الفصل 7
بسم الله الرحمن الرحيم وبسم رب العرش العظيم _.
نظر السيد أحمد إلى إخوته، ثم أمسك بلفافة الورق تلك التي كانت على الطاولة، ثم أبعد الخيط البني الذي يربطها ثم أخذ يتفحص الأوراق حتى يعطي لكل منهم حقه ويتفرق الخلق.
ثم نظر إليهم قائلاً بهدوء: أبي قبل وفاته قسم الإرث بشرع الله وبالعدل بيننا، وقد كتب بهذا، وسجله في دواوين الدولة ولكلاً منا الحق في تصرفه.
ثم أمسك بورقة، وقلم للأعمال ريشه، وبدأ يخط بعض الكلمات الإسبانية قائلاً وعينيه معلقة في الورقة: أنا سأمنح أختي خديجة بإرادتي الكاملة عشرة قراريط من إرثي... وبعد الغد سنذهب إلى الكاتب ليوثق ما دونته.
ليست في ذلك صفوان، ويخط هو الآخر ورقة يتنازل هو الآخر عن عشرة قراريط من قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه التي هي فدانان للذكرين وفدان لخديجة، ثم وضع كلاهما الأوراق أمامها لترفع حاجبيها في عجب ودهشة، وتبعد الأوراق قائلة بهدر: هل جننتم؟: هذا حقكم مالي، ومال كل تلك المساحة من الأرض أنا كنت سأبيعها وأعود لمدريد... هذا حقكم كما شرعه الله أتريدون أن تجعلوه أغلالا في عنقي يوم القيامة.
أمسك أحمد بيد خديجة قائلاً، وعلى شفته ابتسامة حب أخويه: ومن قال إننا نحملك أثم... نحن نريد مكوثك معنا في غرناطة لا داعي لتلك الغربة... تعالى أنتي والأولاد إلى هنا واستقروا هنا وأعملوا هنا.
ابتسمت بدورها قائلة: سلمت يا أخي، لكن صدقني أتمنى العيش معكم، وأن أشعر بهذا الدفء والأمان الذي أشعر به هنا طوال عمري، لكن لا يمكن... أنا لن أعيش خمسة وأربعين عامًا أخرى لن أكون اسماً، وسمعه في عملي مجددا كما الحال في مدريد... وذكرياتي وقبر زوجي في مدريد كيف أترك زوجي، وأعيش بعيدًا عنه، أخبرتك... أنا كل ما أريده أن أبيع قطعة الأرض، وأعود إلى ابنتي لا أكثر ولا أقل، ولعل الله يحدث أمرا نصبح في لحظة أحرارا لا نخشى على ديننا وأموالنا وأبنائنا شيئًا كما نحن الآن.
---------------------------------------------------------------------------------------
اقترب حنا منها، ثم امسك بالصليب المنسدل على صدرها، وأخذ يتحسس النقش بهدوء وأنفاس جوليانا الثائرة تندفع في وجهه المنحنى ناحية الصليب، وقد اهتز شعره المتساقط على جبينه من حدة أنفاسها، ثم رفع عينيه ينظر إليها وهو على حالته تلك لم يتحرك وارتفعت زاوية شفتيه بابتسامة ساخرة، ثم دنى بوجهه منها أكثر، وهمس بسخرية قائلاً: ومن قال إني لم أعرفك؟ عندما أفقت كنتي ترتدين ذلك الصليب وغير هذا عمرك وأسمك، هل تعتقدين أنني غبي مثلا؟! أنا فقط كنت أختبر صبرك.
قطبت جبينها بشدة، والتحم حاجبيها بقوة، واحمر وجهها من الغيظ، وزمت شفتيها بغضب، وها هي الآن تُظهر مدى سذاجتها وبراءتها أمامه، إذ ظنت أنها تستطيع أن تتلون وتتخفى على حنا بجلاله وخبرته الكبيرة في الحياة.
ولكن إن كان علم من هي فلا ننسى أنها تخفى ما هو أكبر وأعظم من كونها جوليانا!!
