الفصل 17
نظرت حكمت إلى طارق بتوتر ودهشة، وقد زاد توترها عندما اقترب حنا بهيئة الأشباح تلك، ووقف أمامها قائلاً بضيق وحزن وألم: أريد أن أتحدث معكِ، وارتاح وأينما ستذهبين سأذهب، لكن لا ترفضيني أرجوكِ لا أحد لي غيرك.
نظرت حكمت بتوتر إلى طارق الذي كان يشعر ببعض الخوف والقلق من حالة حنا المزرية تلك التي قد تدفعه لأي جنون أو حماقة تجاه أخته إذا رفضت الخضوع لأمره، وفي الوقت نفسه خائف من أن يراها أحد مع حنا، وتكون فضيحة وضجة لا داعي لها، وقد أدرك منذ أن عرف الحقيقة الكاملة كم أن أسرته الصغيرة بحاجة ماسة إلى الستر والتخفي بعيدًا عن أعين الناس، وقد أشار عقله في حزم الأمر.
لكن حكمه كان لها رأي مغاير لطارق ونظرة أخرى قد تخللها الحب والإشفاق على حال الحبيب، بالرغم من أنها قد فكرت بنفس منطقة طارق، إلا أن قلبها يكاد ينفطر على حال حنا، ويرق له، وقد عاهدته صلبًا رابط الجأش حتى في لحظات مرضه، لكنه لم تعهده خائر القوى ضعيف العزم كالطفل الصغير يتطلع إليها بأمل أن توافق على الحديث معه، وتخفف عنه ذلك الحمل الثقيل المعلق في رقبته كالأغلال الحديدية تقيض عنقه بشدة.
أغمضت عينيها لثواني معدودة، وسحبت نفسًا عميقًا قبل أن تزفره بقوة، وتهز رأسها بالموافقة وكأن شيئًا ما غير عقلها يدفعها للقبول.
هزت حكمت رأسها بالموافقة قائلة بهدوء وعينيها تأبى أن تلتقي عينيه الميتة: اخيلا ذاهباً للصيد سنجلس أسفل شجرة الزيتون هناك.
أمسك يدها، وسار إلى جوارها بتثاقل وخطى ثقيلة قائلاً بصوت خال من الحياة: أي مكان المهم أنكِ معي.
لم ترفض أن يتمسك بها بتلك الطريقة، بالرغم من صراخ ما تبقى من رشدها وعقلها أن تتوقف عن تلك الحماقة، وتدرك حرمة ما تفعله، لكن نفسها الأمارة بالسوء أبت أن تستمع إلى نداء العقل، وتمسكت بيد حنا التي تشبثت بيدها بقوة، واتجهت إلى أسفل تلك الشجرة، وإلى جانبها طارق الذي كان يكاد ينفجر من الغيظ من أفعال أخته المتهورة، وكل مرة تقول إنه آخر لقاء، وتنقض العهد فور رؤيتها لذلك الأبله حنا.
شرع طارق في الصيد، وألقى صنارته وإلى جواره، لكن على بعد قليل تمسك حنا بيد حكمت بقوة، وشبك أصابعهم سويًا، وأراح رأسه على كتفها بلا تردد أو تفكير، وأغلق عينيه بهدوء وسلام شعر به الآن فقط ورائحتها الذكية تتغلغل إلى قلبه قبل أنفه أما هي، فكان الخجل يلتهمها من كل جانب؛ بسبب فعلته الحمقاء تلك ولم، ولن تكون قريبة من أي رجل في حياتها من قبل بتلك الطريقة السيئة.
زفر أنفاسه بهدوء وكأنه غريق، وصعد إلى الهواء، وما زال مغمض العينين ليتحدث بثقل قائلاً حتى ينزل ذلك الحمل من على صدره: إدواردو صديقي وأخي الصغير مات، منذ أن رحل وأنا أراه في كل مكان لا يفارق عقلي، لم أنم منذ يومين، ثم رفع يده الحرة، ونظر إلى يده قائلاً بألم وعذاب: بيدي تلك ألبسته بدلة زفافه، وبيدي أيضًا سجيته إلى قبره، ثم اخفض يده بإهمال، وقد استسلم لثقلها لترتمي على فخذيه بقوة، ويكمل بخجل من نفسه وشعور كبير بالدونية والجُبن والوضاعة: آه يا جوليانا! وأكثر ما يؤلم قلبي، ويعذبني أنني لم أستطع أن أخذ حقه من قاتله ونظرات عيني أطفاله يوم دفنه كانت كالرصاص اخترقت قلبي بشدة، وكلما نظرت في عينيها لا أجد سوى إدواردو، لماذا رحل باكرًا يا جوليانا لقد كان صغيرًا وصالحًا لم يكن يتغيب عن الصلاة أبدًا، ولم يرتكب خطيئة أبدًا لماذا رحل وأمامه العمر كله؟
ربتت حكمت على يده قائلة بهدوء وإشفاق على حالته المزرية تلك: اهدأ يا سيدي، هذا أمر الرب لا تعترض فقط ادعى له بالغفران والرحمة، أنظر إلى.
