وسقطت حكمت - الفصل 6 - بقلم salma shazly - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وسقطت حكمت
المؤلف / الكاتب: salma shazly
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 6

الفصل 6

هم هذا الرجل بالمغادرة، لكن شعر بأن تحت قدمه شيئاً يميل ويهبط كلما داسه. نظر إلى قدمه واليها قائلاً بهدوء ماكر وخبيث: ما الذي تحت قدمي؟!! رفعت كتفيها قائلة بكل هدوء وبرود_وهي تشبك كفيها ببعض حتى لا ينفضح ارتعاش يديها_: مجرد بلاط مكسور. نظر إليها بشك، وكان اضطراب جسدها واضحاً، لكن ظلمة الغرفة القاتمة أعمت بصره عن إدراكها بجلاء و، لكن حدسه الأمني يخبره أنه أكبر من مجرد بلاط مكسور! انثنى بجسده للأسفل، واتكأ على ركبته يسرى وأنزل اليمنى على الأرض، وأخذ في تحسس السجادة وما تحتها من بروز لم يكن غريبًا؛ إذ إن جميع الأرضية في هذه الغرفة غير ممهدة، ومنها ما ليس له ساتر من رمال الأرض من بلاط أو رخام أو خشب. ولكنه أراد بطريقة ماكرة من رحم الخبث أراد أن يبث بها الرعب لعلها تقع بلسانها، وينفرط عقد رباط جأشها، وتنطق بأي شيء يدلهم على هذا الفرنسي. لكن حكمة ليست كغالبية نساء إسبانيا، بل فتاة منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها وهي تتعلم فنون الحذر والتخفي وتحسس الأمن، ومتى تتكلم؟ ومتى تسكت، ومتى تقلق؟ ومتى ترتاح، ومع من تتحدث ومن ستصادق وتُحدث أخبارها، فقط كل هذا حتى لا يشك أحد في إسلامها بمقدار حبة من خردل، أو يشعر بأي شك تجاهها، ويأتي هذا بكل بساطة يختبر قوة هدوئها وبرودة أعصابها، كانت كاترينا فعلتها وهي تحوم حولها مثل كلب الحراسة أعزكم الله!! استند كبيرهم على ركبته اليسرى والأرض، ثم وقف بقامته المتوسطة، وعدل من وضع مقيتة العسكرية وهم بالخروج، ومن خلفه حكمت حتى وقف قبل باب البيت بقليل، والتفت ينظر إليها قائلاً بهدوء: إن علمت أي شيء لا تتكاسلي وأخبرينا حتى نتمكن من القبض على الخائن، ونعيد شرف الكنيسة وهيبة الجنود... أم أنك تكرهين الكنيسة؟ تساءلت باستنكار لسؤاله قائلة: وهل يكره أحدًا بيت الرب؟!... ولا تقلق سيدي أنا تحت أمرك... لينصركم الرب ولتحل عليكم رحماته، ولتكن أم النور نوركم. خرج هذا الرجل، وأغلقت الباب من خلفه، ثم استندت إلى الباب بيديها التي تمسك بالمقبض والأخرى تنبسط على الباب، وقد أحنت رأسها للأسفل، وأخذت أخيرا في التنفس بقوة وراحة، وقد شغلت عدة مرات بقوة حتى هدأت ثم رفعت رأسها، ومن دون سابق إنذار بسقت على الأرض_ أعزكم الله _ وقد تمنت لو أن الوضع يسمح لها، وبسقت على وجه هذا الجندي الذي ضربها. ولكنها أكثر العارفين إن فعلتها الحمقاء تلك لن تجعله يضربها، بل سيرسلها إلى الفردوس الأعلى هي، وأحبتها إن شاء الله، كم أنكى حمقاء، وانا اكره الحماقة! تنفست حكمت لآخر مرة، ثم ابتعدت عن الباب، وأمسكت بمصباح الجاز من على الطاولة الصغيرة، واتجهت إلى منتصف حجرة المعيشة المطلة على جميع غرف البيت والمطبخ، وقد كان الوضع أقل ما يُقل عنه كارثي، وكل شيء في غير موضعه، وكل شيء عُبِث به حتى محراب الصلاة الشموع فيه قد تكسرت ومال تمثال مريم المقدسة على الحائط بزاوية حادة، ووقع الصليب على الأرض. سحبت نفساً عميقاً، وشمرت عن ساعديها، واستعانة