وسقطت حكمت - الفصل 9 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 9

الفصل 9

في تل الغرباء، وفي المساء كانت خديجة في غرفتها هي، وطارق الذي كان يجلس على كرسيه في زاوية الغرفة ممسكًا بمركب خشبية قد صنعها له اثانيوس خصيصًا من أجله بعد أن علم بسفرهم الذي بات على الأبواب وما هي إلا أياما قلائل، ويعود الطير مع أمه إلى عشهم الصغير في مدريد للعودة إلى عصفور في ورطة ينتظر أمه لتنقذ جناحه المكسور. لكن طارق لا يريد أن يعود أبدًا يريد أن يبقى في غرناطة مع أبناء خلانه ورفاقه الجدد هنا، وقد ألف المكان والناس، وأحب تلك الروح الطيبة التي تغمر الجميع في البيت، وكان الكل يلعب في فريق واحد قد تجد بعض المشاحنات والغيرة، لكن أن مس أحدهم الضُر يتكاتف الجميع، وينسون تلك المشاحنات، ويصبحون على قلب رجل واحد من أجل اجتياز تلك المحنة، وأضف إلى ذلك أنه لم يشعر بهذا الدفيء إلا بين أسرته وهنا لا مكان لتلك المشاعر في مدريد بين أصدقائه الذين كلما تقدم بهم العمر باتت تظهر بينهم نزعه من الأنانية والغيرة والفتور الذي لم يشعر به بين أقربائه هنا، وبالطبع لم يترك وسيلة إقناع إلا واستعان بها، وفعلها سواء أن توسل إليها، أو ساق خلانه على أمه امتنع من اللعب في الشارع، أو أطاع أوامرها، أو رتب الغرفة، ولكن للأسف كالعادة بات محاولات بالفشل الذريع، وقد استعان بآخر حل هو الامتناع من الطعام وقد عزم على حبس نفسه في الغرفة، لكن هذا أيضا لم يجد نفعًا، ولم تقتنع خديجة بشيء وهي أكثر منه عنادًا وتمسكًا برأيها، بالرغم من محاولات الجميع، إلا أنها استعانت بالله، وعزمت على إكمال حياتها في مدريد إلى جانب ابنها وابنتها. وبين حل الفينة والأخرى كانت تختلس الأنظار تجاهه، بينما تحيك بعض الجوارب ببكرة صوف وإبرة تطريز عملاقة، وقد رق قلبها له، وشعرت بالأسف تجاهه بسبب الحزن الحقيقي الذي ملئ وجهه وهو يشرد في تلك اللعبة بين يديه، حتى تركت ما بين يديها، وأمرته بالمجيئ، وقد أزعن في تلبية الأمر، وجلس على السرير جوارها مطأطأً رأسه، حتى احتضنته وضمته إلى صدرها قائلة بهدوء ومسايسه: أنا أعلم أنك حزين؛ لأنك لن ترى أصدقائي هنا إلا بعد مدة طويلة أو قصيرة الرب وحده يعلمها، لكن حياتنا كلها في مدريد قبر أبيك، وأختك وعملي و عملاختك ودراستك في الكنيسة، كل هذا في مدريد لا غرناطة. رفع رأسه من على صدرها، ونظر إليها بعيني القطة، وتموجت جبهته قائلاً باعتراض: لما لا تأتي جوليانا إلى هنا، وأذهب إلى كنيسة هنا وينتهي الأمر. هزت رأسها نافية قائلة بهدوء وحزم: أخيرا في تلك الدنيا ليس كل ما نريده ونتمناه ندركه، يجب علينا التضحية لأجل الأهم، ألا تريد أن تصبح نجار وتهوى الصيد؟ هز المعترض رأسه لتستأنف هي قائلة: مدريد مليئة بالأنهار عكس غرناطة تستطيع الصيد كيفما شئت وهناك ستعمل في النجارة، لكن لا حياة لنا في غرناطة يا صغيري. اتفقنا يا أخيلا؟ هز رأسه منكسًا إياها، ووافق على مضد مضطر وهو يرى كل الطرق والسُبل قد سُدت في وجهه ولا أمل في حديث لا طائل منه سوى الرفض. ابتسمت خديجة بهدوء، ولثمت رأسه وضمته إلى صدرها مجددا قائلة: هذا هو ولدى العاقل... وأنا أعدك أنه كلما سمحت الفرصة سنأتي إلى هنا من جديد. ثم بدأت في تسطيحه على السرير وتغطيته وإطفاء الشموع من حولهم، وتندس إلى جانبه في الفراش، حتى غط كلاهما في نوم عميق. ---------------------------------------------------------------- في مكان جديد آخر سنذهب إليه في منتصف الليل قارس البرودة سويًا، فاستعدوا وارتدوا المعاطف، وأمسكوا بالشموع وهيا بنا إلى أسفل الأرض، وليس سرداب جوليانا، بل سرداب محكمة التفتيش الخاصة بمدريد. وقد كانت كاترينا العجوز تسير إلى هناك صوب مكتب الضابط المسؤول _ وهو أعلى رتبة من بعد البابا في المحكمة _إلى جانب جندي قد استقبلها من على الباب، ولم تكن المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة على العموم، وقد اعتادت بالتردد على المحكمة كلما وجدت شيئاً ذا أهمية لتوشى به إلى المحكمة، وتاخد مكافأة من بعض العملات الذهبية إذا كانت المعلومة ذات أهمية، وإن لم تكن، فقد تُعلق على العجلة الدوارة مثل ذلك الذي قد عُلق رأسًا على عقب، وارتفعت قدميه لفوق، وقد احمر وجهه من شدة الاختناق، وسالت الدماء من سائر أنحاء وجهه وصدره العاري وفمه مكمم بقطعة قماش لتقلل من صدى أناته المتألمة، وفي زاوية الغرفة كان آخر معلقاً من يديه التي تشققت مفاصلها من التعلق الطويل لتنزف هي الأخرى، وقد فقد وعيه من شدة الإعياء والألم، وناهيك عن عتمة الغرفة والظلام الأشدّ سوادًا من العمى ولا منفذ للضوء سوى بعض الشموع على مكتب الضابط المسؤول هي التي أزالت عما كترينا _ وللعلم فقط قد كانا هذين الاثنان هم الفرنسيون الذين لفقا الكمين قبل بضعة أيام، وقُبِض عليهم واستجوابهم حتى اعترفا بالجريمة، ولا يزالون يبحثون عن المخطط للكمين، ولكن هذا ليس مهمًا الآن _. وقفت كترينا التي لم تبالي بالأناة المتألمة حولها، وآلات التعذيب حولها، وكان قلبها قد انتزع ولا يمكنني أن أقول حجر؛ لأن الحجر قد يخرج منه سر الحياة وهو الماء. أما قلبها لن يخرج منه سوى سحر أسود سفلي بشع لا يمت للرحمة والمشاعر الطبيعية بصلة! رفع ذلك الضابط رأسه قائلاً، وقد علم سبب مجيئها من قبل أن تتكلم: إن كان شيء تافهاً كالأسبوع الماضي ستُشرفين الزنزانة بجانبك. توترت بعض الشيء، وهزت رأسها نافية قائلة بسرعة: لا يا سيدي أقسم أنه أمر مهم، في الحي الذي بعد كنيسة المدينة بشارعين هناك عائلة من رجل وفتاة وصبيين من المسلمين يعمل الأب في النجارة والفتاة في عمر السابعة عشر والصبيين تقوم في عمر الخامسة عشر يعملون في النجارة هم أيضا وأمهم ماتت من عامين. أمسك ذلك الضابط سره من العملات الذهبية قد أخرجها من درج المكتب، ومد يده في أنفي وغرور لا يوصف وكأنه ملك الكون. ولا حاجة إلى الوصاية، فقد سال لعاب كاترينا فورا، ولمعت عيناها