وسقطت حكمت - الفصل 15 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 15

الفصل 15

رمشت خديجة مرات عديدة، وأخذت تقرص فخذها بنفسها حتى تتأكد من ما سمعته، وأنها ليست نائمة، أو في حلم أو حتى قد ضربها أحدًا ما على رأسها، بل في كامل وعيها وما سمعته من ذلك المختل صحيح، ولكن كيف يجرؤ على الاقتراب من صغيرتها والتفكير بها من هذا المنطق والمنطلق. وقد حدث ما كانت تخشاه على نفسها وهي شابة قبل الزواج وما تخشاه على صغيرتها الآن وأنه بالرغم من التخفي والتستر وعدم الاختلاط بالعامة والناس، حتى لا ينكشف ذلك السر الأعظم، ويحدث ذلك اللغط، وتلك الضجة التي وقعت بها الآن! رفع حنا حاجبيه قائلاً بتأكيد وهدوء عندما لم يجد ردًا: سيدة إليزابيث أنا أتحدث معك، ما قولك في ما قلت؟ هزت إليزابيث رأسها بالنفي لثواني وكأنها تُفق من صدمتها تلك، وتعود إلى العالم الحاضر وأرض الواقع الحي قائلة، وهي تنظف حلقها: اعذرني لكني تفاجأت بما تقول. ثم تابعت بعملية وضيق مبطن لم يخف على حنا قائله وجميع حواسها متحفظة لما يحدث يُقال: لكن اعذرني ألا ترى أنك كبير على جوليانا قليلًا أعني فارق السن بينكم ليس بقليل. ارتشف حنا القليل من البيرة من الكأس العملاق الذي أمامه، ثم نظر إليها قائلاً بهدوء وجدية: ليس مبرراً للرفض، اعذريني لكن أغلب نساء مدريد بينهم وبين أزواجهم فارق سن كبير أمي، وأبي الفارق بينهم خمسة عشر عامًا، أخي وزوجته الفارق عشرة أعوام، جدي وجدتي الفارق بينهم تسعة عشر عامًا، وغيرهم الكثير مِمْن يردون علي بطبيعة عملي، أنا لا أرى فارق السن مانعاً أبدًا. أخذت خديجة تطرق على الطاولة الخشبية بأصابع يدها الممتلئة بعصبية وتوتر قائله: جوليانا ليست من نفس عالمكم، تفكيركم وطبقتكم وحياتكم على النقيض تمامًا في كل شيء، جوليانا أنا أراها طفلة بريئة، وليست لأنها ابنتي، لكن جوليانا بالفعل كذلك لن تقدر على تحمل حياة القصور، وتلك المسؤولية كونها زوجة صاحب الشرطة في مدريد، اعذرني لكنك تخرج كل يوم وحياتك على المحك واليوم في مقر عمل أو وظيفة غدًا في أخرى أنا لا أريد لجوليانا سوى الهدوء والاستقرار. ابتسم حنا بهدوء قائلاً برصانة: أنا لم أحب جوليانا إلا لأنها بريئة، ولم يجذبني شيء لها إلا براءتها وعطفها وحنانها في التعامل مع الجميع، وأمر أنها من طبقة أقل ليس مانعاً، أيضًا جوليانا ذكية، وستعتاد تلك الحياة بسرعة، وستتأقلم ولن يكن هناك مشكلة إطلاقًا، أما بالنسبة لعملي فصدقيني أنا واثق أنه من المستحيل أن يُنْقَل إلى خارج مدريد، لقد قضيت خدمات ومُدة طويلة خارج مدريد، وتعينت هنا للاستقرار، فمن المستحيل أن تتضرر جوليانا، صدقيني أنا أحب جوليانا ومستحيلاً أن أدبها أو أن يمسها ضرر ما دمت على ظهر الأرض، جوليانا قطعة من قلبي مستحيل أن يقع عليها ضرر بسببي فقط أريد منكِ أن تصدقيني وتثقي بي فقط. التفتت إليزابيث إلى جهة اليمين مُختبئة عن أنظاره المترصدة بها، حتى تفكر في رد يُسكت ذلك الأخرق الغارق في محيط غير معلوم نهايته من حب جوليانا والعشق بها. لكن الكلام سهل، ولا تنكر