رفع رأسه من على كتفها، ثم تابعت قائلة بحكمه: عندما مات أبي كان في الخمسين كان صغيرًا أيضا وبعده بمدة ماتت إحدى صديقاتي، وكان عمرها سبعة عشر عامًا اكتسبت بشدة، وكان كل ما أفكر فيه أن الحياة ظالمة وليست عادلة، لكن عندما تقدم بي العمر اكتشفت أن الدنيا اختبار، ومن ينجح فيه ينتهي عمره لينال جزاءه في الجنة مع الصالحين الخوف ليس عليهم، بل علينا نحن في تلك الدنيا وما فيها من مغريات، أحزن الحزن شيئاً طبيعياً، لكن لا تجعله يعكر حياتك وخذه قدوة في أفعاله الحسنة اتفقنا يا سيدي.
نظر حنا إلى عينيها، وأمسك كفيها بين يديه، وقد نسي ألمه وحزنه بين يديها وفي ثنايا قلبها، وقد أطال النظر وأكثر التمعن حتى همس بهدوء ورزانة قائلاً: قد أقسمت بالرب أن لا أحب امرأة عينيها بُنيِه، وها أنا لا أبر بقسمي وأخونة كطعنة بروتس للقيصر.
بللت جوليانا شفتيها الوردية التي اتخذت من وجنتيها إمامًا قائله وعينيها أسيرة عينيه: لماذا سيدا؟
قطب جبينه بعض الشيء، وقد ازداد تعمقًا، وقد غرق في بحر القهوة هذا قائلاً بهدوء، لكن غامضاً وعشق لكن عميقاً: أنتِ لا تعرفين ماذا تفعل الشمس بعينيك... تصنع من قدح القهوة هذا جبلًا من الذهب الساطع الذي يأسر القلوب، ويعمي الأبصار وكأن الرب اختزل في عينيك جمال السموات والأرض يا سكرة!
ما أن انتهى من كلامه حتى انتفضت حكمت التي اشتعلت فيها نيران الخجل، وبات لون وجهها لا يفرق شيئاً عن فستانها الوردي، وقد وقف طارق هو الآخر من دون كلام، وذهب مع أخته بهدوء إلى البيت تاركين ذلك الحنا يبتسم بمرارة، ويهز رأسه يمينًا ويسارًا بسخرية من حالة التي في أوج حزنه وضيقه يتغازل بمحبوبته.
---------------------------------------------------------------------------------------
ولكن في أثناء سيرهم في الطريق لاحظ طارق أن سُكان الحي غير طبيعيين اليوم، وينظرون إلى جوليانا ثم يتهامسون فيما بينهم بكتمان وأنظارهم مشحونة بالغضب والكراهية أما عن حكمة فلم تلاحظ شيئاً بسبب عقلها الغائب عن أرض الواقع، وقد عادت حكمت مُحملة بالهموم ومملؤ صدرها على أكمله بالضيق والغم حزنا على حزنه وحزنًا على حالها اليأس البأس وحظها العثر الذي أوقعها في حب رجل مثل حنا، وقد أغضبت ربها بهذا التفكير، ولكن هل كان لها عقل، أو بات لها وجدان يرشدها في أي شيء!
