الفصل 12
شرع طارق في فتح الباب، ومن خلفه خديجة، وحكمت التان شعرن بقلق وبالأخص عندما كان الطارق يرتدي زياً عسكرياً، لكن من رتبة صغيرة، لكن صُعقت حكمت ودُهشت خديجة عندما تحدث ذلك الرجل قائلاً: من منكم السيدة جوليانا.
نظرت حكمت إلى خديجة التي نظرت إليها بوسائل، ورفعت كتفها وزمت شفتيها للأمام بمعنى لا أعلم ثم أشارت على نفسها قائلة: أنا جوليانا.
عدل ذلك الشاب حزام سلاحه الناري على كتفه الأيمن قائلاً بأمر وحزم: السيدة مرلين من قصر السيد بلايو مريضه، وقد أُرسلت بأمر من السيد بلايو والسيد حنا في طلبك لكي تُداويها.
نظرت حكمت إلى خديجة بتوتر جلي وواضح، وقد صارت نظراتها عن خديجة التي تحرقها بنظرات الفضول الآن متجهة إلى ذلك العسكري الصغير الذي بالفراسة لم يبلغ الخامسة والعشرون قائلة بوسائل: ألا يمكنها المجيء إلى هنا، و سارعها وأهتم بأمرها؟ أنا لا أذهب إلى المنازل للعلاج.
أمال حليق اللحية الواقف أمامها رأسه، ورفع كتفيه باستسلام قائلاً: إنها مصابة بالدمامل في قدمها، ولا يمكنها المشي.
عضت حكمت على شفتها العلوية بأسنانها وهي تُقلب الأمر في رأسها بتفكير، وأخذت تنظر إلى طارق الذي كتفاه بين يديها وظهره مقابلها، وينظر إليها بفضول، ومن ناحية أخرى خديجة التي تنظر إليها بنظرات الأمومة الفتاكة والشاملة المتفحصة، حتى تختبر ابنتها وردة فعلها، وقد رجحت أن حكمة ستقبل بالذهاب، وتكسر ما تعاهدت منذ زمن سمحت لها بالعمل وهو عدم الذهاب لأي بيت كان حتى ولو بيت خلانها بغرض العلاج مخافة الطمع بها بأي شكل كان أو أن يعترضها أي فرد كان سواء من جنود الكنيسة أو الفرنسيين أو بعض اللصوص أو أن يُكشف سرهم الأعظم والوشاة لا يوصون بشيء في مدريد فقط إن شممت أنوفهم رائحة المسلمين، فغدًا سنجدهم في حفلة حرق جماعي بقيادة وحضور الملك!
وبالفعل فكرت وقررت وعزمت أمرها لتسأل ذلك الشاب قائلة بتوجس: هل البيت بعيد عن هنا؟
"لا مسيرة نصف ساعة بالعربة والعربة في انتظارك بالخارج"
هزت حكمت رأسها بالقبول والموافقة قائلة على مضد: انتظرني سأبدل ملابسي.
ثم أغلقت الباب، واتجهت إلى غرفتها حتى تبدل ملابسها، ومن خلفها خديجة حكمت كانت أسرع، وأغلقت الباب بالمفتاح لتقف خديجة تحاورها وتناقشها قائلة بحدة، وهي تطرق على الباب بضيق: أنتِ يا حمقاء، من تلك مارلين ومن حنا؟ ومن بلايا هذا؟
نزعت حكمت فستانها، وألقته على السرير متجهة إلى خزانتها الصغيرة تبحث عن فستان آخر للخروج، وقد وجدت واحد باللون البني وقميصه أبيض وعليه مشد جلدي بني اللون، ثم بدأت ترتدي ملابسها قائلة بصوت عال نسبيًا، حتى تسمعها خديجة، وهي تقف أمام المرأة: عندما كنتم في مدريد كانت حفيدة السيدة مارلين مريضه، ودلها على أحد الناس، وقد مكثت يومين في البيت حتى برأت وعادت إلى بيتها.
وضعت خديجة يديها في خصرها قائلة بضيق وشك في مصداقية تلك القصة، وقد أخبرتها غريزة الأمومة وإنذار الكذب بأن تلك القصة مفبركة ومخلقة الآن وكيف لناس من شكل الحارس والعربة ينتمون إلى الثراء الفاحش بأن يأتوا لأحد أحياء مدريد المتوسطة لطلب العلاج من ابنتها وترك المستشفى الخاصة بالنُبلاء، ولكن فضلت أن تُجاريها حتى تصل إلى نهاية الطريق: ولماذا لم تخبريني؟
صاحت حكمت من خلف الباب، وهي تعقد شعرها أمام المرأة، وتضع غطاء الشعر قائلة: نسيت يا أمي، ليلة التفتيش أنستني الأمر.
