وسقطت حكمت - الفصل 8 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 8

الفصل 8

كانت تريد الفرار والهرب من البيت، ولم تجد مكاناً أفضل من النهر، وأن تأخذ أغنامها القليلة، وترعى في الخضرة، وتُرح عقلها وعينيها من غم ما حدث ولا شيء مريح بعد كلام الله سوى الطبيعة التي تفنن البديع في صُنعها، وقد أحسن كل شيء صنعًا. ولكن في طريقها تفاجأت بمرور جارها الشماس فيكتور من جانبها، وقد كانت من عادته أن يستيقظ باكرًا حتى يخلو مع نفسه لكي يدرس الإنجيل جيداً حتى يستطع التأهب والاستعداد لما هو مُقدم على من تحقيق حلمه في أن يصبح قسًا في الكنيسة وأي منصب أرفع من ذلك سوى أن يتنازل عن الدنيا وما فيها من متع وحياة ليحظى بمكانة الراهب، ويحظى بأفضل مكانه عند الرب والدولة. ولكن فيكتور لم يكن سعيدًا، بل في وجهه علامات الحزن والضيق والغيظ، وهذا أمر طبيعي إذا كانت والدتك كاترينا الشمطاء، فلن تستطيع النوم أو إراحة أذنك من كثرة الوشاية والكلام ولا عقلك من كثرة المشاحنات التي تفاعلها والقيل والقال ولا جسدك ووقتك من كثرة الإلحاح على الزواج. وكانت تلك المرة المشاحنة على الزواج لما لا يتزوج وترى أحفاد ابنها الصغير؟ لما لا يتزوج من اختارتها له، وانتقتها عيناها المجهرية_ التي ترى الفضيحة من على مسافة ألف فرسخ_؟ لم لا يكف عن أمر الكنيسة، ويلتفت إلى عمله، ويكفيه عزله واغتراب عنها؟ ولكن من كان له حلم عليه السعي ورائه، ولو اضطر إلى نحت الجبل قبل الصخر وبالأخص لو كان ذا عزيمة مثل هيكتور. نظر فيكتور إلى جوليانا التي كانت تسير ناظرة إلى اللاشيء على عكس عادتها في الخروج كانت تهتم بمظهرها أكثر من ذلك، وتخرج متأخراً عن وقت الشروق بمدة، وليست من عاداتها أن تخرج حزينة بتلك الطريقة والقليل من الغضب يكسو وجهها. وقد أمسكت عصاها وهي تعش عن الغنم لكي لا يحيدوا عن القطيع _وبالأخص الحملين الصغيرين الذين لأول مرة يخرجون للرعي وكأنها فسحة بالنسبة لهم_ وأقبل عليها فيكتور الذي كان يحمل أسفل إبطه بعض القراطيس والأقلام وكتاب ما، وقد استوقفها قائلاً، وعلى شفتيه ابتسامة ودودة: صباح الخير... أليس الرعي باكرًا اليوم؟! نظرت إليه بهدوء وفتور لترد قائلة وصوتها يملؤه الحزن والضيق: صباح الخير... لم أستطع النوم منذ ما حدث الأمس، فقلت في قرارة نفسي أن أخرج من البيت لعل الهواء النقي يرحني قليلاً. سار إلى جانبها، وهز رأسه بالموافقة قائلاً، وهو ينظر إليها: معك حق لقد كانت ليلة عصيبة، لكن الشكر للرب مرت على خير... وكما تعلمين أمي لم تترك الأمر يمر بسلام أخذت في الشجار معهم عندما كسروا باب المخزن وبعض الأواني. لم تنظر إليه، واهتمت بأغنامها قائلة في هدوء أقرب ما يكون للبرود_ وقد استشعر الحرج من قولها هذا _: لقد تحطّم اليوم ليس البيت وحده. تسائل في حرجٍ قائلاً: هل مسيري معك يزعجك؟ هزت رأسها نافية قائله، وقد جاهدت في أن ترسم ابتسامة مصطنعة على شفتيها: لا بالطبع لا تقل هذا يا أخي... أن فقط قد ضاق صدري لهذا لا تجدني متحمسة للحديث كعادتي... سامحني على وقاحتي. قطب جبينه قائلاً باهتمام: لم هذا الضيق؟ ابتسمت بسخرية قائلة: فقط ضُربت ليلة أمس عندما عارضت تفتيش ملابسي الخاصة... ثم تابعت بحزن، وقد تحشرج صوتها بالبكاء الذي تحاول كبحه قائلة بألم: لو أن أبا حياً لما تجرأ أحدًا على فعل هذا... لم يضربني أبي طوال حياته ولا حتى أمي، ويمر بي العمر، ويأتي هذا ويضربني... تلك الصفعة لم تؤلم وجهي كما ألمت قلبي... لقد جعلتني أُدرك كم أنا ضئيلة ولا قيمة لي في الحياة... لو كنت أنت أحد التجار أو النبلاء أو السادة لما حدث هذا... ولو القليل من الحظ ولدت حرة ليست بأمه أو مواله لأحد. كان فيكتور يستمع إليها بهدوء، وقد أخرجت ما في صدرها، وأستشعر الألم واليأس الفج الواضح من حديثها المهموم، وقد تفهم كلماتها تلك، وشعر بها فما حدث معها حدث معهم، لكن فاق الحد معها وهو يدرك أن قلبه المرأة أرق وأكثر استشعارا للألم وللأحراج عن الرجل الذي يتحمل وينسى وأضف إلى ذلك أن القلب الذي بجانبه قلب عصفور ليس لامرأة عادية، بل لجوليانا الحساسة رقيقة القلب والمشاعر. رمى ببصره، ونظر إلى الأمام قبل أن يجيبها ثم عدل موضع قراطيسه وأقلامه، ونقلها إلى يده الأخرى، وقد أقبلوا على حافة النهر، ومن حولهم بعض الخضرة والمزروعات التي تصلح للتنزه والرعي، ثم أشار إليها قائلاً بهدوء: تعالي نتكلم عن حافة النهر هناك هيا. انصاعت لأمره بهدوء، وشرعت في نقل الغنم وسياقتهم إلى موضع معين بعصاها قريب من مكان جلوسهم، ثم جلسوا عن منطقة خضراء، وقد وضعت عملها بينهم لتخلق مسافة فاصلة، ثم نظرت إليه عندما بدأ بالكلام قائلاً بهدوء وبشاشة: انظري... أنت لست كما تقولين على العكس... أنت ملكه بيننا من يمرض أو يقع في مشكلة أنت أول من يحلها... من صفعك هذا ينفذ أوامر الكنيسة ليس بيده شيء... قلبك رقيق ولم يتحمل الأمر أعلم، وأعلم أن العم أندرو كان يحترمكِ ويقدركِ كثيرًا أعلم، لكن أصابع يدك ليست كبعضها البعض... لو فكر كل من تأذي بتلك الطريقة، وأحتقر نفسه لما عاش أحدًا، وما عمل أحدًا، ولا خرج أحدًا من بيته... والعذراء مثلاً كانت ستقول أنا يتيمة، وأحمل طفلاً معجزة، ولن يصدقني أحدًا وسأقتل و... كانت ستيأس وتنتحر أو تهرب، لكنها استعانت بالرب... والحواريون أكثرهم كانوا من البسطاء كانوا لو فكروا مثلك لما وقفوا إلى جانب المسيح... خلاصة قولي... هذه الصفعة لو نظرتي إليها من منظور آخر لأكتشفتى كم أنك قوية، وقد أزعجني هذا الرجل ليتجرأ عليكِ لو أنكِ نكرة كما تقولين لما التفت لكي وتركك تتفوهين بأي كلمات، وأنهى