دخلت المنزل هي وطارق، وقد استقبلتهم خديجة ببهجة وابتسامة، وهي ترى طارق قد زال من وجهه سواد الغضب والحزن وسعادته بما اصطاد من أسماك، أما حكمة فقد حيت والدتها، وفرت إلى المطبخ تعد الطعام وهي شبه غائبة عن العالم من حولها، وفي الخارج كانت خديجة تعلم طارق حفظ سورة الفاتحة، وقد كان طارق بنصف عقله؛ لأن النصف الآخر كان يفكر في أنظار الحي إليهم في أثناء رجوعهم من الخارج، وقد أنقذه من تيهه هذا حكمت التي خرجت تحمل الأطباق إلى الطاولة، وبينما تضع الأطباق قد اخترق حجراً في حجم قبضة اليد زجاج نافذة البيت، واصطدم برأس حكمت التي صرخت بألم، وهي تمسك بموضع الحجر، وقد خرجت الدماء منه بغزارة، وأقبلت عليها خديجة في قلق وصرخت بهلع: حكمت ابنتي، ماذا يحدث؟
ثم أخذت الإيشارب حول عنق حكمت وربطت به رأسها حتى توقف الدماء، لكن في الخارج جذبها صوت سب بشع موجه إلى حكمة وإليها ليخرج طارق في غضب، وقد دفع باب البيت، ومن خلفه خديجة وحكمة.
ليصتدموا بمنظر بعض المتسولين وأهل الحي يصرخون قائلين بغضب وهدير قوى: اخرجوا الخاطئة من حين، تلك العاهرة التي يبيت عندها الرجال، اخرجوا من حين لا نريد أن يغضب علينا الرب بسببكم.
ثم بدأ سيل من الحجارة الصغيرة يقذف في وجوههم، وقد أقبل عليهم فيكتور وماريز وابنها هيكتور وبعض الجيران يحاوطونهم ويحموهم من الحجارة التي هبطت كالمطر ليصرخ فيهم فيكتور بصوته الجهوري العالي بغضب قائلاً: اخرسوا... يا عالم اصمتوا اتقوا الرب وأعطوها فرصة تدافع عن نفسها.
ثم من حيث لا يحتسب فيكتور خرج طارق الذي صرخ بهم وهو يرد عليهم الحجارة بغضب قائلاً: يا كلاب... هذا بيت أندروا الحداد وإليزابيث التي تلبسون من صنع يديها كيف تقولون هذا، أُقسم أني سأقتلكم.
دفعه فيكتور إلى الوراء بصعوبة، وهو يُقصيه عن حماقته تلك ليرجعه داخل دائرة الحماية وبمساعدة بعض الجيران أدخلوهم إلى المنزل، وآمنوا عليهم الباب، ثم أمسك فيكتور إحدى الزجاجات الملقاة أرضًا، وقذفها على الأرض بقوة لتعطي صوت انكسار عالي هز أرجاء الحي ليصيح فيكتور بقوة وهدير غاضب: توقفوا وعودوا إلى رشدكم تلك التي تتهمونها في عفتها الشابة والقابلة جوليانا التي عندما يمرض أحدكم أو أبنائكم يلجئ إليها وكم منكم شُفى على يديها ومن دون، وكم منكم عالجته من دون مال، كيف تتهمونها باتهام بشع حذرنا منه يسوع، وتكررون خطأ بني إسرائيل عندما اتهموا مريم المقدسة في شرفها، نحن نعرف بيتاً أندروا الحداد منذ أن سكن هنا، ولم يخرج من أهل بيته العيب، يكفيكم ما تحملونه من ذنوب وأوزار الآن، وقد افتريتم على فتاة مسكينة لا رجل لها،
وأقسم أن تعرض لهم أحدًا عليه أن يواجهني قبل أي شيء، انفضوا!
بالفعل انفض الجميع المقتنع وغير المقتنع، وعاد كل واحد إلى بيته، وعمله أما كاترينا، فكانت تقف خلف أحد البيوت تتابع الأمر باستمتاع وشماتة غير طبيعية، بالرغم من حديث ابنها، إلا أنه حديث لن يستمع إليه أحد، فقد تلوثت سمعة جوليانا وإلى الأبد.
طرق فيكتور باب بيت خديجة، وقد فتح له هيكتور صديق أخيلا ودخل، وقد كانت ماريز جارة جوليانا ووالدة هيكتور وماريا الصغيرة تقدم جرح جوليانا وتوقف نزيفه، وقد انتهت بالفعل عندما تحدثت خديجة التي كان على وجهها آثار الدموع مثل ابنتها التي كانت تنتحب بالبكاء قائلة بامتنان: شكرًا لك يا بني لولاك لكنا هلكنا اليوم.
هز فيكتور رأسه بالنفي قائلاً بهدوء وأسف: لا تشكريني يا خالتي هذا حقكم علينا، وأنا أعدك أني سأعرف من أشاع هذا الأمر.
ثم نظر إلى جوليانا قائلاً بأسف وخجل: سامحيني يا أختي حقك علي.