بجشع، وطمع كأنها كلب مسعور وجد عظمه سيتسلى بها وبالفعل هي كذلك، مدت يدها تأخد السرة، لكن ذلك الضابط أبعد يده، ونظر إليها في غرور وتهديد ونوع من الزل قائلاً ً: أقسم بالرب إن كانت معلومات كالمرة السابقة لن أتهاون أبدًا قد أنذرتك. ثم مد يده بالسرة مجددا، حتى أمسكتها أخيرا، وأخذت في رفعها في الهواء عدة مرات والإمساك بها قائلة: لا تقلق سيدي الأمر صحيح مئة بالمئة. في صباح اليوم التالي في عش النمور لن أنكر أن كلا النمرين قد ناما، لكن نومهما لم يكن كافياً، فكلا النمرين قد أصابهما الأرق وداء التفكير الذي ليس له دواء ومرض المشاعر الجديدة التي بدأت تُداهم قلوبهم وكلاً منهما بطريقة مُنافية للأخرى وإحساس غريب وآخر مُقلق لكليهما. فسأبدأ بجوليانا التي كانت في حالة من المصارحة وجلد الذات التي لا بد منها وبالأخص، وهي تشعر ببعض الانجذاب والود تُجاه حنا، وهذا الأمر غير مقبول تمامًا بأي شكل من الأشكال. ولنقُل سويًا أنه إعجاب مجرد إعجاب لا أكثر، لكن هل هذا الإعجاب صحيح؟! استندت بجبهتها على النافذة، وأخذت تنظر إلى الشارع الجانبي من النافذة المطلة عليه، وقد أخذت ترتب أفكارها، وتبحث عن الصواب في كومة من المشاعر المحرمة والأحاسيس التي لا مكان لها سوى سلة المُهملات، أولاً وقبل أي شيء، وكل شيء اختلاف دينهم والذي هو محرم في الإسلام زواج المسلمة من غير المسلم، وأضف على ذلك أنها ليست مسلمة عادية، بل مورسكية أندلسية وهو مسيحي إسباني، ومن كبار رجال الدولة والشرطة، وإن علم بإسلامها شيء ستلقى الأدبي في الفردوس الأعلى بإذن الله ولا نقاش في الأمر. ثانيًا: أخوه الجلف المتكبر ملك الغرور والتبجح بايو الذي لا لوم على حنا فيه ولا ذنب؛ لأن أخاه مجرد جلف متبجح بارد عديم الذوق، وقد تذكرت عندما كان حنا يموت كم توسل لها بلايو، وتذلل حتى تنقذه وما إن انقضى طلبه بدأ يعاملها كسائر سادت مدريد الذين لا يعرفون أحدًا أعلى منهم ولا أهم منهم غيرهم، وهذا هو الطبيعي والحقيقي على أرض الواقع. ثالثًا أمها، أمها هي الأخرى لن تقبل هذا الأمر والوضع مثلها تماماً، وقد تمزقها إربا صغيرة، وتضعها في حقائب وتطعمها للكلاب. رابعًا: والأهم هل حنا يبادلها نفس الوضع المُسمى بالإعجاب؟ هل يشعر بشيء حقًا تُجاهها؟ هل ينظر إليها نظرة مختلفة عمن هم من طبقتها أم يراها تلك الفتاة الصغيرة؟ وقد كذبت كل حديثه وغزله ليلة أمس متعللة بأنه مجرد اختبار منه ليرى هل ستستجيب له أم لا وهل ستميل بالحديث المعسول، وتقع في شباكه كالذبابة في شباك العنكبوت والنهاية لا تحتاج إلى شرح بالتأكيد_والآن جمهور حنا سيقول لا حنا لم يُفكر أبداً هكذا، بل هذا حب صادق والبعض سيقول إن حكمت فقط قد صنعت من حبة الرمل قبة زجاجيّة الآن، لكن أنا أقول إن غاية حنا من حديثه كما فكرت حكمت، ولكن مشوباً بالإعجاب هو الآخر _. زفرت حكمت بهدوء، وتمسكت بهذا الشال الثقيل بلون الزبيب المُلتف حول كتفيها، وأرجعت خصلة متمردة من سواد