ثم فتحت باب الغرفة أخيرًا، وهي تمسك حقيبتها التي بها أدواتها الطبية، وأمسكت يد خديجة تُقبلها قائلة بمرح: ابتسمي يا إليزابيث، وسأُحضر لكي حلوى التفاح وأنا عائدة.
صاحت خديجة بحدة، وضيق قائله وعينيها تُطلق شرارة غضب: جوليانا! سنتكلم عند عودتك لن يمر الأمر بسهولة، ثم تابعت قائلة بحزم، وهي تقف مقابلها وهي عاقدة ذراعيها: أخبريني الآن كم ستمكثين هناك؟
اتجهت حكمت إلى المطبخ الكبير، ومن خلفها خديجة التي اتكأت بكتفها على باب المطبخ، وهي تراقب ابنتها التي بدأت تعبث في الجزء المخصص بالأعشاب، حتى وجدت أوراق البلوط وبعض الأعشاب الأخرى والعسل الأبيض الجبلي وعسل الحنطة والزعتر قائلة، وهي ترتب تلك العلب في حقيبتها: على حسب يا أمي، هل الدمامل كثيرة؟ هل فُتحت وحدها أم لا؟ وهل نوع الدمامل حميد أم خبيث؟ وهل حالتها الصحية جيدة أم لا؟ كل هذا سيأخذ وقتاً طويلاً يا أمي.
ثم حملت حقيبتها الجلدية الكبيرة، ووقفت أمام خديجة قائلة برجاء وهي تُمازحها: أمي الجميلة أدعى لي أن يمر الأمر على خير، لأنه لو صار شيء للمرأة رأسي سيُعلق غدًا على مداخل مدريد.
على الرغم من ضيقها وحزنها وحالة الوجوم التي تلبستها من مدارات ابنتها لأمر كهذا بغاية الأهمية، إلا أنها عندما ذكرت الشر الذي قد تتعرض له حتى رقت الأمومة، وربتت على كتف ابنتها قائلة بضيق: حماك الله لا تقولي هذا، خذي أخيلا معك لا تذهبي وحدك.
ابتسمت حكمت بود، وقبلت رأس خديجة، ثم مدت يدها إلى طارق الذي قفز مثل النمر بسرعة وفرح، وقد هرول إلى العربة التي تنتظر ببهجة وهو ينظر إليها بدهشة، وكانت تلك أول مرة يركب بها عربة فخمة كتلك، وتظهر عليها علامات الثراء وأول علامة هي الجمة وزينة الخيل من الذهب والمقاعد الناعمة من القطيفة الحمراء المطرزة بخيوط من الفضة واتساعها الكبير من الداخل، وتلك الأبواب الخشبية التي أغلقت عليهم، وأخذ طارق ينظر إلى الطريق من خلف تلك النوافذ الخشبية المتشابكة والمتداخلة خطوطها الخشبية الصغيرة مكونة ما يشبه السلك العازل في عصرنا الحالي _لكن خشبياً لطيفاً يخفف حرارة الصيف، ويرفع الحرارة في الشتاء _ إلى الطرق الخضراء والمزارعة والشباب الأقوياء والفتيات اليافعات الذين يركبون الخيل والبعض يتدرب الفروسية بجميع أنواعها، وقد كان يُشير أخيرا إلى كل هذه الأشكال الجديدة والعالم الآخر المختلف عن رتم الحياة التقليدية التي يعيشون في كنفها منذ ولادتهم.
وأكثر ما أدهشه هو ذلك الشاب الذي كان يُحارب بالفأس ببراعة، وقد صاح قائلاً لحكمة وعينيه لم تحد عن الطريق: انظري جوليانا لقد قام بحركةً رائعة. ثم التفت إليها قائلاً: هل سأستطيع أن أمسك بالفأس مثله يومًا ما؟
احتضنت حكمت كتفيه بذراعها اليمنى، وأخذت تشرح له الأمر، وتُحدثه وهي تشير في الهواء بيدها اليسرى قائلة: بالطبع يا بطل فأنت ابن لأجداد عظام أحدثوا ضجة، وأرعبوا العالم وغيروا التاريخ بفرسانٍ شجعان، وستكون بمشيئة الرب فارس قوى تحميني وتحمي أمك وبلادنا من الأعداء.