همت بالرجوع إلى غرفتها، وتهرب من أمامه، وتنفلت من عينيه الساخرة وعلامات الغيظ والإحراج تكسو وجهها، ولكنه أمسكها من صليبها المتدلي من عنقها قبل هروبها قائلاً بسخرية: مهما كبرتي ما يزال عقلك صغيراً وبرئ يصور لكي ما لا تسميه... ثم دنى من وجهها أكثر، واقترب منها أكثر، وقد تراجعت إلى الوراء حتى اصطدم ظهرها بالجدار، وقبضت على ثوبها بشدة تستمد منه القوة وهي الآن بين حائط وحائط بشرى يفوق حجمها وطولها وعرضها، ومن نظر إليه من خلفه لظن أنه يتكلم مع نفسه وفوق هذا الخجل الشديد الذي عصف بها، ومنع الكلام من الخروج من حلقها، ولا ننسى هذا النوع من الرعب قد تسلل إلى عينيها بقوة من هذا المأزق الغبي الذي وضعت نفسها فيه، ولا أريد أن أخبركم أن أنف حنا الآن تشتم هذا الرعب بسهولة ومهارة.
ولكن الرعب ازداد عندما شعرت بأنفاسه الساخنة تضرب وجهها مثل السنة ألهب قائلاً بسخرية مغلفة بالتحذير والوعيد أنا لا أحد يعبث معي أبداً.
أتفهمين ذلك يا سكرة؟
أخفضت عينيها أرضا، وهزت رأسها بنعم قائلة بهدوء لا يدري كيف أظهرته بتلك البراعة: نعم سيد حنا لن أعبث مع حضرتك أبداً... عن إذنك أريد النوم.
أفلت القلادة، وابتعد عدة خطوات إلى الوراء وعينيه لا تنفك تنظر إلى وجهها الغاضب الحنطي الصغير هذا بغموض، ولكن ما أن دخلت غرفتها، وأغلقت الباب حتى فتحت الباب مجددا، وقد سمعت طرقًا قويًا على الباب الخلفي، وقد شعرت أنه قد يكون بلايو أو أحد أفراد عائلة حنا وبالطبع قد زُف الخبر على ضرب الدفوف بما حدث في حيها منذ زمن ليس ببعيد.
أشارت إليه في صمت أن يدخل إلى غرفته وما أن دخل وأغلق الباب حتى ذهبت إلى الباب، وفتحته وبالفعل صدق ظنها، وقد كان بلا هو وحده.
دخل البيت بسرعة البرق، وقد أغلقت خلفه حكمت الباب، وجرت خلفه لتواكب سرعته، لكنه سبقها مقتحمًا غرفة حنا وهي من خلفه بلا أدنى ذوق أو أدب لترفع كتفيها باستسلام، ولا مبالاة وتذهب للمطبخ مجبرة على إعداد الضيافة لذلك البلايو _ولكن بيني وبينكم، ولا تخبروا أحدًا بما سأقول، بلايو لا يحب حكمت ولا يرتح لها وكما يقال لولا الحاجة والعوز ما لجأ إليها، أو طلب منها شيئًا، وهو يؤمن الإيمان كله أنه مهما فعلت فهي ليست أقل من مجرد امرأة من العمال، وفقط حظها أنها ولدت من طبقة الأحرار لا العبيد _.
هرول بايو إلى حنا مسرع وبالدور قد وقف حنا يستقبل أخاه بالأحضان والأشواق الحارة، ثم ابتعد عنه قائلاً في قلق وهو يتفحصه: هل صحيح ما سمعت؟ هل أنت بخير؟
ربت حنا على ذراع بلايو بهدوء، وأجلسه على السرير قائلاً: أهدي أنا بخير... صحيح ما سمعت، لكن لا تقلق.
سائلة في توجس قائلاً: أخبرني تفاصيل أكثر... كيف لم يمسك بك أحد؟!
"جوليانا خبرتنا في سرداب بيتها؛ ولهذا لم يعثر على أحد... أتعلم لم أكن أعتقد أنها ستتحلى بتلك الشجاعة، وتساعدني"
رفع بلايو كتفيه بعدم اهتمام، وابتسم بسخرية واضحة قائلاً: وهل كنت تعتقد غير ذلك... أي أحد في مكانها كان سيفعل ذلك ليرفع سعر أجرة.