الليل الكامن في شعرها خلف أذنها، لكن تعلقت يداها في الهواء لثواني، وقد اتسعت حدقتاها وهي ترى بلايو ومرلين وإيفا ينزلون من العربة أمام بيتها، وقد طحنت أسنانها البيضاء بضيق من فور رؤية وجه بايو الذي كانت تفكر به منذ ثواني، وقد فكرت لما لم تفكر بالهرب لكانت خارج إسبانيا الآن وهذا أفضل لها! --------------------------------------------------------------------------------------- قبل قليل في غرفة حنا كان مضجعاً على جانبه الأيسر عاقدًا شعره برباط شعر كما فعلت حكمت_ وقد أعجبته تلك الفكرة، وقد شعر بأن معالم وجهه قد ظهرت من خلف شعره الكثيف والطويل _ وينظر إلى ساعته الذهبية، وقد كان يفتح ويغلق غطاءها بشرود وتفكير وآخر شيء يشعر به الآن هو تلك الساعة التي بين يديها، وقد انصب تفكيره في صاحبه رائحة الياسمين والورد المتفتح في وجنتيها والغموض في عينيها ومنذ ما حدث بالأمس، ولم يتحدث معها، وقد اقتصر الصمت بعد أن حصل على إجابته المنتظرة وكما توقع قلبه جوليانا فتاة نقية لا تستسلم لهوى النفس وحديث الشباب الذي يوقع في الشباك ونهايته خراباً. وعلى قدر سعادته بكونها طاهرة، إلا أن تلك المشاعر التي يُسميها حنا حب نعم كما قرأتم حباً، وأكررها للمرة الثالثة حب قد أرقت مضجعه، وسلبت لُبه في دوامة من التفكير وهو هل ما يشعر به طبيعي تجاه فتاة مثل جوليانا في سنها بالأخص وقد كان يُلاعبها وهي صغيرة، لكن الآن لفتت نظره، وصارت شابة تخطف العقول وتأسر القلوب؟ وهل عائلته سترضى بهذا الحب، وستبارك أسرته التي يحلم بتكوينها معها؟ وبالأخص أن جوليانا من العامة وخارج العائلة، فمنذ أن وطئت عائلته إسبانيا منذ سقوط الأندلس، وقد أقسموا على الزواج من داخل العائلة فقط! وهل ستقبل جوليانا بهذا الحب، وستقبل أن تشاركه تلك المشاعر والحياة القادمة؟ زفر بقوة، ورمى ساعته على صندوق الملابس، واعتدل في جلسته، ونكس رأسه في حيرة وتفكير، وقد أقبل على أمر، واقتحم عالماً سيفتح عليه أبواب من النار والحروب، ولن يكون طريقه سهلاً كسائر قصص الأطفال التي تروى في الأزقة والطرقات من قبل الراوي الذي يقتات على سرد قصة الأميرة المسكينة والأمير الشجاع الذي تحدى الشر وغلبه ليظفر بعروسه، لا فجوليانا بالنسبة له بئر عميق من الغموض عليه أن ينزل إلى قاعه، ويكتشف أسراره ويخرج تلك الجوهرة من الروح المرحة المدفونة أسفل طين الغموض، وحجر الصمت ورمال الخوف التي دائماً ما يراها في عينيها البنية تلك التي تكفي أن تنظر إليه فقط لتجعله كالخاتم في إصبعها. لكن الخاتم تكسر هدوءه وتفكيره الآن، وهو يستمع إلى تلك الضجة في الخارج، وقد كانت أمه وأخوه وابنة أخيه وبالتأكيد قد أخبرهم باليو، بالرغم من توصيته بعدم إخبارها. خرج من غرفته ليجد جوليانا تلقت المعاطف الخاصة بهم، وتنحني ثم تذهب لتُعلقها، وتنعطف إلى المطبخ، ولكن تركيزه قد سُرق وهو يعانق والدته التي انهمرت دموعها بفرحة غامرة، وقد رأته يقف مجددا على