وسقطت حكمت - الفصل 14 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 14

الفصل 14

قد عدنا الآن إلى الحاضر وأرض الواقع وذهب الماضي مع الذاهبين وفنيي مع الفانين، ولكن هناك من تعلق قلبه وعقله في الماضي، ولا يستطيع الهرب منه، وهناك من تمني الخير من رب الخير في القادم، وهناك من زاد حبه وتعلقه وعشقه بالآخر وهناك من زاد خوفه وهروبه من القادم المجهول، ولكن هناك تلك الفتاة التي كانت في غرفتها تتلحف ببطانية كبيرة وثقيلة، بالرغم من كونهم في نهاية الصيف إلا الشعور بالبرد يكاد يقتلها بسبب إصابتها بدور الأنفلونزا الخاصة بالصيف، وقد كان جبينها يتفصد عرقًا، بالرغم من أنها ترتعش بشدة من هذا الشعور بالبرد. وبالرغم من أن عافيتها ومناعتها جيدة الآن أن هُناك همًا أخذ يتسلل ببطء إلى قلبها وجسدها بسبب التفكير والقلق، ولم يرحم ضعفها، وأخذ ينفذ طاقتها بقوة بلا رحمة أو شفقة والآن فقط أدركت معنى كلمة أنهكه التفكير. وشعرت بوالدتها عندما كانت تمر عليها أيامًا ثقالاً من التفكير الذي كان يُلبسها ردا المرض والعجز، وينشر في قلبها اليأس، وفي بدنها الكسل. ولكن أنا أريد أن أضيف على كل هذا خوفًا ما يتردد في قلب حكمت يزيد حالتها سوءًا ومرضًا وهو خوف غير مبرر، لكن تشعر بأن شيئاً سيئاً سيحدث ولن تستطيع مواجهته سيسحب منها كل أملها وحياتها وعائلتها، ولم تستطع تفسيره أو معرفة سببه، لكنها على إيمان أن القلوب لا تخطئ أبداً. بدلت خديجة ملابسها، وقد جهزت بعض الأغراض التي طلبتها مارلين وبعض الأدوات والتصميمات الخاصة بفستان زفاف إيفا، وكانت تتمنى لو بيدها أن تؤجل ذلك الأمر ليومين فقط، لكن لا يمكنها، وقد اعتذرت منهم الأسبوع السابق بسبب انشغالها طوال الأسبوع. تمنت لو مكثت مع جوليانا طوال اليوم، لكن ما باليد حيلة. دخلت غرفة حكمت، ومن خلفها طارق الذي قد ساعد السائس، ووضع الأغراض في العربة، وجاء ليخبرها أن السائس يستعجلها، لكن وقف قليلاً، وهو يرى خديجة التي أخذت تتحسس حرارة حكمت وتعطيها كوب الليمون قائلة، وهي تمسح على شعرها بحنان: سأذهب ولن أكثر هناك، وسأعود بسرعة فقط ارتاحي أنتِ. تمسكت جوليانا بيد خديجة قائلة برجاء: أمي أرجوك لا تذهبي ابقي معي. ربتت خديجة على كف جوليانا قائله بحنان وهدوء: جوليانا ابنتي لقد كبرتي على تلك الأفاعيل أخبرتك أني لن أكثر، نامي وعندما أعود سأيقظك. ثم ساعدتها على التمدد ودثرتها جيدًا غير ملاحظة لدموعها التي تهبط بغزارة وبلا توقف، ثم التفتت إلى طارق قائله: راعى أختك حتى أعود ولبى احتياجاتها، اتفقنا يا بطل؟ هز اخيلا رأسه بالموافقة، وسار خلفها قائلاً، وهم على أعتاب باب البيت: لا تقلقي يا أمي سأهتم بجوليانا جيدًا. قبلت خديجة رأسه، وربتت على وجنته قائلة بحنان: هذا هو بطلي هيا لا تترك أختك أنا سأغلق الباب. امتثل لأمرها، ودخل إلى غرفة حكمت وجلس على السرير جانبها قائلاً، وهو يمسح دموعها بأصابعه بقلق: أختي لماذا البكاء؟ هل هناك شيء يؤلمك؟ تقلب على الجهة الأخرى من السرير معطية ظهرها إلى أخيلا، ولم تستطع الإجابة عنه فقط اكتفت بالبكاء، وقد هزت رأسها بالنفي وبماذا ستخبره أصلا؟ وهي لا تفهم لِمَ ذلك الشعور المر والمؤذي كالعلقم يراودها الآن، ولكن أكثر ما يخيفها هو أن إحساس القلوب لا يخطئ أبدًا_ فالحق -سبحانه وتعالى- جعل القلوب كأجهزة الإنذار، فعندما يرتكب العبد ذنبًا يؤنبه قلبه، وعندما يخطئ في حق أحدًا يؤنبه قلبه، وعندما يقترب الخطر ينقبض قلبه، وعندما يقبل على الخير ينشرح قلبه، فسبحان من خلق ذلك القلب الذي صوته أشدّ وطئتًا من أي صوت تأنيبا أو توبيخ_. لف أخيرا حول السرير، وجلس إلى جوارها، وأخذ يمسح دموعها قائلاً باهتمام: جوليانا أخبريني بما يحزنك وأنا سأهتم بالأمر. مسحت حكمت دموعها بظهر يدها، واعتدلت في جلستها بعد أن ساعدها أخيلا، ووضع وسادة خلف ظهرها، ثم أمسكت المنديل تمسح أنفها المذكور، وشربت الماء حتى هدأت قليلاً، ثم نظرت إلى أخيها، وأخذت تتحدث معه بنبرة غريبة عنه، وكانت تلك أول مرة تعتبره فيها جوليانا رجلاً كبيرًا، وقد تمسكت بيده بقوة قائلة: أخي بعد عدة أيام ستبلغ الرابعة عشر أنت في هذا السن أصبحت رجُلًا بحق لم تعد ذلك الصغير الذي ندلله أو الصبي الذي نضربه، بل صديق لي ولأمك وحماية لنا، أنا قلبي يؤلمني يخبرني أن شيئًا سيئًا سيحدث لي لن أكون معكم، أنتظر لا تقاطعني، أحيانا يكون إحساس خاطئاً، لكن أنا فقط أريد منك أن تعرف أنك ستتحمل المسؤولية ستكون رجلاً صلبًا في الصعاب، وحنونًا على أمك وزوجتك وذئبًا في وجه الأعداء وأخا لي ورجل حكيم في أفعالك وأقوالك، قد ننفصل عن بعض في أي وقت، وهذا شيء بيد الرب ليس بيدي، لكن إن حدث أريدك أن تعلم أني أحبك كثيرًا يا أخي، وأحب أمي، وأريد منك أن لا تنساني من دعائك، وتحكي عني لأطفالك، وأخبرهم أنني رحلت وأنت فخور بي اتفقنا يا بطل. مسح اخيلا عينيه من تلك الدموع المتحجّرة المزعجة، وبلل شفتيه وهز رأسه قائلاً، وهو يعانقها بقوة: أطال الرب في عمرك يا أختي، لا تقولي هذا أنا لن أنساك أبدًا ما حييت وسأظل فخورًا بكى طوال عمري، ولن ننفصل عن بعض أبدًا. ربتت على ظهره بحنان، وأخذت تمسح على شعره بهدوء، وقد ألفت هذا العناق الذي لمحت به لأمها في الصباح، ولم تفهمه، وقد جاءها ما تمنته فقط عناق صادق يخفف عنها ذلك الكمد الذي يلتهم قلبها بوحشية وبلا رحمة. ولكن كسر جمال تلك اللحظة الدافئة، وتلك الراحة والعاطفة صوت طرق الباب العالي ليترك اخيلا أخته وهو يهرول إلى الباب في اعتقاد أنها أمه، لكن تلاشت ابتسامته وحماسه