هزت حكمت رأسها بالموافقة، وأخذت تمسح دموعها بألم، وقد كانت تقضم شفتيها مانعة نفسها من البكاء مجددا، وقد ربتت ماريز على كتفها قائلة بشفقة وود: عزيزتي جوليانا لا يضايقك ما حدث دائماً الصالح في تلك الدنيا يؤذيه الحاسدون لا تضعفي أمامهم قوتك ستُخرِس كل تلك الألسنة.
لم تقدر على الحديث بشي، وابتلعت دموعها حتى لا تبكي مجددا، وقد أشار عليهم فيكتور بالخروج، وتركها حتى ترتاح، وقد امتثل الجميع للأمر وخرجوا، ولكن خديجة شعرت بالشك مجددا تجاه حكمت، وقد ربطت كلاماً حنا بمعرفته بحكم وكلام الجيران، وقد بدأ الشيطان يعطس في أنفها، ويصور لها أشياء كثيرة خبيثة وسيئة لم تحصل أبدًا.
اقتربت من حكمة التي أخيرًا بكت بحرقة، وقد أخذ طارق يربت على ظهرها بحنان، ويهدئ من روعها، ومن دون مقدمات صفعتها بقوة، ثم قبضت على ذراعها قائلة بحدة: منذ أن عدت وتصرفاتك غريبة، وذلك الخنزير حنا تجرأ وطلب يدك وحديث الجيران، أنا أشك فيك يا قذرة.
حاولت حكمت الدفاع عن نفسها قائلة من بين شهقاتها: ا. أمي. أقسم بالله العظيم... أن... إنهم يكذبون... أنا... آه!
صرخت بألم مجددا عندما صفعتها ثم قبضت على شعرها تجرها أمامها إلى المخزن، وقد ألقتها بداخله، وأغلقت الباب قائلة بحدة: لن ترى الشمس مجددا إلا عندما تتحدثين وتقولي ما الذي يحدث وإلا سوف أرسلك إلى خالك في غرناطة وعندها ستنحل عقدة لسانك.
ثم نظرت إلى طارق قائله بتهديد ووعيد: أقسم بالله أن اقتربت منها، أو حاولت الحديث معها سأقتلها وأنا لا أمزح في هذا الأمر.
---------------------------------------------------------------------------------------
في منتصف إحدى الليالي لم ينم طارق بعد، وقد شغلت أخته المسكينة تفكيره، ولم تغب عن باله للحظة طوال اليوم أو اليوم المنقضي، وقد حاول طوال اليوم أن يدخل لها، لكن أمه تمنعه، وقد علقت مفتاح المخزن القابعة فيه حكمت بعقد في صدرها ولا طريقة للتواصل بينهما.
دخل غرفة نوم خديجة، وكان يأمل أن تكون قد نزعت ذلك المفتاح من رقبتها، ولكن ما أن تسلل إليها، ووقف جانبها على ضوء الشمعة المُمسك بها، حتى زفر بيأس عندما وجد أن المفتاح معلق في عنقها، ولم يعد هناك أمل في تخليص حكمت من سجنها سوى ما فكر فيه الآن، وأقسم على تنفيذه!
---------------------------------------------------------------------------------------
قد مر يومين أو أكثر لا أدري فالأيام باتت متشابهة مثل قطرات الماء لا فرق بينها أو اختلاف، وبالأخص عند حكمت التي بات طارق بالنسبة إليها هو عيناها للعالم الخارجي وأذنيها التي تسمع، وكم كانت محظوظة وأيضًا إن الله تعالى رئف بحالها الرثة تلك، وجعل لها أخًا متفهماً وعطوف مثل طارق يخفف عنها وحشة الوحدة وضيق السجن وقسوة أمها والناس عليها، وقد بدأت الآن ومنذ تلك اللحظة تدفع ثمن نُبلها وغبائها في وقت واحد.
فنُبلها مُتجسد في مساعدتها لحنا يوم أن كان مصاباً لا يقوى على طرد بعوضة مُتطفلة من فوق وجهه وقبولها بمكوثه عندها، أما غباؤها يتهيأ في شكل وقوعها في حب حنا وعدم اعتراضها على حُب حنا إليه ووضع حد لتلك المهزلة التي قد حرمها رب العالمين من سابع سماء من فوق العرش الكريم بقرار مكين، حفاظًا على حق المرأة المسلمة في أبنائها وحقها في الطلاق وغيره من ما أحله الله في الزواج في الدين الإسلامي.