عمله، لكنكِ صنعتي تشوش في عقله... إياك واليأس يا جوليانا صدقيني أملى قلبك بالإيمان خيراً لكي من اليأس والاحتقار الذي يظلم القلب ويفسده... وتذكري أن الرب يكتب كل أعملنا، وفي النهاية جزاؤنا الملكوت إن أخرجنا اليأس من قلوبنا. كانت تنظر إليه باهتمام، وتحاول أن توازن بين حزنها وكلامه، بين غضبها وهدوء كلماته، بين حكمة العقل وضيق القلب، وبالرغم من أن كلامه صحيح، إلا أن المواقف السيئة تترُك في الإنسان أثرًا لا يزول ولا يذهب إلا بتحقيق العدل ودوران عجلة الزمن وكُرة الحياة ليعود الحق للمجروح، ويتلقى الجارح عقابه. وحكمت هذا مبدأها في الحياة لا يرتح لها بال إلا إذا رجع إليها حقها تلك الشعارات والكلمات لا تجدي معها شيئًا. أمالت رأسها، ونظرت إليه قائلة، وهي تتلاعب بطرف ثوبها: كلامك صحيح يا أخي، لكن الحياة ليست عادلة والرب عادل وأنا لن أرتاح إلا إذا عاد حقي... أنا سيئة للغاية لا أنسى أبدًا الصغيرة قبل الكبيرة، وهذا الموقف لن أنساه أبدًا حتى يرجع إلى حقي. نكس فيكتور رأسه، وهزها بياس، وابتسم ثم نظر إليها قائلاً: رأسك صعب للغاية... أنت لستِ سيئة، لكن صعبة كالجمال لا تنسين من قهرك. نظرت إلى الأمام، وقد لمعت عينيها مع لمعان ضوء الشمس لتعطي لوناً ذهبياً قائله، وعلى شفتيها ابتسامة حنين إلى الماضي: أبي كان يقول لي هذا عندما كنت أتشاجر مع أحد أبناء الحي وارفضّ الصلح. "ولما كنتِ ترفضين الصلح يا تُرى؟ "كان هذا السؤال من طرف ثالث كاترينا الشمطاء _التي كانت تنظر إلى ولدها من خلف النافذة تتابعه حتى وجدته يقف مع ابنة إليزابيث "خديجة" وأخذ في السير معها، وقد شعرت بنوع من النصر أن جوليانا التي قد رفضت ابنها عندما طلبت يدها للزواج الآن قد يكون هذا الحديث ملين لقلبها وعقلها لعلها تراجع أفعالها، وتقبل ابنها الذي ليس بالبخس أبدًا حتى ترفضه كما فعلت منذ بضع سنوات قلائل؛ لكن طموحاتها تلك باتت تتلاشى خطوة خطوة عندما أخذت في قرارة نفسها أن تتعقبهم وتعلم ما يدور معهم ولأن بالطبع ابنها سيرفض، أو على الأقل سيتجنب الحديث عن يومه، ومن قابل وماذا فعل كعادته، وأضف إلى البؤس أن حديثهما كان بعيداً عن كلام المشاعر والاستمالة والود، بل حديث كله بؤس وهم، لكن فكرت في أنه على الأقل باب الحديث مفتوح، وقد يتحول من مرور الوقت إلى باب مشاعر _. ولكن فيكتور الآن كان يندب حظه العثر؛ لأن من دون الناس كانت كاترينا والدته، وقد تجرأت على مراقبته وتتبعه، وقد ترجم باقي الأحداث، وفهم رأس أمه النتن وما تفكر فيه، قبض فيكتور على لحيته البنية، ثم تركها ووقف مع جوليانا التي وقفت هي الأخرى، ثم نظر إلى أمه قائلاً بهدوء جاهد جهاد النفس للتمسك به: الآنسة جوليانا خرجت للرعي، وخرجت معها؛ لأن طريقنا واحد كنت ذاهباً لضفة النهر وهي أيضا. أمسكت