ابتسم طارق ببهجة صادقة وعارمة لو شاء الله، وتحولت إلى ماء لأغرقت إسبانيا على بكرة أبيها، وقد تخيل نفسه الآن في معركة ما، ويقود الجيش ويركب فرسه ويبارز الأعداء، ويتفادى الضربات والطعنات كسائر شجعان وفرسان إسبانيا، لكن المسكين الصغير لم يكن يعي أن أخته تقصد فرسان من نوع آخر، _ فرسان تركوا النوم والراحة، وحملوا آمنة ورسالة ربهم من بعد نبيهم، حتى تصل إلى أقصى شمال الأرض وجنوبها، وأبعد غرب الأرض وشروقها، وقد كانوا رجالاً معتصمين بحبل الله، ولم يحيدوا عن أمر ربهم، وطاعة نبيهم كالبنيان الواحد، فها هو أبو بكر الصديق من صحراء العرب القاحلة والبيداء القاتلة والرمال العربية الذهبية قضى على الردة وجميع شمل المسلمين تحت لولاء لا إله إلا الله بقيادة أبي سليمان سيف الله المسلول، ومن بعده عمر الفاروق دكة خيوله معاقل قوم كسرى وقيصره ليأتي رسول الحامية الرومية مستأمنا وقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر، وقد أقبل على يده أهل مصر طالبين الأمان من بطش الروم، ومن بعده عثمان ذو النورين، وقد بلغت جيوشه السند، ودخلت السودان وليبيا والبلدان المجاورة في الإسلام والسلام بسماحة رجال كانوا خير صورةً للإسلام في التجارة، وحسن الخُلق والأمانة، ومن بعده قال باب خيبر علي بن أبي طالب الذي حارب الفتنة ومُشعليها، وفتح شرق الهند حتى استشهد وهو يصلي لرب العالمين، ومن بعده أول ملك في الإسلام خال المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب -رضي الله عنهما وأرضاهما- وقد قبضت الدولة الأموية في مجدها على بلاد الترك وشمال أفريقيا، ودخل الأمازيغ في دين الله والترك والصين والهند وخرسان وآسيا الوسطى وبقيادة موسى بن النصير والبطل طارق بن زياد، وفُتحت الأندلس "الله أكبر" فكانت نصرًا وهبةً من عند الله، ومر الزمان ونهض السلاجقة والعباسيون، وجاء أبو الأيوبيون البطل صلاح الدين، وأنقذ القدس العريق، وقد أقسم أن لا يبتسم حتى يرجع مسجد ومسرى رسول الله، ومن بعده قطز قاهر أسطورة المغول وهناك قبلهم ذلك القائد محمد ألب أرسلان في بلاد الترك والجوز، وقضى الله أن يحطم جيشًا من مئة ألف صليبي بجيش قوامه ثلاثين ألف مسلم، وهناك أرطغرل بن سليمان شاه بأني أول حجر في دولة حكمت العالم لألف سنة، ومن بعده المؤسس عثمان والغازي أورهان، وجاء الفتح العظيم على يد الفاتح محمد، وحقق نبوة رسولنا الكريم "لتُفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش جيشها" وهناك في الأندلس عبدالرحمن الأوسط الذي قطع نسل الفايكنج، وأسترد ما سلبوه من أموال الأندلس وخيراتها، وبالأسفل يوسف بن تشفين الذي أجل سقوط الأندلس لأكثر من أربع مائة عام، ومن بعده الموحدين والمرابطين، وهناك في روسيا أشعل ابن بطوطة شرارة الإسلام في قلب الروس برحلاته واستكشفاته، وفي الهند قامت الدولة المغولية المسلمة التي ازدهرت في عهدها التجارة والمعمار والطب والفن لأكثر من خمس مئة عام، وعُد للأعلى وستجد سلطان السلاطين وفاتح مصر، ومكة والمدينة المنورة ناسخ القرآن الكريم سليمان القانوني، وأذهب لإنجلترا ستجد أوفا ركس، وأبحث وتأكد بنفسك من ذلك الملك المسلم الذي حكم إنجلترا، وأسس بريطانيا التي نراها الآن، والآن أليس من حق حكمت أن تتمنى وتتوعد بأن يكون أخيها بطلاً كسائر أجداده الشجعان؟! _.
بعد مدة وقفت العربة أمام بيت حنا، وقد نزلت منها ممسكة بيد طارق، وأملت عليه بعض الأوامر قائلة، وهم يعبرون البوابة الرئيسية للقصر مجتازين الحديقة الواسعة والأشجار والخُضرة الكثيفة: التزم بالصمت وكن مهذبًا، ولا تتحرك من جانبي الأندلس إذا أمرتك ولا تأكل أو تشرب شيئاً إلا إذا سمحت لك، وتأخذ القليل فقط، اتفقنا؟
هز طارق رأسه قائلاً بطاعة: اتفقنا.