نظر إليه حنا نظرة باردة خالية من أي تعابير أو مشاعر، وقد فهم بايو أن أخذ الآن. أما يفكر أو يستنكر ما قد قيل الآن ولو كان يفكر، فهذا شيء جيد جداً. أما لو كان يستنكر فهو يقحم نفسه في أكبر خطأ قد يحصل في تاريخ عائلته أن يقع في حب راعية غنم، ويتلوث نسل العائلة، وتختلط دماؤهم بدماء الرعاة والفلاحين!
أخرجهم من دوامة التفكير التي أصابت كليهما صوت أزيز الباب ليعلن عن دخول حكمت تحمل بين يديها صينية كبيرة به إفطار لهما، وقد وضعتها على أحد الكراسي بالغرفة، وقربتها أمامهم ثم قالت بهدوء، وهي تهم بالخروج: بالهناء والشفاء عن إذنكما.
وما أن اقتربت من الباب حتى ناداها بلايو الذي كان يتكئ على ركبته بيده، وقد نظر إليها نظرة شمول، وتفحص مشوبة بالاستحقار والازدراء قد تابعها حنا بشك، واهتمام وحكمت بتوجس وقلق. لينهي بلايو جلسة الظنون تلك عندما تحدث بمنتهى الغرور والتكبر قائلاً: لم لا تنحنين عندما تقفين أمامنا؟ حتى عندما جاءت السنيورة مارلين والسنيورة إيفا لم تنحني، ليست أول مرة تفعلينها.
ارتبكت بعض الشيء، وصدرت منها حرارة تدل على مدى الإحراج والضيق الذي تتعرض له الآن، ولكن هذا الإحراج ليس عادياً، بل إحراج مشوب بالازدراء والتقليل لتتجمع الدموع في عينيها، وتأسر الأرض بعينها غير ملاحظة لحنا الذي نظر إلى أخيه مُتفاجأً بما فعل الآن، ثم نظر إلى جوليانا التي يراها الآن في حالة من التشتت والإحراج، وأراد أن يتدخل ويوقف تلك المهزلة، لكن سبقته جوليانا التي نظفت حلقها، وأخرجت صوتًا جاهدت في جعله طبيعيًا قائله وعينيها أسيرة الأرض: آسفة سيد بلايو خطأ لن يتكرر.
ثم انحنت بركبتيها واعتدلت قائله: عن إذنكما.
ثم خرجت من الغرفة أو لنقول هربت أو فرت من الغرفة إلى الحمام تغسل وجهها من بين شهقاتها المكتومة، حتى تداري تلك الدموع الحمقاء التي لا تزورها إلا في مواقف لا تحتاج إليها مُطلقًا، بل تحتاج إلى ذكائها وحكمتها التي تكن معها طوال الوقت، وتفر منها في موقف مثل هذا الموقف السخيف من شخص سخيف مثل باليو.
وعلى الناحية الأخرى كان حنا ينظر إلى أخيه بضيق وسأم من أفعاله تلك، وكيف أحرج الفتاة أمامه، ولم يشفع لها عند بلا هو ما تفعله من أجله وكأن هذا واجب عليها، وليس فضلاً منها عليهم.
سأله في ضيق تخلل بين نبرة صوته قائلاً: لقد أحرجتها.
أمسك بلايو بشريحة جزراً كانت في أحد الأطباق، وتناولها قائلاً بلا مبالاة: هل الحق سيئ لتلك الدرجة؟
ثم التفت إليه قائلاً باهتمام: المهم أنا كنت أريد أن أخبرك بشيء... البابا يريد التحدث معك حاولت إثناءه عن ذلك، لكن هدد بأنه سيقصيك عن منصبك، فأجبرت على أن أخبره بأنك خارج البلاد، وستعود فور انتهاء إجازتك.
قطب جبينه بقلق قائلاً: ألم يخبرك بما يريد؟
هز بلايد رأسه بالنفي قائلاً: حاولت معرفة الأمر، لكنه رفض الإفصاح. ثم تابع بتكهن قائلاً: لعله يريدك في نقل، أو ترقية هذا ما يجول في بالي الآن.