بقوة، وحل موضعها الدهشة عندما وجد طارقًا لم يكن يتوقعه إطلاقا. --------------------------------------------------------------------------------------- "يا أمي لا أريد العسل أنا لا أحبه... ابتعدي كرامة للعذراء" كان هذا صياح بلايو في غرفته منذ أن عادت مارلين إلى عافيتها، واسترددت صحتها وهي على هذا العهد أن تعطي كل أطفالها ملعقة عسل كل صباح كما أخبرتها جوليانا عن فوائد العسل التي لا حصر لها، وقد لامت نفسها كثيرًا على أنها لم تكن تعرف شيئاً عن هذا السلاح الجبار الذي يقي من مختلف الأمراض، وقد كانت على العهد أن تعطي نفسها وطفليها ملعقة عسلاً. صاحت مارلين بغضب أمام بلايو الذي قلب عينيه في السقف بضيق وجز على شفتيه بضيق قائلة: لا يوجد شيء اسمه لا أريد ستأكل العسل الآن، أتظن نفسك كبرت علىِ؟ ثم مدت يدها بالملعقة بالإكراه ناحية شفتيه، وقد امتثل لأمرها، وأخذ العسل ومسح شفتيه بضيق عندما غادرت والدته، وأخذ يشرب قنينة الماء كلها حتى يخفى مذاق السكر وما أن انتهى حتى زفر أنفاسه بقوة وحنق قائلاً: عليك لعنة الرب يا جوليانا منذ أن دخلت حياتي، وقد قلبتها رأسا على عقب. ولكن في الغرفة المجاورة كان حنا يضحك بشماتة وسخرية على تذمر بلايو وإكراهه على تناول العسل، ويحمد الرب ألف مرة على أن مارلين قد استعادت صحتها، وألجمت جموح بلايو الذي لا يلجمه أحد سوى أمه. جلس حنا على طرف السرير يرتدي حذاءه العسكري ذا الرقبة الطويلة باللون الأسود عندما دخلت مارلين غرفته قائله بود: صغيري حنا افتح فمك هيا. تناول حنا محتويات الملعقة، ومسح شفتيه بعدها، وأمسك يدها يقبلها قائلاً بمرح: ما هذا الصباح الجميل؟ عسل يطعمني العسل! ابتسمت مارلين حتى بانت نواجذه، ثم جلست على السرير إلى جواره قائلة بحنان: الشكر للرب على عودتك سالمًا معافى لنا أنت لا تعلم كيف كانت حالتي كنت أموت من الخوف عليك، وعلى فقدانك يا صغيري. احتضن كتفيها، وضمها إلى صدره، ثم قبل رأسها قائلاً بهدوء: آه يا أمي! لقد عشت في رعب أكبر وأنتِ مريضة، لكن الشكر للرب. ثم ربت على كتفها، وابتعد عنها قليلاً قائلاً باهتمام: أمي أنا أريد أن أخطب فتاة، وأريد منكِ المجيء معي. ابتسمت مارلين ببهجة بالغة، وأمسكت يد حنا بيدها المليئة بالتجعيد، واعتدلت في جلستها وهي تعدل فستانها الأرستقراطي الرمادي قائلة بابتهاج: حقًا يا حنا! بالطبع يا بني سآتي معك من هي تلك الفتاة؟ أخفض حنا رأسه، وتلاعب بأصابع مارلين بهدوء، ثم نظر إليها قائلاً بهدوء: جوليانا يا أمي، أرجوك لا تعترضي، لقد عاينت جوليانا وعشت معها وأنتِ بنفسك اختبرتا معدنها وأخلاقها أرجوكِ يا أمي أنا أحب جوليانا، أحبها كثيرًا ولن أجد راحتي إلا معها فقط طاوعينى. أمالت مارلين رأسها بتفكير وهي بحق تفاجأت ولم تتخيل إطلاقًا أن جوليانا هي المختارة والمنشودة من قبل ابنها، ولم تتخيل أيضًا أن حنا غارق إلى قمة رأسه في حب تلك الفتاة، وبالرغم من تعدد محاسنها، إلا أن كل ما يهمها في نهاية الأمر هو راحة ابنها وصغيرها. ربتت مارلين على وجنته قائلة بعقلانية وهدوء: لا مشكلة عندي فقط ننتهي من عرس إيفا، وأتى معك وأطلبها لك. ثم وقفت قائلة، وهي تهم بالخروج: هيا أنهى ارتداء ملابسك حتى لا تتأخر على العمل. لثم حنا يدها قائلاً ببهجة وصدق: شكرا يا أمي. ربتت على كتفه بهدوء، وأخذت تدعوان له براحة البال والسعادة، حتى خرجت تاركة إياه يُرفرف قلبه من السعادة والفرح، ثم وقف أمام مرآته التي امتدت بعرض الحائط يصفف شعره، ويعقده برباط الشعر على هيئة ذيل حصان، وقد نظر إلى لحيته التي ازداد طولها بضيق، وقد سحبت جوليانا كل ما تبقى من تفكيره وعقله، واسخلصته لنفسها واستأثرته لها وحدها، ولكن يا مسكين تزعجك لحيتك المتطاولة غدًا سيزعجك نسيان الكثير من الأمور كلما ازداد حُبك، وتعلُقك بتلك التعيسة وأكثر ما يثير حنقه هو أنها لم تأخذ له موعداً مع إليزابيث بعد طوال الأربعة أشهر الماضية. زفر أنفاسه بضيق، وهو ينظر في ساعته الذهبية، وقد اقترب موعد عمله ولا وقت الآن لتهذيب لحيته، وضع ساعته في جيب زيه العسكري، وسلاحه الناري في محفظته بخصره وسيفه في الناحية الأخرى، وارتدى قبعته، وقد هم بالخروج وبالفعل فتح الباب، لكن استوقف مسيرة صوت إليزابيث _خديجة _التي كانت تتكلم مع والدته وريموندا زوجة أخيه في مواصفات فستان زفاف إيفا، لكن أكثر ما لفت انتباهه، وأثار حزنه هو قول إليزابيث بأن أخيلا في البيت بجانب جوليانا لأنها مريضة، ولا تقوى على الحراك من الفراش. أغلق باب غرفته بسرعة، واختبأ خلفه عندما صعدت النساء إلى غرفة إيفا وما إن رحلة، وتأكد من إغلاق باب الغرفة، حتى خرج بهدوء من دون إحداث أي ضجة، ونزل على السلم بسرعة ناحية العربة غير منتبه إلى بلايو الذي كان يجلس في الصالون وبين قبضة يده كتابًا ما وكأسًا من النبيذ الأبيض العتيق، وقد هز بلايت رأسه بيأس هو يرى حالة أخيه في الفترة الأخيرة من تخبط وتيه وسرحان في أفكاره الخاصة وكأنه انفصل عن الواقع والعالم إلا من جسده الذي يتحرك به مثل الأشباح وهو نقطة الوصل الوحيدة بينه وبين عالمه الخاص، ليزفر بلايو قائلاً بحنق وضيق، وهو يقلب صفحات الكتاب: عليك غضب الرب يا جوليانا. صعد حنا إلى عربته، وقد تحركت العربة، ولكن إلى منطقة أخرى غير مخفر الشرطة، بل إلى بيت جوليانا. ستقولون جنون وهو بالفعل كذلك جنون، ولكن مع عاشق محموم مثل حنا لا يوجد شيء اسمه جنون! استوقف السائق في مواطن عدة، حتى يشتري بعض الأغراض المختلفة من الخضراوات والفواكه والطيور الحية واللحوم وبعض الأعشاب القليلة التي