الثالث والثلاثين والأخير
عند منتصف النهار وجدوا أنفسهم أمام جيش هائل من أمهر الفرسان والجنود المجهزين بالعتاد الكامل فقال مالك وهو ينظر نحو شمس بتحدٍ:
هل يكفي هذا الجيش أم أنك تريد المزيد؟
فقال شمس بذهول:
من أين لك بكل هؤلاء؟
ـ ليس من شأنك، المهم أن ينتهي الأمر بهزيمة الوحوش
صمت شمس ولم يقل شيئاً ثم التفت نحو ريماس فوجد القلق بادياً على وجهها فتسائل:
هل أنت بخير؟
هزت رأسها نفياً وقالت:
لست مطمئنة لما يحدث
فقال ليطمئنها:
لا تقلقي، سيكون كل شئ بخير
ثم انطلقوا إلى الوادي على رأس ذلك الجيش
اختار مالك مائة من أمهر رماته وقام بتوزيعهم فوق قمم الجبال المحيطة بالوادي والذين بدورهم وقفوا متأهبين في انتظار إشارته
بينما كان كل من شمس وريماس وتميم يقفون واضعين أكفهم على قلوبهم خوفاً مما قد يحدث،
في تلك اللحظة أشار مالك للرماة فأطلقوا سهامهم
اتسعت أعين الجميع وافتغرت أفواههم مما حدث، فلم يبدو من أحد الوحوش أي ردة فعل وكأنهم لم يشعروا بتلك السهام التي تستقر داخل أجسادهم والتي تظهر كأنها شوكة في قدم بعير
أما الرفاق الثلاثة فقد تنفسوا الصعداء رغم أن ما حدث هو طامة كبرى أمام البشر إلا أنهم كانوا سعداء لأن رفيقهم ما يزال بخير
امتقع وجه مالك فقد كان الأمر أصعب مما يتوقع فقال بغضب:
اللعنة
ثم تابع بعد تفكير:
ليس أمامنا سوى المواجهة
ـ أنت تحكم علينا جميعاً بالموت
قالتها ريماس بحدة فقال شمس مؤيداً:
إن دخلنا في مواجهة مع تلك الوحوش فلن يكون هناك سوى نتيجة واحدة وأنت تعرفها جيداً
ثم تابع:
الموت
فصرخ فيه مالك بغضب:
ليس لدينا خيار آخر، والموت قادم لا محالة
فصاح شمس بتحدٍ:
فلتكن أول المقاتلين إذاً
تجهم وجه مالك ثم استل سيفه وهو يرمق شمساً بنظراته ثم شرع في الهبوط إلى الوادي فتبعه البقية
حين اقترب الجنود من الوحوش اضطربت قلوبهم وارتجفت أيديهم ولم يعودوا قادرين على الإمسكاك بسيوفهم فلم يكن هناك بدٌ من تلك الحرب التي كانت ستقوم بعد لحظات، إذ كانت النتيجة محتومة لصالح الوحوش، ولكن مالك أصابه الغضب مما حدث بين صفوف جيشه فصرخ فيهم ليثبتوا غير آبه بتلك الوحوش التي علمت بوجودهم فوجدوا أنفسهم في مواجهة معهم رغم أنوفهم
كان هجوم الوحوش عليهم بشعاً إلى أقصى درجة فقد أخذت تمزق أجسادهم بمخالبها وتفترسهم بأنيابها فأغرقت الدماء الأرض وتناثرت الأشلاء في كل مكان