مرت حكمت من خلال بهو القصر إلى الصالون حيث استقبلتهم الخادمة بثوبها الأسود الواسع الطويل ومريولها وطقيتها البيضاء وشعرها الأنيق، وقد أخذت منهم المعاطف قائلة بتهذيب: لحظة واحدة وسأخبر السيد بلايو بوصولكم.
هزت حكمت رأسها قائلة بهدوء: خذي وقتك.
وظلت وقفه على حالتها، ولم تجلس وكم شعرت بالضيق والكتمة فور وصولها للبيت وكما تقول والدتها على مثل تلك الأماكن التي تشعر الإنسان بالاختناق "ريح المكان ثقيلة على القلب" وآخر مرة شعرت فيها بالثقل في أي مكان كانت في بيت كاترينا عندما مرضت وكانت تداويها، وأضف على ذلك هي لا تعرف كيف ستكون ردة فعلها عندما تقابل الشقيقين حقا مجرد التفكير في الأمر يزيد انقباض قلبها، ولكن طارق لم يكن مثلها، بل على العكس ينظر إلى القصر بانبهار سواء من الأثاث الراقي، واتساع المكان أو محراب الصلاة الواسع المليء بالشموع العطرة والصلبان الذهبية، وذلك السلم الذي يربط الصالون بالغرف العلوية من طراز وتصميم ليوناردو دافنشي، وقد كان مُلتفًا على نفسه ذو عمود من الرخام وبه تفاصيل واعوجاج كما في تلك الماصة الطويلة المكونة من لونين ملتفين كسلك الكهرباء حول بعض، وذلك المطبخ الذي لمحه من خلف أبوابه، وقد كان مليئاً بالخدم، وكان حجم المطبخ أكبر من بيته، لكن أفاق من شروده وتأمله المُنبهر لإرجاء المنزل على يد حكمت التي جذبته من ذراعه لأسفل، حتى ينحني مثلها عندما هبط حنا من على السلم متجهًا إلى مكانهما، وقد شعر بأنه يتنفس هواء جديداً ومنعشاً له رائحة أخرى مثل رائحة الحُرية و، لكن هواءه برائحة الياسمين التي لم تفارق أنفه بسبب ذلك المنديل الذي ما يزال يعصبه على راحة يده هو لا يستطيع أن يصف شعوره الآن، لكنه سعيد يشعر بأن روحه التي فارقته منذ شهر قد عادت الآن، وبالرغم من حزنه على والدته، إلا أنه يُريد شكرها على تلك الهدية التي جلبتها له اليوم.
اعتدلت في وقفتها مُخفضة عينيها لأسفل وبالمثل طارق الذي كان يمسك يدها، ويقلد حركاتها كما أمرته.
ابتسم حنا بتلقائية أول ما رأى وجهها عندما نظرت إليه ثم تسائل، وتلك الابتسامة على شفتيه قائلاً: كيف حالك؟
ابتسمت بخفوت وعينيها أسيرة الأرضية قائله: بخير سيدي... كيف حال السيدة مارلين.
كسا الحزن والضيق وجه حنا، وهز رأسه بنفي قائلاً: ليست بخير أبداً، منذ عشرة أيام أصابتها الدمامل، وأخذناها إلى الطبيب، لكن لا فائدة من العلاج، فلم أجد أحداً ألجأ إليه غيرك، ولا أعرف أحداً يستطيع شفاء أمي غيرك.
هزت حكمت رأسها بالقبول، وآثرت الصمت حتى تركها، وقد شعر بأنها لا تُحسن الحديث الآن، واتجه إلى طارق، وتسائل حتى نظر إليه طارق بفضول وفخر عندما قال حنا بمرح: من ذلك البطل الصغير؟
ابتسمت حكمت قائلة بهدوء: أخي الصغير أخيلا.
ثم أمرت طارق قائله: حيي السيد حنا.
انحنى طارق، ثم اعتدل قائلاً بثقة: مرحبا سيد حنا سُررت برؤيتك، هل تعلم أن اسم حنا اسم عربي، وعبري معناه أن الرب تحنن على العبد، ويُلفظ بالعبرية حْنان، وقد أطلقه المسيحيون العرب على بعض كاختصار لاسم يوحنا المعمدان.