بالله وبدأت في تنظيف البيت ومع كل قطعة كانت تضعها مكانها تقول "حسبنا الله ونعم الوكيل" وما أثار حنقها وضيقها أن الملابس قد انكبت أرضا بحق الله من سيختبئ في الخزانة الضيقة الصغيرة تلك؟! والآن أنتم تسألون عن حنا، وأنا أقول لا تقلقوا، لكن حكمت قد فضلت وأثرت أن تترك حنا في الأسفل، وهي تستشعر الخطر المحيط بها وصراخ جيرانها يصم الآذان، ومن الأفضل أن يظل في الأسفل ما دام الخطر حولهم، لكن لا مشكلة في طمأنته بهدوء حتى لا يجزع. اتجهت إلى المخزن الذي بأسفله السرداب، وجلست على ركبتيها، وأخذت في الطرق مرتين ثم مرتين، ثم مرة كما اتفقوا ثم تحدثت بنبرة منخفضة يسمعها هو فقط قائلة: لا تصدر صوتًا إن كنت تسمعني... لقد رحلوا من البيت، لكن الحي معبأ بهم أبقى هنا حتى يرحلوا من الحي وساخرجك... هناك ما في الجرة الفخارية، وإن جعل هناك خضار مجففاً فقط ضعه في الماء دقائق وكل. --------------------------------------------------------------------------------------- في مكان آخر بعيد ينعم ببعض الأمان والهدوء على الأخص في غرناطة لن أنكر أن الوضع في غرناطة أقل قلقًا وتوترًا من مدريد بكثير من حيث الفرنسين فأعدادهم قليلة نوعًا ما، ومن حيث الكنيسة فهي أفضل من مدريد من حيث القوة والرعب. من حيث الجو أدفأ، ومن حيث الحياة فأفضل وبالأخص إن طارق وخديجة ينعمون الآن بقسط من الهدوء والأمن لا مثيل لها، وقد تعرف طارق على أبناء اثانيوس وأبناء خاله الصغار وكون صداقة، وتعود العمل في النجارة، وقد أصبح اثانيوس يأخذه إلى ورشة النجارة معه كل صباح ليمضي وقته، ويتعلم أشياء جديدة، وقد تمنى لو بقي خاله الكبير مريضًا حتى يمكث وقتاً أطول في غرناطة. أما خديجة، فبالرغم من مقومات الحياة الرائعة حولها من حيث إخوتها وسعادة طارق وزوجات إخوتها يتناقشون معها والأطفال الصغار يتعلمون منها الحياكة، وتصلى في جماعة بين إخوتها وزوجاتهم، وتقرأ القرآن في أمان وهناك من يلبي طلباتها دون الحاجة إلى تعب، لكن قلبها في مدريد هناك مع جوليانا، ولم يهدأ قلبها أبداً، بل يصرخ بقلق كل يوم، وباتت تختنق بالخوف كلما فكرت فيها، وتصورت تلك السنريوهات البشعة وما قد يحدث لها إن وقعت في قبضة المحاكم وهل ستراها مجددا أم لا؟! لتنهي صراخ قلبها وقلقها وهي تنظر إلى السماء تناجى ربنا قائلة في قلق: حفظك الله ونجاكى منهم يا قلب أمك. --------------------------------------------------------------------------------------- والآن سنذهب لأول مرة إلى أسفل الأرض سويًا حيث حنا الذي حاله الآن أقرب إلى حال جرذ هارب من قط شوارع ينتظر منه خطأ ليصبح وجبة العشاء اليوم _ وأنا أعني ما أقوله ليس لأن حنا وسيم سأرفع من شأنه في التشبيه... فكم سامة من التشبيهات الوسيمة! _. كان كل شيء فوقه يسمعه ويصم أذنه حتى تلك الصفعة كانت أكثر ما سمعه وصدى لها صوت في أذنه وقلبه وعقله بقوة، وقبل كل شيء من تلقت الصفعة الآن جوليانا ليست أي امرأة أخرى. كان يتمنى لو بيده أن خرج لهم، وصفع وسخ الكوز هذا ولقنه درسًا، لكن غريزة البقاء كبلته، واستسلم لها استسلامًا مغزى وبشدة، وتعلل بأنه سيعوضها بزيادة أجرها الذي ستحصل عليه منه فوراً تعافيه، ولكن هذا الماء العكر