فتبادلوا النظرات وهم يرون تلك الكائنات تمزق كل من يقف في طريقها، ولكن ريماس وشمس كانا يراقبان مالك الذي لم يكن يترك فرصة للحاق بملِك الذِّئاب إلا واستغلها
فكانا يلحقان به ويتعمدان تشتيته رغم أن ملِك الذِّئاب لم يكن في حاجة لذلك إذ أنه لو صربه بقبضته ضربة واحدة لانفجر كما تنفجر القذيفة ولكن مالك كان يتوارى كي لا يراه، حتى ذهب ملِك الذِّئاب إلى خلف الجبل فلحق به وهناك وجده يروح ويغدوا كأنه يفكر في حل لما يحدث
فاقترب منه بحذر ثم ازدرد ريقه ليعطي لنفسه بعض الشجاعة ثم اعتلى صخرة قريبة منه ليكون مقارباً له في قامته
في تلك اللحظة شعر ملِك الذِّئاب به فالتفت نحوه ولكن مالكاً لم يمهله وغرس سيفه في صدره بقوة فسقط ملِك الذِّئاب أرضاً وقد سكن جسده
صرخت ريماس صرخة دوت في كل وادي الذِّئاب وهي ترى هذا المشهد أمام عينيها، فرمقها مالك بنظراته وهي تحدق بالوحش الساكن عن الحركة ثم قال بمكر:
كنت أعرف ما سيحدث، لقد أخرجته من سجنه الذي كنت متأكداً أنه لو مكث به لألف عام لما أصابه شئ، ولأنني كنت أعرف أن فضوله سيدفعه دفعاً للمجئ إلى هنا قصدت تحريره ليحدث ما حدث
ثم تابع وهو يرى الدهشة تعتري قسمات وجهها:
لا تتعجبي يا مولاتي فأنا أعرف بأمر الكتاب الذي تركه غسان لولده
ثم استطرد وهو يقترب منها:
كل ما فعلته كان من أجل حلمي الذي حلمت به منذ وطئت أقدامي القصر، وهو نفسه الحلم الذي من أجله قتل شريح والدكِ ومن أجله قتل جنيد والده ولأجله قتلت جنيداً أيضاً، فذلك المغرور لم يكن يستحق تلك المكانة التي كان عليها أبداً
ثم انتزع السيف الذي كان مغروساً في صدر ملك الذئاب وتابع وهو يبتسم بخبث:
لقد تحول حبيبك إلى هذا الوحش، وبموته مات جبيبك أيضاً، ولأريحك من ألم الفراق سألحقكِ به
ثم رفع سيفه ليهوي به على عنقها ولكنها باغتته بضربة قوية بخنجر في صدره أردته جثة هامدة
ثم نظرت نحو جثة الوحش الساكنة فوجدتها قد استحالت إلى الصورة التي عشقتها، مجد حبيبها ومذيب روحها شاحب الوجه وصدره العاري غارق في الدماء
فسارت نحوه بخطوات ثقيلة وكأن قدميه قد تحولتا إلى حجرين وما إن اقتربت منه حتى أخذت تحدق فيه بأعين ترقرقت الدموع فيهما ثم انهارت إلى جواره تبكي بأعلى صوتها
كانت تسند رأسها إلى صدره وهي تبكي ولكنها لم تمكث لحظات حتى رفعت رأسها وهي تحملق فيه بأعين متسعة، ثم عادت ووضعت أذنا على صدره فخفق قلبها بقوة، لقد سمعت دقات قلبه، فنظرت نحو وجهه وهمست بصوت ضعيف لم يصل إلى مسامعها:
مجد!!!