داعب حنا شعر أخيلا بمرح وود قائلاً بإعجاب: أوهو! لدينا عالم أسماء صغير هنا، من أين لك هذا يا بطل؟
ابتسم أخيلا بفخر قائلاً برصانة شاب في الثلاثين من عمره: من أبى له كُتب عن معاني الأسماء.
مد حنا يده إلى أخيلا قائلاً، وهو يعقد اتفاقاً: ما رأيك عندما تبلغ الخامسة عشر سأجعلك مستشاري الخاص يا أيها العالم، موافقاً؟
صافحه أخيلا بثقة وسعادة قائلاً: قد قبلت العرض، وسأتمرن على القرأه وأتعلم أكثر، ولكن أين تعمل؟
ضحك حنا بود قائلاً وكأنه يُحاور شاباً كبيراً في السن: أنا صاحب الشرطة في مدريد، وأعمل في مركز الشرطة الرئيسي في حي*.
ارتفع حاجبا طارق بدهشة قائلاً: بسم الصليب! أنه بعيد جدًا عن بيتنا، لكن لا تقلق سأجتهد وأعمل معك.
ابتسمت حكمت بفخر وهدوء، وهي ترى أخاه الصغير قد سرق إعجاباً حنا، ورفع رأسها عاليًا إلى عنان السماء وشرفها أمام الحبيب الأول والآخر، لكن قطبت جبينها بشدة، وأسود وجهها وامتعضت ملامحها عندما رأت بلايو الذي أقبل عليهم بخيلائه، فانحنت هي وأخيلا بهدوء عندما أقبل عليهم قائلاً في خيلائه _وهو يرتدي ثيابه الفاخرة على عكس حنا الذي كان يرتدي ثيابه منمقة، لكن ليست شديدة الثراء والغنىٰ في البيت، لكننا نعلم أن بلايا قد بدأ حرب نفسية قذرة على حكمة، وهذا أول سهم يخرج من الكنانة وهو أشعارها الدائم بالضآلة والنقصان بجانبه، حتى لا يُخيل إليها أنها بإمكانها أن تجاري الأكابر يومًا ما _: أتمنى أن تجدي حلاً في مشكلة أمي، أنها في تلك الغرفة.
ثم أشار إلى غرفة ما في الدور العلوي، وقد امتثلت لأمره، وصعدت على السلم خلفه، وإلى جانبها طارق، ومن خلفها حنا، حتى وصلت إلى الغرفة، ودخلت إليها وألقت السلام عليها قائلة بهدوء وود بعد أن انحنت: كيف حالك سيدتي اليوم؟
هزت مارلين رأسها نافية، وقد كانت تستند بظهرها على سور السرير، وتُغطّى قدميها بالبطانية الثقيلة وشفتيها بيضاء من الإعياء والمرض وجبينها يتفصد عرقًا قائلة بألم وبالكاد يخرج صوتها: لست بخير أشعر بأن هناك خناجر قوية في ساقي تؤلمني بشدة.
ابتسمت حكمت بهدوء قائلة بتشجيع حتى تبث لها الأمان: لا تقلقي سيزول هذا الألم قريبًا بمشيئة الرب.
ثم أخرجت من حقيبتها التي يمسكها طارق قفاز جلدي، وكشفت عن ساقها، وقد امتعضت ملامح وجهها بألم من هول حجم الدمامل، وقد علمت أنها لو تأخرت أكثر من هذا لكان صديد الدمامل أختلط بالدماء.
أخرجت من حقيبتها برطمان صغير به فطر أسود، وأعطته إلى أخيلا قائله بعملية وعلى عجلة: أعطى هذا لاحقا في المطبخ، وأمرهم أن يُعدوا حساء الفطر، ولا يضعوا عليه أي شيء فقط يُسلق الفطر، ويُهرس هيا بسرعة.