قدميه، واسترد صحته المسلوبة مجددا وأي شيء أجمل وأعظم عند الأم من أن ترى أبناءها في أحسن حال وخير صحةً وعافيةً! امسك حنا كفيها ولثم كلاهما بهدوء؛ ومن ثم رأسها، ومسح دموعها بأصابعه قائلاً بهدوء ليبث لها الاطمئنان والسكينة: اهدئي يا أمي... أنا بخير الآن صدقيني وعن قريب سأرجع إلى البيت مجددا فقط اهدئي. ثم تابع بعتاب قائلاً: لما أرهقت نفسك أنا عائد بعد يومين للبيت. نهرته بهدوء قائلة: ليس من شأنك أنا أتى في أي وقت يا ولد... ثم تريدني أن أعلم ما حدث في الحي، وأتركك أصمت وأحمد الرب أنك مريض وإلا كنت أدبتك. فلتت من حنا ضحكة هادئة، وأعاد والدته التي تصل إلى أسفل صدره إلى أحضانه مجددا، ونظر إلى بلايو قائلاً في تسائل ونوع من اليقين: أنت من أخبرتهم؟ بمنتهى الهدوء والبساطة هز بلايو رأسه بالموافقة ليقلب حنا عينيه بملل، ثم عانق إيفا التي قفزت بمرح، وابتعدت عن أحضانه لتقول بسرعة، وهي ترفع يدها اليمنى المُزين بنصرها بخاتم الخطوبة قائله ببهجة: عمي أبي وافق على خطبتي من تيتوس والفرح خلال العام أنا سعيدة للغاية. _وأنتم لا تعرفون قصة حب تيتوس وإيفا التي مر عليها عام كامل من رفض بلايو لذلك الفتى الذي كان في منتصف عقده الثاني بحجج واهية سواء عمله أو دخله أو مظهره وغيره، بالرغم من أنه من عائلة أحد النبلاء أيضا، ولكنه اضطر مرغمًا على الرضوخ وتسليم فلذة كبده إلى تيتوس هذا _. ضيق عينيه قائلاً بعتاب: من دوني؟ هزت رأسها نافية بسرعة قائلة، وهي تستدرج حماقتها: لا الأمر ليس هكذا لم نحتفل من دونك فقط مجرد اتفاق، ثم ارتفعت إلى مستوى أذنه، وقد مال هو الآخر إلى مستوى شفتيها لتهمس بصوت منخفض قائله وكأنها تُسرب أخبار الحرب: أبي لا يزال غير موافق وأمي أقنعته بصعوبة لذلك هو عابس. غمز لها بعينه اليمنى، وهز رأسه بتفهم ليصافح بلايو الذي استوقفه وابتعد عن عناقه قائلاً في دهشة وضيق، وقد صوب نظره تُجاه شعره: منذ متى وأنت تعقد شعرك برباط شعر؟! رفع كتفيه بلا مبالاة وهدوء، وقد عدُل عن مصافحته قائلاً بهدوء أقرب للبرود المسبب للجلطة الدموية: تغير. ما رأيك؟ آمال بلايد رأسه قائلاً ببرود هو الآخر، وقد رمى بكلامه شيء وحده حنا قد فهمه: أتمنى أن يكون تغير فقط. تجاهل حنا نبرته التي تحمل بين طياتها حديثاً لا يتمنى أن ينفتح الآن، وفي هذا المكان وهو غير مستعد الآن أن يبرر لبلايو تغيره هذا الذي علم أن جوليانا هي السبب الرئيسي به. جلسوا جميعهم في الصالون، وقد أقبلت حكمة وبين يديها صينية الضيافة قد فرقت على الجميع ما فيها من شاي وبعض الحلوى، وهي تستقبل الشكر من الجميع، وتتحاشى عيني حنا وهو الآخر كذلك، ولكن شعرت برجفة سرت في جسدها جعلها تُريق بعض الشاي في صحن، وقد شعرت بأن برودة قوية عصفت بجسدها عندما تحدث بلايو إلى حنا قائلاً بمكر: صحيح لقد قُبِض على اثنين من المتورطين في كمين محكمة مدريد، واعترفوا بما حدث وعن زملائهم، وقُبِض على البقية اليوم، ثم تابع وهو ينظر إلى جوليانا بنظرة ذات مغزى لم تغفل عن حنا عندما أكمل بلايو وعيناه في عيني جوليانا بتحد: وألقوا القبض على عائلة مسلمة تدعى النصرانية في ضواحي المدينة. ثم أمسك بفنجان الشاي، وقد اهتزت مقلتاها بهلع فقط من مجرد التفكير والسماع ونظرات الشك والتحدي التي يغمرها بها بلايو من رأسها لأغمس قدمها لينظر إلى ارتجاف يديها ثم إلى وجهها مجددا قائلاً بمكر: هل أنتِ بخير يا جوليانا؟ رمشت أخيرًا بعد طول انتظار، وتلاقت أهدابها التي افترقت لمدة بتوتر وكأنها غابت عن العالم للحظة، وعادت مجددًا لتهز رأسها بنعم قائلة ببهوت: فقط داهمني الدوار. ارتشف قليلاً من الشاي قائلاً، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لا يراها غيرها: سلامتك، ما الأمر؟ أنقذ حنا جوليانا من هذا المأزق، وبالرغم من أنه لا يفهم ماذا بها، إلا أنه شعر بأن بلايو يتفنن الآن في مضايقتها واللعب على أعصاب المسكينة، ثم تحدث بهدوء قائلاً: فقط ليلة أمس ارتفعت حرارتي وجوليانا ظلت جانبي تداوينا لذا لم تنم جيدًا. رفع بلايو حاجبيه، وقوس شفتيه وهز رأسه بتفهم قائلاً: لم أكن أعلم. لتكمل مارلين الحديث قائلة بود: شكرا لكي يا جوليانا لولا أن وضعك الرب في طريق ابني لكان في خطر الآن صدقيني لا أعلم كيف أرد جميلك هذا ليحفظك الرب. ابتسمت جوليانا ببهوت قائله، وقد تبدل صوتها إلى آخر بارد ومرهق خالي من الحياة: العفو منك سيدتي لقد قمت بواجبي ليحفظك الرب. ثم انحنت واستأذنت لتذهب إلى غرفتها، لكن قاطعت طريقها إيفا التي قفزت بحماس واجتازت حنا، ومرت من فوق قدمه قائله: انتظري سآتي معك. رفع حنا أحد حاجبيه، ونظر إلى بلايو الذي لم يبد أي ردة فعلاً، وجلس ببرود تام، وهو يتابع فنجان الشاي بين يديه ويا كل تلك الكعكة الصغيرة، ولم تكن تلك عادة بايو أن يترك ابنته الوحيدة تصول وتجول وتمرح مع أي كان فما بالكم بجوليانا التي لا تسنح له الفرصة حتى يجد غضبها، ويُشعل غيظها وبما أن الأمر كذلك فبالتأكيد تلك تعليمات بلايو وله يدًا عُليا وسفلى في ذلك، ولكن لينتظر ويعرف ما نهاية تلك الزيارة التي بدأت تبدو له غير بريئة كما تظهر بالمرة ولها أهداف أخرى عاجلاً أم آجلا سيعرفها. وقد رحلت إيفا مع حكمت ودخلوا إلى الغرفة حتى غابوا عن الأنظار، وظلت مارلين تتجاذب أطراف الحديث بين حنا وبلايو لمدة ما، حتى وقف بلايو بحرج قائلاً، وهو يرفع ستار الرواق الطويل: عذرًا أحتاج إلى الدخول لدار الخلاء، ولكن لم يشك أحدًا في غير هذا حتى حنا سلم عقله له تلك المرة، ولكن بلايو قصد غرفة جوليانا، ووقف خلفها يتنصت على حديثهم! --------------------------------------------------------------------------------------- قبل قليل اتجهت جوليانا مع إيفا إلى غرفتها في نهاية الرواق الطويل_ وقد انبهرت إيفا بحجم البيت للكبير وسعته مقارنة ببيوت العامة في هذا الحي _وقد أدخلتها أولا ثم هي من بعدها، وقد جلست على سرير جوليانا المتوسط المغطى بأغطية وردية