لم تصدر منه أنَّة ولا حركة ولكنها رأت بعد مرور لحظات مقلتيه تتحركان أسفل جفونه وشفتاه تصدر منهما حركة ضعيفة فقالت بلهفة وبصوت أعلى من سابقه:
مجد…
فتح عينيه ببطء شديد ثم تحركت شفتيه باسمها
كانت الرؤية أمامه باهتة ولكنها أخذت تتضح شيئاً فشيئاً فدار بعينيه في كل اتجاه حتى استقرتا عند ذلك البحر الأزرق الذي يعلو وجهها ثم قال بصوت ضعيف:
ريماس….أنتِ بخير؟
ضحكت من بين دموعها ثم احتضنته دون النبس ببنت شفة
ولما ابتعدت عنه وجدت عينيه مغمضتان ورأسه مائل إلى الجانب فصرخت في خوف:
مجد……
أصدر أنة ضعيفة ثم وضع يده فوق بيدها الموضوعة فوق صدره بوهن وكأنه يخبرها أنه لا زال حياً فتنفست بارتياح وبعد مرور لحظات فتح عينيه ونظر نحوها مطولاً ثم سألها:
هل انتهت المعركة؟
هزت رأسها نفياً ثم قالت:
أظنها لحظات وينتهي أمرنا
فقال وهو يحاول النهوض:
لا تفقدي الأمل فقد تنقلب الراية في أية لحظة
ثم نهض بمساعدتها فوقع بصره على جثة مالك فتجهم وجهه وظهر عليه الغضب الشديد فازدردت ريماس ريقها بعدما أصابها الخوف من ملامحه الغاضبة، ثم انحتى إلى جوار الجثة ليلتقط السيف الملقى بجوارها
ثم سار مبتعداً عنها كأن لم يكن به ألم قط
صعد إلى قمة الجبل ثم نظر نحو الوادي الذي تناثرت به جثث الجنود وأصبح اللون الأحمر هو اللون السائد فيه
فاحمرت عيناه من شدة الغضب، فصاح أحد الجنود الذي كان أحد أفراد الفيلق الجنوبي بذهول لما وقع بصره عليه:
القائد؟!!
التفت الجميع إلى حيث ينظر الجندي فهمس شمس غير مصدق:
مجد؟!!!
هبط إلى الوادي وأخذ يقاتل بكل جسارة فدب الحماس في قلوب الجميع وأخذوا يقاتلون بكل ما أوتوا من قوة وكأنهم أناس آخرين غير أولائك الذين كانوا على وشك الهزيمة فقد تم القضاء على جميع الوحوش وهو ما أثار دهشة الجميع فبعدما كانت سيوفهم لا تحدث سوى جروح بسيطة بالكاد يشعرون بها أصبحت بأقل ضربة منها يسقط الوحش صريعاً.
هلل الجميع فرحين بهذا النصر فصاح مجد بصوت وصل إليهم جميعاً:
ما حققناه حتى اللحظة لا يتعدى كونه ضرب ذيل الحية وهو الأمر الذي لا يقينا هجومها من جديد
فسأله أحد الجنود:
وماذا سنفعل؟
فقال بحسم وهو يقف منتصباً مرفوع الهامة:
علينا أن نسحق رأسها
ثم تابع وهو يمتطي ظهر أحد الأحصنة:
ورأس الحية موجود في الشمال
ثم اختار جماعة من الجنود الأقوياء وأمرهم بالبقاء قرب الكهف وعدم ترك المكان مهما حدث ثم انطلق بالبقية إلى الشمال
وصلوا إلى الشمال وتحديدا عند القصر بعد مضي يومين في مشهد مهيب دب الرعب في قلوب الجميع
ثم اقتحموا القصر بكل جرأة دون الخوف من شئ، ثم وقف مجد في وسط ساحة القصر وصاح بصوت جهوري:
زمرد…
**************
كانت في مخضعها حين تناهى إلى سمعها صوت جلبة قوي فصرخت منادية حراس مخضعها فلم تلق رداً وهو الأمر الذي أثار غضبها فخرجت بوجه متجهم وهي تسير في الرواق المؤدي إلى الدرج فتسمرت في مكانها فجأة حين سمعت من يصيح باسمها
ظلت على حالها للحظات ثم شرعت في هبوط الدرج وقبل أن تضع قدمها فوق العتبة التالية وجدته يدلف من باب القصر الرئيسي ويقف في منتصف البهو وهو ينظر نحوها بغضب فقالت بذهول:
لا زلت حياً؟!!