ذلك، لكن للأسف وأكرر للأسف حنا صادق بما يقول وإيجاده التبريرات وطرق الإقناع ونظرات عينيه وثقته بحديثه تدل على أنه صادق بما يبوح، وأنه راغب في ابنتها حقًا ليس مجرد حديث، لكن ما بينهما أكبر من كل تلك الحجج ما بينهم دين نهايته. أما الجنة أو النار فلا خيار آخر، ولا يمكنها أن تُغضب الله لأجل بشر، ومتع الدنيا الزائلة، ولكن الآن أشيروا على تلك المرأة في ورطة بالفعل الصواب! بللت خديجة شفتيها، وهزت رأسها قائلة بهدوء: دعني أُخبر أخوالها في مدريد، وأعرض عليها الأمر، ورجاءً لا تقابلها من وراء ظهري أرجوك نحن أصحاب الطبقة الفقيرة ليس لنا شيء نورثه ونمتلكه سوى السمعة الحسنة وعمل صالح لبعد الموت أرجوك إن كنت تحب ابنتي حقًا لا تُلطخ سمعتها وتجعل أحدًا يخوض في حرماتها، أرجوك يا سيد حنا. زفر أنفاسه بهدوء، وأغمض عينيه لثواني، ثم نظر إليها، وقد وافق على ما تقوله تلك المرأة من حقيقة قد تناسها تمامًا، وما كان يجب عليه أن ينساها قائلاً بهدوء: تحت أمرك ولكن أرجوك لا تتأخري علي في الرد أنا أنتظر بفارغ الصبر. هزت إليزابيث رأسها، ووقفت عن ذلك الكرسي الخشبي بلا مساند، وخرجت من ذلك المقهى المائة زواياه بالشموع التي أثرت في لون دهانه الزيتي الفاتح والبار بني اللون الذي يعمل عليه ثلاثة شباب في زي مخملي، ومن خلفهم براميل نبيذ عملاقة وزجاجات خمر أخرى، واتجهت إلى العربة، وصعدت إليها بتوتر، وجلست بجانب النافذة تنظر إلى الطريق بتيه وحالة من اللاوعي قد تلبستها وهي تعيد كلاماً حنا في رأسها، وتحاول أن تجد أي حل لتلك الورطة والحماقة التي وقعت بها، لكنها لم تجد أي حل سوى حل واحد لا ثاني له الهرب، نعم الهرب خارج إسبانيا تمامًا وبلا عودة، لكن لا لن يتحقق ما ترجو وتتمنى إلا ببلوغ طارق الرابعة عشر عامًا وفقط كل ما في يدها الآن الصبر والدعاء! --------------------------------------------------------------------------------------- عادت خديجة إلى البيت، وقد طرقت على الباب بحدة وتوتر نوعًا ما، حتى فتح لها طارق الباب، وقد وجدت حكمت تجلس على أحد كراسي حجرة المعيشة متلحفة بالبطانية متكورة على نفسها. وبالرغم من حالة جوليانا المرضية السيئة، إلا أنها بالغت في رد فعلها، وأخذت تسعل بشدة، وترفع رأسها بثقل عندما اقتربت منها خديجة تتحسس حرارتها حتى إذا علمت خديجة بما حدث لا تزد عليها، وتُثقل في اللوم والملامة وبالفعل سارت الخطة كما خططت، ولكن الفضل لله الذي أبقى في عمرها، وتوتر وقلق خديجة الذين فتكا برأسها وعصفا بتفكيرها فيما قاله حنا منذ قليل، فلم تُجهز عليها الآن فقط الصبر، وستُجهز عليها لا داعي للقلق فمدريد كلها ستُجهز على حكمة! جلست خديجة على أحد المقاعد، وقد خلعت غطاء شعرها ومعطفها، لكن ما لفت نظرها، وأصم أذنها هو صوت تلك البطة الذي يصدح في الأجواء وهي بالأصل لم، ولن تربي البط أبداً بسبب خدمته المتعبة، لكن لم يطل انتباهها وحيرتها عندما خرج أخيرا من غرفته وهو يحمل تلك البطة، وقد أخذت تُقلب النظر بينه وبين حكمت وما زاد الطين بلة تلك الحقائب الكثيرة الموجودة على الأرض، وقد رممت مرات عديدة لتتساءل في دهشة قائلة: ويلكم، من أين لكم كل هذا؟! بللت حكمت شفتيها، واعتدلت في جلستها، وأقبل عليها أخيلا واقفًا إلى جوارها، حتى تحدثت حكمت قائله بتردد: أمي... أمي ما حدث. أن الحقائب تلك... جات هنا. صاحت خديجة بنفاذ صبر قائلة بغضب: جات وحدها؟ كيف جات أجيبوا يا بقر. اندفع أخيرا قائلاً في شجاعة مطلقة، وهو يدفع عن أخته شرًا محتماً ومحيط بها: أمي جوليانا ليس لها ذنب ذلك السيد حنا عندما عرف أنها مريضة جاء للاطمئنان عليها، وقد حاولنا في أثناءه وطرده، لكنه لم يرجع وأجبرنا على أخذ تلك الحقائب، ونحن قررنا أنه عندما تأتي ستجدين حلاً. ثم تابع برجاء واستعطاف قائلاً: أمي أرجوكِ لا تذبحي البطة دعيها هنا. لم تهتم خديجة بما قاله ذلك الصغير بقدر أُنملة أو بمعنى أصح لم تكن خالية الوفاض لتركز مع أحد أو أماني أحد، بل عقلها كله منصب حول تلك المصيبة التي اسمها حنا، وقد سقطت فوق حياتهم لتتسلل إليها كالسرطان الذي يأكل جسد المريض ببطء مميت وبلا رحمة، ألا يكفي تلك المسكينة ما تحمله في قلبها من هم ورعب ليكثر حنا همها بطلبه الأخرق هذا، لقد سامة من تلك الحياة. وقفت خديجة بغضب، وركلت أحد الكراسي المحيطة بالطاولة الخشبية قائله بصراخ وغضب أرعب الصبي والشابة: اللعنة على حنا هذا، فليذهب إلى الجحيم! ثم دخلت غرفتها، وأغلقت الباب بقوة مصدرًا صوت ارتطام عال، وقد اهتز زجاج النافذة بقوة، وقد انتفض أخيلا عندما قفزت البطة من يده، فذع وأخذت الدجاجة ترقد حولهم لينظر أخيلا إلى حكمت قائلاً بدهشة: أمك فقدت عقلها. لتوافقه الرأي قائلة، وهي تنظر إلى غرفة خديجة، وتهز رأسها بالموافقة: أقسم بذلك وكله من حنا. --------------------------------------------------------------------------------------- قد مر أسبوعان على حديث حنا مع خديجة، وقد كان ينغمس في عمله منذ الصباح الباكر حتى الليل الدامس المتأخر، وقد باتت حياته مملة وكئيبة لا شيء بها يدعوه إلى الإقبال عليها ما دام لا يراها كل يوم، ويستبشر بوجهها كل صباح حتى تلك الرسائل والورود قد توقف عن إرسالها والتسلل إليها وهو ينتظر ولا يوجد شيء يفعله سوى أن ينتظر ومجبر على أن ينتظر. فلا يريد أن يُقحم نفسه في أي حماقة، أو يقحمها معه في مصيبة لن يتحمل عواقبها سواها وبالأخص كلام إليزابيث عن شرف الفتاة وبالأخص فتيات الأحياء الشعبية والفقراء لا يملكن شيئاً سوى السمعة الحسنة، وإن تلوثت فعلى تلك الفتاة السلام، ولن ينظر صرصور في وجهها، ويأمنها على بيته وأبنائه. أغمض عينيه بضيق، وأمسك بمنتصف التقاء عينيه بأنفه بإرهاق، وقد زفر أنفاسه بضيق وملل، وقد أنهى الكثير من الأعمال والقضايا اليوم والشؤون، ولم يبق سوى استلام القنابل التي ستذهب إلى مخازن الجيش عن طريق تأمينها، ومن قبله اليوم، وينتهي من عمله، واستلام الأسلحة الذي يتم منذ بداية الأسبوع، ولكن أوكل تلك المهمة إلى إدواردو الذي قبلها بشرط أن لا يأتي إلى العمل لمدة من الزمن، وقد وافق حنا بلا جدال أو تردد. اعتدل حنا في وقفته، ورتب الأوراق على