ولكن في الخارج على الناحية الأخرى كان طارق في سريره يدعى النوم والنعاس الشديد نائمًا على وجهه واضعًا وسادة فوق رأسه تحجب عنه ضوء الشمس المتسلل من النافذة بقوة وعنوة مستفزة، لكن الفدائي طارق والبطل المغوار كان مستيقظًا منتظرًا خروج خديجة من البيت، حتى ينفّذ خطته الانتحارية لإنقاذ حكمت من ذل ومرارة الأسر الذي هي فيه.
وقف طارق، وأزاح الغطاء من على جسده لتنكشف ملابس الخروج التي قام بها حتى لا تعطله عن مهمته، واتجه إلى شباك المطبخ يقفز منه إلى الخارج، وقد كان الوحيد في المنزل بلا أسلاك أو عوائق، وبالرغم من ضيقه، إلا أنه نجح بسبب جسده النحيل، سقط على ركبته ليلتقط أنفاسه لمهملة من الزمن، ثم رقد بقوة يسابق الرياح حتى وصل بعد مدة من الزمن ومدة من تنمر المتشردين على ركعة وسبُاب المارة الذين استخدم بهم بإهمال إلى بيت العم جورج أو محمد إن كنتم تتذكرونه!
ظل طارق يطرق الباب بقوة وبسرعة أفزعت من في المنزل حتى فتح له جورجيوس، أو أسلم الذي ظن لوهلة أنهم جنود محاكم التفتيش، ولكن ارتاح لكسر الثانية، لكنه عاد إلى فزعة عندما رأى طارق في تلك الحالة وملابسه مُلطخة بالتراب والعرق وشعره مشعشع وكأنه كان في حلبة مصارعة، وعاد إلى قوة الآن.
اتسعت عينا جيرجيوس بهلع قائلاً: ماذا حدث يا أخيرا؟ هل أنت بخير؟!
هز اخيلا رأسه بالنفي قائلاً، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: أريد عمي جورج أرجوك... جوليانا في مشكلة بسرعة.
أدخله جورجيوس البيت بسرعة، وقد خرج جورج أو محمد من غرفته بعد أن انتهى من ارتداء ملابسه، وقد خرجت زوجته إلينور من المطبخ هي الأخرى، وكل ما يجول في خاطر الجميع أن محاكم التفتيش ألقت القبض عليهم، لكن اطمئنوا قليلاً عندما اقترب طارق من محمد قائلاً في لهفة وتوتر: عمى جورج، أمي ضربت جوليانا وحبستها في قبو المنزل، ولا تريد إخراجها.
مسح محمد جبهته بقلق، وربت على كتف طارق بهدوء قائلاً: حسنًا اهدأ يا بني، وأجلس وأخبرني بكل شيء على مهلك، فقط إهداء.
بالفعل أخذ الماء من يد جيرجيوس، وشربه بسرعة حتى ارتوى وهدأ قليلاً، ثم أخذ يسرد عليهم كل ما قصته حكمت وما حدث في الحي قبل عدة أيام وما فعلته والدته مع حكمة وكيف هرب من البيت في إيجاز وسرعة بسرعة.
وما إن انتهى حتى مسح محمد جبهته بتوتر وزفر الهواء من رئتيه بضيق ونظر إلى الجميع من حوله، وقد كانت تعبير وجوههم غير مفسرة أو مفهومة ومعهم الحق كل الحق فالأمر معقد للغاية، ولا يستطيعوا الآن معرفة من المخطئ، ومن الضحية، ولكن حكمت مخطئة؛ لأنها أعطت لحنا ذلك وجهاً، وسمحت له بالحديث معها والاقتراب منها، وفي الوقت نفسه ضحية لسياسة بلاد ولحب غير مشروع ولقاذفى محصنات غافلات، وكم أن عذابهم عظيم عند رب العالمين.
هز محمد رأسه بعد أن فكر ماليًا، ووجد حلاً لتلك مشكلة، ثم ربت على كتف طارق قائلاً بهدوء: حسنًا يا أخي لا عد إلى البيت قبل أن ترجع إليزابيث، وأنا غدًا سآتي إليكم، لكن أظهر أنك لا تعرف شيئاً عن زيارتي، ولا تخبر أحدًا.
وقف طارق، واتجه إلى الباب قائلاً بامتنان وأمل: شكرا لك عمي جورج أتمنى أن تُخرج جوليانا من ذلك المأزق صدقني هي لا ذنب لها.
هز محمد رأسه قائلاً بهدوء: أعلم يا أخي لا غدًا الرب سيُظهر الحقيقة كُن حذرًا.