امتثل طارق لأمره، وقد خرج معه حنا من الغرفة، ونادى على إحدى الخادمات التي هرولت إليه تلتزم بالأمر، ثم عاد ليجد بلايو يجلس على أحد الكراسي الجلدية في الغرفة يراقب ما تفعله جوليانا من كثب، ثم جلس حنا إلى جواره، ووقف أخيرا إلى جانب جوليانا يناولها ما تطلب، وقد توتر الرجلان كثيرًا، وأخذ حنا يغمض عينيه بتوتر وبلايو يهز قدميه في قلق، ويضع كفيه عند أسنانه يعض عليها عندما بدأت والدتهم بالصراخ والعض على تلك القماشة التي وضعتها حكمت في فمها عندما فتحت حكمت الدمامل، وبدأت تنظفها وتخرج ما فيها من قيح وصديد، حتى أخرجت تلك الدماء الفاسدة وما إن انتهت حتى أخذت تُنظف مكان القيح بالكحول المطهر جيدًا، وبدأت تضع عليه تركيبه من العسل الجبلي، وعسل الحنطة عسل الزعتر وغذاء الملكات، ثم أخذت تلف جرحها بورق البلوط لمنع تجمع الصديد مجددا، ولفتها جيدًا بشاش نظيف وما إن انتهت حتى وصل حساء الفطر وما أن وصل حتى وقفت جوليانا قائله للخادمة: سلمت يديك... ركزي معي قليلاً أعطها الحساء الآن، وفي الصباح قبل الإفطار أيضًا أعطها منه، وإذا ارتفعت حرارتها اصنعي كمادات خل القصب والماء البارد، وأنا غدًا سآتي لتغير الشاش. فهمتي؟
هزت تلك الخادمة رأسها، ووضعت الصينية على "الكمودينو" قائلة: تحت أمرك سيدتي. ثم همت بمغادرة الغرفة وإيصال جوليانا إلى الخارج، لكن حنا استوقفها بسرعة تحت أنظار بلايو الثكلة السامة قائلاً بأمر: لا تتحركي من جانب السيدة مارلين، وافعلي ما طُلب مني أنا سأوصلها.
امتثلت الخادمة لأمره، وانحنت حتى مر حنا، ومن خلفه جوليانا وأخيلا، وقد هبطوا السلم، ولكن قبل الرحيل استوقف حنا أخيلا قائلاً: اذهب يا بطل إلى العربة سوف أقول شيئاً للآنسة، وتتبع خُطاك من بعدها.
نظرة جوليانا إلى أخيلا، وهزت رأسها بالموافقة، وأعطته الحقيبة قائله: أذهب أخي وأنا سآتي خلفك.
وقد امتثل لأمرها، وظلت أنظارها معه حتى تأكدت أنه ركب العربة حتى عاودت النظر إليه قائلة بهدوء: كيف حال جُرحك الآن؟
ابتسم بهدوء قائلاً: بخير الشكر للرب. ثم تابع قائلاً بعملية: كم ستأخذين أجرة عملك؟
"ليس الآن عندما تطيب وتُشفى تمامًا"
"لماذا لم تأخذي أجرة علاجي، لماذا ردتيها في حقيبتي؟"
تلاعبت في أصابع يدها، ونظرت إليه قائلة بهدوء وثقة: لأني لم أعتبرك عملاً، بل أنت غير الجميع بالنسبة إلى، ويكفي ما فعلته إلى في طفولتي والهداية والسعادة والمرح، فتلك أقل طريقه أرد بها جميلك على.
برز فكه للأمام بشدة، وزفر بقوة وأغمض عينيه قائلاً بإرهاق من طوفان مشاعره وغلاظة تلك الفتاة: لا تعطيني الهواء، وتمنعيه عني مجددا يا حمقاء.
ثم أمسك كف يدها اليمنى بين يديه ومال عالية يقبله بعمق وهدوء، وقد سرق بعض لحظات الدفيء والأمل من الزمان القاسي والبارد، ثم أحتضن كفها بين يديه قائلاً وعيناه لا تترك أسر بحر القهوة في عينيها: اشتقت إليك يا جوليانا، الوقت هنا من دونك يمر بغرابة، الطعام لم يعد شهياً مثل الذي تصنعينه، الجو بات باردًا من دونك يا سكرة.
لم تستطع إخفاء ابتسامتها الخجولة والهجوم المفاجئ من القوات العامة للخجل، وأخفضت عينيها لأسفل هامسة بصوت منخفض: أشكرك. لكن استوقفها ذلك المنديل الذي يلفه حول كف يده، وقد تولت هي إمساك كف يده وقلبته تتفحص المنديل، ونظرت إليه بدهشة وإذ هو يبتسم بهدوء حتى تحدثت بدهشة قائلة: هذا منديلي الضائع، لماذا هو معك؟
وثب بأطراف أصابعه، وتحرك للأمام والوراء، وعقد يديه خلف ظهره قائلاً بثقة واقتناع تام بما يتفوه، وقد زاد شعور المسكينة بالذنب اتجاهه وهي تخفى عليه أمر أهم من أي شيء، ولو بيدها لصارحته، لكن ما باليد حيلة: هذا المنديل لن يفارق يدي حتى موتى، وإن مت في أرض المعركة، واختلطت بهدوء دمائي سيُدفن معي، وإن مت على فراشي سيدفن معي، لأنه يخصك ويحمل رائحتك وروحك التي لا تفارقني.