نظر إليه حنا بأمل قائلاً: أتمنى أن تكون ترقية... سامة الشرطة وتدريباتها ومسؤوليتها.
نظر إليه بلايو بتلاعب قائلاً: لا تأمل فالبابا لم يكن سعيدًا، وهو يطلبك لعله يريدك بسبب حادث الأمس.
نظر إليه حنا في ريبة، وقد ضيق عينيه قائلاً بوسائل: متى قُتل الجندي وكيف؟
نطق بلايو بتفكير، وهو يتذكر التفاصيل قائلاً: في الصباح أمام محكمة مدريد كان يركب عربة تجرها الخيول أطلق الرصاص على الحرس قتل واحد وأصاب اثنين.
ثم وقف بلايو قائلاً، وهو يهم بالخروج: أتمنى أن يستجيب لي الرب، وتخرج من تلك المصيبة سالمًا. ثم ربت على كتفه قائلاً: سأذهب... أتمم شفاءك سريعًا.
ربت حنا على كفه قائلاً بأمل: بمشيئة الرب... اعتني بنفسك وبأمي، وأبلغها سلامي.
"ليكن ذلك... وداعًا"
---------------------------------------------------------------------------------------
وعلى الناحية الأخرى كانت جوليانا قد خرجت توا من دار الخلاء وقطرات الماء تهبط من وجهها ويديها، وقد فضلت ترك الماء على وجهها، حتى لا تظهر تلك الدموع التي ما تزال منهمرة. فمهما كان هي لن تظهر أن كلمات بلايو هذا قد أثرت فيها، أو أزعجتها على العكس تمامًا هو مجرد ذرة غبار حكت أنفها عطست وارتاحت منها.
وتزامنًا مع خروجها قد خرج بايو من غرفة حنا وما أن رأته حتى انحنت بركبتيها احترامًا له، ثم اتجهت إلى الباب، وانحنت مجددا حتى خرج وما إن خرج حتى أغلقت الباب، واستندت إليه بظهرها، ونظرت إلى السقف العالي، وقد هبطت تلك الدموع المترقرقة في عينيها، وشعرت أن هذا البيت الكبير الواسع أصبح أضيق من القبر وأكثر ظلمة من ليلة خسوف بأسه. شعرت أنها تريد أن تهرب من هذا البيت، ومن تلك الدنيا إلى دنيا هادئة أخرى تمسح عنه الحزن والألم وما تلقته من إهانة اليوم يكفي للغاية.
هرولت إلى غرفتها، وأخرجت ملابسها من خزانتها الصغيرة، وبدأت تبدّل ملابسها عازمة على الخروج من البيت، حتى تهدأ قليلاً غير مهتمة لما قد يحدث في غيابها، أو من قد يأتي أو حتى بأمر حنا الماكث في غرفته وسحقًا لأي أحد الآن الأهم هي نفسها الضائقة ذرعًا.
---------------------------------------------------------------------------------------
في الجوار كان حنا مضجعًا على سريره يضع رأسه على يده المنثنية أسفل رقبته ويده على صدره الصلب وعيناه معلقة بالسقف، وكل ما يجول في عقله الآن هو مستقبله المهدد بالفناء والاندثار بسبب بعض الأغذية والحمية من الطرفين؛ بسببهم قد يذهب منصبه، ويطير في الهواء مثل الرماد وكأن شيئًا لم يكن ويجلس إلى جوار والدته في البيت يندب حظه العثر الذي جعل بعض الحمقى الذين عينهم بنفسه يُطيحون به كالقمامة.
زفر أنفاسه بضيق، وتسللت يده إلى الصليب الذهبي الذي في عنقه، ثم رفعه يقبله ثم نظر إليه قائلاً في رجاء: اشملنا برحماتك وأنجني من ما أنا فيه يا رب... اغفر لي وأنهى الأمر، وسأصلي لك وأذكرك ما حيت، لكن احمني بحقك وبحق العذراء... آمين.
ثم تركه وأخذ يرسم الصليب على جسده قائلاً: بسم الآب والابن والروح القدس.