خرج طارق من البيت، وأخذ يسير في الطريق وباله مشغول بما سيحدث غدًا والأهم هل سيستطيع جورج على إقناع والدته بترك جوليانا وأنها بريئة من ما يُقال، وقد أخذ يفكر في عواقب الأمور المُترتبة على فشل محمد وأولها أنه لن يخرج من البيت طوال عمره مجددا وثانيها سيشتد الحصار على حكمة ويضيق، ولكن إن البراءة من دون دليل ليست حلاً يجب أن يكون هناك دليل يسكت الألسنة التي تتحدث في وتثرثر، وتخوض في عفة وشرف أخته، وحتى تستطيع حكمت إكمال حياتها من دون خجل أو خوف، بل يجب أن يُرفع رأسها عاليًا بعزة وكرامة.
وقف للحظة على جانب الطريق، وأخذ يحك فروة رأسه بتفكير حتى وجد أنه حنا هو أيضًا متورط بتهوره في ما تعانيه حكمة وعليه أن يبحث هو أيضًا على دليل البراءة حكمت هو الآخر.
رقد مسرعًا، ومركز الشرطة الرئيسي صوب عينيه عازمًا على الوصول إلى حنا، ولن يرجع البيت خالي الوفاض من دونه أبداً.
وصل إلى المركز، وقد دخله متجاوزًا الحارسين الواقفين على يمين ويسار الباب يحملون البنادق الطويلة، وتجاوز عمال البناء الذين يرممون الجزء المتضرر من حادث الانفجار، ثم نظر إلى ذلك العسكري الذي كان يستقبل المشتكين، واقترب منه قائلاً بهدوء وتأدب: إذا سمحت أريد التحدث مع السيد حنا أرجوك.
نظر إليه ذلك العسكري، وأخذ يتفحص هيئته المُريبة، وكان يبدو على هيئته أنه يجري من لصوص أو قطاع طرق أو قاتل متسلسل، لكن طريقة كلامه الهادئة عكس ما يبدو عليه من إنهاك وتعب جعلته يعتقد أنه يريد واسطة لشيء ما أو يتسول، لذلك قرر تجاهله، وأكمل ما كان يكتبه في دفتر كبير أمامه قائلاً بلا مبالاة: أرجع لبيتك يا فتى لا نستقبل الشكاوى اليوم تعال غدًا.
هز اخيلا رأسه بالنفي، ونظر إليه برجاء وإلحاح قائلاً: أنا لا أشتكي من أحد أنا أريد مقابلة السيد حنا في أمر مهم للغاية أخبره أخيلا يريدك.
قلب ذلك العسكري عينيه بسئم، وترك القلم الذي بيده على الطاولة بإهمال قائلاً بحدة وصراخ، وقد نفذ صبره سريعًا: أخبرتك لا يمكن عد إلى البيت وإلا حبستك هنا الليلة.
هز اخيلا رأسه بالنفي، وصاح بصوت عال وجنون قائلاً: لن أتحرك قبل أن أتكلم مع السيد حنا أخبره أخيلا أندرو أغسطس في الخارج يريد التكلم معك.
أشار ذلك الرجل إلى أحد العساكر بأن يلقوا القبض عليه وبالفعل قد أجهز عليه أحد العساكر، وأخذ طارق يقاومه بشراسة، ويصرخ بقوة بأنه أخيلا، ويريد مقابلة السيد حنا، ولن يرجع وقد عم الصراخ والشجار أرجاء المركز، ولكن لحسن حظ طارق أن ديغو قد أنهى عمله، وسيعود إلى منزله، وقد استوقفه هذا الشجار ليصيح بحزم قائلاً: ماذا يجري هنا علي أنتم في زقاق؟!
اعتدل الجميع، وأعطاه التحية العسكرية ليُقبل على طارق قائلاً بجدية: ماذا تريد؟ لماذا كل تلك الضجة التي أحدثتها؟
أفلت طارق ملابسه من بين يد العسكري، وأقبل على ديغو قائلاً في رجاء: سيدي أنا أحتاج إلى الحديث مع السيد حنا، وهم يمنعونني رجاءً خذني إليه.
ضيق ديغو عينيه قائلاً بحيلة ومكر: أن أخبرتني ماذا تريد أو من أنت سآخذك للسيد حنا.
تطلع إليه طارق قائلاً بأمل: أنا اخيلا أندرو أخو جوليانا الشابة والقابلة.