تجمعت الدموع المتحجّرة في عينيها، حتى باتت الرؤية ضبابية، لكن مسحتها بسرعة قائلة متجاهلة ما قد قيل وهي تهم بالمغادرة: أنا سآتي في التاسعة صباحً غدًا، وأخبر السيدة إيفا إن العطر الذي طلبته جاهزاً.
ولكن قبل أن ترحّل قبض على يدها قائلاً بهدوء: إيفا في.
"جيان" مع السنيورة ريموندا والدتها تشترى أغراض لخطوبتها وستعود قريبًا.
ثم ضيق عينيه، وتسائل بهدوء قائلاً وعيناه تلمع بالحب والأمل: هل لي بزجاجة عطر الياسمين؟
هزت رأسها بالموافقة وعينيها تبحث أن أي شيء آخر تنظر إليه غير عينيها قائلة: تحت أمرك... والآن اعذرني، لقد تأخرت على أمي.
---------------------------------------------------------------------------------------
ولكن في الحي مجددا، وقد مضى بعض الوقت وخديجة اتجهت إلى المطبخ تعد الغداء حتى تنسى ما تشعر بالقلق والشك في أفعال ابنتها وأقوالها و، لكن ليس لك من ذلك النوع البغيض في السلوك والشرف النابع من شيئين إما مرض في قلب الأهل؛ بسبب تجارب سابقة قد حدثت أمامهم أو فشل ذريع وحتمي وحقيقي في تربية الأبناء أدى إلى تلك الحالة اللعينة من الشك، لكن شك خديجة آخر هو شك خوف من أن يكون قد حدث لابنتها الوحيدة مكروه ما في سفرها الذي لعنت حظها العثر الذي أوقعها في تلك الظروف، وهذا البلاد التي كانت كالجنة وبتفكك مسلميها واتحاد صليبيها تحولت إلى جهنم مصغرة في الدنيا.
أستغفرت ربها، واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم عندما سقط كوب فخار متهشمًا على الأرض إلى شظايا، وقد أوقعته جراء توترها وانفعالها في العمل.
، انحنت تلملم تلك الشظايا، وألقتها في سلة القمامة، ثم جلست على أحد الكراسي أمام الطاولة، ومسحت على جبهتها بإرهاق وتوتر، ثم زفرت أنفاسها.
بقوة ونوع من الإرهاق والتعب، وأخذت تستغفر الله، وتدعوا لأولادها بصلاح الحال وراحة البال وزوال شبح الموت المحلق فوق رؤوسهم وتعجيل الله بفرجه وسفرهم خارج البلاد في أسرع وقت.
لكن قطعاً وصلت ماؤها وحبل أفكارها طرقات هادئة على الباب ظنت أنها حكمت وبصحبة طارق، واتجهت إلى الباب لتفتح مُبتسمة، لكن تلاشت ابتسامتها عندما وجدت فيكتور وكاترينا عند الباب، وقد ابتسم هكتور قائلاً بتوتر وخجل: صباح الخير خاله إليزابيث كنت أريد أن أسأل هل جمعتم اللبن حتى أبيعه أم لا؟
هزت إليزابيث رأسه مؤكدة قائلة: بلا تفضل يا بني انتظر سأُحضر لك السطل.
وكان من المتوقع أن يدخل فيكتور أولا، لكن اجتازته كاترينا، ودخلت بأنف الكلاب البوليسية وعيني كاميرات المُراقبة وحدس المخبرين تبحث إن أي شيء غريب في البيت، وأنتم تعلمون أن تلك الزيارة ليست بغرض تجميع الحليب الذي يقوم به فيكتور كل صباح، بل لأنها رأت عربة شبيهة بتلك العربة التي كانت أمام بيت منذ شهر، وتريد أن تعلم سبب وقوفها وركوب جوليانا بها!
عادت خديجة من المطبخ تحمل سطلاً معدنياً طويلاً مليئاً بحليب الماعز، ووضعته في منتصف حجرة المعيشة أمام فيكتور قائلة، وهي تفرد ظهرها با.
بألم ممسكة به: اعذرني يا بني لا أستطيع حمله أكثر من هذا، وزنه اليوم ثمانية كيلو وربع.
هز فيكتور رأسه نافيًا، وابتسم بود قائلاً، وهو يحمل السطل: لا عليك خالتي في المساء سأُحضر ثمن الحليب.
