إلى حالة الشرود تلك مجددا، وقد ضمت ست الحسن شفتيها بخجل، وهي ترى دموع خديجة الوشيكة على السقوط لتجلس أم الخير جانبها، وتحتضن كتفيها وتضم رأسها إلى صدرها، وقد انفجرت خديجة في بكاء مكتوم منذ شهر بخجل ليخرج أخيرًا حاملًا معه كل علامات الألم. تحدثت بصعوبة من بين شهقاتها: أنها ابنتي الصغيرة... صغيرتي لا أعرف عنها شيئاً... هل هي حية أو ميتة... صغيرتي تتعذب ببطى وأنا لا أستطيع إنقاذها... أنا أم سيئة... لقد كانت غاضبة مني لأني أخطأت بحقها... كان على الاعتذار... لكن... لكن سرقوا مني أغلى ما في حياتي... ربتت ست الحسن على كتفها بحنان، وقد أثرت الصمت بسبب تلعثمها وعدم قدرتها على الحديث في تلك المواقف، وقد اكتفت بالتربية الصادق لعلها تصدق في مشاعرها تجاهها. زفرت أم الخير قائلة بحزن: نحن لا نملك لها سوى الدعاء توسل إلى الله وناجية بشدة وقوة وتوقف عن أي معصية قد تضر بدعائك فقط ارفعي يديك إلى السماء وقولي يا الله، هو الوحيد القادر على إنقاذها، أنا أشعر بكِ يا أختي، وأتكلم من تجربة، عندما فقد ولدى كان يأتي في الحلم حتى مدة، وانقطع ظللت ادعوا الله، وأخرج صدقات لروحه، وأقرأ القرآن حتى عاد إلى زيارتي، إن شاء الله ابنتك ستعود إليكِ، كيف الله وحده يعلم، وإن ربي منتقم جبار سيأتي لها بحقها عاجلًا أم آجلا. --------------------------------------------------------------------------------------- والآن! ما أن خرج جنود الكنيسة حتى تركوها مُكبلة الأيدي والأرجل، وأغمضت العينين برباط أسود في حضرة الدوق حنا، والذي كان يجلس على كرسيه الفخم المنجد بريش النعام ومغطى بالقطيفة ومطلية مساندة بماء الذهب، ومن خلفه تلك الشموع العطرة ذات الرائحة النفاذة وضوء القمر الفضي الخافت الذي تسلل على استحياء من خلف ستائر النافذة الزجاجية العالية. وأي وقت أفضل من هذا الوقت من الليل الدامس، حتى يتسنى لهذا العاشق الذائب في شلال عنيف من العشق لكي يرى هيامه في الحياة. ولكن حال هذا العاشق ليس بخير إطلاقا. وكيف يكون هذا؟ وهو يرى من قتلته بابتسامتها الخجولة سابقًا الآن تقف أمامه، وقد خسرت نصف وزنها، خسرت لون بشرتها البرونزي اللامع، واكتسبت آخر أسود مغربي من الأتربة والكدمات، خسرت وجنتها الجميلة المتوردة دائمًا، واكتسبت أخرى مشوهها سوداء وكدمات زادت تورم وجهها، خسرت بهاءها في تلك الثياب المُهترئة، خسرت روحها وضحكها وأملها وحلمها تحت أقبية المعبد هذا. وضع يده على وجنته في دهشة، وهو يشعر بمرور هذا الشيء الساخن على وجنته، والذي أدهشه أنها دمعة فرت من عينيه!! حقاً ما زال الزمان يأتينا بكل غريب!! الدوق حنا الذي مر زمانه وهو غارق بين الأبرياء يحاكمهم ويصدر الأوامر والنهي والأمر بالقتل والعقاب والنزال سوء العذاب هو وزبانية جهنم من جنود المحكمة على الأبرياء، يبكي فقط لمجرد أن من سلبت نومه وعقله أمامه بتلك الحالة المصرية وهو السبب وأمثاله من ملوك العذاب والألم. لا يعلم كيف نزل من على كرسيه، ووقف أمامها وساقته قدماه إليها، وقد انقبض قلبه وهو يرى ارتجاف جسدها من تلك العباءة الخفيفة من الخيش، وهذا الشال الصلب على رأسها، والذي انزلق إلى الوراء بعض الشيء ليبرز رأسها الأصلع المشوه نتيجة حرق شعرها، وتلوث جراحها، وتلك الرائحة الكريهة المنبعثة منها؛ بسبب الدماء المتجلطة في جسدها، ولكن مهما حدث ستظل الأزكي ريحًا والأجمل خلقة وخلُقًا. أما تلك المسكينة، فكانت أقل ما يُقال عنها أنها مرعوبة، بل أن الرعب لا يصف فيها شيء. وعقلها يصور لها أبشع الأحداث وألوان العذاب التي ستحل بها من دون سبب وبالفعل ليست مُستعدة لأي ألم، فيكفي حصة الألم التي حصلت عليها في صباح اليوم من كسرت الأصابع، ولا تزال تشعر بأن تروس الآلة تضغط على عظام أصابعها الآن. ولكن الغريب تلك الرائحة العطرة التي تشمها والهواء النقي وأخيرًا بعد طول غياب، وقد ظنت أنها فقدت حاسة الشم بسبب رائحة تفسخ الجثث والرطوبة التي اعتادتها منذ شهر مضى كالقرن. التف من خلفها، وحل أصفاد يديها وقدميها، ثم همس في أذنها اليسرى بهدوء جعلها تنتفض خوفًا قائلاً في هدوء: لا تفتحي عينيكِ حتى أمرك جوليانا. اتفقنا؟ هزت رأسها بنعم سريعة ومرتعبة وبالفعل احتضنت يديها إلى صدرها منتظرة الأمر، حتى تكلم صاحب الصوت الفخم قائلاً: افتحي عينيكِ!