رفع ديغو حاجبيه في تفاجأ، ودهشة ثم أقبل عليه، وحاوط كتفه قائلاً إلى أحد العساكر، وهو يتحرك مع طارق ناحية مكتب حنا: أحضر للسيد أخيلا ماء بارداً وعصيراً إلى مكتب السيد حنا.
دخل ديغو، وطارق إلى المكتب بعد أن جلس كلاهما على كراسي خشبية مطوقة في حلقة حول الطاولة الخشبية الكبيرة في منتصف مكتب حنا الفسيح، ثم ربت ديغو على كتف طارق قائلاً بتشجيع، وهو يشير إلى العصير البارد: اشرب يا فتى تبدوان منهكًا... حنا في الطريق لا تقلق.
أمسك طارق العصير، وقد ارتشفه بهدوء، وعلى مهلة حتى لا يظن ديغو أنه جشع أو جائع وما أن وضع شيئاً أمامه أنهاه بلا أدب.
ما إن انتهى طارق من الكوب كان حنا قد وصل_ الذي كان يزور أبناء إدواردو كما تعهد منذ وفاة صديقه_ وقد هرول إليه طارق بسرعة، وعانقه من خصره قائلاً برجاء: سيد حنا، لقد وعدتني أن لا يمس جوليانا سوء وهي الآن في مشكلة كبيرة بسببك.
ربت حنا على ظهره، وسار معه ناحية المقاعد قائلاً بقلق: خير أخبرني ماذا بها جوليانا؟
أخذ طارق يقص عليه كل ما حدث مع جوليانا منذ عودتهم من عند النهر حتى صباح اليوم وبين اللحظة والأخرى كان يذكره بوعده بحمايتها وعدم أذيتها، حتى يتحرك ولا يتلكأ في إيجاد الحل.
أنهى طارق كلامه ليضرب حنا بقوة على الطاولة جعلت كلاً من طارق وديغو ينتفضون برعب خفيف.
مسح حنا وجهه بعنف قائلاً بحدة: لماذا لم تخبرني منذ يومها.
دافع طارق عن نفسه قائلاً بسرعة: صدقني أمي كانت تحبسني في البيت أنا هربت وعليا العودة قبل أن ترجع إلى البيت، لكني أعرف أين يمكن أن تجد هؤلاء الصعاليك.
نظر إليه كلاً من ديغو، وحنا باهتمام ليشرح لهم قائلاً: كل يوم بعد الواحدة ظهرًا يخرج فتى يرتدي قميصاً رمادياً ممزقاً من عند الصدر وبنطال بني مهترئ يتسول عند الكنيسة، في حين هذا الفتى هو من بدأ الشجار، وإن انتظرت ستجده عند الكنيسة منذ يومها وهو لا ينفك عن التسول بلا خجل أو خوف من أحد.
ربت حنا على كتف طارق بهدوء قائلاً: حسنًا يا أخي لا عد إلى البيت وأنا سأتصرف ولا تخبر أحدًا، ولا تخبر جوليانا بأنك كنت هنا، وغدًا صدقني سيعود إليها حقها، وأعاهدك على ذلك.
وقف طارق، وانحنى بهدوء ثم خرج من المكتب قاصدًا منزله بأقصى سرعة قبل عودة خديجة.
وعلى الناحية الأخرى كان ديغو ينظر إلى صديقه بأسف وضيق لحزنه ولكثرة المصائب التي تُقذفزفوقورؤسهم كالنيازك استند حنا بمرفقيه على الطاولة، وخلل أصابعه بين شعره، ونكس رأسه لأسفل بحزن قائلاً: أنا السبب فيما تعانيه الآن، لو أنني لم اعترض طريقها كل مرة، وطلبت يدها مبكراً ما كان لهذا أن يحدث.
بلل ديغو شفتيه، وربت على ظهر خليله قائلاً بهدوء وعقلانية: حنا اهدء لقد أخطأت وأنا وإدواردو نصحناك أكثر من مرة، لكن الآن يجب علينا أن نفكر كيف سنحل هذا الأمر وأنا عندي حل.
نظرت إليه ذلك المشتت الضائع باهتمام ليتابع ديغو قائلاً بهدوء: بما أن ذلك الفتى متسول وهو من حرض العامة عليها، ولا يعرفها، فهذا يعني أن هناك أحدهم حرضه على ذلك، اسمع الآتي.......