ربتت على كتفه وهو يخرج من البيت متجهًا إلى عربته عارية السقف والزينة يجرها حماران شابان، وقد وضع السطل، وجلس على العربة، وأخذ بضرب الحماران بالعصا حتى تحركا من أمام البيت، وانتظرت كاترينا التي جلست إلى جوارها خديجة بعد أن وضعت لها الشاي قائلة بهدوء ونوع من عدم الترحيب جاهدت نفسها لإخفائه: مرحبًا بك يا كاترينا كيف حالك؟
ارتشفت ذات العيون الغائرة والناب المكسور القليل من الشاي، ثم وضعت الفنجان جانبًا قائلة: بخير عزيزتي، فقط جات للاطمئنان عليك، وقد قلقت عندما رأيت تلك العربة، وقد كانت تقف منذ شهر أمام البيت، قلت في قرارة نفسي لعله خير.
ابتسمت خديجة بتكلف قائلة، وهي تعتدل في جلستها: خير عزيزتي، فقط عمل لا أكثر أحدهم مريض وجوليانا ذهبت لمداويته.
هزت كاترينا رأسها بالقبول قائله بمكر وخبث: لا تخبريني فجوليانا أفضالها علينا كلنا، ويكفي ليلة التفتيش عندما وقفت أمام الجنود، لقد قال الجميع أنها بطلة.
ضحكت خديجة بسخرية، وأخذت تسخر من كلامها بغرض حماية ابنتها من أن يسقط لسانها بأي كلام، وتذل أمام تلك الوحشية، وتقع في مشكلة كبيرة، فيكفي ما يدور خلف ظهر تلك المسكينة من مشاعر محرمة ستصيبها بنوبة قلبية حتمية: جوليانا بطله؟! إنها مجرد فتاة طائشة لو كانت كما تقولين هكذا لتزوجت وما بقيت إلى جواري حتى الآن، هي فقط تحب التباهي والمناظر الخداعة، لكن عقله مجوف أكثر من تجويف الحذاء.
ضحكت كاترينا على تشبيهاتها المضحكة على حالة ابنتها العقلية، واستندت إلى ركبتيها بإرهاق، ووقفت قائلة وهي تتجه إلى باب البيت: كان الرب في عونك، عن أذنك لم أبدأ في طهي الغداء بعد.
---------------------------------------------------------------------------------------
بعد مرور عدة أيام كان ينعم فيها كل صباح برؤية وجه محبوبته كان حنا في عمله مساء أحد الأيام في مكتبه الخاصة بعد إرهاق من طول اليوم في دراسة الأوراق وحالة الجنود والأحياء، وتعين البعض والتدريبات كان قد فقد طاقته اليوم، واستنزفت فاختار الاستلقاء على تلك الأريكة الجلدية الكبيرة، وقد حل أزار قميصه كاشفًا عن صدره الذي تخلص من أربطة الشاش أخيرًا، وغطّى وجهه بقبعته العسكرية، ورفع ساقاً فوق الأخرى يحاول أن ينعم بالراحة والنوم في يوم مرهق لم يرتح فيه إلا عند رؤيته لسارقة قلبه ومالكة عقله وصاحبة الجمال جوليانا للحظات تمنى لو كانت العمر كله، وقد ابتسم بتلقائية، وهو يتذكر تفاصيل يومه معها وإثبات شجاعتها وقدرتها العلاجية ومهارتها، وكيف تفصل في حياتها بين من ظلمها ومن لا ذنب له.
ولكن قاطع لحظاته الجميلة مع نفسه الثكلى هو دخول إدواردو الذي ألقى التحية العسكرية وبدوره حنا رفع القبعة عينيه ينظر إليه تحت وطأة أضواء الشموع قائلاً بتثاقل: لعله أمر هام يا إدواردو؟
هز إدواردو رأسه قائلاً بثقة، وعلى شفتيه ابتسامة بلهاء: بلا هو كذلك سيدي، قد أمسكنا جندياً فرنسياً مدسوس بين الجنود والآخر الذي أدخله وديغو يحقق معهم في غرفة التحقيق، وننتظر أوامرك سيدي... ثم أخذ يلُف كفيه حول بعضهم بحركة دائرية قائلاً برجاء وأمل: لكن لو كانوا أكثر لكنا تسلينا الليلة أفضل من العودة إلى زوجتي.
وقف حنا، وبدأ يرتب قميصه وملابسه وهو يضحك على كلمات إدواردو الذي يفضل العمل على العودة إلى زوجته وأبنائه وكأنه قد تزوج الشرطي وأنجب المجرمين، ارتدى حنا قبعته، وربت على كتف إدواردو قائلاً بسخرية: هيا يا أيها الثور دعنا ننهي هذا اليوم غيرك لم ينم منذ الأمس.