جوليانا عصاها، وهمت بالانصراف من أمامها قبل أن تتكلم معها في شيء وبالأخص أنه لا طاقة لها في الجدال أو تبرير شيء لم تفعله أو تفكر فيه لاحقا ما، وقد فهمت هي أيضًا مغزى نظراتها من عينيها الغائرتين، ثم مرت من جانبها بعد أن ألقت تحية الصباح، ولم تهتم في أن ترد عليها، ثم بدأت في سياقة الأغنام أمامها وما أن توارت عن الأنظار حتى تساءلت كاترينا قائلة في خبث: ماذا حدث معكم؟ هل تحدثتم في شيء؟ هل تشعر بأن رأسها بدأ يلين؟ أقصد ما رأيك في أن تفاتحها المرة القادمة في الارتباط بها. لفلف فيكتور الأوراق والقراطيس في قبضته بغضب، ونظر إلى السماء، وقلب عينيه في تعب وضيق، وقد حاول قدر المستطاع أن يهدئ من روعه، ثم نظر إليها قائلاً في ضيق قوى أقرب للغضب: ماذا تريدين ألم نتحدث قبل قليل في هذا الأمر؟ ثم لماذا التتبع أنا لست طفلاً ولا شاباً طائشاً؟ وأضيفي على هذا جوليانا أختي لا أرها سوى أختي... أنا تزوجت الكنيسة والكتاب المقدس هو ابني. ولآخر مرة يا أمي تتجسسى على... أنا سئمت من هذا الأسلوب، وتلك الطريقة متى ستتوقفى كرامة للعذراء... بحق الرب ألا يكفي هذا؟! هل تلك حياة؟! أنا لا أستطيع التنفس... لقد سئمت! قطبت كاترينا جبينها، وقد اتخذت أسرع وسيلة لاكتساب العطف واستجداء الرحمة قائله، وقد باشرت البكاء: أنت لست ابني الذي تعبت في تربيته... أنت لا تراعي سني... لقد قاربت الموت، وأريد الاطمئنان على مستقبلك ورؤية أبنائك هل هذا جزائي؟! زفر فيكتور بقوة، ثم اقترب من أمه، وقبل رأسها ثم أمسك يدها قائلاً، وقد استطاعت أن تستميله لها مجددا: بارك الرب في عمرك يا أمي أنا فقط أحتاج في تلك الفترة أن أركز في شيء واحد فقط أن أصبح قسًا، وبعدها سأتزوج وسترين أحفادك قريبًا، لكن أرجوك لا تضغطي على... اتفقنا أمي؟ مسحت كاترينا أنفها بطف الشال الأسود حول كتفها، وهزت رأسها باستسلام قائلة: اتفقنا يا بني... أرجعني للبيت. --------------------------------------------------------------------------------------- عادت حكمت إلى البيت، وأدخلت الغنم إلى الحظيرة، وذهبت إلى غرفتها تبدل ملابسها بعد أن أحكمت غلق الباب، ثم جلست على السرير بإرهاق، وتشعر بنعاس شديد يداهمها؛ لأنها لم تنم منذ الأمس، وألقت جسدها على السرير لتتسطح بتعب، ثم أخذت تعبث في شعرها المموج بهدوء وشرود، وقد ارتاحت قليلاً من حديث فيكتور، لكن والدته الشمطاء تلك فقط يكفي أن تراها من دون أن تتحدث لينقلب يومها رأسا على عقب، ويلحق بها سوء الحظ والبؤس طوال اليوم، آه كم هي امرأة غليظة وبغيضة تشعر أنها ستُفرقع من غيظها منها، ولكن صنعت لها معروفًا، وأنستها أمر ذلك الجيفة الذي صفعها والجيفة الأخر بلايو الذي كلما نظرت إليه ترى في عينيه نظرة احتقار واضحة واليوم فقط. أظهر سواد قلبه