يفهم فيها، ويعلم أنها مفيدة للإنفلونزا، وقد امتلأت العربة على بكرة أبيها إلى جواره بالحقائب والأغراض. وعادت حنا أن يتسلل مثل الفأر إلى جوليانا كلما تمنّى وأراد رؤيتها تسلل تلك المرة خلف السائق بعد أن صف العربة في مكان بعيد وسبقه بالحقائب، ثم جاء حنا، وقد وقف أمام الباب الخلفي يطرق عليه مرات عديدة بلا صبر، حتى فتح له اخيلا، ولكن اخيلا لم يسمح له بالدخول، وظل واقفًا أمام الباب مثل الحائط، وهو يتبادل أنظاره المُندهشة مع أنظار حنا الباردة لعدة ثواني، حتى تحدث حنا قائلاً لذلك الصبي الذي يصل بالكاد إلى مرفق ذراعه بهدوء: أريد أن أدخل. رفع اخيلا كتفيه بلا مبالاة قائلاً ببرود: أمي عندكم في المنزل لا يمكنك الدخول. نزع حنا قبعته العسكرية واضعًا أيها أسفل إبطه، وأرجع بعض الخصلات المشعة من شعره إلى الوراء قائلاً، وهو يتنفس بهدوء حتى لا يغضب فلا صبر له مع الأطفال: أعلم يا بطل، لكنني جئت للاطمئنان على جوليانا أريد رؤيتها. هز اخيلا رأسه بالرفض القاطع قائلاً بعناد: أعذرني لكن لا يوجد أحد كبير هنا، ولا يوجد داع لرؤيتها عندما نصبح أقرباء تعال، لكن الآن لا، أو أحضر معك أحداً كبيراً. تقلصت عضلة صغيرة بجانب فكه لتدل على أنه يطحن أسنانه قائلاً بغضب لم يعد يستطيع السيطرة عليه: أخيلا! لا وقت لهذا العناد. انتفض أخيلا، واهتز كتفيه برعب عندما صرخ حنا في وجهه، وتمسك بعناده أكثر، وكاد أن يغلق الباب قائلاً: لا يوجد أحد اسمه جوليانا هنا. ولكن قبل أن يغلق الباب قد دفعه بيده، وتخيلوا معي فرق القوة والقدرة البدنية بين الاثنين، وانتصر حنا دون عناء ليرتد اخيلا عدة خطوات للوراء، وهو ينظر إلى حنا بغضب، وقد التحم حاجبيه بضيق، ولكن حنا امتص غضب الموقف بهدوء. جلس حنا القرفصاء أمام اخيلا، حتى يصبح في مستوى طوله، وأمسك بكتفي أخيلا، وزفر أنفاسه بهدوء قائلاً بعقلانية وصدق: اخيلا صدقني أنا أحب جوليانا وأريد الزواج بها، وسأتقدم لطلب يدها حالاً لو أن الخالة إليزابيث هنا، صدقني أختك باتت هي حياتي كلها وهمها همي، وراحتها راحتي وعائلتها عائلتي، أنت في مثابة ابن لي لو تزوجت في سن أصغر لكان ابني في مثل عمرك، أنا لن أزي جوليانا ما حييت، بل سأكون حماها وهي سكنى وسكوني، فلا تمنعني من رؤيتها والاطمئنان عليها أرجوك يا أخيلا. طأطأ اخيلا رأسه لأسفل بتفكير، وأخذ يعبث في طرف ثوبه، ثم نظر إلى حنا لدقيقة بتفكير، ثم هز رأسه قائلاً، وهو يرفع سبابته أمام وجه حنا: موافق لكن بشرط لا تطل المكوث فقط خمس دقائق. هز حنا رأسه بالقبول، واعتدل في وقفته، وبينما أخيلا يغلق الباب قد خرجت جوليانا من الغرفة ترتدي فستان النوم، ومن فوقه وشاح أبيض، وغطت شعرها بإيشارب صغير، بينما كانت تستمع إلى تلك المُشادة الكلامية الصغيرة قد