الذي تعلل به لم، ولن يطفأ تلك النار التي اشتعلت بين ثنايا ضميره الذي استيقظ بعضه توا. حالة حق من استسلام مخزي. ولكنه حاول أن يُرح ضميره باستماعه لصوتها، وطمأنته بأنها بخير، وعلى ما يُرام، لكنه يعلم أنها ليست على ما يُرام! اشتد فكه للأمام، واستند برأسه على الحائط خلفه، وأغمض عينيه بضيق وسأم من كونه قد يمكث للصباح هنا وحده، وإن أبغض شيء على قلب حنا الوحدة، فهي من اسوء المشاعر التي تراوده أن يبقى وحيدًا بلا أنيس أو صديق أو رفيق ينسيه ألمه، ويشاركه ليلة وسمره! التفت ينظر إلى هذا السرداب، وقد وقف يتفحصه وبيده مصباح الجاز، ولم يكن سرداب وحسب، بل عالم آخر تحت الأرض! بدايةً من الحوائط المدهونة بلون أبيض، وقد بدي الدهان قديماً ومتشقق، لكن هناك أشياء نظيفة وجديدة، وتلك المقاعد الأربعة المنزوية وسرير صغير وجرار فخارية مليئة بالماء، ودلوي جاز كبار والكثير من الكبريت ووابور جاز وهناك في هذا الچوال الذي فتحه بضع البنادق والذخيرة والسيوف، وفي أجولة أخرى خضراوات مجففهو بعض الأعشاب وچوال فيه بعض الملابس البيضاء القطنية الرجالية والنسائية وبعض الخيوط والإبر، وفي ناحية أخرى على طاولة في زاوية السرداب بعض الأواني الفخارية والنحاسية ومصابيح الجاز، وفي سطل أسفل الطاولة يوجد صابون وبعض أدوات التنظيف، وكأنه الآن في بيت آخر أسفل البيت و. ليس هذا المهم فالاحتياط واجب، لكن ليس بتلك الطريقة!! والأهم من هذا لو كان هذا فقط في السرداب الأيسر ماذا يوجد في الأيمن وما حاجة فتاة وعائلة صغيرة لكل تلك المؤن، وهذا المنزل الآخر أسفل منزلها؟!! حك فروة رأسه في دهشة، وتفكير وكأنه عاد إلى العصور القديمة، وإلى أيام الحرب ليجد كل هذا، لكن شيئاً واحداً مفقود في هذا البيت الصغير، تماثيل مريم العذراء والصُلبان وصورة يسوع والعذراء. أين العبادة من كل هذا؟ ولما اللون الأبيض في الملابس؟! الآن لا يشعر فقط بالدهشة والحيرة، بل بالغباء أيضا لعجزه عن إيجاد تفسير منطقيّ لما رآه اليوم، وكل يوم تزيد تلك الفتاة من دهشته وحيرته! أفاق من تفكيره على صوت طرقات حكمت الخمس المتباعدة، وقد همست له بأن يفتح الباب من عنده، وقد امتثل لأمرها، ومدت له يدها يتمسك بها في أثناء صعوده، وقد وضع المصباح على أرض المخزن في الأعلى، ثم بدأ هو في الصعود، لكن جزاً على أسنانه بألم، وقد جرحت ذراعه جراء قطعة حديد حادة بارزة من الباب لم يلاحظها كلاهما. ساعدته على الصعود وأخيرا أصبح يتنفس هواء طبيعياً من دون رائحة الأتربة في الأسفل، وقد اعتذرت منه حكمت قائلة: أنا آسفة حقاً لم ألحظ الحديد... اعذرني... هل تؤلمك؟ وضع يده عليها، وأمسكها وهو ينكس رأسه، ويهزه قائلاً من بين أسنانه: بشدة. أمسكت يده وهي تساعده على الوقوف متجهة به إلى حجرة المعيشة، وأجلسته على أحد الكراسي، ثم رقدت ناحية غرفتها تحضر منها خيوط طبية وقطن نظيف وزجاجة عطر، ثم رقدت إلى المطبخ تحضر طبقاً غويط وبراد الشاي به ما ساخن، ثم جلست جانبه قائله: أرنى ذراعك. خلع ثوبه بحرص ليكشف عن صدره العريض وبعض الندبات والكدمات البنفسجية وخصره الملفوف بالشاش الأبيض مغطيًا جرحه السابق. وعلى أضواء مصباح الجاز أخذت ذات الوجنات الوردية المشتعلة تتفحص ذراعه، وقد كان