ولحاف من الصوف الأبيض وبطانية بيضاء أيضا، وقد جلست جوليانا على كرسي في زاوية الغرفة، لكن إيفا أشارت إليها بالاقتراب قائله بود حقيقي _وقد نسيت ما قاله والدها عندما أمرها بأن توقع جوليانا في الكلام، وتحصل على أي معلومة، حتى لو كانت صغيرة، وتضرب بكلامه عرض الحائط لتظهر شخصية لطيفة بعض الشيء في زي مخملي مثلها كمثل حبة السكر الحلوة البيضاء في كوب القهوة المرة الداكنة-: تعالى لما تجلسين بعيدًا لم أتى للجلوس مع نفسي. هزت جوليانا رأسها، واقتربت منها بكرسيها لتشير إيفا إلى السرير قائلة بمرح: يا امرأة انظري للفراغ الذي تمرح فيه الأشباح هيا اجلسي إلى جانبي. امتثلت حكمة للأمر، وجلست بهدوء، وقد بدأت تهدأ قليلاً بسبب مرح إيفا وحديثها الذي يجذبها خطوة خطوة من تفكيرها ورعبها قبل قليل، وقد أيقنت حجم خطر وجود حنا ليس في البيت فقط، بل في حياتها كلها وتلميح باليو. أما نبع من مصدرين الأول أنه فقط مجرد تلميح وشك ليضغط عليها حتى ينهار ثباتها أمامه والآخر، والذي تدعوان الله أن لا يكون حقيقيا هو أنه علم شيئًا عن حقيقة دينها، وإن كان صحيحاً، فلنودع كلنا حكمت الآن، لكن الأخير تقوم به إيفا الآن التي تذكرت أنها جات حتى توقع حكمت في الحديث، وتحصل على أي معلومة تفيد بلايو ليطمئن قلبه أولاً وليتأكد أن حنا لن يفكر بها مُطلقًا! خرجت حكمت من دوامة التفكير والقلق تلك على تلويح إيفا أمام وجهها بيدها قائلة وكأنها توقظها من نومها: يا فتاة هل نمتى انظري لي أنا أُحدثك! هزت حكمت رأسها وكأنها تستيقظ من النوم، واعتدلت أكثر في جلستها، واعتذرت قائلة بحرج: اعذريني سنيورة فقط شردت قليلاً. هزت إيفا رأسها قائلة بتفهم: لا عليك. ثم تابعت وهي تنظر إلى غرفتها قائلة بنوع من الانبهار والدهشة: بيتك كبير حقًا ليبارك الرب فيه. طقطقة حكمت أصابع يديها قائلة بهدوء: هذا بيت جدي ورثه أبى عنه، وقد كان وحيدًا لذلك أخذ البيت، وفي الأصل جدي كان يعمل شابا، وفي العلاج بالأعشاب، وكانت تدُر عليه دخلاً جيداً، وقد بني هذا البيت بنفسه. هزت إيفا رأسها ببطء، وقد بدأت تفهم ما تقول قائلة: لهذا السبب البيت كبير، وأنتِ أصبحت قابله... وماذا عن أبيكِ وأمكِ اقصد لم أر أحدًا معك هنا من قبل. أجابت بهدوء قائلة_رغم أن قلبها يُنذرها بأن تلك الأسئلة ليست بتلك البراعة التي تظهر بها، بل أكيد تختبئ أسفلها بثوب دنس مليء بالمكائد والمكر _: أمي من غرناطة، وأبى من مدريد تزوجوا في غرناطة وانجبونى هناك، ثم عدنا لمدريد للعيش مع جدي حتى توفى، ومنه بعده أبي بثلاثة أعوام وعندي أخ أصغر مني بكثير والآن هم في غرناطة؛ لأن جدي لأمي قد أعطاكِ عمره، ورحل وهم هناك يستقبلون مراسم العزاء." قطبت إيفا جبينها، وقد ضاقت عيناها البنية تلك قائله بتسأل: ولما لستِ هناك؟! ابتسمت حكمت بتكلف قائله: نصيبي هكذا سيدتي حتى أقابلك وأُقابل السيد حنا والسنيورة مارلين والسيد بلاو. ابتسمت إيفا هي الأخرى قائلة بمرح: لا بد أن حظك