وسقطت حكمت - الفصل 11 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 11

الفصل 11

استيقظت جوليانا من نومها، واعتدلت في جلستها وهي تحك شعرها، وتمسح وجهها لعلها تفيق من نومها، وقد كانت تشعر بالإرهاق والتصاق في جفنيها المتورمين من شدة البكاء ليلة أمس، وقد أنبت نفسها على ما تفوهت به من حماقة من وراء قلبها لحنا الذي لا لوم عليه ولا ذنب؛ لأن أخاه مجرد جلف متبجح بارد عديم الذوق وحظها التعيس دونًا عن رجال العالم أحبته هو... نعم أحبته كانت تكذب على نفسها وقلبها متعللة بأنه مجرد إعجاب لا أكثر، لكن هل الإعجاب يصنع كل هذا الألم؟ وهل الإعجاب يصنع كل هذا الحزن، وهذا الصدق في المشاعر بالتأكيد لا! وبالعقل والقلب هل ما قاله حنا ليلة الأمس أليس حباً فقط ينقصه كلمة الحب، أليست تلك الوعود، وهذا القسم دليل الحب، لكن لسانه انعقد ولم ينطق بكلمة الحب. آهً منك يا حنا! لما جاءت في هذا الوقت، ولما هي دونًا عن النساء كلهم وقعت بحبك، ووقعت أنت بحبها، ولكن على الأقل حكمة تعلم أن نهاية هذا الحب الظلام والفراق لا وجود له، لكن حنا المسكين لا يدري أن هذا الحب لن يدُر الصدمات والألم والعذاب إلا عليه هو! لكن لو أننا بحثنا وفكرنا لن نجد مخطئاً سوى حكمة، وقد ألقت اللوم على نفسها فقط لأنها أدخلته منزلها، وسمحت لنفسها بأن تحبه، وأن تجعله جزءاً من حياتها المعقدة المليئة بالتفاصيل والعقد التي لا حل لها ولا نهاية إلا فرجًا من الله وبطل صابر، وصادق مع الله كصلاح الدين ينهي مأساة المسلمين في إسبانيا والبرتغال، ولكن لو أن هناك صلاح الدين فعلاً لما كانت ستسقط الأندلس، ولما ستندثر الحضارة العظيمة من بلاد الأندلس؟! إنها فقط أماني ودربًا من دروب الخيال تتعلق بها في واقع مرير لا حل له ولا فرج إلا بيد الله. اتجهت حكمت إلى المرحاض حتى تغسل وجهها، وتستعد ليوم آخر لا تدري مثل سابقيه أم مليء بالمفاجآت التي سئمت منها، ومن اقترابها الدائم من حياتها وتلويحها فوق الأُفق لتخرج متجهة إلى غرفة حنا تطرق الباب بهدوء، لكن لا إجابة إعادة الطرق، لكن لا إجابة أيضًا، نظفه حلقها وزفرت أنفاسها بهدوء متحلية بالهدوء والقوة، وفتحت الباب، لكنه غير موجود ولا أثر له في البيت اتجهت إلى صندوق الملابس وفتحته، لكن لا شيء به، جلست على السرير، ونظرت إلى الفراغ، وأغمضت عينيها ببطء تزامنًا مع أنفاسها التي خرجت ببطء وراحة وهدوء، وقد زال الكابوس، ورحل الهم وحل الأمن، الآن فقط سترتاح وستنام في اطمئنان وسلام من دون خوف أو قلق، ولن ترى بلايت مجددا، وستنسى تلك الفترة وكأنها لم تكن وملعب ذلك الحب حيًا من دون رحمة ولا شفقة لترحم نفسها وعائلتها من حرب وعذاب لن يتحمله أحد ولا ذنب واحدا فيه. --------------------------------------------------------------------------------------- في