أومأ إيجاباً وهو يبتسم
فتابعت:
كيف حدث هذا؟
أجابها:
أقولها لك بكل ثقة، أن القدر الذي دفع والدك للولوج إلى ممالك الذئاب والذي قدر لملك الذئاب الخروج إلى عالم البشر، والذي وضعكِ في هذا المكان هو نفسه الذي نجاني من ظلمات سجنك
ثم تقدم نحوها وصعد الدرج حتى وقف أمامها ولم يعد يفصله عنها سوى خطوة واحدة ثم تابع بعدما تجهم وجهه واحمرت عينيه بشدة وكأنهما بركان يغلي بالحمم:
كل شخص التقى بكِ دفع عمره ثمناً لهذا
فملك الذئاب دفع الثمن بأن نفي من أرضه واضطر للعيش بين البشر يتحمل حقارة نفوسهم
وجرير دفع الثمن وهو يرى أمه تقتل أباه دون أي ذنب
وكذا والديَّ أيضاً دفعا حياتهما ثمناً لهذا، والملك وزوجته أيضاً، حتى ذلك المغرور ووالده دفعا حياتهما ثمناً لتواطئهما معكِ
وكدت أنا أن ادفع عمري ثمناً فألقيتِ بي في ذلك السجن حالك الظلمة لسبع سنوات كانت كافية لتمحو أي أثر لوجودي ولكن لم يوفقك القدر لهذا
ثم أمسك بخنجره الذي أعطته إياه ريماس عند عودتهما إلى الشمال وقال:
وأنا من سيثأر لكل هؤلاء
فازدردت ريقها بصعوبة ثم قالت:
ماذا ستفعل؟
قبض على شعرها فجأة فصرخت ثم سار باتجاه شرفة القصر وهو يجرها خلفه بقوة ثم قال وهو يكز على أسنانه في غضب:
سترين ما سأفعله بكِ ولكن قبل هذا سأقدمكِ لمن جعلتِ منهم خداماً لكِ
فخرج إلى الشرفة أمام الجموع التي احتشدت لترى ما سيحدث ثم قال بصوت جهوري:
قد تتساءلون من أنا لذا سأخبركم أنني مجد ابن غسان طبيب الملك رعد الذي قتل غدراً على يدي وزيره شريح وأنا هنا لأخلصكم من شر طال مكوثه بينكم
ثم زاد من شدة ضغطه على شعر زمرد فبدا الألم على وجهها وتابع:
هذا المرأة التي تقف أمامكم الآن قد استطاعت خداع الكثيرين منكم باسم العجوز سلاف المرأة التي أحبها الكثيرين ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، بل هي سبب ما ألمًَ بكم من مصائب ونوائب خلال الأعوام العشرة الأخيرة
ثم صمت وهو يراقب النظرات المتعجبة والأحاديث الجانبية الدائرة بين الكثيرين واستطرد:
لهذا قررت تخليصكم منها ومن شرها إلى الأبد.
ثم قبض على خنجره بقوة وقام بطعنها به بقوة فصرخت صرخةأخيرة ثم ارتخى جسدها وسقطت على أرض الشرفة جثة ساكنة لا حراك فيها
بعدها حمل الجثة وألقى بها من الشرفة فاصطدمت بأرض الساحة
فهلل الجميع فرحين لنهاية هذا الشر الذي كان يجثم على صدورهم والذي سلبهم آدميتهم
خرج من القصر ثم أمر بتجهيز الجثة استعداداً لنقلها إلى الجنوب
فالتقت عينه بعين ريماس التي ابتسمت بسعادة وهي تركض نحوه ثم تعلقن بعنقه وقالت بسرور:
وأخيراً انتهى الكابوس
فقال بابتسامة وهو يبعدها عنه قليلاً:
نعم وأخيراً
ثم تابع بعد لحظات:
سأذهب إلى الجنوب
فأمسكت بساعده ثم قالت بتوجس:
هل هذا ضروري؟
أومأ إيجاباً وأردف:
لابد من ذلك لينتهي هذا الأمر إلى الأبد
ثم طبع قبلة على جبينها وقال:
سأترك تميماً هنا برفقتكِ
حاولت أن تعترض ولكنه أشار إلى مجموعة من الفتيات يقفن متلهفات وهن ينظرن نحوها.