عزمت على فض الاشتباك، لكن سرعان ما فُض الاشتباك من تلقاء نفسه، ولكن وجود حنا هنا وحده وعدم وجود خديجة في البيت هذا مُصيبة واشتباك آخر لا يُفض بمجرّد الكلام. أسرع أخيرا في مشيته، واقترب من جوليانا وأمسك يدها قائلاً بهدوء وتحذير: أختي فقط خمس دقائق. ثم رمق حنا بنظرة ناريّة كرجل اشتعل رأسه شيبًا، وهرم حتى أكل الزمان عليه، وشرب وكأن أفاعيل وألاعيب الشباب قد مرت عليه، وحفظها عن ظهر قلب قائلاً: ليس كل ما يُقال يُصدق حتى يحدث، يهوذا باع المسيح ببعض الفضة، وقد كان يدعى محبته. ابتسمت حكمت بإرهاق، وربتت على وجنة اخيلا قائله بود: لا تقلق يا عزيزي السيد حنا سيقول ما يريد ويرحل لن يفعل شيئاً. ثم نظرت إلى حنا قائلاً بنبرة فهمها حنا أنها تريد تهدئة الأجواء: أليس كذلك سيد حنا؟ آمال حنا رأسه بالموافقة قائلاً: بالطبع ثم تابع باهتمام قائلاً: لقد علمت أنكِ مريضة، وجات الاطمئنان عليك، كيف حالك الآن؟ سعلت قليلاً قبل أن تجيبه ثم أعطاها أخيرا بعض الماء لتشرب قائلة: أنا بخير لا تقلق، لكن مجيئك هنا خطأ كبير لا تكررها. رفع حنا كتفيه بلا مبالاة قائلاً ببرود تام: ليس ذنبي أني أريد الاطمئنان عليكِ، لقد أخبرتك أن تأخذي لي موعداً مع السيدة إليزابيث وأنتِ لم تفعلي، أنتِ المخطئة لا أنا. زفرت أنفاسها بقوة، ومسحت أنفها بالمنديل، ثم نظرت إلى تلك الحقائب الموجودة على الأرض، وتلك الدجاجة والبطة الأحياء، وقطبت جبينها قائلة بدهشة، وقد اتسعت حدقتاها: هل جُننت ما كل هذا؟ ارتدى قبعته العسكرية، واقترب من الباب حتى يخرج قائلاً بهدوء: شيء بسيط يا جوليانا فقط اهتمي بنفسك، إلى اللقاء. ثم خرج وأغلق الباب من خلفه تاركًا كلاً من جوليانا وأخيلا ينظرون إلى بعضهم البعض بدهشة من أفعال ذلك العاشق غريب الأطوار والأفعال، وقد نطق اخيلا بتلقائية، وهو ينظر إلى أثر حنا في الهواء: هذا بالتأكيد مجنون. هزت حكمت رأسها بالموافقة بكل ثقة: بالطبع مجنون. ثم نظرت إلى تلك الحقائب قائلة بحيرة: ماذا سنفعل في تلك الحقائب. رفع اخيلا رأسه، ونظر إليها ورفع كتفيه قائلاً في حيرة، وقد مط شفتيه: لا أدري لكن أمي يجب أن تعرف بما حدث اليوم لن نخفي عليها شيئًا هي ستتصرف. جلست حكمت على أقرب كرسي، ونظرت إليه قائلة، وهي تهز رأسها بالموافقة: معك حق يا أخي، أترك كل شيء كما هو حتى عادت أمي. اقترب منها أخيلا، وربت على كتفها قائلاً بعقلانية ونبرة رجل عاقل لا طفل في عمره الأولاد: لا تقلقي أختي أنا سأخبر أمي أن اقتحم المنزل، وأنه لا ذنب لكي لا تخافي أنا معك. ابتسمت حكمت بهدوء، وربتت على وجنته قائلة بحنان: باركك الرب يا أخي، وأدامك في حياتي، صدقني أنت رجلي وحمايا الوحيد في الدنيا بعد رحيل أبي. ضيق أخيلا عينيه قائلاً بخبث: والسيد حنا أليس كذلك أيضا؟ فرضت حكمت أذنه بسرعة قائلة في غيظ ونوع من التربية في صورة مرح، حتى لا يكرر كلامه مجددا: أيها الوغد الصغير تأدّب. ثم تركته وهو يمسح أذنه المحمرة بألم، ورفعت ساقيها على الكرسي قائلة بإرهاق وأمر: أحضر لي البطانية من الداخل هيا. --------------------------------------------------------------------------------------- "وهذا التصميم كم مترًا سيحتاج من القماش؟" تفوهت ريموندا بتلك الكلمات عندما اختارت أخيرًا إيفا بعد عناء وعذاب تصميم لفستان الزفاف باللون البيج الأقرب للون السكر _وقد كانت تلك هي موضة الأزياء وفساتين الزفاف قبل أن تبتكر الملكة فيكتوريا فستان الزفاف الأبيض، وتنتشر تلك الموضة في جميع أنحاء العالم _ اعتدلت إليزابيث في وقفتها بعد أن كانت تأخذ مقاس خصر إيفا، ثم أخذت تدونه في دفترها الصغير قائلة بعملية: على الأقل عشرة أمتار؛ لأن به عدة طبقات وزينة وغيره، فسيكون ثقيلاً قليلاً. هزت ريموندا رأسها بالموافقة قائلة: حسنا ستاتين معنا عندما نشتري القماش رجاءً. وضعت إليزابيث أدواتها في حقيبتها الصغيرة، وهزت رأسها بالموافقة قائلة: تحت أمرك سنيورة، وفي أي وقت تختارينه، فقط اعذروني لقد تأخرت وكما تعلمون جوليانا مريضة قليلاً. امتثل الجميع لها العذر، وأشارت إليها ريموندا ناحية الباب قائلة: لا مشكلة، عفاها الرب. _ لكن مارلين لم تكن معهم في هذه الغرفة بعقلها ولا حتى بنصفه، بل كانت حاضرة بجسدها فقط وعقلها في ما قاله حنا قبل قليل واختياره لجوليانا وحبه لها الذي صرح به دون تردد أو خجل، بل وكأنه أمر واقع يجبرها على تقبله، ولا يحتاج سوى تلك الإجراءات الرسمية للزواج بها، ولكن هي عكس بلايو لا تأخد الأمور بشخصية وحساسية، بل تدرس الأمر جيدًا، فإذا نظرت إلى مزايا جوليانا فهي كثيرة، ويفكر كيف عالجتها وعالجه ابنها، وذلك الأجر الزهيد الذي أخذته في علاجها ورفضها أخذ الأجر في علاج حنا، مهذبة ومثقفة وودودة، يكفي أنها تعرف أهلها منذ أن كان والدها يعمل عند زوجها، وأمانة والدتها ومهارتها التي أقسم الجميع بها عندما شاهدوا فستان إيفا في حفل الخطوبة، ولكن العيوب مُعيقة وأول عيب فارق السن هي لا تنكّر أن فارق السن أمر شائع في الزواج وهي قد كان الفارق بينها وبين زوجها الراحل خمسة عشر عامًا، لكن جوليانا تربت في وسط وطبقة وبيت معين يختلف عن تربية وبيت وطبقة حنا تمامًا، وقد لا تتأقلم معه، وتفهم عقله وطبعة وغير هذا هي امرأة تجاوزت السبعين، وتفهم وتعي ما يحدث حولها وأول شيء كره بلايو لجوليانا الغير مبرر وخلال الأيام التي كانت تعالجها كانت تتعمد تجاهل بلايو وبالمثل هو، فإن كانت تريد الراحة لابنها، فهي أيضًا لا تريد أن يخسر الأخ أخاه، وترى البغضاء والمشاحنة بينهم في آخر عمرها _. ثم