وسقطت حكمت - الفصل 10 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 10

الفصل 10

التفتت حكمت وإيفا في وقت واحد للنظر إلى بلايو الذي اقتحم الغرفة بدون إنذار أو أستاذين أو خجل. وكان يقف بهيبته وطول قامته وشعره الأشيب واضعًا يده في جيبه وكلتاهما تنظر، ولكن إذا قلنا أن الاتفاق كان واحدًا فالأنظار لم تكن واحدة أبدًا، وقد اختلفت باختلاف المشاعر والتفكير. فإذا نظرنا إلى إيفا سنجد أنها نظرات قلق وخوف مشوب بالرعب من دخول بلايو المفاجئ، ومن توتر المكان والهواء حولها و. نضيف أيضًا قلقاً من تلك النظرة النارية التي أحرقتها؛ لأنها أغبى من ما تصور ولم تستطع سحب أي كلام مهم، واهتمت بهذا العطر، وهذا الزيت وأحمر الشفاه بمنتهى الحماقة والبلادة، ولو أرسل طفلاً بحفاض لأوقع جوليانا في الكلام، ولن أقول إن جوليانا ذكية في هذا الموقف، بل إيفا مجوفة الرأس وغبية. وأما عن جوليانا، فكانت أنظارها حادة وقوية تُجاه بلايو الذي لا تقل نظراته حده عنها، ونُضف أيضًا الخبث والمكر والدهاء النابع من مقلتيه التي تحتاج إلى التمزق، ودائماً منذ أن كانت طفلة تأتي إلى بيته مع أبيها تسأل نفسها لما في عينيه نظرة الازدراء والاحتقار ليس لها أو لوالدها فقط، بل لأي شخص أقل منه ولو بدرجةً واحدة، وكأن البشر جميعًا خُلقوا من طينة وهو من لؤلؤ أو ذهب، وكان ما يثير حيرتها عندما تسأل نفسها لما والد بلايو لا يعاملها بنفس الطريقة وكذلك حنا، ولم تجد إجابة تروي عطش فضولها، وتُشبع جشعه حيرتها. وإن سألت والدها كان يكتفى بأنه لا يعرف وليس مهمًا أن يعرف، ولكن الآن فقط ستعرف ولن تدعه يخرج من تلك الغرفة إلا وستحصل على إجابة محددة. كسرت هذا الصمت، وتلك الشحنات العشوائية المتضاربة صوت بلايو قائلاً، وهو يعيد سؤاله وعينيه تنظر إلى حكمة بعبث: لم تجيبي ما هذا النعيم الذي يعيش فيه حنا؟ لعلي آتي وأعيش هنا أيضًا. قاطعته إيفا قائلة باندفاع به القليل من التوتر: أنا كنت أُجرب بعض العطور و.... قاطعها بدون اهتمام، وأشار برأسه للباب قائلاً بأمر قاطع: إيفا للخارج لو سمحتي هيا. امتثلت لأمره، ونكست رأسها ومرت من جانب جوليانا، وألقت نظرة أخيرة عليها وكأنها اعتذار أو وداع لا تدري لتخرج وتترك النار والقار بحوار بعضهما البعض. وما أن خرجت حتى تسأل بلايو الذي نظر إليها مُتفحصًا ومتمحصًا قائلاً بهدوء يلاعب الأعصاب: أراكي تُكثرين من اللون الأبيض في لباسك، ألا تعلمين أن الملك سن قانون يُجرم ارتداء اللباس الأبيض بكثرة؟ أمات برأسها وعيناها بها صلابة وقوة لم تحد عنه وعن تفكيره قائلة بهدوء: بلا أعلم لكن هذا مجرد وشاح وغير هذا أحب اللون الأبيض، ولم يُسن قانونًا يُجرم حب ارتداء الأبيض. زم شفتيه، وهز رأسه مُدعيًا الاقتناع، ثم تابع قائلاً، وقد قطب جبينه قليلاً: والصابون؟ عقدت يديها التي بدأت ترتجف قليلاً خلف ظهرها حتى لا تفضح قلقها قائلة بهدوء: أبي كان يعمل في بيوت النبلاء، واختلط بهم، ومنهم أخذنا عادة استخدام الصابون. ثم تابعت عاقده حاجبيه، ونظرت إليه من أسفل جفنيها المُسدلين جُزئيًا قائلة: مع كامل احترامي لك، لكن لا أظنك جات لتسألني عن لون ثوبي والصابون فبالتأكيد شخص في منزلة وقيمة السيد بلايو لم يأت لأسئلة كتلك! ارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة جانبية ساخرة ومتكلفة، وأخذ يدور حولها ببطء قائلاً: أنتِ فتاة ذكية يا جوليانا، وسأتكلم معكي بصراحة... أخي أصبح متغيراً عن ذي قبل منذ مجيئه إلى هنا، وهذا التغير لا يعجبني، ولا أحد معه سواكِ، فقلت لعل جوليانا تعرف سبب التغير. كان يقف أمامها بعد أن توقف عن الدوران حولها لتهز جوليانا كتفيها، وتمط شفتيها قائلة بلا مبالاة: وأنا ما شأني أنا مجرد مُعالجة لا أكثر ولا أقل اسأل أخاك. استدار حولها مجددًا حتى وقف خلفها، واقترب من ظهرها وأذنها، وقطب جبينه قائلاً بعتاب متكلف وكأن كلماته كفحيح الضبع القذر: جوليانا!!! لقد كنت أقول إنك ذكية، لما تتخذين من جلد الحرباء لونًا في التخفي الآن؟! أنتِ امرأة جميلة ولا أنكر هذا، ولا يمكن لأحد أن لا يعجب بكى وأخا شاب في عز عنفوانه، فقلت لعلك تعرفين سبب التغير. ثم أخفض صوته أكثر قائلاً بشيء ما أقرب للهمس: أو تكونين أنتِ سبب التغير من يدري. هنا ويكفي لم يعد لديها ذرة صبر واحدة وليحدث ما يحدث، وإن قطع رأسها أهون عليها من ذل وقذارة ما تسمعه، وقد التفتت تنظر إليه قائلة بغضب متناسية من هو وأي شيء: أنت مختل ومجنون بالتأكيد ولا تفسير للتفاهة والحماقة التي تخرج من فِيك غير ذلك... كيف تُفكر بشيء كهذا السيد حنا عمره ضعف عمري وأنا امرأة حرة... الحرة لا تزني... الحرة لا تدعس على أعرافها وشرفها... إن كُنت تشك في أخيك هذا شيئاً ثانياً، لكن لا تلوث شرفي بوحل قذرتك. زم بلايو شفتيه بغضب من نعته بالمجنون والمختل، وأضْف أيضًا ارتفاع صوتها، وقد تخلى عن شخصية السياسي المحنك الصبور، وأظهر شخصية غاضبة وشرسة لا تظهر إلا نادرًا ومع القلائل الذين يستنزفون صبره، وأصف لذلك لا يرتاح لهم جوليانا. قبض على تلابيب ملابسها، وجذبها بقوة ناحيته، ونظر بعينين اسودت وزادت قتامة وبشاعة لم تر في مثل شرها وغضبها بالوجود أبدًا. ثم صاح في وجهها بقوة قائلاً: أقسم بالرب يا حرة أنكِ ستدفعين ثمن إهانتك وألاعيبك تلك غاليًا... وإن أصبح ما يدور برأسي صحيحًا صدقيني قتلك سيكون آخر شيء أفعله بكِ... فلا تحاولين التخفي كثيرًا فسرك بات مكشوفًا لي، وأقسم إن كان الأمر صحيحاً سأجعلك عبرة لأمثالك الذين لا يستحقون أن يتنفسوا الهواء الذي نتنفسه. كانت تنظر إليه برعب وغضب، ولكن كفة الرعب غلبة الغضب؛ بسبب تلميحاته وايحائاته بكشف سرها الأعظم باتت واضحة، وكان يتلفظ بها من دون تكتم أو تخابث، بل بكل صراحة مخيفة تدفعها للجنون، لكن هناك ذرة عقل بقية لها أنذرتها بأن تُكذب تهديده وتخيلاته وتبرء منها، وتذكرت فقط أن الشيطان يُخوف أولياءه. أما أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. لذا ابتسمت بسخرية من وراء خوفها، وهمست بمنتهى الهدوء ونظرات الاستحقار جلية في مقلتيها قائلة: لم أكذب عندما قُلت أنك مختل ومجنون، وكل ما تفكر به دربًا من خيالك الضيق ولتذهب أنت