نظرت نحوهن فوجدتهن مجموعة من وصيفات القصر اللاتي ثم إبعادهن عن القصر قبل مقتل والدها بأيام فتهللت أساريرها وهي تراهن فرحات بعودتها ولما عادت ببصرها نحوه وجدته قد امتطى ظهر حصانه وشرع في الرحيل ثم التفت إليها ولوح لها بيده مودعاً فقالت وهي تلوح له أيضاً:
كن بخير
أومأ لها إيجاباً وابتسامته العذبة تزين ثغره فتابعت بصوت منخفض:
وداعاً
ولما اختفى عن أنظارها التفتت إلى الوصيفات وابتسمت ثم أسرعت نحوهن كفراشة بيضاء تحلق بين الزهور فأخذن يعانقنها بحب ويدرن حولها كنحلات يدرن حول زهرة ثم دلفن جميعاً إلى القصر وصوت ضحكاتهن يملأ المكان
************
بعد مضي يومين كان مجد عند وادي الذئاب هو ومقاتليه فقام اثنين من المقاتلين بحمل جثة زمرد والصعود بها إلى كهف الراعي بقيادته ثم دلف على الفور إلى الساحة عن طريق السرداب فكانوا في عقبه وهناك أمرهم بإلقاء الجثة داخل ذلك الجسم الاسطواني الذي يتوسط الساحة ففعلوا وما هي إلا لحظات حتى شعروا باهتزاز الجبل بقوة أسقطت بعض ضخوره فوق رؤوسهم فأسرعوا بالخروج من الجبل والهبوط إلى الوادي وهناك اتسعت أعينهم وهم يرون الأرض تنشق لتظهر دائرة هائلة حول الجبل ثم حدث أن اهتزت الأرض بشكل عنيف جداً فسقطوا أرضاً بعدما اختل توازنهم فافتغرت أفواههم وهم يرون الأرض تبتلع الجبل أمام أعينهم حتى اختفى تماماً، ثم أغلق الشق ولم يعد للجبل أي اثر وكأنه لم يكن هناك جبل من الاساس
فنهضوا وهم يتبادلون النظرات الحائرة حول حقيقة ما رأوه فتحرك مجد ووقف فوق الأرض الخالية والتي كانت جبلاً شاهقاً قبل لحظات فوجدها أرضاً صلبة فتنفس بارتياح
فاقترب منه شمس الذي كان لا يزال مأخوذاً بما حدث ثم سأله:
هل أنتهى الأمر؟!
حدق فيه مطولاً ثم قال وهو يبتسم:
انتهى
ثم تابع في داخله:
غالباً
************
انتشر خبر انتهاء ما حدث في كل أكاسيا كالنار في الهشيم حتى أنه وصل إلى الممالك الأخرى فعاد إلى المملكة كل من فر هارباً للنجاة بحياته من تلك المجازر التي شهدتها المملكة
وفي أحد الأيام وبعد مضي ما يقرب على العام تم الإعلان عن خطاب هام سيلقيه مجد في ساحة أكاسياً الكبرى ويتوجب على جميع سكان المملكة الحضور في ذلك اليوم والذي يكون بعد عشرة أيام من إعلانه لسماع الخطاب
جاء يوم الخطاب فاحتشد جميع سكان المملكة كباراً وصغاراً داخل الساحة ووقفوا ينتظرون الخطاب
كان يقف بالقرب من المنصة التي نصبت في وسط الساحة ينتظر احتشاد الجميع ولما أخبره أحد الفرسان بحدوث ذلك ملأ صدره بالهواء ثم أخرجه دفعة واحدة وكأنه يشجع نفسه لمواجهة أهل المملكة ثم اعتلى المنصة وعينه معلقة بالجميع
