وسقطت حكمت - الفصل 16 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 16

الفصل 16

كانت عينا حنا الزرقاء أشبه ما يكون لزُرقة العمل عافاكم الله من صدمته، ومن هول شدة وصعوبة المشهد أمام عينيه وهو يرى بركة دماء كبيرة انتشرت في الأرض مثل النار في الهشيم، ولطخت جدران المدخل بغزارة وفوق هذا هناك بعض الأشلاء الآدمية من جثث المغدورين تناثرت في المكان، وقد كان مدخل المركز أقرب للمجزرة من ساحة الحرب والنزال. اقترب حنا ببطء وخوف وتوجس، وقد أخذ يرتل الأدعية، وينذر النذور حتى يكون ما يفكر به خاطئًا، ولم يحدث أو لعله الآن في كابوس سيئ وبشع سيستفيق منه الآن ما أن يحدث شيء خارج عن توقعه، لكنه لم يستفق ولم يحدث شيء، بل صدق حدثه وأصبح كابوسه حقيقة وأمر واقع ونافذ. كانت الجثث لثلاثة عساكر وإدواردو صديق عمره، وتؤمه الأول الذي منذ أن تعرف عليه في أثناء الخدمة العسكرية لم يفترق عنه ولا عن ديغو أيضًا، لكن إدواردو مختلف، فلم يكن صديقًا وحسب، بل كان الأخ الأصغر الذي لم تُنجبه أمه، كان قطعة منه ارتبطت برباط طاهر وصاف يخلون من الحقد أو البغضاء أو الكره، وكأن الله قد قذف في قلوب بعضهم البعض الأخوة والتراحم. جلس حنا على ركبتيه، ونظر حوله بدهشة وكأنه في حلم، ويحتاج إلى إثبات ذلك، لكن ديغو الذي كان مصاباً في جبهته، ويجلس في زاوية المدخل يبكي وينتحب بقوة مثل الأطفال على فقدان صديقه أكد أن كل هذا لم يكن حلماً، بل الحقيقة الكاملة بعينيها. بأيدي مرتعشة أمسك حنا قميص إدواردو الملطخ بالدماء، وقد فقد ذراعه بسبب قربه من القنابل الشديد، وتحسس وجه صديقه ودموعه الأبية قد نزلت أخيرًا ما أن لامس قميص صديقه، وقد تذكّر يوم زفاف إدواردو، وكم كان خائفًا من خوض تلك المغامرة الجديدة، وأخذ حنا يمثل أمامه دور الرجل، وديغو دور الأنثى ليعرف ماذا سيفعل والآن قد رحل أطيب قلب بينهم، وهنا قد أفاق حنا من صدمته لتخرج معها صرخة عالية هزت أرجاء المركز والحي صارخًا باسم إدواردو، وقد أخذه إلى أحضانه وهو يودعه قائلاً بألم: أخي! لماذا يا أخي؟ لماذا فعلت هذا؟ لماذا لم تصمد أخبرني؟! آه! يا أخي، ما زال العمر أمامك لماذا رحلت لماذا؟ من سيمرح معي، ومن سيربى أطفالك؟! آه! صرخ بقوة وألم، وقد انتفض من مكانه واثبًا مثل الأسد الجائع بين قطيعه ناحية فريسته، ولكنه الآن ذاهب إلى ناحية جنود الكنيسة بغضب، وقد أمسك أحدهم من تلابيب قميصه، وظل يسدد له اللكمات بقوة ووحشية، وينعتهم بأبشع الألفاظ، ولم يثنه عن هذا إلا بعض الضباط والعساكر الذين أبعدوه عن الجنود بتعقل بحجة أنهم سيموتون ويجب التحقيق معهم أولا، صرخ حنا بالعساكر الممسكين بجنود الكنيسة قائلاً بغضب ودموعه لم تجف: هؤلاء الكلاب يبدأ التحقيق معهم فورًا، وبعد أن يدفن زميلكم يحالون إلى المحكمة وإياكم أن يهربوا، وأحضروا طبيباً للمصابين، وأخبروا أهالي المصابين والضحايا. --------------------------------------------------------------------------------------- "كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا. إن عشنا فالعرب نعيش، وإن متنا فاللرب نموت فإن عشنا، وإن متنا فالحرب نحن. الذين يعزينا في كل ضيقتنا حتى نستطيع أن نعزي الذي هم في كل صفقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الرب" هكذا ألقى أحد أقرباء ادواردوا العزاء في الكنيسة في أثناء مراسم القداس الخاص به. وهناك في بدلته الكلاسيكيّة السوداء، وعلى رأسه قبعة مستديرة سوداء كان يجلس حنا في الصف الأول بين مقاعد الكنيسة يتلقى العزاء من أصدقائه، ويستمع إلى تعازي البابا وأقوال بعض أفراد عائلة إدواردو عن أخلاقه وصفاته الجيدة وأعماله الصالحة، بينما إلى جواره زوجته وطفلاه الصغيران الذين تركهما للعالم والحياة هكذا من دون حماية، أو ظهر أو سند لهما، ولم تكف ابنته الكبرى ذات الأربع سنوات عن البكاء، وبالرغم من صلابة زوجته والتخفيف عن طفليها، إلا أنها بين اللحظة والأخرى تفر من عينيها دمعة، وتقبض على قلبها بألم كلما صعد أحدهم على منصة الكنيسة، وأخذ يعدد محاسن إدواردو وأعماله الصالحة والبابا يدعوان له وللضحايا الآخرين بالغفران، وأن يسكنوا الملكوت ويجاوروا الأخيار. لكن هنا كان في عالم آخر حتى لم يستطع أن يقف ويتكلم، وعن من سيتكلم؟ سيتكلم عن قطعة منه وصديق عمره الوفي الذي لم يغدر به، أو يخن عهده، أو يكسر بقلبه أبدًا فكيف يتكلم عنه؟! وإلى جواره من الناحية الأخرى ديغو الذي لم يكن أقل من حنا حالاً ولا حزنًا، بل كلما صعد أحدهم على منصة الكنيسة، وأخذ يعدد محاسن إدواردو، وتذكّر آخر ليلة سهر لهم سويًا عندما ذهبوا إلى إحدى المناطق غير المأهولة بالسكان عند النهر بعد أن أنهوا سهرتهم في إحدى الحانات، وقد أسرفوا في الشرب احتفالًا بحنا الذي انفكت عقدة لسنه، وأخبر إليزابيث عن حبه لجوليانا، وطلب يدها للزواج، وكم كان مرحًا، وأخذ ينصح حنا بأن يكون رومانسياً، ويتصرف برومانسية وحنان مع زوجته المستقبلية، حتى لا تنفر منه، وتكون طوع أمره، ولكن تلك الحياة تأخذ منا الطيبين دائما، وليس بيدنا سوى الانتظار حتى يوم المحشر واللقاء. انتهت مراسم العزاء والجنازة ليحي موعد الدفن والرحيل ليقف ديغو وحنا، وينظران إلى بعض بلا حياة، ويتجهان إلى التابوت الخشبي من خشب الأبانوس المحفور عليه صليب كبير بطوله ومُضائه شمعه يسر بها أحد القساوسة من الأمام، حتى وضع التابوت في عربة لنقله إلى المقابر، ومن خلفه زوجته وطفليه وعائلته وأصدقاؤه تودعه الوداع الأخير حتى اللقاء يوم الحساب وطوال الطريق كان القس يقرأ بعض الآيات من الإنجيل، حتى وصلوا إلى المقابر الكاثوليكية، ونزل التابوت وبدأ حنا يرمى عليه التراب، ومن بعده ديغو وبعض أقرباء ادواردوا بالتناوب حتى انتهى الأمر، وسجى إلى مثواه الأخير. وقد جلست زوجته وطفليه على طرف المقبرة المرتفعة، وأخذت تدعون له بالرحمة والغفران وطفليه يبكيان ليقترب منهم حنا تاركًا ديغو خلفه، ويقف أمام زوجته قائلاً بجمود ونبرة صوت تخلوا من أي معالم الحياة: من اليوم أنتِ وأبنائك أمانة إدواردو في رقبتي إلى يوم وفاتي لا تترددي في طلب أي شيء يخصك أو يخص الصغيرين، إدواردو كان يحبك حقًا. لم تجبه المرأة، بل وضعت المنديل عن أنفها، وأخفضت رأسها المزينة بالقبعة السوداء ذات القماش الدانتيل، وأخذت تتشنج وتبكي بلا هوادة أو إرادة منها، وقد كور حنا قبضته بألم، ونظر إلى السماء، وهو يقمع تلك الدموع من النزول الآن وعليه أن يكون مصدر قوة لولدي صديقه وزوجته. ثم مسح عينه بأصابعه الملطخة بالتراب بإهمال، وهي ينظر