وتهديدك للجحيم. تقلصت عضلة صغيرة بجانب فك بلايو لتدل على أنه يطحن أسنانه، وقد شعرت بتصلب، وارتعاش بوجنته كدليل على أنا يحاول قمع غضبه، ويمنع ظهور غضبه وإثبات أن كلمات تلك الفتاة قد أثرت فيه، أو أثارت غضبه، واستفزته وهو له مذهب أن الرجل سريع الاستفزاز لا يستحق لقب رجل، بل هو صبي يُجارى الكبار، لكن جوليانا الآن تخطت حدود العقل والصبر، فما كان منه سوى أن يخرج عن ثباته، ويصفعها بقوة شعرت بأن أذنها قد صُمت وأسنانها قد سقطت من موضعها، ولن أنسى الدماء التي انسابت بقوة من فمها على الأرض وهي كذلك وقد نزل إلى مستواها، وهم بضربها مجددا، لكن حنا_ الذي قبل قليل وجد إيفا تحث جدتها على ركوب العربة بتوتر وارتباك متعللة بأنها أوامر أبيها، وقد ركبت حتى، دون أن تودعه، وقد شعر ببعض الريبة من الأمر وبالأخص تأخر باليو، وظنه أنه في دار الخلاء ليقترب من المرحاض، لكن توقف في منتصف الرواق، وهو يستمع إلى تلك المُشادة الكلامية بينه وبين جوليانا التي وصل في نهايتها عند نعت جوليانا لبلايو بالمجنون، وأنه مجرد خيال، وقد صُعق وصُمت أُذنه عند سماعه لصراخ حكمت، وتلك الصفعة _قد اقتحم الغرفة، وتدخل بينهم وهو يدفع بلايو في صدره بقوة يبعده عنها قائلاً بحدة: بلايو يكفي هذا الجنون... أبتعد عنها... هل جننت؟!! ثم هبط إلى مستوى حكمت وأمسكها من يدها وبيده الأخرى أحاط ظهرها حتى يستطيع مساعدتها على الوقوف قائلاً بأسف وقلق: أنا آسف، حقًا أنتِ بخير؟ وقفت معه، ومسحت دمعة خانت عهد الكرامة والقوة والثبات، وهبطت منهمرة بقوة، وقد تلتها أخرى وأخرى، وكان بعينيها فيضًا من شلال منهمر، وهزت رأسها بنعم صامتة، وقد اكتفت من الحديث الآن ليلتفت حنا ناظرًا إلى بلايو، وحكمت ما تزال بين يديه قائلاً، وهو يتمسك بكل سُبل الهدوء والتأدب في معالة أخيه الأكبر: بلايا أذهب أرجوك الآن وأنا غدًا سأعود إلى المنزل لا عمل لي هنا بعد اليوم، يكفي ما حدث اليوم. هنا لن أقول إن بلايو صُدم أو دُهش، وأنه لا يصدق ما يُبصر، لكن سأقول إن بلايو قد تأكد من شكوكه، وبات كل شيء مكشوفًا الآن، وأوضح من قرص الشمس في نهار أيام أغسطس، حنا يُحب جوليانا حقًا والدليل قلقه عليها وسكينتها بين ذراعيه وهدوئها وكأنها وجدت ملاذًا آمنا وحصنًا قويًا. وقد اكتفى بما رأى واستوفى من هذا العرض المخزي والشائن_ وقد لعن نفسه على إجرائه هذا السباق، ولعن حظه الذي أوقعهم في طريق فتاة مثل جوليانا ولعن كمين الفرنسيين فردًا ولعن غباء حنا وقلبه الأخرق الذي أوقعه في حب فتاة مثل جوليانا لا تليق بمستواه ولا بمكانته ولا بعائلته، وأضف على ذلك الشك القوي في حقيقة مسيحيتها التي يحاول أن يصدقها، لكن حدسه يكذبها _ ليمر من جانبهما، ويرحل خارج البيت، ويذهب إلى العربة أمام البيت، ويركب إلى جوار ابنته وأمه متجاهلاً أي سؤال أو طلب تفسير أو توضيح لسبب تلك الدماء على كفه وحالة التجهم والتشدد في خطوط وجهه التعبيرية. ولنعود إلى الداخل مجددا حيث حنا وحكمت، وقد خرجت حكمت من دار الخلاء بعد أن غسلت وجهها وبالخارج حنا الذي ينتظرها مستندًا على