ونيته في حديثه معها اليوم، وقد تأكدت من شكوكها، وظهر أخيرًا هذا الوجه المختبئ أسفل قناع اللطف. اعتدلت في جلستها، واستقامت وهي تُملس على معدتها بجوع، وقد بدأت تُصدر أصوات قرقرة عالية تستغيث طلبًا للطعام. زفرت بضيق، ووقفت بتعب، وأخذت توارى شعرها أمام المرآة، ثم خرجت من الغرفة متجهة للمطبخ، لكن استوقفتها صينية الطعام التي لم يمسسها حنا، ووضعها على الطاولة كما هي اقتربت منها، ونظرت إليها بتفكير وشرود، وقد خشيت أن يكون قد أصابه مكروه ما، أو اشتد عليه التعب، ولكن جانباً آخر أخذ يطمئنها أنه بخير، ولعله نائم أو شبع، لكن قلبها غير مرتاح، وبدأت تستشعر الخطر. طرقت باب غرفته عدة مرات، ولم تجد رداً لتحزم أمرها، وتدخل وما توقعته قد كان، إذ كانت حرارته مرتفعة وجبينه يتفصد عرقًا، وقد التهب جرح ذراعه. فرت حكمت وأحضرت أدواتها الطبية، ووضعتها على صندوق الملابس، ثم ربطت على كتفه وهي توقظه من نومه حتى فتح عينيه بألم، وقد أمسكت بيده تجلسه على السرير نصف جلسة، وقد تحسست وجهه قائلة بتوتر: اسمعني جيدًا... ساعدني... أنت متعب للغاية، وأن استسلمت هكذا أنت من سيتحمل العواقب هيا تماسك. ثم وضعت في فمه قطعة قماش، حتى يعض عليها عند ألمه، ونزعت عنه قميصه، ووضعت قماشة مبللة بماء بارد، وخل قصب السكر على جبينه لتمتص الحرارة. وبالرغم من حالة الوعي واللاوعي التي بها، إلا أنه كان يحاول عدم النوم والاستسلام للتعب، وقد كان يزخر بكل قوته كلما اقتربت من جرح ذراعه، ويقبض على الفراش حتى ابيضت مفاصل يده، وأخذ ينتفض بقوة وهي، بالرغم من توترها، إلا أنها أظهرت التماسك، وأخذت في تهدئته، وبث القوة والهدوء من كلماتها القليلة، حتى انتهت وانتهى هو أخيرا من هذا العذاب، ثم نظفت المكان من حوله، وغسلت يديها وعادت إليه وهو على حالته تلك يستند إلى ظهر السرير، ويميل برأسه للوراء، وقد احمر وجهه بشدة من الألم والإرهاق وعينيه معلقة في الفراغ، وقد أشفقت على حاله كثيرًا ورق قلبها له، وشعرت كأن ألمه فيها، وليس فيه ثم اقتربت منه، وجلست على السرير، وأخذت تمرر له الملعقة المحملة بالعسل الأبيض، وقد نظر إليها بإرهاق، ولم يتكلم واستقبل ما تعطيه بهدوء، وألبسته ملابس نظيفة، وعقدت شعره في رابطة شعر، ورفعته فوق عنقه حتى يرتاح في نومه، وساعدته على الاستلقاء والنوم مجددا، وقد همت بالخروج، لكن استوقفها عندما أمسك بيدها بوهن قائلاً: شكرا لكي... صلى وادعى لي أنت طاهرة وأنا مليء بالخطايا والذنوب... الرب لا يحبني. جلست إلى جانبه مجددا ويدها أسيرة يده قائلة بهدوء: لما لا يحبك وهو من خلقك... الرب يحب من يخطئ ويتوب... ليعفوا عنك ويشفيك... ستكون الأمور كلهم بخير فقط لا تقلق... كلما ضاقت الأمور، فاعلم أن نهاية الأزمة قد اقتربت. حرر يدها، ووضع يده على عينه بالم قائلاً: أتمنى ذلك. دثرته جيدًا، واتجهت إلى باب الغرفة، لكن استدارت بدهشة رافعة حاجبيها عندما نظر إليها بعينيه الناعسة تلك قائلاً بإجهاد: من ذلك الشاب الذي ذهبت معه؟ إني رأيتكما سويًا من النافذة. فلتت منها ضحكة وهي غير مستوعبة لما يتفوه به ذلك الحنا، وقد كان يراقبها ويراقب من معها. اتكأت على مقبض الباب بذراعها قائلة بدهشة: لا أدري ماذا ستستفيد أن عرفت، لكن على العموم هذا جارى حضرة الشماس فيكتور قد التقينا الصدفة، لا يذهب رأسك لبعيد. أغمض عينيه قائلاً بنبرة باردة: أنا فقط أطمئن عليك يا سكرة. --------------------------------------------------------------------------------------- في اليوم التالي استيقظ حنا من نومه، وقد تقلب في سريره بألم يكاد يفتك بذراعه بقوة وصداع قوي وكأن طبول الحرب ونواقيس الخطر أصبح لها أفواه تصرخ في رأسه بقوة وحلقه الجاف وأذنه التي تؤلمه وكأن بها إبراً تنغص عليه عيشته تزامنًا مع حلقة الجاف. مسح وجهه بإرهاق، وخلل أصابعه داخل شعره، لكن توقف وتوقفت أصابعه بدهشة، وبدأ يفق من نومه ببطء ودهشة، وهو يتحسس رباط شعره وهو طوال عمره لم يربط شعره بشيء، وقد كان يتركه متحررًا حول وجهه. اعتدل في جلسته، وأنزل قدميه من على السرير لينظر إلى قميصه المتغير، وطبق الكمادات على صندوق الملابس، وكيس القطن والمطهر والشاش الأبيض ليدرك أن هذا التغير بسبب جوليانا، وقد بدأ يتذكر ما فعلته معه ليلة أمس، وحماقته في الحديث معها، لكن شعر بأن شيئاً ما سينفجر بداخله إن لم يسألها. وقف على قدميه، وحاول المشي إلى الخارج، لكن الدوار داهمه ليقف في منتصف الغرفة ممسكًا برأسه بألم، وقد دخلت حكمت الغرفة بعد أن طرقت الباب، ولكن هرولت إليه بقلق، وأمسكت يديه وحاولت أن تجبره على الاستلقاء قائلة: ماذا دهاك؟ أنت ما تزال متعباً ارتح قليلاً... هيا عد للنوم. أوقفها، وقد أمسك ذراعها، ونظر إليها، وعلى شفتيه ابتسامة متعبة قائلاً بهدوء: اهدئي أنا بخير فقط أريد الخروج من الغرفة سامة منها. ثم تابع بتكهن قائلاً: أشم رائحة فطيرة تفاح. هزت رأسها بنعم، وتابعت قائلة بتوتر وتردد من فعلتها الغبية تلك: لا... أقصد نعم... أعني... أنت تحبها وخمنت إذا أكلت منها سترتاح قليلاً... تأبط fذراعها، وأخذوا في السير ببطء إلى طاولة الطعام قائلاً وهناك ابتسامة صغيرة على شفتيه: إذا أنت تتذكرين ما كان؟ ابتسمت هي الأخرى بدورها، وسحبت كرسياً له، وساعدته على الجلوس بهدوء، دون أن يتأذى ذراعه، وسكبت له الطعام في طبقه قائلة: أتذكر... لم أكن أحب التفاح إطلاقًا إلا عندما تذوقتها في القصر عندكم، وقد أخبرتني السنيورة مارلين أنك من يصنعها بنفسك. ثم جلست على الكرسي المقابل له، وبدأت في سكب الطعام لنفسها قائلة بمرح: أنهى طبقك ولتتذوق فطيرتي، ولنرى أيهم أفضل اتفقنا؟ وضع الملعقة جانبًا، ونظر إليها نظرة غامضة قائلاً بهدوء: وتتذكرين أني أحب سمك السلمون أيضا؟ تعلقت ملعقتها لثواني في الهواء، ثم أرجعتها إلى الطبق، وتخلت عن تلك الابتسامة قائلة في هدوء: أحيانًا هناك ذكريات وأشخاص لا نستطيع نسيانها ونسيانهم لا تدري لماذا، لكن تأتي الإجابة في موعدها وها هو موعدها. اقترب قليلاً من الطاولة، ونظر إلى صُلب عينيها قائلاً بنبرة غريبة لأول مرة تسمعها منه: أتقصدين أنك لم تنسيني طوال الأربعة عشر عاماً الماضية؟ توترت بعض الشيء، وأنزلت يداها أسفل الطاولة، وهي تتلاعب بأصابعها في توتر قائله وعينيها تنظر إلى زاوية الغرفة: لقد كنت جزءًا كبيرًا من طفولتي، وكونت لدى ذكريات كثيرة لا يمكن نسيانها لهذا أنا أتذكر بعض الأحداث، لكن هناك فرقاً عن الماضي أنا الآن لم أعد جوليانا الطفلة التي كانت تتعلق برقبتك أنا قد اختلفت عن السابق، سواء كان شكلي وعقلي، وتفكيري ونظرتي إلى الحياة والناس وخوفي من المستقبل وطباعا ومن أنا، أنا العاملة جوليانا لا أكثر ولا أقل، وأنت أيضا لم تعد السيد حنا الصغير الذي يضيع وقته، ويلهو مع طفله، لقد ازدادت قيمتك، وعلى شأنك ومكانتك وطباعك كلانا اختلف عن الماضي، ولم يبق سوى القليل من الذكريات، وتلك الذكريات هي الشيء الجميل في الحاضر. ثم عاودت الابتسام مجددا قائلة في حرج، وقد نظرت إليه مجددا، وقد ازدادت نظراته غموضًا: لقد أطلت الكلام هيا تفضل الطعام قبل أن يبرد. ثم عاودت تناول الطعام حتى تهرب من عينيه المصوبة عليها طوال الوقت، وقد أطلقت بضع اللقيمات القليلة وكأنها جبل لا يتحرك من حلقه بسبب تلك الكلمات التي يتمنى أن يبوح بها الآن، وينزل هذا الحمل من على صدره، ويشعر لأول مرة بهذا الشعور ولأول مرة تكون الكلمات عبئاً ثقيلاً على كاهله لتلك الدرجة أم أن المشاعر الصادقة دائماً ثقيلة هكذا؟ ابتلع ما في جوفه قائلاً وعيناه مع صحنه، وقد لفت أنظارها إليه: عندما انتقلنا إلى مدريد كنت في الثالثة والعشرين لم نستقر وكنت ما زلت أتدرب في صفوف الجيش كمجرد جندي أحضرت لي أمي عروس كانت في السادسة عشر قبل أن أرفض كان أبا رافضاً لهذا الأمر، ثم تابع بسخرية قائلاً، وهو ينظر إلى عينيها: تخيلي طفله في زمرة الأطفال، وبعدها أحضرت لي ابنة صديقتها، وقد خُطِب بالفعل، ولكن تركنا بعضنا؛ لأن كلانا لم يكن يتوافق مع الآخر. ثم تابع حتى يصل إلى مبتغاه من الحديث، وبعدها كنت في السابعة والعشرين تعرفت على فتاة من إنجلترا جاءت مع والديها للدراسة هنا والاستقرار كان هناك مشاعر بيننا لنقل أننا أحببنا بعضاً، واتفقنا على الزواج، ورضيت العائلتان لكن قبل الزفاف تركنا بعضنا لإصرارها على العيش في إنجلترا، وترك إسبانيا، وكنت في بداية حياتي المهنية وأبي كان رافضاً وأمي