إلى بلايو الذي قد جاء ومعه شخص ما تبدو عليه علامات الثراء والأهمية في الدولة، وقد كانا يقفان مع ديغو يتحدثون معه ليقترب منهم عندما أشار إليه باليو. وقف بينهم حنا الذي كان يتطاير شعره بإهمال بفعل الهواء و_ لا ننسى حالته المزرية هو وديغو وبلابسهم ملطخة بالتراب وأيديهم _ ابتسم بلايو بفتور، وأسف قائلاً بحزن على حزن أخيه: تعازي الحارة لك. هز حنا رأسه باقتضاب، دون أن يتحدث ليتابع بلايو، وهو يشير إلى ذلك الرجل قائلاً بهدوء: هذا السيد أغسطس ضابط محكمة تفتيش مدريد يريد التحدث معك على حدة. بعيني حنا الزرقاء الضيقة؛ بسبب أشعة الشمس والأتربة المتطايرة نظر إلى بلايو بشك، ثم نظر إلى ديغو الذي طأطأ رأسه للأسفل بأسف وخجل، ثم التفت إلى ذلك الرجل الذي مد يده ليصافحه، وقد بادله حنا التحية بفتور، وسار معه عدة خطوات حتى ابتعد عن مجال سمع بلايو وديغو في منطقة ما يتكلّم ذلك أغسطس قائلاً بعملية ومراوغة: أنت لا تعرف كم حزنت على هذا الخبر المؤسف، ولكن تلك هي الحياة تأخذ الأخيار دائمًا، والبابا أيضًا غاضب بشدة لما حدث وحزين على ضياع خيرة شباب بلادنا غدرًا، لكنه وبعثنا برسالة لك. رفع حنا أحد حاجبيه، ونظر إلى أغسطس بشك وكأن نظرته تقول أيها الكاذب، لكنه فضل الصمت ليعرف نهاية تلك المسرحية ركيكة التمثيل تلك، ليُمسك ذلك أغسطس كتفاً حنا، ويربت عليه بهدوء قائلاً: البابا يطلب منك إطلاق سراح الجنود، وهو يتعهد لك بأنه بنفسه من سيحاسبهم على فعلتهم تلك، واعذرني لكني كنت أمرت باعتقال أو قصف من يشكون فيه أنه من الفرنسين وللأسف أخطؤوا، ولكن إذا رفضت أنت هكذا تضر بمصلحة البلاد، وتهز صورة الكنيسة أمام الشعب والفرنسين وأنت ضابط مخلص لا تقبل هذا. نفض حنا يد أغسطس عن كتفه، وكانت عيناه القاتمة أبلغ من أي حدود، أو من رد فعل، لكنه الآن فقط أدرك أنه يعادي الدولة والكنيسة، ومهما حاول ففي النهاية لا خاسر سواه. ذهب حنا إلى ديغو قائلاً بتهكم وضيق، وهو ينظر إلى أخيه بازدراء: نفذ ما جاء إليه حضرة الضابط أغسطس، وسلمه الجنود بنفسك. ثم رحل وهرب وأسرع في خطواته، وقد شعر أن الأرض تضيق عليه بقوة من كل ناحية، ومن كل جانب، وقد أخذ يخلع رباطة عنقه بضيق ويلقها أرضا، وهو يركب فرسه متجاهلاً مناداة أخيه له، وكان صوته ذو حياء ومروة عنه، ويرفض الخروج بعد ضعفه وتنكيس العهد بينه وبين إدواردو على أن يرجع إليه بحقه، وقد ركل الفرس في أسفل معدته بقوة، وهو يفر من المكان بسرعة أقرب لسرعة الريح من حوله وهو حق لا يعرف إلى أين يذهب؟ وماذا سيفعل؟ --------------------------------------------------------------------------------------- "خالة جوليانا أين أخيلا ألن يأتي للعب معنا اليوم؟" صاح بتلك الكلمات هيكتور صديق أخيلا المقرب الذي قد أوحشه وافتقده بسبب غيابه عن اللعب أو الذهاب للكنيسة قرابة الأسبوع وهو متقوقع في البيت، حتى لا يذهب ليرمي القمامة، بل جالس في غرفته لا يتحدث إلى أحد وعيناه زائغة في الفراغ بلا كلل أو ملل. فتحت جوليانا النافذة المطلة على الشارع الرئيسي، وجلست بركبتيها على الأريكة الملتصقة بالجدار الذي يحوي النافذة، ووضعت إشارب أسود على رأسها، حتى تخفي شعرها، ثم نظرت إلى هيكتور الذي قد دفع ذلك الباب الصغير، ودخل إلى حديقة