الجدار، وكل ما يشعر به الآن هو الضيق والغضب لما قام به بلايو اليوم، وقد كان بين نارين نار الغضب، ولو غضب ستحرق النار أخاه الأكبر ونار الحب التي اشتعلت في سائر قلبه، وقد لعن هذا الموقف الغبي الذي وضع فيه بين أغلى اثنين على قلبه، وبالرغم من أنه تصرف بحكمة، إلا أن جوليانا تستحق أكثر من هذا. اعتدال حنا في وقفته بعد أن كان يستند إلى الجدار بكتفه، ونظر إلى جوليانا عندما خرجت من المرحاض مخفضة رأسها تحاول أن تداري تلك الدموع، واقترب منها قائلاً في هدوء: أفضل الآن؟ هزت رأسها نافية بشدة، ونظرت إلى عينيه بضيق وألم ونار تكوى قلبها بقوة قائلة تزامنًا مع دموعها: لا لست أفضل إطلاقا، ولن أكون أبداً إلا عندما تحين ساعتي ويأتي أجلي. ثم تحركت من أمامه صوب غرفتها، وقد حاولت إغلاق الباب ليمنعها ويدخل خلفها قائلاً، وهو يمسك يده قبل أن تجلس على السرير وتهم بالنوم: جوليانا أخبريني ما حدث صدقيني أنا لم أكُن أعلم أن كل هذا سيحدث. التفتت تنظر إليه بشراسة وغضب ودموعها لا تكُف عن الهبوط، وقد انتزعت يدها بغضب وقوة قائلة: سأخبرك... أخاك المحترم يتهمني بأن هناك علاقة قذرة بيننا... أنا جوليانا التي تحفظ أوامر الرب وتعاليمه يتهمني أخوك في شرفي، ثم ازداد نحيبها قائلة من بين شهقاتها: أنا قد أخبرتك... من قبل.... لا قيمة لي بينكم... أنا لا شيء... ولا أحد بينكم... لقد ضربني لأني... لأني دافعت عن نفسي... هل... هل هذا جزائي... لقد راعيتك واهتممت بك.... هل هذا جزائي... لما تنظرون إلينا دائماً بدونه ورخص واستحقار... ما ذنبي أني ولدت فقيرة... لما ظهرت بحياتي لما... ارحل أرجوك. ارحل ثم وضعت يدها على قلبها، وجلست أرضا مستندة إلى الحائط وهي لا تكف عن البكاء تحت أنظاره المُتألمة لألمها قائلة بنواح أكبر: ارحل أرجوك... منذ أن رأيتك وأنا لا أجني سوى الألم... أنا لا شيء... لا شيء... لم يتجرأ أبي علي ويضربني... ليضربني كل من هب ودب... ارحل يا حنا وجودك يؤلم قلبي... ارحل. لتنهي كلامًا قد خرج من صميم قلبها وأعماق روحها المتمزقة بنوبة بكاء مريرة انخرطت بها، وقد أظهرت جانبها الضعيف والمكسور لأول مرة واحدا غير عائلتها، وقد تكورت على نفسها تخفي وجهها بين ساقيها وذراعيها كل هذا وحنا يُشاهد ولا يقدر على الحديث، وكل ما يشعر به الآن هو شيء مؤلم للغاية يعتصر قلبه، وغضب عارم يسحق عقله، وعيناه تلك قد تلألأت بالدموع لبكائها وتألم لبكائها، وغضب لبكائها، لم يتخيل أبدًا أن الحبيب يشطرُ ويُشارك كل ما يشعر به الحبيب الآخر لم يتخيل أن المعاملة من طبقة فقيرة وفتاة تصغره بثلاثة عشر عاماً كانت تلهو معه، وتتعلق برقبته ستؤثر فيه، وسيقع قلبه في حبها. مسح عينيه بهدوء، ثم جلس أمامها على ركبته، وتجرأت يده، ورفع وجهها مجبرًا أيها لتنظر إلى عينيه، وينظر هو لوجهه لتزيد معاناته من حالتها المأسوية، سواء كان من وجهها المكتنز بالاحمرار والاختناق من كثرة البكاء، أو من تلك الدموع التي يجب ألا تزور عينيها أبدًا. تسلل كفه ماسحًا دموعها بأصابعه، ثم أحاط وجنتها اليسرى بكفه الأيمن، وكل دمه تهبط من