وكذلك أخي بلايو، وقد فكرت مليًا في الأمر وجدت أنني لم أحبها يومًا، بل كان مجرد إعجاب هي أرستقراطية جميلة متعلمة لما لا أتزوجها، لكن كلما كبرت وتقدم بي العمر أدركت أن هناك دائماً فرق بين ما تراه العين وما يراه القلب. ابتسمت بهدوء، وتركت طبقها على جنب بعد أن انتهت من طعامها قائله، وقد فتح لها الطريق للحديث الطويل: تذكرني بنفسي كنت في الخامسة عشر، وكنت في غرناطة آزور خالي لنجد زوجة خالياً أحضرت لي شاباً في الثامنة والعشرين عندها رفضت أمي قبل أبي بسبب صغر سني والفارق العمري، وعندما كنت في التاسعة عشر تقدمت لي جارتنا كاترينا لطلب يدي لابنها فيكتور، لكن كلانا رفض هو يريد أن يصبح قسًا في الكنيسة ومهتماً بدراسته وأنا كنت أهتم بالبيت والعمل على الأخص بعد وفاة أبي لن يكن هناك شيء أمامي سوى أخي، وأمي فقط كل شيء. رفع حاجبيه قائلاً بدهشة: وهل فقد أهل مدريد عقلهم ليتركوا هذا الجمال وحده؟ ثم تابع بجدية قائلاً وكأنه يناقش أمر نهاية العالم مع أحدًا ما قائلاً: صدقيني يا جوليانا الحياة من دونك شيء لم يكتمل بعد، ولو عرفتك قبل عامين من الآن لكان الوضع مختلفاً... أنتِ غير الأخريات... وحتى لو في عيني فقط أنا لا أرى الآن امرأة غيرك وكأنك سحرتي عيني... أنتِ جميلة ولا يمكنني أن لا يُعجب بكِ أحدًا. لن أقول إن الدماء قد اجتاحت وجهها، بل سأقول فرت من وجهها، وقد ابيضت شفتاها، واتسعت حدقتاها، ولم تتلاق جفونها لثواني من هول ما تسمعه من غزل صريح لا حياء فيه، ولا تستُر ولا تدري كيف ابتلعت ما في جوفها لتنظر إليه ببهوت قائلة وهي على الوضع نفسه: أنت تهزي! قطب جبينه، ورفع كتفيه قائلاً بعملية وواقعيّة: على العكس تمامًا أنا أقول الحقيقة... هل هناك من هي أجمل منكِ؟ لم تُرد أن تُكثر من حديث لا فائدة ولا جدوى منه لتقف وهي تهرب بالمعنى الحرفي للكلمة إلى غرفتها لتنهي تلك التُراهات الآن، لكنه كان أسرع منه ليمسك ذراعها، ويقف منتصبًا وكأن ليس به ألم لتتخذ رد فعل صادم عندما لكمته بحدة خفيفة في جرح بطنه ليقفز من مكانه ممسكًا بموضع جرحه بألم وترك يديها. أما هي، فقد قفزت دماء الغضب والخجل إلى وجهها دُفعةً واحدة، وجزت على أسنانها قائلة بقوة وشموخ: من أنت؟ وماذا تحسب نفسك فاعلًا؟! لقد تجرأت أكثر مما ينبغي وتخطيت حدك إن كنت السيد حنا صاحب الشرطة والسلام في مدريد فأنا جوليان... أتفهم أنا جوليانا بنت أندرو أغسطس القابلة وأنت الآن لست سوى مريض في نظري وأنا طبيبتك وأنت هنا تتعافى؛ وبالتالي تذهب إلى بيتك... وإياك ولمسي بأي صفة أو مُسمى أيا كان... وإلا أقسم أن أنتزع كبدك بأسناني، ولا اكترث لعاقبة الأمر... ثم هدأت وبصوت عال هز أرجاء البيت _وهي تنظر إلى وجهه الذي يشع غضبًا حاول كتمه قبل أن يقتلع عينيها _قائلة: هل تفهم؟! .......