كانت الأحاديث الجانبية دائرة بين الجميع حول هذا الأمر الجلل الذي تجمعوا لأجله ثم توقفوا عن الحديث في اللحظة التي رأوا فيها مجداً يعتلي المنصة ثم وقفوا منتبهين له حتى قال بصوت عالٍ:
يا أهل أكاسيا، لقد مررتم في السنوات الأخيرة بأحداث لم يكن بمقدوركم أن تتخيلوا حدوثها ولكنها حدثت، منكم من فقد والده ومنكم من فقد ولده ومنكم من فقد أخاه ومنكم من حالفه الحظ فلم يفقد سوى القليل من ماله، جميعكم طاله الأذى بشكل أو بآخر لذا أنا هنا اليوم لأخبركم أن ذلك الزمن قد ولَّى وأن القادم سيكون أفضل
ثم تابع:
والأهم من هذا كله أنكم ستختارون بأنفسكم من ترونه الأصلح لحكمكم وتولي أمركم
فإن شئتم توجت الأميرة ريماس ابنة الملك رعد ملكة على أكاسيا خلفاً لوالدها بصفتها الوريثة الشرعية للعرش، وإن أبيتم فاختاروا من بينكم من ترونه الأصلح لذلك فأنتهم أدرى بشؤونكم
تبادل الحميع النظرات المتعجبة فقد كانوا يظنون أنه سيستولي على العرش غصباً بعد كل ما قدمه لأجلهم ولكنه خيب ظنونهم وترك حرية اختيار حاكمهم.
قاطعت ريماس نظراتهم حين اعتلت المنصة هي الأخرى وقالت بصوت جهوري:
أيها السادة، الكثيرين منكم كانوا يعرفون القائد حينما كان طبيب الملك قبل ما يزيد على العشرة أعوام، وكيف كان يساعد من يحتاج إليه أما الآن فلا أظن أن أحداً منكم لا يعرفه بعدما قدمه للمملكة
لذا فأنا بصفتي الوريثة الشرعية للعرش أتنازل له عنه بكل حب وتقدير
حملق بها غير مصدق ما تسمعه أذنيه وكاد أن يقول شيئاً ولكنها تابعت حديثها وهي ترمقه بنظرات واثقة وقد تزين ثغرها بابتسامة رقيقة:
ما أريكم؟ هل تقبلون به ملكاً على أكاسيا؟
صاح الجميع موافقين لما قالته في سعادة فهم وإن ظلوا يبحثون فيما بينهم عن شخص يصلح لهذا المنصب فلن يجدوا من هو أفضل منه مهما طال بحثهم
في تلك اللحظة اعتلى المنصة كبير قضاة المملكة والذي عزله شريح رغماً عنه حاملاً التاج بين يديه وما إن وقف أمامهما حتى انحنى مبدياً احتراماً، فأمسكت ريماس بالتاج ووضعته فوق رأس مجد ثم قالت وهي تنظر في عينيه:
ما قدمته لأجلهم يستحق أن تتوج ملكاً على العالم أجمع وليس على أكاسيا فقط.
وكأن ما قالته قد ألجم لسانه فلم ينبس بشئ فهو لم يكن يفكر في أمر الملك قط ولم يكن يطمح في الوصول إليه أبداً بل كان همه وشغله الشاغل أن ينتقم ممن قتلوا والديه فوجد نفسه يواجه أموراً ليس له دخل بحدوثها، انتهت بتتويجه ملكاً وكأن القدر يعوضه عما فقده ثم ابتسم وهو ينظر باتجاه المحتشدين الذين كانوا سعداء بهذا في مشهد رائع جداً.