عينيها تتلقفها أصابعه، وتمسحها فورا ويده الأخرى تمسك كفها الأيمن، وقد زاد على كل هذا حرارة وجنتيها جراء خجلها وعينيها التي انخفضت بتلقائية وشهقاتها التي بدأت تقل تدريجيًا عندما تحدث بهدوء قائلاً: إن لم تكوني ملكه لأحد، فيكفي أن تكوني ملكه في عيني... ويكفي أني أراكي أعف نساء الأرض... دموعك تلك تمزق حنا من الداخل، وتكوي قلبه ببطء... أنتِ شيء جميل لا يفهمه أحد... أنتِ مراهقتي وصبايا وشبابي... عليك أن تكوني قوية وصلبة الحياة مليئة بألف بلايو وألف جندي مثل ليلة التفتيش... سأرحل، لكن لن أعدك أني لن أعود.... سأعود ولكن حنا آخر لأجد جوليانا أخرى... حياتي كلها ترتبط بحياتك، وإن وقف في وجهي ألف باليو. بللت شفتيها، ونظرت إليه قائلة برجاء: أرجوك لا تُصعب الأمور على، حياتنا ليست واحدة بيننا ألف حائط وألف سد لن تصمد. رفع كفها الأيمن ولثمه، وقد أطال الوقت، وهو يسرق أنفاسه التي يشعر بأنها هواء الجنة يسرقه للحظات، ثم نظر إليها مجددا قبل أن يقف ويذهب قائلاً وعيناه تشع عزماً وإصراراً: سأعود وسأهدم السدود، وأحطم الجدران لأجل عينيك فأنت لا تعرفين من أنتِ بالنسبة لي. في الصباح الباكر استيقظ حنا أو لنقل بمعنى أصح قام من سريره، ولم يطرق النوم باب عينيه المزينة بالأهداب البنية، ولو للحظة قبل بضع ساعات، وكل ما يشغل تفكيره هو غباوة القوى وضعفه وعدم قدرته على استرجاع حق كرامتها التي شعر بإهانتها وصمته ودموع الأمس كانت كماء النار يكوى قلبه ببطئ وهنا فقط تأكد من حبه لجوليانا الذي بالعشرة حدث وتأكد أن لا حياة إلا مع جوليانا، وكل ما حدث وسيحدث سيصلحه وسيقاتل في مواطن كثيرة ليظفر بالحلوة التي وضعها الرب في طريقه مجددا، وقد فتح له الباب ليبدأ طريقه ومشواره مجددا، ومن جديد ويخطه كما خطط لسنوات وأيام وليالي. ولكن جوليانا الآن ليست تلك الطفلة الصغيرة التي لطالما دللها وحملها ولعب معها، بل أنثى ناضجة جميلة تصرخ بالأنوثة، وقد كبرت واختلفت عن تلك الطفلة الصغيرة المفعمة بالحياة التي كانت توزع الابتسامات على الكل من دون حساب، وكم كانت مرحة ولطيفة الآن باتت صامتة قوية الهمة رابطة الجأش أنثى في ثوب رجل، لكن ما تزال تحتفظ من طفولتها بخجلها وبراءة وجهها وطيبة قلبها وأكبر دليل تلك الدموع التي انهمرت فور حدوث مشكلة الأمس تدل على أن قلب العصفور يختبئ من الصقر الجارح في صورة ذئب قوي. وضع حنا يديه في خصره، وفرد ظهره وزفر أنفاسه بقوة، وأرجع رأسه للوراء، وهو ينظر إلى السقف للحظة قبل أن يهم بالخروج من الغرفة وبالأخص أن هذا الألم في ذراعه أقوى وأشدّ فتكًا من الذي بخاصرته، لكن يريد الخروج يُريد أن يراها الآن وبأي طريقة وثمن! خرج ممسكًا بذراعه بألم، ولكن البيت على عكس عهده منذ مجيئه خالي منها، ومن نشاطها الصباحي المعتاد لسيت في حجرة المعيشة ولا حجرة الطعام ولا في الحظيرة، ولا يصدر منها صوت من المطبخ. زفر أنفاسه بسأم، وضيق ثم اتجه إلى المطبخ حتى يشرب وأخذ في الشرب من هذا الكوب الفخار، وبينما الكوب معلقاً على فمه تعلقت عيناه بمنظر آخر صدمة وبشدة!! وتعلق الكوب في الهواء والعينين في الغرفة! ما هذا الذي يراه الآن؟ هل حقًا تلك جوليانا الصغيرة التي كانت تعقد شعرها على هيئة أذني قطة، وتحمل بين يديها عرائس صغيرة؟ هل حقًا تلك جوليانا الصغيرة التي كانت تتسلق قدميه وظهره حتى تقف على كتفه، وترى البحر من فوق؟ أم تلك جوليانا الصغيرة التي كانت تتعلق بيده فور رؤيتها له، حتى يلعب معها، ويؤرجحها في الهواء؟ لكن الإجابة لا! بالطبع لا ومن يقول غير ذلك فهو أعمى. وكيف تكون صغيرة وما تراه عيناه يُكذب ذاكراته؟ وقد ظهرت له من خلف الباب المتواري تنام بهدوء وسلام ناثرة خصلات شعرها الأسود على الوسادة حولها، وترتدي منامة وردية طويلة بأكمام طويلة، لكن المنامة من دون ذلك الوشاح الذي ترتديه دائماً تظهر جوليانا الأنثى الجديدة أمام عينيه. ابتلع الماء، ووضع الكوب بإهمال على الطاولة، ثم أخذ يقترب من الباب غير محكم الإغلاق ببطء، حتى وقف قُبيل الباب، ورفع يده حتى يفتح الغرفة، ولكن تعلقت يده في الهواء هو بين صراع إما أن يستمع لهوى نفسه وشيطانه، ويدخل ليختلس نظرة صغيرة عن قرب، أو يغلق الباب، ويحفظ حرمة الرب، ويتبع تعاليمه، وينتصر على نفسه. وظل معلقًا في هذا الصراع، حتى زفر أنفاسه بقوة، وأمسك المقبض، وقد دخل إلى الغرفة لتنتصر نفسه الأمارة بالسوء، ويقترب أكثر من سريرها. وقف أمام سريرها، وقد ألقى نظرة عن قرب لها كم كانت تغط في نوم عميق وكأنها تهرب من هذا العالم بالنوم، وبالرغم من عمق نومها كان وجهها مجهداً ومتعباً وقد كانت تان ببعض الألم. تجرأت يده، وأبعدت شعرها عن وجنتها اليسرى، وانسابت أصابعه على وجهها وكأنها تتذوق نعومة بشرتها، لكن النعومة كانت بارداً حتى نزل إلى رقبتها، وكانت باردة هي الأخرى، ثم التفت إلى النافذة إذ بها مفتوحة على مصرعيها والستائر تتطاير بسبب الريح الباردة العالية، وقد فسر له هذا برودة جسدها، أغلق النافذة ورفع الغطاء من على الأرض، ثم دثرها جيدًا، وقد صاح عقله بقوة "يكفي الآن، لقد أخذت نظرة أرجع!" لكن نفسه أبت العودة، وقد جلس إلى جانبها وكأنه مسلوب الإرادة خائر القوة خرع العزم أمام ما تراه عيناه الآن. داعب خصلات شعرها بهدوء، وخلل أصابعه بينهم، ثم حررها وأخذ يعيد الكرة وكأنه يمشطها وكانت رائحة الياسمين المنبعثة من شعرها أسرت قلبه، وسرقت بقايا عقله. ترك أسر شعرها، وزحفت يده إلى وجنتها يداعبها بهدوء ونعومة، وقد ابتسم بهدوء، وهو يتذكر عندما كانت في السادسة من عمرها عندما قرصتها نحلة في وجنتها اليسرى، وكانت تبكي بقوة، وتشكو له بأنها صارت قبيحة، ومن في عمرها يرفضون اللعب معها، وصارت محط سخرية وعندها أخذها في جولة على حصانه، وأخذ يُريها أماكن جديداً حتى توقفت عن البكاء، وخفف عنها ببعض كلمات الثقة والتحفيز. همس بصوت منخفض، وهو يميل عليها يستنشق عطرها الخفي قائلاً: أصبحتِ امرأة تأسر القلوب يا جوليانا... لا توقعينى في شباكك أرجوكى... فلا يمكنني أن لا أُعجب بكِ. ثم مال على وجنتها يلثمها بخفة وهو لا يعرف كيف ساقته نفسه من مجرد نظرة إلى قبله! ثم ابتعد عنها ما أن أدرك غباء وحماقة ما يفعله.