تحركت معها إيفا ناحية الباب قائلة، وهي تقف في الرواق أمام غرفتها تنتظر صعود الخادمة التي سترافق إليزابيث: أبلغي جوليانا سلامي. ابتسمت إليزابيث بود، وهزت رأسها بالموافقة قائلة: بالطبع سنيورة شكرا لكي ولذوقك. ثم هبطت مع الخادمة إلى العربة الخشبية التي تجرها الخيول، وأخذت تنظر إلى الحدائق الخضراء والقصور الأخرى في هذا الحي، وكل قصر أفخم وأروع من الآخر وكأن سكان الحي قد تصارعوا وتسابقوا على من صاحب أفضل قصر، وبات من الصعب التميز بينهم. تنهدت بهدوء، وهي تتابع الطريق، لكن قطبت جبينها بقلق ودهشة، وهي ترى أن السائق قد غير خط سير العربة بعيدًا عن الطريق المؤدي إلى الميادين العامة، وفي طريقها إلى البيت، وقد أوجست خيفة من أن السائس يريد بها شرًا وبالأخص أنها قد حصلت على مبلغ مالي جيد من ريموندا اليوم، وقد يكون طامعًا بهم لذلك حاولت عدم لفت الانتباه إلى خوفها وقلقها، وقد تمسكت بحقائبها، وفتحت النافذة الصغيرة التي في ظهر السائس في العربة، وتساءلت في محاولة أن تُظهر بعض هدوء قائلة: اعذرني، لكن هذا ليس طريق البيت. ضرب السائس الخيل بحبل اللجام قائلاً، وهو يزيد سرعة العربة: لا تقلقي سيدة إليزابيث السيد حنا يريد أن يتحدث معكِ في المقهى الذي يتردد عليه كدنا أن نصل. رفعت خديجة أحد حاجبيها دون الآخر بدهشة وتفكير، وقد أغلقت تلك النافذة، واعتدلت في جلستها، ولكن لم تطمئن، بل انفجر في عقلها ينبوع من الأفكار والسناريوهات التي لا حصر لها، وتدفق شلالاً عنيف من الأفكار التي لا حصر لها، وكلها تدور وتتمحور حول شيء واحد ماذا يريد؟! ولكن لم تطل حيرتها كثيراً، وقد أفاقت من غيبوبة التفكير، وخرجت من وحل الشرود عندما توقفت العربة أمام أحد المقاهي الراقية التي لا يدخلها إلا خواص الخواص وعليه العليا من أهل مدريد غير العاديين. نزلت من على سلم العربة، ووجدت نادل أدخلها إلى داخل المقهى، وقد وجدت حنا في انتظارها على إحدى الطاولات بيده كأس كبير من الجعة، وقد وضع قبعته العسكرية على الطاولة أمامه وما إن رآها حتى وقف احترامًا لها حتى جلست ثم جلس هو الآخر قائلاً، وعلى شفتيه ابتسامة هادئة قائلاً: أنا أشرب بيرة اطلُب لكِ قدحًا؟ هزت رأسها بالنفي قائلة بعملية: أشكرك لا أريد الآن، فقط أخبرني ماذا تريد؟ اعتدل حنا في جلسته، وشبك أصابعه قائلاً في هدوء: سيدة إليزابيث أنا أريد أن أتكلم معك في موضوع مهم، منذ مُدة وأنتِ تعرفين أني وعائلتي تعرفنا على جوليانا، وكم أُعجبت عائلتي بأخلاق جوليانا وثقافتها وتأدبها، وقد حاولت كثيراً فتح أبواب الحديث مع جوليانا لكنها كانت تتهرب مني خجلاً منى وخوفًا منك، ولكن بصراحة قد طال الوقت، وبات الأمر سيئًا حقًا، ومن دون أن أطيل عليكِ أنا أطلب منكِ يد جوليانا للزواج ما قولك؟