فعاهد نفسه في تلك اللحظة أن يكون جديراً بتلك الثقة التي منحوه إياها ثم أبدى لهم احتراماً كبيراً وعبر لهم عن امتنانه وتقديره لهم ثم نظر نحو ريماس فوجدها ما زالت تنظر نحوه وابتسامتها الآسرة تزين وجهها الجميل فأمسك بكفها ثم قال بصوت عال:
هناك أمر آخر أود إعلانه أمامكم
فاستدار نحوها بكامل جسده ثم قال وهو ينظر في عينيها وقد فاضت ينابيع الحب من عينيه:
هل تقبلين الزواج بي؟
كان هذا الطلب هو آخر شئ تتوقع سماعه منه لذا جمدت المفاجأة حواسها ولما طال تحديقه بها أخفضت بصرها أرضاً وقد توردت وجنتاها خجلاً ثم أومأت إيجاباً دون التفوه بكلمة
صاح المحتشدين في سعادة بينما أمسك مجد بخصرها ورفعها عالياً ثم دار بها حول نفسه في سرور
***********
بعد مضي عشرة أيام
زينت شوارع أكاسيا وطرقاتها وكذا منازلها بأجمل وأبهى أنواع الزهور وتم توزيع الهدايا على جميع سكان المملكة احتفالاً بزفاف الملك والملكة، وقد تجمع أهل المملكة داخل ساحة القصر للمشاركة في هذا الزفاف الأسطوري الذي حضره ملوك وحكام البلاد الأخرى فبعد أن قام مجد بقتل زمرد قام بإبرام اتفافيات مع الممالك الأخرى تنص على عدم تدخل أكاسيا في شؤونها أو المساس بأمنها وأهمها مملكة إيبرس
كان يقف أمام مرآته يرتدي حلته البيضاء المطعمة ببعض الزخارف الذهبية التي أضفت عليه بهاءاً وجلالاً، فظهر في المرآة أمامه انعكاسٌ لصورة والديه فابتسم ابتسامة واسعة حتى ضاقت عيناه ثم قال:
شكراً لكما، لقد علمتماني من القيم والأخلاق ما جعلني قدوة للكثيرين
ثم تابع:
وشكراً لتواجدكما معي طوال السنوات الماضية
رآهما يقتربان منه فاضطرب جسده لما شعر بأكفهما توضع فوق كتفيه كالعادة حين يحدث معه هذا فقال والده وقد رأى الفخر في عينيه:
صرت كما تمنيت وأفضل يا بني
ثم قالت أمه بعد ذلك:
أتمنى لك حياة هانئة مع عروسك
فابتسم وقال بنبرة رجاء:
لا أعرف إن كنتما حقيقة أم وهماً لكني سعيد في كلا الحالتين، فهلا بقيتما معي لهذا اليوم أيضاً
رأى القبول في عينيهما فتهللت أساريره
في تلك اللحظة فتح الباب ودلف منه شمس مندفعاً ثم قال بضيق:
من منكما العروس؟
فقال مستغرباً:
ماذا؟
فقال شمس بنفس النبرة:
لقد انتهت الفتاة من كامل زينتها منذ زمن وأنت ما زلت تقف أمام مرآتك كفتاة تقوم بوضع الزينة على وجهها
عاد ينظر نحو المرآة فحدث ما توقعه، فقد اختفى والديه ولم يعد لهما أثر فبدا عليه الضيق ثم تنهد بقوة وقال وهو يتجه نحو شمس:
لقد انتهيت هيا بنا
ولكن شمساً أوقفه لما رأى الضيق البادي عليه وقال:
ماذا حدث؟
صمت قليلاً ثم قال:
لا شئ فقط أشتاق لوالدي
فقال شمس وهو يضع يده فوق كتفه:
لو كان والديك هنا الآن لأحزنهما أن يروك حزيناً في يوم كهذا
ابتسم مجد ثم عانقه وقال وهو يربت فوق ظهره:
شكراً لوجودك في حياتي يا صديقي
فقال شمس مازحاً:
من الرائع أن يكون في حياة المرء صديق أحمق ومتهور مثلك