ولكن ما كاد ينهي صلواته حتى شعر بباب البيت يُغلق وبضجة في الخارج جعلته يقف منتصبًا، واتجه إلى الشرفة إذا به يرى حكمة تقف مع شاب ما، وحولها القليل من الغنم، وقد رحلوا سويًا إلى حيث لا يعلم!
--------------------------------------------------------------------------------------
في مكان جديد سنذهب لأول مرة إليه سويًا، ولن تكون آخر مرة إن شاء الله. في قصر بلايو وعائلته، وقد كان قصرًا أندلسيا تحول كما تحولت سائر الحضارة الإسلامية الأندلسية بالقوة والرعب إلى شيء كاثوليكي تابع للكنيسة والإسبان، وبالرغم من الدهانات والصلبان ومحاريب الصلاة المسيحية، وتغير الطراز الواضح والتعديل في الشكل والبناء، إلا أن الدهان قد تمرد وجهه، وتشقق ليكشف عن آيات القرآن الكريم والزخرفة الإسلامية والنوافذ قد صرخ تصميمها قائلة: أنا أندلسية مسلمة!
ولكن أنا لست هنا الآن لأبكى الأطلال أو أنحو الزمن الخالي فعن قريب سنبكي كلنا لا تقلقوا! أنا هنا لأن بلاير هنا. ففي غرفة مكتبه كان يجلس على كرسيه الخشبي الذي نُقش الصليب في فراغه في ظهره، ومسنده ومقعده من القطيفة الحمراء القانية، ومن خلفه النوافذ المفتوحة الباعثة لنور الشمس القوى وأمامه الطاولة التي عليها صليب معدني وجهه بعض لفائف الأوراق ومحبرة وقلم وكتاب ما وبين يديه سهم صليبي وعيناه تنظر إلى الفراغ في شرود مخيف وهدوء مربك، وقد أفرط اليوم في التفكير والتفكُر، حتى ظن أنه سينفجر عقله بقوة من كثرة التفكير. مرر يده على السهم بهدوء، وأراح رأسه على ظهر الكرسي، وبدأ يجمع الخيوط مع بعضها.
جوليانا تلك أفعالها مريبة. ترتدي الأبيض في الغالب، تسرف في استخدام الماء، تهتم بالنظافة بشدة، تستخدم الصابون، تغطي شعرها دائمًا وليست بالراهبة، قلة عدد الصلبان في بيتها، أليست كل تلك أدلة ضدّها، وعلى الأقل تثير الشك والريبة في ما هيتها وأكثر ما يخشاه أن تكون من المسلمين وأخيه الآن بيد مسلمة حمقاء قد تتلاعب بعقله، وتجعله يتخلى عن درب المسيح.
أو تكون من اليهود، ولكن اليهود أبخل من الإسراف والترف الذي فيه جوليانا، ولا يفضلون الأبيض مثلها.
لا يجول في عقله سوى بعض الشكوك والظنون التي يحتاج إلى تأكيدها ليلقي بها في النار حتى يتخلص من الخونة أمثالها، لكن أكثر ما يقلقه أن يتعلق بها حنا، أو يحبها أو يتجرأ ويطلب أن يتزوجها والنساء بارعات في اكتساب قلوب الرجال بسهولة.
انتفض من مكانه في ضيق وغضب من كثرة التفكير وصعوبة الأمر، ثم هدر بقوة، وصرخ وهو يكسر هذا السهم بغضب قائلاً: أكاد أفقد عقلي!!
وعلى أثر صراخه هذا دخلت ابنته إيفا إلى مكتبه، وقد كسى القلق وجهها، واندفعت إليه تسأله في قلق عندما اقتربت منه تقف إلى جانبه قائلة: هل أنت بخير يا أبي؟!
رسم ابتسامة مصطنعة وخبيثة على شفتيه بعد أن خطرت له فكرة ماكرة للغاية مثله، والتفت إليها بعد أن كان يوليها ظهره، وأحاط كتفيها قائلاً: أنا بخير يا قلب أبيك، لكن هل تسدين لي خدمة؟
نظرت إليه باهتمام قائلة في فضول: بالطبع يا أبي ما الأمر؟
داعب وجنتها قائلاً بمكر: فقط زيارة صغيرة إلى عمك!!