طاولته، وعدل وضع قبعته العسكرية، وأخذ يطفأ المصابيح التي تعمل بالجاز والشموع، وقبل أن يطفأ آخر شمعة قد دوى صوت انفجار شديد في القسم أصم الآذان، واختل من أجله التوازن، وتساقطت المصابيح والشموع على الأرض، وتشققت الجدران وخرج منها غبار كثيف، وقد اختل توازن حنا، وكاد أن يسقط لولا أنه تمسك بارفف المكتبة خلفه بقوة، لكن تلك القوة لم تدم كثيرًا عندما خرج من مكتبه بسرعة، ونظر إلى بركة الدماء التي عند مدخل المركز، وقد أمسك العساكر والملازمين ببعض جنود الكنيسة، وقد عرفهم من زيهم، ولكن ما صدمه وجعله يجن جنونه هو رؤية أصحاب الدماء والجثث! --------------------------------------------------------------------------------------- وإن قلنا إن هناك مصيبة وفاجعة عند حنا فهنا أيضا همًا وبلاءً عند حكمت وعناء فلان قد بلغ أخيرا الرابعة عشر من عمره الآن، وقد كانت كل من حكمة وخديجة أعدت حفلاً صغيرًا بمناسبة ذلك اليوم السعيد الذي لطالما انتظروه وقطعوا الأيام الثقال والساعات الطوال، وعدوا اليالى والدقائق حتى يأتي هذا اليوم، ويعرف فيه أخيلا أنه طارق سليل مسلمي الأندلس وأبنًا لجنود وعلماءً وشيوخ ً عظماء حملوا منارة الحضارة والتقدم إلى بلاد أوروبا بأسرها ولولا حرق كتب المسلمين في الأندلس لكنا نتجول بين المجرات الآن. ولكن، بالرغم من السعادة والفرح، إلا أنه كان هناك خوف ترح وأول الخوف هو هل سيقبل أخيلا بعد أربعة عشر عامًا من حياة اعتادها وكذبة كانت كل عمره الماضي هل سيصدق بسهولة أنه مسلم هارب؟ بالطبع أمر لا يقبله الصغير قبل الكبير، لكن لا حل أمام حكمة وخديجة سوى إجبار الفتى على تقبل الحقيقة رغمًا عن أنفه. انتهى الحفل الصغير، وقد قسموا قالب الكعك بالتساوي، وقد التهمه طارق بسرعة وشرب العصير باستعجال، حتى يفتح هديته الغامضة، وما أن انتهى حتى وضع الطبق والكوب على الطاولة قائلاً بحماس وهو يصفق: لقد انتهيت وقت الهدية الآن! ضحكت كل من المرأتين تركن أطباقهن، وأخبرت خديجة حكمت بأن تحضر الهدية، وقد دخلت غرفتها، وخرجت وهي تضع علبة كبيرة خلف ظهرها قائلة بمرح: أغمض عينيك يا بطل. انصاع اخيلا للأمر، وأغمض عينيه ثم فتحها عندما مدت حكمت العلبة أمام وجهه قائلة: افتح عينيك. وبالفعل فتحها ببطء، ولكن اتسعت حدقتاه بدهشة، وهو يرى كُبر تلك العلبة، وقد وضعها على ساقيه بسرعة، وقد أخذ في فتحها، ثم شهق ببهجة وصرخ بمرح، وهو يمسك بصنارة الصيد والأدوات الخاصة بالصيد، ثم صاح بمرح، وهو يتفحص الأغراض قائلاً: شكرًا... كما تمنيتها بالضبط شكرًا لكم. أقبلن عليه المرأتين وعانقته حكمة؛ ومن ثم خديجة التي جلست على الكرسي جواره، وربتت على كتفه بهدوء قائلة: كل عام وأنت بخير يا طارق خالد محمد! اتسعت حدقتا طارق بدهشة، وهو يبدل الأنظار بين والدته، وحكمت غير مصدق لما قالته أمه الآن وكأنه في حلم، لقد نعتته باسم من هؤلاء الهمج البربر المتوحشين الذين سلبوا بلاده من أجداده قرابة الثماني مئة عام، وأجبروا أهلها على اعتناق دينهم، وقتلوا ملوكهم، وكل عام في الثاني من يناير يحتفل أهل إسبانيا بذكرى طرد هؤلاء الوحوش السفاحين من البلاد وعودتها إليهم مجددا وكم الخذلان والخزي الذي أحاط بهم بعد خروجهم من إسبانيا وعليه أن يسكت عن ما قيل هذا أمرا دُبر بليل ولا سكوت عنه أبدا! ترك اخيلا الصندوق على الأرض، والتفت إلى خديجة قائلاً بدهشة وحدقتاه متسعتين على قدر استطاعته: أمي ماذا تقولين؟ أنا أخيلا لست طارق ذاك إذا علمت الكنيسة بما قلتيه فسيغضبون عليكى. سحبت خديجة نفساً عميقاً، ثم زفرته بهدوء قائلة _وقد تذكرت كم كانت حكمة عنيدة مثله الآن عندما علمت، وقد اتخذت نفس أسلوب الهدوء لا الهجوم، حتى لا ينفر منها _: ابني طارق لقد بلغت الرابعة عشر من عمرك، وفي قانون بلادنا يحق لنا ترك إسبانيا والسفر خارجها عند ذلك السن، أنت مسلم يا طارق وأباك مسلم وأنا خديجة مسلمة، وحكمت أختك مسلمة... جديك مسلمان، عائلتنا كلها مسلمة. قفز طارق من فوق الكرسي مثل الفرقة لوز، ونظر إلى حكمت قائلاً بدهشة وهو لا يصدق ما يحدث من حولها وما يسمعه، وقد تشوش عقله: جوليانا قولي شيئًا ما الذي تقوله أمي؟ أرجعت جوليانا شعره متمردة خلف أذنها قائلة بهدوء هي الأخرى لتسيطر على الموقف: أخي أمي تقول الحقيقة، تذكّر عندما أخبرتك وأنا مريضة أن عند بلوغك الرابعة عشر ستكون رجلاً صلبًا بحق، حياتنا كانت كذبه حتى لا نموت، وتلك الحقيقة نحن مسلمون يا طارق، ولكن بسبب سياسة بلادنا التي لا تسمح إلا بالكثلكه قد أجبرنا على إخفاء إسلامنا حتى لا نموت، الأمر غريب وقاسى، لكن تلك الحقيقة يا أخي، ألم تتساءل لما أمي تبكي عندما تذهب للكنيسة لأنك مسلم، وماذا نفعل في السرداب نصلي لله ونعبده، نحن لسنا كما تعلمت طوال عمرك نحن مظلمون، نحن لسنا وحوشًا يا أخي. ثم اقتربت منه حتى تمسك يده، لكنه اندفع من مكانه ناحية غرفته، وقد تلألأت عيناه بالدموع قائلاً بضياع وتشتت، وقد تثاقل عليه التفكير، وبدأ يصدق القليل من كلامها: اتركوني وحدي دعوني وشأني ابتعدوا. ثم فر إلى غرفته بسرعة، وأغلق الباب بقوة مصدرًا صوت ارتطام عال وقوى أصم آذان الجميع، وقد أغلقت حكمت عينيها بقوة، وزفرت خديجة بضيق، ووضعت يدها على جبهتها تفركها بإرهاق قائله: اتركيه يا حكمت مع مرور الوقت سيقتنع، أنتِ كنتِ مثله لم تقتنعى بسهولة، وأنا أيضًا كذلك لقد مر من عمره الكثير وهو مخدوع في حياة معينة مستحيل أن يصدق تلك الحقيقة بسهولة، ولكن سيقتنع إن شاء الله. هزت حكمت رأسها بالموافقة، واتجهت إلى الطاولة تلملم الأطباق قائلة بإرهاق وحزن على إفساد فرحة ذلك الصغير بأدوات الصيد الذي تمناها كثيراً: إن شاء الله يا أمي إن شاء الله. --------------------------------------------------------------------------------------- "آه! اترك يدي على رسلك أنا لن أهرب، هل أنا خروف أمامك؟ لا تجرني!" كان هذا صياحاً أقرب إلى مشاجرة وصراخ خرج من فم كاترينا التي كانت عائدة من أحد مراكز الشرطة في المساء بعد أن تأكدت أن ابنها قد غرق في نوم عميق، ولن يفيق من إرهاق اليوم في العمل والدراسة في الكنيسة، فمن سابع المستحيلات أن يشعر بخروجها أو دخولها من وإلى البيت. ولكن ماذا عسيٰا أن أقول سوى أن سوء عملها وقبح فعلها قد بدأ يجذبها ويجرها ببطء إلى بناء أول الألواح الخشبية في نعشها، وباتت نهاية الواشي والظالم قريبة، قد يظن البعض أنني أهوى أو أنطق بما لا يعقل أو يصدق، لكن صدقوني كلما ضاق المخرج، وتعقدت الأمور، وشعرنا أن الهلاك قادم لا محالة فاجأنا ربنا ورب محمد وعيسى وموسى _صلوات الله عليهم وسلامه _ بفرج غير متوقع وكأنه المطر المنتظر بعد جفاف ومجاعة واقعة لا محالة. ظلت كاترينا تصيح وتقاوم ذلك الرجل قوي البنية الذي كان يجذبها من ذراعها بقوة وعنوة إلى تلك العربة الخشبية التي تصرخ بالثراء والبزغ سواء من تصميمها أو فقط زي قائدها اللامع أو لجام الفرس المُرصع بالأحجار الكريمة، وقد رممت مرات عديدة لتتساءل في داخلها لو هذا المظهر الخارجي، فما بلكم بصاحب العربة؟ وبالفعل لم يستمر تسائلها، ولم تدُم حيرتها طويلاً عندما أجبرها ذلك الرجل قوي البنية ضخم الجثة على الصعود إلى العربة، وقد ركبت بالفعل، ولم تكف عن الثرثرة والوعيد الذي لن تحقق منه شيئًا. جلست على المقدم المُقابل لصاحب العربة الذي كانت رأسه مختفية في الظل سقف العربة، وكان يرتدي زياً جلدياً باللون البني الفاخر وحذائه ذو الجوارب الطويلة، وقد تحدث بهدوء ورزانة، وهو ينظر في ساعته الذهبية قائلاً: لماذا كل تلك الضجة يا كاترينا الناس نيام؟ صاحت في حنق، وهي تُشير إلى ذلك الرجل الذي كان يسحبها عنوةً قائلة بصوتها الحاد المؤلم للأذن: هذا الرجل أنظر يجرني خلفه مثل الخروف، ولا يخبرني إلى أين سنذهب حتى، وأحدثه ولا يرد على ما هذا بحق يسوع؟! ابتسم ذلك الرجل صاحب العربة قائلاً بهدوء من بينه تلاعب بالحديث وخبث وسخرية: اعذريني سوف أعين حراساً يعرفون كيف يتعاملون مع النساء جيدًا... ثم ضرب بعكازه الخشبي _وغرضه الزينة لا التعكز عليه _بخفة على الأرض قائلاً: لقد سمعت الكثير عنكِ يا كاترينا وكم أنكِ امرأة مخلصة للدولة وللكنيسة وليسوع الرب؛ ولهذا أنا اخترتك وأريد منكِ خدمة صغيرة. ثم أشار إلى الحارس بأصابعه بمعنى اقترب أو هات ذلك الشيء، وقد أخرج ذلك الحارس كيساً جلدياً مليء بالذهب، وقذفه إلى كاترينا التي التقطته بسرعة وفتحته، وقد سال لعابها، ولمع مع لمعان الذهب على ضوء القمر قائلة، وهي تغلق الكيس، وتخبئه في صدرها بدونية ووضاعة: أنا تحت أمرك، ما الأمر؟ ابتسم ابتسامة جانبية خبيثة تنم على مكنون الشر والحقد داخله قائلاً: فضيحة، أريد فضيحة، جوليانا ابنة أندرو الحداد وإليزابيث أريد منكِ أن تجعليها لا تخرج من بيتها اجعلي سمعتها أسوء من ممسحة الغائط ولكِ أن تحقق الأمر ضعف ما معكِ، ماذا قلتي؟ حكت كاترينا، وجنتها بتفكير، وقد جاءتها فرصتها لتقضي على أسطورة إليزابيث الأمينة وابنتها على طبق من ذهب لتهز رأسها بالموافقة، وعلى شفتيها ابتسامة قذرة قائلة: اعتبر أن جوليانا قد دُفنت حية، ولكن اعذرني من أنت يا سيدي؟ أخرج ذلك الرجل رأسه من ظل العربة أخيرًا، وقد ظهر وجهه لينظر إليها بعينيه الخبيثة والمخيفة قائلاً بنبرة غريبة وهادئة تصيب بالرعب: السيد بلايو!