المنزل الصغيرة قائلة: لا يا هيكتور أخيلا ما يزال متعبًا، وأمي لا تريده أن يخرج حتى لا ينشر العدوة. ضم هيكتور شفتيه بضيق وحزن على حال صديقه، وهز رأسه على مضد قائلاً بحزن: حسنًا خالة جوليانا فقط الأب أنطونيوس قد سأل عنه؛ لأنه تغيب عن درس الأمس، وأنا أخبرته أنه مريض، لكن عليه المداومة الأسبوع المقبل. هزت جوليانا رأسها بالموافقة قائلة بهدوء: بالطبع سيكون تحسناً بمشيئة الرب فقط ادعى له. هز هيكتور رأسه بالموافقة، ولوح لها بيده قبل أن يرحل وهو يرى أن بقية أصدقائه قد تجمعوا في الشارع يتجهزون للعب، وقد شرعوا في إحداث ضجة حتى لا يمر الوقت المخصص للعب دون اللعب. أغلقت جوليانا النافذة، ونزعت ذلك الإشارة، ووضعته على أحد المقاعد بإهمال، ثم نظرت إلى والدتها التي كانت تمسك بمصفاة نحاسية وبعض حبات الفاصوليا، وتقسمها وتنتقى الطازج منها قائلة بهدوء: اخيلا لا يريد التحدث بعد؟ توقفت والدتها لبرهة، وزفرت الهواء من رئتيها بضيق قائلة، وهي تهز رأسها بأسف: نعم، وقد حاولت منذ قليل التحدث معه لكنه رفض، ثم تابعت بأمل ورجاء قائلة بنبرة معينة، حتى تستميل عطف حكمت: ابنتي ادخلي تحدثي معه هو يستمع اليكى دائمًا، ويحب الحديث معك تكلمي معه لعله يرتاح ويهدأ قليلاً. قضمت حكمت شفتيها بتفكير، ثم هزت رأسها بالموافقة، ثم حملت البطة التي كانت تشرب من طبق المياه في إحدى زوايا أرض الصالون قائلة بمرح وكأنها تتحدث إلى شخص عاقل: أنا والآنسة بطة سنتحدث مع طارق قليلاً، أليس كذلك أنت بطة؟ أصدرت البطة صوتاً بطبطة وكأنها توافق على ما قالته حكمت لتضحك خديجة، وتهز رأسها بيأس، وتزفر بضيق وتتنهد بأسى والآن كان همها فقط حزن طارق صار الآن همها زواج حكمت من حنا، والذي يجب ألا يتم بجميع الأحوال وبأي طريقة كانت، حتى لو اضطرت لقطع قدمي حكمت حتى تمنعها عن حنا، ولكن السؤال لماذا دائمًا عندما يُلاحق شاب فتاة نضع اللوم على الفتاة، وتتحمل الذنب والشاب بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب؟! --------------------------------------------------------------------------------------- دخلت حكمت غرفة طارق بعد أن طرقت مرات عديدة على الباب وكالعادة منذ أن دخل في حالة الكمد والعزلة تلك وهو لا يجيب عن أي أحد، أو يستمع إلى أحد فقط وحده مع نفسه المصدومة والمتألمة من كذب أهله عليه وإخفاء أمر كهذا عليه طوال عمره المنقضي، ونعته باسم هؤلاء الهمج البربر مغتصبوا البلاد كما تعلم وعرف طوال عمره. نظر طارق إلى حكمه نظرة جانبية بلا أي اهتمام ليعرف من دخل، ثم تقلب على جهته الأخرى على السرير ليعطى حكمت ظهره كإجابة من قبل أن تتكلم تقول لها اغربي عن وجهي، لكن حكمة لم تهتم بردة فعله التي اعتادتها منذ أن عرف الحقيقة، وجلست على سرير جانبه وهو يوليها ظهره لتضع البطة على السرير قائلة بمرح: لقد جئت أنا والآنسة بطة لزيارة هذا الكهف الغريب، ونتعرف على رجل الكهف. لم يلتفت لها أخيلا، ولم يهتم ولكنها لم تستسلم أبدًا أن تخسر المعركة لتتابع قائلة بهدوء وعقلانية: أنا أعرف أن الأمر ليس سهلاً عليك، وأن تصحوا على شيء، وتنام على الآخر شيئاً صادماً وصعباً، لكن ضع نفسك مكان أمي، وأنظر إلى ما فيه البلاد من توتر وانقسام وقل لي ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاننا يا طارق؟ انتفض طارق من مكانه بقوة كمن لدغه عقرب، والتفت ينظر إلى حكمت قائلاً بغضب، وقد انحلت عقدة لسانه أخيرًا، وأخرج كل ذلك الكمد والغضب الذي في صدره: أنا اخيلا أندرو أغسطس لست ذلك طارق افهمي، أنتم الكاذبون والمخادعون، اخترتم دين هؤلاء الهمج والوحوش، وتريدون إلصاق الأمر بي يكفي كذبًا إلى هنا لقد سئمت. بللت حكمت شفتيها، وزفرت الهواء من رئتيها بهدوء قائلة: اسمعني يا أخي جيدًا، ثم قرر وأحكم بما تشاء. منذ ألف ومئة عام حكم لذريق بلادنا عنوة بعد أن مات الملك جيشا، وهدد ولاة العرش بالقتل، ومن بعد ذلك هربوا إلى حاكم سبتة يوليان كان يحب الملك جيشا، وكان عادلًا وعاقلًا، فاستقبل أبناء جيتشا عنده، وكان طارق بن زياد يحاصر سبتة حتى يستسلم يوليان، وتصبح تحت الحكم الإسلامي، لكن طارق بن زياد تراجع عن خطته فجأة، وعاد إلى طنجة في المغرب، وفي تلك الأثناء كانت فلوريندا الجميلة ابنة يوليان تتعلم في قصر لوذريق، ولكنه اغتصبها واعتدى عليها، وعندما بلغ يوليان ذلك قرر التحالف مع طارق بن زياد لسلب الحكم من يد لوذريق والأخذ بثائره لشرفه، لكن طارق كان يريد أن يرفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله في أوروبا، وينير سماء العالم بنور الإسلام، فوافق وأخذ موافقة حاكم القيروان القائد موسى بن نصير وموافقة الخليفة الأموي الوليد ابن عبدالملك في دمشق، وساعده يوليان بالأسلحة والسفن ليعبروا المضيق إلى إسبانيا والبرتغال وحدثت معركة، وادي لكة وانتصر المسلمون المجاهدون بسبعة آلاف مقاتل في السابع والعشرين من رمضان على جيش لذريق الذي كان قوامه مئة ألف مقاتل وفتحت الأندلس، ودخلت في عهد وذمة المسلمين، وقد أمن المسيحيون واليهود أبناء إسبانيا الأصلين الخليفة الأول عبدالعزيز بن موسى بن نصير على دينهم ومعابدهم، وأموالهم وبيوتهم وتجارتهم، وقد صدق وعده، وعشا المسلمين سواء من أسلموا من أهل البلاد، أو من النازحين من أنحاء العالم الإسلامي إلى الأندلس مع اليهود والمسيحيين في سلام، لكن هناك كان الحاكم بلايو كان خبيثًا، وكارهًا للمسلمين ودينهم؛ لأنهم دخلوا بلاده عنوة، لكنه كان على يقين أنه زمن المسلمين الآن، وقرر الهرب مع بعض الشباب والأطفال زرع في قلوبهم كره المسلمون جيلاً بعد جيل، وقد حارهم الخليفة، وتبقى منهم ثلاثون نفراً احتموا في صخرة بلايو، وقد رائف واستهان بهم المسلمون، وكانت تلك الكارثة، فتكاثر هؤلاء تلاميذ باليو، وتكاثر معهم كره المسلمون وحقدهم، حتى ضعف المسلمون، وتفككوا وحادوا عن طريق الله، وسقطت الأندلس بعد حكم إسلامي ثماني مئة عام، وبالرغم من العهود التي قطعها أبو عبدالله الصغير مع فرناندوا، وأزال ملكة قشتالة على حماية المسلمين وعدم المساس بهم، إلا أنهم نقضوا العهد، وأنشئوا محاكم التفتيش التي قتلت الآلاف من المسلمين واليهود، وهجروهم خارج إسبانيا، وقطعوا رؤوسهم من يفعل ذلك يأخذ مكافأة، وسلبوا أموالهم وأجبروهم على التنصير، ومن يرفض جزاءه الموت، وقد هرب من هرب إلى المغرب والجزائر، وإسطنبول واستنجدوا بالأزهر في مصر والسلطان قايتباي، وقد أفتى لهم الأزهر بتنصير خارجين، واعتناق الإسلام في السر؛ وهكذا حافظ أجدادنا على الإسلام حيًا حتى يومنا هذا قُل لي الآن هل ما زلنا بربر وهمج الآن؟ جلس طارق أمام حكمت متربعًا، وقد استند بمرفقه على ركبتيه واضعًا رأسه بين كفيه وهو ينظر إلى حكمت بضياع، وقد بدأت تلك السحابة السوداء تتقشع عن عينيه خطوة خطوة، وقد شعر بشيء غريب في قلبه استيقظ لا يستطيع تفسيره سوى أنه كان أحمق، وبدأ يقتنع بالحقيقة، لكن بعض الشكوك تراوده. على حالته تلك ووضعه تسأل بشك قائلاً: ويسوع المسيح ومريم العذراء وأصدقائي كيف نتخلى عنهم. هزت حكمت رأسها بالنفي سريعًا قائلة: على العكس نحن نؤمن بهم كما نؤمن بنبينا محمد، السيدة مريم العذراء عليها السلام قد ذكر الله اسمها في القرآن الوحيدة دونًا عن نساء العالمين، حتى لم يذكر الله اسم زوجات نبينا محمد أو بناته، ونبينا عيسى قال الله فيه هو روحًا منه، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، وقال نبينا محمد أنا أولى بعيسى أخي من قومه، كيف نكره الطاهرة مريم عليها السلام وروح الله عيسى -عليه السلام- نحن؟ وأصدقاؤك المسيحيون أهل كتاب وذمة، وقد وصانا نبينا على أهل الكتاب يهود ونصارى، وكانت زوجة نبينا محمد ماريا القبطية مسيحية مصرية، وأسلمت فيما بعد، على العكس في الكثير من البلاد المسلمين والمسيحين أخوة يحبون بعضاً كما في مصر وبلاد الشام والمغرب وغيره كلهم يعيشون في حب وسلام فقط المشكلة في بلادنا نحن فقط. نظر إليها طارق بشك قائلاً: إن صدقتك سأموت؟ هزت رأسها بالنفي سريعًا قائلة، وهي تكور وجهه بين يديها حتى ينظر إلى عينيها الصادقة: إن شاء الله لن يمسك سوء فقط لا تخبر أحدًا، ولا تتكلم مع أحد أنت أمام الجميع اخيلا أندرو أغسطس الكاثوليكي، وفي البيت طارق خالد محمد اتفقنا يا بطل؟ حك طارق رأسه بتفكير لمدة، ثم هز رأسه بالموافقة قائلاً: اتفقنا يا حكمت. ابتسمت حكمت ببهجة وعانقه طارق الذي بادلها العناق بصدق لتربت على ظهره قائلة بمرح: هيا بدل ملابسك سنخرج للصيد عند النهر وأنا سوف أقنع أمي، هيا يا طارق. --------------------------------------------------------------------------------------- كانت حكمة تسير إلى جانب طارق الذي قد بدأ يتحسن بعض الشيء، ويكسر حالته النفسية السوداوية تلك، ويخرج منها خطوة خطوة بهدوء وببطء، وقد كان اقتراح حكمت صائبًا وفعالًا، وقد كانوا يسيرون في الطريق، وطارق يتساءل عن أسماء بعض النباتات والأزهار وفوائدها، وقد كانت ترد عليه حكمت بصدر رحب وبلا ملل، أو سام على العكس كانت سعيدة للغاية برجوع روح أخيه المتفاعلة وحيويته في الحياة مجددا. "انظري ما رأيك أن نجلس...." كان هذا صياح طارق الذي أشار إلى هذا الموقع النائي عند النهر وأسفل أشجار الزيتون_ التي أدخلها المسلمون إلى الأندلس، وقد كانت وما زالت زراعة الزيتون في الأندلس مصدراً اقتصادياً كبيراً _تحت ظله العليل، لكن توقف طارق عن الحديث، وابتلع كلماته بقلق ودهشة، وهو ينظر إلى حنا الذي قطع عليهم الطريق، وخرج من حيث لا يحتسبوا، وقد كانت هيئته أقرب إلى هيئة المتشردين وقطاع الطرق. نظرت حكمت إلى طارق بتوتر ودهشة، وقد زاد توترها عندما اقترب حنا بهيئة الأشباح تلك، ووقف أمامها قائلاً بضيق وحزن وألم: أريد أن أتحدث معك، وارتاح وأينما ستذهبين سأذهب، لكن لا ترفضيني أرجوكِ لا أحد لي غيرك الآن يا جوليانا.