فضحك مجد ببنما صاح شمس فجأة كمن لدغته حية:
اللعنة عليك لقد أنسيتني ما جئت لأجله
ثم تابع وهو يجذبه من يده:
هيا أيها الكسول، سينتهي يوم زفافك قبل أن تحضره
فأطلق ضحكة عالية وهو يسير معه ولكن شمساً توقف فجأة وقال:
هناك سؤال يدور في رأسي منذ ما يقرب من العام ولم أجد له جواباً
ـ ما هو؟
صمت قليلاً قبل أن يقول:
حين تحولت إلى ذلك الكائن الغريب داخل الكهف، أين كنت أنت؟
ابتسم مجد وقال:
رغم أن السؤال مصاغ بطريقة حمقاء إلا أنني فهمت ما تقصده وسأجيبك عليه
ثم تابع:
كنت موجوداً ولكني لم أكن أستطيع التحكم بجسدي أبداً
فقال شمس مستغرباً:
وكيف استطعت النجاة رغم أن ريماس أخبرتني أن مالك قد ضربك بالسيف ضربة قاتلة؟
قوس فمه لأسفل علامة الجهل دون التفوه بشئ فتابع:
ولماذا ضعفت قوة الوحوش بعد عودتك لصورتك الطبيعية؟
أجابه:
تلك الوحوش تستمد قوتها من ملكها ومن دونه هي أضعف من البشر، وحين عقدت الإتفاق معه وعدني أن يوقف قوة وحوشه
فقال شمس مستنكراً:
أي اتفاق؟
فأجابه بنفاذ صبر:
أن أفتح له بوابة ممالك الذئاب عن طريق قتل زمرد مقابل أن يرحل عن عالم البشر هو ووحوشه إلى الأبد
ـ وكيف رحل عنك؟
فقال مجد وقد بدأ يضيق ذرعاً من أسئلة شمس الكثيرة:
قلت سؤالاً واحداً وسألتني عشر أسئلة
ثم تابع:
أما عن حواب هذا السؤال فأعدك أن أخبرك عنه إن حصلت عليه فأنا لا أعرف كيف اخترق جسدي أو كيف رحل عنه
والآن دعني أذهب فعروسي تنتظرني
************
كانت تقف أمام الشرفة بفستانها الأبيض الرقيق وتمسك في يدها باقة من أجمل باقات الزهور البيضاء، منتظرة فارسها الشجاع ليأخذ بيدها ليواجها هذا العالم معاً
شعرت بيد تمس كتفها فخفق قلبها وتوترت بشدة فهي تعرف من يكون، كادت أن تستدير لمواجهته ولكنه لم يمهلها ووقف قبالتها فحملق بها وقد أصابه الذهول من جمالها وكأنه يراها للمرة الأولى في حياته فتوردت وجنتاها وقالت بخجل:
هل أبدو جميلة؟
ولما لم يأتها ردت نظرت نحو عينيه فوجدته لا يزال مأخوذاً بها ففرقعت بأصابعها أمام عينيه فانتبه لها فقالت وهي تبتسم:
ماذا حدث؟
بادلها الإبتسامة ثم قبل جبينها وقال:
لا أصدق أن كل ما مررنا به قد انتهى أخيراً
فقالت بابتسامة وهي تمسك بساعده:
سواءً انتهى أو لم ينتهي، يكفي أننا معاً
فقال بعد أن قرب كفها من شفتيه وطبع قبلة فوقه:
نعم هذا يكفي، ولكن الحشود التي تقف بالأسفل أصابها الضجر من انتظارنا
ضحكت برقة فقام بلف يدها حول يده وخرجا معاً إلى الشرفة فصاح الجميع في فرح وانطلقت الصافرات من كل مكان ثم أخذت الفرق الموسيقية في عزف موسيقاها وأخذ الشباب والفتيات يتراقصون في سعادة، فتبادل مجد وريماس النظرات ثم لف ذراعه حول كتفيها وهو يقربها منه برفق…….
********
وبعيداً في الجنوب وتحديداً عند المكان الذي كان جبلاً، انشقت الأرض فكانت المفاجأة…….
يتبع في الجزء الثاني…………