---------------------------------------------------------------------------------------
أصوات مضغ طعام مقززة تثير الغثيان والتقزز وطريقة أكل بشراهة مفرطة تنم على مدى جوع وجشع هذا الشاب الذي أمسك الطبق بيده اليسرى، وأخذ يأكل بيده اليمنى، ويلعق أصابعه الأربعة دفعةً واحدة بعد أن أنهى طعامه، وقد كان ديغو الذي أمره حنا بالتحقيق مع ذلك الشاب يجلس على مقده في مقابلته رافعًا قدميه على الطاولة الخشبية التي تفصل بينهم، ويضرب بعصاه بيده اليمنى بخفة على يده اليسرى في انتظار، حتى ينهي ذلك الخنزير تناول طعامه ليبدأ التحقيق معه، وقد أنهى أخيرًا هذا الوغد طعامه، وتجشئ بطريقة مقززة مُصدرًا صوت عال، وأخذ يمسح فمه بظهر يده، ثم مسح يديه في ثيابه المُلطخة بالأتربة، وتفوح منها رائحة العرق النتنة.
اعتدل ديغو في جلسته، وانزل قدميه أرضا، ثم بدأ بالتحقيق قائلاً بسام: أنهيت طعامك، تكلم من أخبرك أن جوليانا سيئة السمعة والسلوك؟
حك ذلك الشاب لحيته قائلاً: سأخبرك بكل شيء، منذ عدة أيام كنا نجلس في المكان الذي نجتمع فيه بعد نهاية التسول، ونعطي المال للزعيم الذي يفرقه علينا، ويأخذ النصف له جاءت امرأة اسمها كاترينا عمرها يفوق الستين أو السبعين، وأعطت الزعيم عدة عملات ذهبية قسمها علينا، وأخبرنا أن هناك فتاة اسمها جوليانا في حي *علينا التشهير بها وتلويث سمعتها، وقد فعلنا ما أمرنا به، لكن أرجوك احمينا من كاترينا تلك المرأة شيطانة متخفية بين الناس.
قطب ديغو جبينه قائلاً بتعجب: لماذا؟ ماذا تعمل تلك المرأة؟
اقترب منه ذلك الشاب برأسه، وأخذ يوشوشه بصوت منخفض حتى لا يسمعه أحد قائلاً بتوتر واضح، وقد خبأ فمه بيده: تعمل مع محاكم التفتيش، تلك المرأة واشيه هناك، وقد تفتري على أي أحد يقترب منها، أو يزعجها وأخشى إن عرفت تفعل بي ذلك.
صفف ديغو شاربه بإبهامه وسبابته قائلاً باهتمام: وهل محاكم التفتيش هي من أمرتها أن تُشهر بسمعة جوليانا.
هز ذلك الشاب رأسه بالنفي قائلاً: لا تلك المرة سمعتها تتحدث مع الزعيم قائلة بأن تلك أوامر شخص مهم في الدولة وعند الملك يسمى باليو.
حبس ديغو أنفاسه بتوتر ودهشة كأنها الصاعقة قد هبطت على رأسه ما أن سمع اسم بلايو وأوصافه تلك حتى شعر بأن اللعبة الآن تغيرت والأمور احتدت، وأن الأمر بات الآن حرب الأخ وأخيه ليست فقط حرب الحب.
خطف ديغو نظرة سريعة إلى شُراعة الباب الخاص بغرفة التحقيق المفتوحة، ولكنه لم ير سوى عيني حنا القاتمة، بل قل السوداء كليلة لم يظهر بها القمر، وقد كانت كفيلة، وأبلغ من أي حديث لتعلم أن ذلك الرجل الآن بأنه بات وحشاً كاسر وشرساً، وقد فقد ما تبقى من عقله الآن، وعن قريب ستحدث حرب طاحنة الناجي منها محظوظ.
أمسك ديغو ذلك الشاب من تلابيب قميصه، واقترب من الباب بعد أن رحل حنا، وأخذ يطرق على الباب الحديدي بعنف، حتى فتح عسكري صغير السن، فصاح به ديغو بتحذير وغضب، وهو يرفع سبابته في وجهه قائلاً: هذا الكلب ينام في زنزانة وحده وغدًا في الصباح توصله بنفسك إلى حي*ينهي مهمته، وترجع به حيًا إلى هنا وإياك ثم إياك أن يلمسه أحد، أو يتعرض له، ثم هدر بقوة هزت أرجاء الغرفة قائلاً: أتفهم؟!
سحبه ذلك العسكري قائلاً بإذعان: سمعًا وطاعة يا سيدي.