جرحًا غائرًا بعض الشيء جراء اختراق قطعة الحديد ذراعه بعمق وخروجها مجددا. أمسكت بالعطر، ووضعت منه على القطن، وبدأت بتطهير جرحه قائلة: ستؤلمك قليلاً فقط أرخى ذراعك. استجاب لها، وأخذ في الجز على أسنانه بألم كلما لمست جرحه، وقد حاولت أن تخفف قوتها بقدر المستطاع، حتى انتهت من تضميده جيدًا، ثم نظفت المكان حولها، وأحضرت له ثوباً آخر، وساعدته على ارتدائه. همت بالرحيل لولا أنه أمسك بيدها اليمنى قبل أن ترحل_ قد كان طوال الوقت يحاول أن يفتح باب الحديث معها، لكن دموعها المتحجّرة في عينيها تلك كانت تمنع من أي محاولة أو أقدام، وقد كانت بين اللحظة والأخرى تتشنهج متعللة بأن الجو بارد وأنفها يتحسس البرودة، ولكنه آثر الصمت حتى لا يحرجها، لكن تلك الدمعة التي سقطت على ظهر يده أوقفت بروده، وأنفته عند حدها، وقد نهر نفسه بعض الشيء، ولما الكبر معها، وقد فعلت اليوم ما فعلت ولولا تلك الفتاة لكان رأسه معلقًا الآن على أبواب مدريد_. "لما الدموع؟! ما فعلتيه اليوم يجعلني فخورًا بكى ومدينًا لكي طوال عمري... لولا شجاعتك لكان رأسي الآن متدحرج عند قدميك." ثم تجرأت يده، وزحفت ناحية وجنتها تحاول محو دموعها المنهمرة بقوة نهراً عند منبعه. ولكن قبل أن تصل يده إلى مرامه ومبتغاه قد هربت من أمامه بقوة ناحية غرفتها، وأغلقت الباب بقوة، وجلست خلفه على الأرض متكورة على نفسها تخفي رأسها بين ركبتيها ومرفقيها، وقد بدأ يعلو نحيبها وبكائها مثل الطفل الذي كُسرت لعبته، أو مُنع من اللعب مع أصدقائه، لكن الوضع مختلف الآن تلك الدموع ليست عادية أو حتى من الألم أو الحزن فقط، بل دموع حرقه، حرقة على كرامتها التي اُمتهنت وعزتها، وكم الخزي الذي ألم بها اليوم من كل جانب، وكانت شهقاتها تعلو بقوة وكأنها دعاء أيوب في مرضه "ربي إني مسني الضر" و، لكن اللسان عاجز الآن عن أبسط الحقوق الدعاء! تبكي كرامتها... تبكي إسلامها... تبكي المها... تبكي عجزها... تبكي ضعفها... تبكي شوقًا لوالدتها التي لو كانت هنا الآن لمسحة عنها دمعتها، وخففت عنها ورحمة فؤاد العصفور هذا من كل هذا الألم والضعف. أكان عليها أن تُلد في وطن مسروق، وأن يكتب عليها الهروب والتخفي من العالم دائماً... على ماذا تبكي وقلبها يصرخ عوضا عن لسانها يا لله أنقذنا من ما نحن فيه... ابعث لي السلام ابعث لي السكينة... ابعث لي الأمن... يا سلام يا رحمن يا رحيم يا لطيف الطفى بي وارحمني من ما أنا فيه... وأندلسية! وعلى الناحية الأخرى كان حنا يضع رأسه بين كفيه يصم أذنه بيديه عن صوت بكائها، لكن لا رادع ولا مانع لصوت بكائها الذي أيقظ بقايا متناثرة ومتهشمه من ضميره الذي لأول مرة منذ أن كان في صباه يرق لباكي وباس مثل جوليانا، وقد كان قبل لحظات يُسكن ضميره الميت متعللاً بأن الأمر سهل وستنسى، لكنه أدرك الآن أن الأمر ليس سهلاً أبدا، ولو كان محلها لما رضي بالإهانة ولو بعد حين. وقف من مكانه متثاقلًا يكسوه الهم، ويغمره حتى عنقه، ثم اتجه إلى باب غرفتها، وجلس أرضا هو الآخر، واستند برأسه وظهره على الباب مقابلها، ثم تحدث بهدوء قائلاً: قد أكون متكبراً لا تعنيني أمور غيري وفظ الطباع والقلب وأحب نفسي، ولا أستطيع التحدث مع الفتيات والنساء، ولا تظني أن ابنة بلايو فتاة، بل غوغائية صبيان الأزقة والحارات، لكن أريد أن أتحدث معكي. قضم شفته العليا، ونظر إلى السقف الأبيض الذي به شق خفيف بطوله، وقد شعر أنها بدأت تهدأ وتستجيب له، ثم استطرد القول قائلاً: أنا لم أر في حياتي امرأة مثلك... كل حياتي بين الجيش والمحاكم والنبلاء والسادة وما إدراكي من هم نساء السادة؟ مجموعة من الحمقاوات يرفضن العمل في بيوتهن خشية تلوث أظافرهن أو تشقق أيديهم... يرتدين أفخم الثياب والمجوهرات، ويصففن شعرهن على أحدث صيحة، ولكن عقلاً نادرًا إن وجد... عمل لا عمل طوال الوقت نفسها فقط... عباده لا يعرفن الكنيسة إلا كل أحد، وفي الإكليل والقداس... أطفال لا يعرفن عن تربيتهم شيئاً... نظرة لا يملكن نظره في أي شيء بالنسبة لهم العمال والفلاحين والتجار عبيد حتى ولو كانوا أحرارا أو موالي لهم، ولا أنكر أنني لا أنظر إلى الناس مثلهم، بل أراهم سبباً في الوباء والبلاء وأكثر من كونهم أغبياء، بل نعم الرب كثيرة عليهم... لكن أنت غيرتي وجهة نظري تلك... أفعالك... أقوالك... عملك من دون سأم أو تعب... رعايتك لي... عفتك... تدينك... ذكائك... كل هذا غير وجهة نظري عن العالم والناس بات عقلي ينفتح قليلاً ليدرك ما حوله... جوليانا أنتي فريدة من نوعك... هذا الغبي الذي تجرأ عليك لا يعرف قدرك... أنت تستحقين أن تكوني سيدة من النبلاء أفضل من مئات الحمقاوات... أنت أنقذت حياتي مرتين... لا يمكن أن يكون هناك من يشبهك... أزهى بنفسك و تفاخرى... دموعك تلك لا تهبط إلا على عزيز... أنت هبة وهدية للجميع... أنا لا أتخيل هذا العالم من دونك، أو من دون أعشابك أو أدويتك أو العطور التي تصنعينها... أو من دون خجل... أو من دون ابتسامتك الرائعة... أو عيني المها... أو بشرتك الحنطية... لا بد أن تزهى بنفسك، وتزهو بكى أمك، ويزهو بكى اخيكى وحيك... قد لا نرى بعضاً مجددا... لكن أريد منك أن تبتهجى... اهدئي فالعمر أمامك طويل، وستقابلين الكثير من نوعية ذلك المنحط هل ستبكين وتظهرين ضعفك بسهولة أم ستكونين قوية... قلبك كقلب العصفور لا يصلح لزمننا هذا... اتفقنا لن تبكي مجددا؟... بالمناسبة أنت لستي سمراء لا تقلقي. ومن خلفه كانت حكمة تستمع لكلماته في سعادة غامرة وكبيرة، فاضت وغطت حزنها، وطمثته وبكل سهولة بكلمات رقيقة وطيبة مسحت دمعتها، وربطت على قلبها في نعومة وحنان، وقد ابتسمت ومسحت دموعها، وتذكرت والدها الراحل الذي طالما مدحها ومنحها الثقة بنفسها طوال عهدها به حتى وهي ما تزال صغيرة كانت تتلقى منه كلمات العزم والتشجيع والقوة التي انقطعت عنها منذ أن كان رحل والدها، ورحل معه الأمان والتشجيع والأمل، والآن حنا يذكرها بكل ذلك ببساطة وهدوء، يعطيها الأمل والحنان، ويغسل قلبها من الحزن بكلمات سلسة، لكن مفعولها أقوى على قلبها من سحر بابل العظيم. تلاعبت في هذا الخيط المتدلي من فستان نومها قائلة في خجل وقوتها مبحوح من أثر البكاء: شكرا سيدي... أرحت قلبي... باركك الرب. على الناحية الأخرى ابتسم حنا بهدوء وكأنه يرى ابتسامتها الصغيرة ووجنتيها المتوردة خجلاً أمامه الآن، ونظر إلى الباب، ثم عاود النظر إلى السقف قائلاً بهدوء: العفو... ثم تابع قائلاً ببعض المرح حتى يكسر هذا الحزن قائلاً: سأخبرك بشيء لم أخبر به أحدا من قبل... أنا أخاف من الغربين... ليس خوفاً بالمعنى الحرفي، بل هي نذير شؤم بالنسبة لي... تخيلي ريشه أسود وعينيه سوداء ومنقاره أسود وقدمه وأظافره أيضا... عندما أراه في الصباح يصبح يومي سئ وعصيباً للغاية لدرجة أنني وضعت فزاعة في غرفتي، ولكن عندما علمت أمي رمتها وأعطتني درساً في القدر والحظ ولكني لم أقتنع... وأنت ماذا يخيفك؟ بللت شفتها، وابتسمت قائلة في هدوء: أخاف من الظلام... رغم عمري هذا، إلا أنني أخاف الظلام، ولا أنم إلا والشموع المضاءة جانبي لذلك يهرب أخيلا أخي من النوم في غرفتي هو وأمي في الصيف؛ لأن هواءها بارد عن باقي المنزل... لكن ستقول شيئاً آخر أنا أحب اللون البنفسجي والأبيض، بالرغم من أني لم أر اللون البنفسجي في حياتي إلا مرة واحدة، ولا أملك حتى منديل باللون البنفسجي لكني أحبه بشدة... وأنت ما لونك المفضل؟ "أخبرتك قلبك قلب عصفور صغير... أما لوني المفضل هو البني والأخضر." ثم تابع قائلاً بهدوء ومرح: سأحكي لي موقف حدث منذ زمن... كنت في السابعة عشر من عمري كنت في الحديقة الخاصة بالمنزل أتدرب على الخيل، ووقعت من فوقه؛ لأن السرج مفتوح، وأخذت أعنف السائس على ما فعل وضربته بشدة لألتفت ورأى أرى فتاة بعمر أربع سنوات تبكي بشدة، وهي تشاهد ما يحدث وتنتحب بقوة حتى أقبلت إحدى الخادمات تحملها وتحاول إسكاتها، ومن بلا جدوى، حتى اقتربت منهم، وزاد بكاؤها وأخذت تخفي وجهها في صدر الخادمة، وقد شاهدتني وخافت منى، ولا أريد أن أخبرك ماذا فعل بي أبي عندما دخلت الخادمة بالفتاة إلى القصر، وقد كان أبوها حداداً، وصنع لأبي عدة بنادق، واحضر ابنته يومها، وحكت ما رأته... زفر أنفاسه وهو يضحك بسخرية قائلاً: أبي ضربني وحبسني في غرفتي، ومنعني من الخيل والسيف لشهر لا تعلم الأدب، وقاطعني أخي بلايو وزوجته أيضا وأمي أعطتني درساً في الأخلاق لن أنساه... والسبب طفلة صغيرة... والآن بالتأكيد أصبحت كبيراً أو أم على الأقل. تجاهلت حكمت تلك القصة وكأنها لم تسمعه ثم تساءلت في خبث من خلف قائلة: وهل رأيتها بعد ذلك؟ "مرات عديدة كانت تأتي مع أبيها إلى القصر، ولكن أصبحنا رفاقاً بعدها لم أقتلها." تابعت بلوم قائلة: منذ متى لم ترها؟ آمال حنا رأسه، وأخذ يفكر بهدوء، ثم أجاب بتفكير: أربعة عشر عامًا منذ أن كان عمرها ثماني سنوات، ثم هاجرت كنا نعيش في غرناطة، ونحن انتقلنا لمدريد منذ أربع سنوات فقط... لم السؤال؟ قامت حكمت من على الأرض، ووقفت قائلة وهي تفتح الباب بحزم: قف لو سمحت سأفتح الباب. امتثل لأمرها ووقف، وقد قطب جبينه بشدة، ودهشة حتى وقفت أمامه، ونظرت إلى عينيه لأول مرة منذ مجيئه قائلة بهدوء: كانت تلك الفتاة ترتدي فستاناً أزرق، وعقدت شعرها على هيئة أذني قطة... ووالدها يدعى أندرو أغسطس... ولديها شامة حمراء أسفل أذنها. هز رأسه بنعم، ولا يزال في حالة من الغباء وعدم الفهم والغباء مجددا، حتى صاحت قائلة في حنق من غبائه: أنها أنا جوليان ابنة أندرو أغسطس الحداد، ثم أخرج من ثوب نومها صليب من الفضة عليه جسد المسيح -عليه السلام- قائلة: هذا الصليب كان هديتك عندما رأيتك آخر مرة... أتذكر عندما أعطيتك دميتي الخشبية هدية مقابل الصليب... كيف لم تعرفني ومنذ الدقيقة الاولى قد عرفتك...