أثناء منتصف اليوم كان حنا ممددًا جسده عاري الصدر ألاح من رباط الشاش على ذراعه وبطنه فاردًا ذراعيه وساقيه مثل الطفل الرضيع الذي ينعم بنومة هادئة بعد جلسة طعام مشبعة، وكان على سريره الكبير المغطى بأغطية بنفسجيّة من الحرير وبأعمدة بُنيِة طويلة تحمل مظلة بنفسجيّة، وقد كان ينظر إلى ذلك السقف بهدوء وشرود وتفكير وحمد ربه أنه لم يلاق أحدًا سوى أمه التي كعادتها استقبلته بالفرح والدعاء والنذور بعودته سالمًا، ولكنه غير سعيد. يشعر منذ أن ترك بيتها، وعاد إلى بيته بشيء من النقصان والفراغ الموحش والسئ في قلبه وعقله وكأن حياته كانت ناقصة وبها فراغ لم يعرفه إلا عندما ملئت هي ذلك الفراغ بكل شيء جميل وبديع في هذا العالم كان يريد أن يودعها يصنع أثراً لا مثيل له، لكن لما الوداع، وقد عزم ودعي وقرر أنه سيرى هذا الوجه الذي أنار حياته مرة أخرى، ويخلق ألف لقاء ولقاء حتى تستقر في عشه الكبير، ولم يحمل معه من أثرها سوى ذكريات لا تعوض ومنديل أبيض مُطرز من الزوايه بورود حمراء صغيرة، وقد وجد هذا المنديل على الطاولة، واتخذه من دون إذن منها خليلاً له لعله يجذب الحبيب مجددا. لم تكن له طاقة حتى بالنزول للأسفل وتناول الطعام، بل ترك كل شيء لوقته كما ترك قلبه ولقائه الثاني بها إلى وقته وبمعنى أصح وأدق لم تكن له طاقة بلقاء بلايو وجداله وهو لا يُطيق النظر في وجهه بعد ما صدر منه وعجزه المخزي عن التدخل والدفاع عنها، أو حتى منع تلك المهزلة. أفاق من شروده، واعتدل في جلسته، وجلس على السرير عندما سمح للطارق على باب غرفته بالدخول ليجد بلايو يدخل الغرفة وما إن رآه حتى امتعضت ملامحه، واسود وجهه بضيق، وكمد وتناول رباط شعره يجمعه إلى الوراء في عقدة مُقتصدًا إثارة غضبه ووجومه، وقد أنزل عينيه ينظر إلى أي شيء إلا هو. حتى جلس بلايو أمامه على طرف السرير، وقد تغاضى عن ما فهمه من ربط شعره، وتغاضى عن تجاهله له، وربت على فخذه بيده قائلاً بود: أنرت منزلك يا أخي. هز حنا رأسه، ونظر إلى النافذة، وقد اشتد فكه، وضيق عينيه قائلاً بضيق: أشكرك. حك بلايو لحيته بهدوء قائلاً، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة مُتكلفة: لما لا تنظر في وجهي، هل صدر مني ما يغضبك؟ التفت له رافعًا أحد حاجبيه، وقد نظر إليه بزاوية من أسفل جفنيه، ولم يُجبه ثم التفت إلى الخزانة الصغيرة بجانب سريره، وأخرج من أحد الأدراج كيس نقود جلدي، وفتحه يسكب ما فيه على السرير أمام عيني بايو الذي لا يفهم ماذا يحدث الآن حتى أفرغ الكيس، وألقاه بإهمال على السرير؛ ومن ثم أمسك بالعملات الذهبية، ثم ألقاهم بهدوء من يده على السرير مجددا مصدرة صوت خشخشة قائلاً وعيناه في عيني بلايو بتحد وسخرية: نقود أجرت جوليانا الطماعة، ردتها إلينا في حقيبة ثيابي، يا أخي، يا سياسي، يا مُحنك. اتكأ بايو على السرير بذراعه اليمنى، ورفع فخذه الأيمن على السرير، حتى أصبح في مواجهة حنا قائلاً عاقدًا حاجبيه: ماذا تقصد؟ اشتد ضيق حنا، وتحدث قائلاً بنفاذ صبر وكأنه ينزل حمل من الحجارة من على كتفيه ببضع الكلمات القليلة: قصدي تعرفه يا بلايو، أنا أحب جوليانا ولم، ولن أتردد في أن أُصرح بكلامي هذا سواء أمامك أو حتى أمام العالم وفخور بحبي لامرأة مثل جوليانا فلا تحاول أن تتدخّل في حياتي ودعني أعيش كما أحب. اتسعت عينا بلايو بشدة، وقد أصابته صاعقة الدهشة وهول الصدمة من ما يسمعه من أخيه وكأنه مُراهق أو أحدًا آخر غير حنا الذي يعرفه مثل ما يعرف كف يده جيدًا، ليتحدث قائلاً وكأنه يحاول إيقاظه من أوهامه، ولو بيده لصفعه الآن، حتى يفق من أوهامه تلك: حنا هل تعي ما تقوله وتسمع أُذنك ما يخرج من فِيك، تلك الفتاة الفارق بينك وبينها كالفارق بين السماء والأرض، أنظر إلى الطبقة أباها كان يعمل عند أبينا، ولا تخبرني من أين عرفت؛ لأن لي طرقي، أنظر إلى فارق السن بينكم، أنظر التربية والطباع، أنظر إلى الدين أنا أحيانًا أشك في مسيحية تلك الفتاة. هنا ويكفي العبث بالحديث واللعب بالكلمات، وقد صبر طوال تلك الثواني ليتحدث حنا بنفاذ قائلاً: إن صدقتك في ما سبق فمستحيل أن أصدقك في الأخيرة، أنا عشت معها، ورأيتها وعينتها جيدًا، وتركت السماع عنها، إنها لا تُفارق محراب الصلاة والصليب لا يفارقها ولا تتفوه إلا بتعاليم وكلمات اليسوع، صدقني إن كُرهك لها يعميك عن الحقيقة. هز بلايد رأسه على مضد قائلاً بضيق قبل أن يهم بالوقوف: بل إن حبك لها يعميك عن الحقيقة، ولكن إن أخبرتني بميزة وحيدة في تلك الفتاة سأتركك وشأنك الآن. نفخ حنا صدره قائلاً بثقة وحب وعقله كله إيمان بما ينطق لسانه: في بيت جوليانا عرفت أهمية الجار، في بيت جوليانا عرفت أهمية الوقت، عرفت الرحمة والتراحم، عرفت الصبر، عرفت الجمال، عرفت الحب، عرفت الحنان، عرفت قيمة العمل، عرفت قيمة الحياة، عرفت سحر الدعاء، يكفي أني عرفت قيمة جوليانا. وقف بلايو، واتجه إلى باب الغرفة حتى يخرج تاركًا حنا خلفه لم يعقب على كلمة وتعابير وجهه المصدومة و المزهولة تكفى كأكبر، وأوضح إجابة لحن، وقد استقبلها حنا بالرضا والسعادة بأنه سيكف عن مجادلته، وألقى بجسده على السرير حتى ينام واضعًا وسادة صغيرة على وجهه، حتى يحجب ضوء الشمس عن عينيه. أما عن بلايو، فقد اكتفى بما سمعي الآن، وأدرك أن أخاه وصل إلى حالة ميؤوس منها، ولكن الذي لا يفهمه كيف وقف في حب وهوى تلك الفتاة في تلك المدة القصيرة، وإن كان صادقًا في حبه حقًا هل أخبر جوليانا بمشاعره تلك وإن أخبرها؟ هل تُبادله الشعور نفسه؟ وإن كان لا، فقد حُل الأمر من تلقاء نفسه. وإن كان نعم فهو أمام مشكلة حلها معروف أن يبعد قدر المستطاع بينهما، ويفرقهما ويوسع المسافة بينهما لعلها تُبعد القلوب، وتنسيها ما كان. وأما إن لم تكن قد أعطته الجواب فهو أمام مشكلة لا يعرف حلها وأبعادها والأمر كذلك بالفعل! --------------------------------------------------------------------------------------- مرت ثلاثة أيام معلنة عن انقضاء أسبوعين، ولكن لن نذهب إلى خديجة الآن، بل نحن عند حنا، ولكن في مكانٍ جديدٍ في مقر عمله وبالتحديد في مكتبه حيث كان يجلس على كرسيه المطعم خشبه بالذهب وجسده من القطيفة الحمراء، ومن خلفه على الحائط صورة بعرض الحائط للملك فرناندوا بزي الحرب والملكة إزابيلا الأولى وعند أقدامهم خوذة الحرب الإسلامية التابعة ل"أبي عبد الله الصغير أو الزغبي" التي اُمتهنت منه بعد أن سقطت الأندلس، ووقع في الأسر قبل تسليم الأندلس_ ولا تزال تلك الصورة وما نُحت مشابهاً لها معلم من معالم إسبانيا الذي يتفاخر به الصليبيون، ويعلقونه إلى الآن في المكاتب والقصور والمتاحف، وأضف إلى ذلك الحفل الذي يُقام كل عام في يوم الثاني من يناير احتفالاً بسقوط الأندلس، وتجرى فيه مشاهد الذلة والخزي والعار من تسليم مفاتيح غرناطة، ورأيت المسلمين والأسى الأسى كله على ما ضاع وفات من أندلسنا _ وعلى مكتبه الكبير قبعته العسكرية وصليب صغير من الذهب وبعض الملفات فوق بعضها البعض، وقد كان منكبًا على أحد تلك الملفات يُحاول التركيز فيه، رغم أنه لا تمُر عليه لحظة إلا ويراوده شبه جوليان، ويلوح في مخيلته، سواء كانت ابتسامتها أو بكاؤها أو تحديها أو صمتها أو خجلها كل شيء محفوظ ومحفور في رأسه ومصقول كالفولاذ الذي لا يصدأ ولا ينكسر وغير ذلك هذا المنديل الذي لم يُفارق يده منذ أن عاد إلى بيته حتى الآن، وبالرغم من أنه في مقر عمله، إلا أنه لا يزال ملفوفًا حول يده يستنشق عبيرها وعطرها وذكرياته معها منه، ويقوى وصال حبه به، ولو رأى أحدًا صاحب الشرطة في تلك الحالة لما صدق وكذب ما تراه عينه، وهذا هو العشق يا أخي يجعل الحليم حيران والملك غفير. ولكن قطع وشتت تركيز حنا وما كان يفعله دخول صديقيه ديغو وإدواردو، ولكن إدواردو دخل بصخبه، ومرحه المعتاد على عكس ديغو الذي يمتاز بالهدوء والرزانة والبساطة ليخالف صديقيه في طباعهما. اقترب إدواردو_ حليق اللحية أسود الشعر القصير وصاحب عينين بُنيِة قاتمة، وأقنى الأنف عريض الكتفين متوسط الطول، وذو رتبة أقل من حنا، وفي عمر الثلاثين _ من حنا، وفتح ذراعيه قائلاً بمرح وصخب: ها قد عاد السيد حنا من إنجلترا، وترك فتيات إنجلترا من ورائه يبكين لفراقه. ضحك حنا، واحتضن صديقه، وشد على عناقه حتى يؤلمه قائلاً بمرح قاسى: أفضل من طائش مُتسكعًا مثلك... اشتقت إليك أيها الثور. ضرب إدواردو على ظهر حنا بقوة قائلاً بمرح: وأنا كذلك سيدي... عودًا حميد. ثم ابتعد عنه، وجلس على أحد الكراسي بجوار كرسي حنا الذي