رائع لتقابلي أحدا مثلي. ثم التفتت تنظر إلى التسريحة الصغيرة والمرأة، وقد وقفت واتجهت إليها تنظر إلى ما عليها من زجاجات عطور وكحل، وأحمر شفاه وزيوت خاصة بالشعر، وأمسكت باحدا زجاجات العطر، ووضعت منها على ظهر يدها بحذر، واستنشقت علي مهلاً، وقد صُدمت تمامًا من جمال رائحة العطر القوية، والتفتت تنظر إليها، وقد توسعت حدقتيها، ورفعت حاجبيها ولوهلة ظنت أنهما التحموا مع شعرها قائلة بدهشة: من أين أتى بهذا العطر رائحته رائعة وقوية. وقفت حكمت واقتربت منها قائلة بابتسامة صافية: هذا من ذوقك فقط، أنا من أصنعه تفضلينه إن أردت. أغلقت الزجاجة، ووضعتها في مكانها، وأشارت إلى زيوت الشعر قائلة بشك: أنتِ غير معقولة، لا تقولي أنكِ تصنعينها أيضا؟ هزت رأسها بنعم، ولا تزال تلك الابتسامة الصافية والفخورة تعتلي شفتيها، وقد شعرت بعلو قيمتها وقدرها وكأنها ملكة الأرض فقط؛ بسبب اندهاش إيفا _وكذلك هو حال قلوب العصافير في تلك الدنيا تتفاعل مشاعرها بكل صدق وشفافية مع المواقف، ففي أتفه المواقف بالنسبة لبعض البشر تجد قلوب العصافير تبكي أو تضحك أو تساعد أو تهتم بالغير، ولا يفهم أحد مشاعرهم إطلاقا إلا القلة القليلة من البشر فقلوب العصافير يراها الناس غريبة الأطوار فقط تبكي لموت عصفوره، وتنجرح لمجرد كلمة، وتبتسم بكلمة ثناء أو شكر صغيرة، وهي تترك محتاجًا إلا وساعدته ولا عائذًا لجاء إليها إلا وأنقذته والبعض يُطلق عليهم الحساسون أو الطيبون وبعض الحمقى يطلقون عليهم البكائون أو الحمقى والبعض السيئ يتفنن في استنزاف تلك الروح النادرة وذبحها بالبطيء_. أخذت إيفا تفتح زجاجات العطور، وتختبر روائحها الذكية، وقد أعجبت بالبعض، وأحبت البعض وعطست بسبب حساسية من البعض، وأمسكت بزيت الشعر تجربة، وقد أحبت هذا المظهر الذي اكتسبه شعرها من لمعان قوي، وكانت تتصرف بحرية غريبة وكأنها في بيتها، ولو رآها أحدًا لأعتقد أنها أحدًا جاراتها وصديقاتها من الحواري والأزقة لا سيدة من كبار طبقات المجتمع، وكان تصرفها ينم على شيئين. أما وقاحة للعبث بأغراض غيرها، وإما عفوية تنم على تجرد القلب والروح من زينة التكلف. انتهت من العبث بالزجاجات، ثم التفتت إليها إيفا قائلة بتساؤل: هل يمكنك أن تصنعي لي عطراً من الورد والعود، وسأرسل لكي من يأخذه؟ وهزت حكمت رأسها بتلقائية وترحيب قائلة: بالطبع سيدتي تحت أمرك في أي وقت كان. ابتسمت إيفا بالميت، ووضعت يدها في خصرها قائلة بإعجاب: يا ليتني كنت مكان عمي، وحظيت بمثل ذلك النعيم. كادت جوليانا أن تهم بالكلام، لكن أفزعها وأفزع إيفا دخول بلايو الغرفة مقتحمًا إياها من دون خجل أو أستاذين قائلاً بمكر وعينيه تنصب على حكمة دون ابنته _وقد مل من حماقة وتفاهة أسئلة ابنته التي أثبتت له بأنها أفشل جاسوسة على وجه الأرض، ولو بيده وكان الأمر جدياً لا صدر أمر بإعدامها رميًا بالأحذية لفشلها الذريع في مهمة النساء الأولى تحسس الأخبار_: وما ذلك النعيم الذي يعيش فيه حنا.