يترأس الطاولة ليلتفت حنا إلى ديغو_ طويل القامة ومتناسق الجسد أشقر الشعر ذو شارب مُهذب وعينين بنية فاتحة للغاية أقرب للون العسلي، وفي الثالثة والثلاثين من عمره، وفي نفس رتبه إدواردو _حتى يُصافحه، وقد احتضنه بود حقيقي قائلاً: اشتقت إليك كثيرًا يا سيدي. ربت حنا على ظهره بهدوء، ثم ابتعد ممسكًا بكتفيه، وعلى شفتيه ابتسامة ودودة قائلاً: وأنا كثيرًا يا أخي... ثم ربت على كتفه قائلاً، وهو يُشير برأسه للكرسي: أجلس لدينا أعمالاً كثيرة هذا الأسبوع. جلس ديغو على الكرسي المقابل لوجه إدواردو قائلاً وهي مزح: على رسلك يا أخي، فلم أنم الليل بسبب بكاء ابنة أخيك. ليقاطعه إدواردو قائلاً بصدر منفوخ وضيق: وأنا أيضًا لم أنم طوال الليل الأمس. التفت حنا ينظر إليه رافعًا أحد حاجبيه قائلاً بمكر: وما سبب سهرك أنت أيضًا؟ وضع إدواردو ساقاً فوق الأخرى، واتكأ على الطاولة بذراعه قائلاً بضيق: ابن أخت زوجتي المتبجح أكل السمكة التي كنت سآكلها على العشاء، واضطررت لشراء سمك آخر للأكل، ولم أجد سوق السمك مفتوحاً مساء الأمس، فغضبت وتركت البيت، ونمت عند أبي في بيته... تلك هي نهاية الزواج يا أخي تنام عند أبيك. ضحك الرجلان بصخب، وربت حنا على كتف إدواردو قائلاً والابتسامة الصادقة الصافية لا تفارق وجهه، وقد عادت أيام الفرح والصبا: اشتقت إليك يا ثور. ثم تابع بوسائل وفضول قائلاً: ولكن من أخبركم أني كنت في إنجلترا؟ نظف ديغو حلقه قائلاً بهدوء: من السيد بلايو عندما طلبك البابا بسبب كمين محكمة مدريد، فأخبرنا أنك خارج البلاد، لكن أخبرني، ماذا فعلت مع البابا؟ مسح حنا أذنه بأصابعه، ثم أخذ يشرح الأمر، وهو يلوح بأصابعه فالهواء بيده اليمنى المُزينة بالمنديل قائلاً: لا تقلق عندما قُبِض على المتسببين في الحادث هدأت ثورته... المهم الآن نحن نحتاج وجوهاً جديدة في العمل... ثم أشار إلى إدواردو. قائلاً بعملية: إدواردو أريد منك عملاً قائمة تحصر جميع شوارع وأحياء مدريد، وكل شارع كم يحتاج من الجنود لمراقبته وحمايته، ثم التفت حنا إلى ديغو قائلاً: وأنت كذلك يا ديغو أريد منك أن تقوم بعمل حركة تنقلات بين جنود، وستشرف على التدريب الخاص بهم، اتفقنا؟ وقف كلاهما قائلين بعملية و قد هم كلاهما بتنفيذ تلك المهم الشاقة التي تقع على عاتقهما: اتفقنا. --------------------------------------------------------------------------------------- في صباح أحد الأيام، وعلى طاولة الطعام، وقد شاء الله أن يمر من الوقت والعمر ما شاء الله أن ينقضي، وقد انقضى من العمر شهر جاف وبارد وقاسى على بعض القلوب هنا من دون ود و لاوصال، وياليت القمر يرسل كل ليلة سلام الأحبة وشوق العشاق. كان شمل الأسرة الصغيرة قد التأم وعادت الحياة والأمور لطبيعتها، أو لنقول ذلك مجازًا مجاراتًا للواقع الحي الآن، فمنذ أن جات خديجة، وحكمت في حالة من الصمت والسكون ليست كعادتها تتحدث وتتناقش معها، وتتشاجر مع طارق، وتتناقش معه، لكن الآن حكمة أخرى جديدة تمامًا، حتى عندما كانت تحزن أو تتخذ من الصمت أنيسًا والعزلة رفيقًا والدعاء جليسًا، لكن صمتها طال كثيرًا. وحتى الطفل طارق قد لاحظ أن أخته ليست في أفضل حالتها، بل حزينة للغاية، ولكن الأم كدار المخابرات لا تأخذ بالظاهر، بل تتفحص وتبحث في أصل الأمور لتحل القضية وما بالنا بابنتها الوحيدة والكبرى وما ترى في عينيها من حزن عميق وخيبة أمل والكمد الكبير، وكل شكوكها تذهب إلى تلك المدة التي قضتها بعيدًا عنها وهي على أتم اليقين بأن هناك سراً قوياً وعظيماً تخفيه عليها، وكيف لا يكون هناك سر، وهي تتذكر عند وصولهم إلى البيت أنها استقبلتهم بالحلوى والطعام الشهي، لكن بصمت وعندما دخل طارق غرفته للنوم قد اندست داخل أحضان خديجة، وانفجرت في بكاء مريرة تقص عليها ليلة التفتيش فقط ولا شيء سواها فقط تلك الليلة فلا وجود لحنا ولا لغيره كما عزمت وعكفت على إخراجه من حياتها وقلبها وعقلها، ولكن لن تستطيع إخراجه من ثنايا روحها وهي أعلم الناس بذلك؟ أنهى الجميع طعامه، وتشاركوا في تنظيف المائدة من حولهم، ودخل طارق غرفته لتبديل ملابسه، وإحضار حصانه الخشبي وسيفه الخشبي للعب مع أصدقائه، وقد جلست حكمت وخديجة كلتاهما في حجرة الجلوس وبين يدي خديجة كرة الصوف، وأبر التطريز وشرعت في الحياكة والنسج لتنهي بعض الأعمال التي وصلتها، وإلى جوارها حكمت التي جلست ورفعت ساقيها من على الأرض محتضنة إياهم، وأراحت رأسها على ظهر الكرسي تاركة شعرها حراً ناظرة إلى اللا شيء، وتفكر في كل شيء، ولن أتطاول وأُطيل السرد والبيان فالجميع الآن يعرف ما تفكر به حكمة. أخرجها من شرودها صوت طارق الذي وقف قائلاً بتأدب: أمي سأذهب للعب ولن أتأخر. هزت خديجة رأسها قائلة وعينيها ويديها لم تفارق عملها: حسنًا لكن أمام المنزل، ولا تتأخر ساعة واحدة فقط. هز طارق رأسه، وقبل وجنت خديجة لتبتسم حكمت ببهوت وبلا حياة، لكن قبل أن يخرج طارق، وتعود حكمت للامبالاة مجددا كان هناك طرق قوي على الباب ارتدت لأجلهن غطاء الشعر، وشرع طارق في فتح الباب، ومن خلفه خديجة، وحكمت التان شعرن بقلق وبالأخص عندما كان الطارق يرتدي زياً عسكرياً، لكن من رتبة صغيرة، لكن صُعقت حكمت ودُهشت خديجة عندما تحدث ذلك الرجل قائلاً: من منكم السيدة جوليانا. نظرت حكمت إلى خديجة التي نظرت إليها بوسائل، وتكون إجابتها بسيطة، فقط رفعت كتفها، وزمت شفتيها للأمام بمعنى لا أعلم، ثم أشارت على نفسها قائلة: أنا جوليان. عدل ذلك الشاب حزام سلاحه الناري على كتفه الأيمن قائلاً بأمر وحزم: السيدة مرلان من قصر السيد بلايو مريضه، وقد أُرسلت بأمر من السيد بلايو والسيد حنا في طلبك لكي تُداويها.