الاثنين والثلاثين
همهمات واصوات متداخلة وكأن مائة شخص يتحدثون في وقت واحد، تعلوا تلك الاصوات بشكل لا يحتمل ثم تعود وتنخفض من جديد ثم تعلوا مرة اخرى فيضغط على رأسه بقوة من شدة الالم الذي يصيبها في كل مرة يحدث فيها ذلك فيفتح عينيه وينطلق صارخاً ليوقف تلك الاصوات فيفاجأ بالظلام والسكون فيفقد وعيه من حدة الصوت
تكرر الامر معه لمرات لم يعد يستطيع عدها ولكنه هذه المرة تماسك قليلاً رغم قوة الاصوات عن المرات السابقة فوجدها تجلس بالقرب منه فنظر اليها بأعين زائغة ورأسه يميل في كل الجهات كالمخمور
كان يحاول جاهداً ان يحافظ على ثبات رأسه فيسنده الى الجدار خلفه، يغمض عينيه ليتوقف الدوار الذي يصيبه.
فتح عينيه فأخذت الصورة تهتز امامه بشكل كبير ثم بدأ ت تثبت بشكل سمح له ان تنفك العقدة التي تربط لسانه فقال بصوت واهن وهو ينظر نحوها:
اين انا؟
فقالت العجوز وهي تبتسم ابتسامتها الحانية:
انت هنا في بيتي.....
ثم تابعت وهي تمسح حبات العرق التي تجمعت على جبينه:
استرح ولا تجهد نفسك
فدفع يدها بوهن ثم قال:
ثوب الحنان الذي ترتديه ايتها العجوز لا يليق بك فلن تستطيعي خداعي مرة اخرى..
اغمض عينيه وقد ظهر الالم جليا على وجهه ثم سقط رأسه، مرت لحظات ظل فيها على حاله ثم عاد ورفع رأسه واخذ يحاول رفع جفونه المرتخية فلمح ضوءا ابيضا قويا يملأ المكان رغم قوته الا انه كان مريحا لعينيه ثم خرج منه اكثر امرأة يعشقها في الكون فأخذ يطالعها بأعين مشتاقة وهي تقترب حتى دنت منه فقال بصوت ضعيف مشتاق:
امي
فضمته الى صدرها ثم قالت وهي تمسح على رأسه بحنان:
لا تنخدع بمن حولك يابني واحذر ان تقع فريسة بين براثن الخداع
فرفع رأسه عن صدرها بضعف ثم علق بصره بوجهها الباسم وقال بعدم فهم:
ماذا تقصدين؟
فنهضت من جواره وسارت بعيدا فناداها بصوت واهن:
انتظري يا امي لا تتركيني
تابعت وهي تبتعد:
انتبه لمن حولك. واحذر...... الكتاب هلاك.... الكتاب هلاك.....
فأخذ يصيح:
لا ترحلي...... عودي يا امي
اختفت امه واختفى النور وعم الظلام فأخذ يبكي وهو يقول في ضعف:
لا ترحلي يا امي انا احتاجك
اسند رأسه الى الجدار خلفه واغمض عينيه محاولا استجماع قواه التي ضعفت بشكل هائل فسمع صوت خطوات تقترب ففتح عينيه وركزها في نفس الاتجاه الذي يصدر منه صوت الخطوات رغم الظلام الحالك ثم توقف الصوت عند نقطة معينه ومن تلك النقطة فتح باب ودلف منه شخص يحمل مصباحا زيتيا فانتبهت حواسه التي كانت ميته وأخذ يراقب ذلك الذي كان يقترب منه حتى دنا منه ثم جثا امامه فظهر وجهه على الضوء الصادر من المصباح، لم يكن الا السيد مالك كبير حراس القصر الذي قال بقلق لما رأى جفونه تسقط:
أنت بخير؟
فعادت الاصوات حادة اكثر من السابق فأغمض عينيه وأخذ يصيح وهو يمسك برأسه:
اسكتهم....لم اعد احتمل
فقال السيد مالك وهو يحاول إبعاد يديه عن رأسه:
افتح عينيك وحاول الا تغمضها
حاول ان يدفع يد السيد مالك ولكنه لم يقوى على ذلك فقد هناك اغلال كانت تقيد يديه فكانت سبباً في ثقل حركتها
أسند السيد مالك المصباح الزيتي ارضاً ثم قام بفك الاغلال التي تقيد يديه
فقام بعد وقت بإبعاد يديه عن رأسه بعدما أخذت الأصوات تنخفض حتى سكتت تماماً فتح عينيه فوجد السيد مالك ينظر اليه بقلق فقال بصوت ضعيف واهن وهو بالكاد يستطيع تحريك لسانه:
من انت؟
ابتسم السيد مالك وهو يجيبه:
مالك الا تذكرني؟
قال وهو يهز رأسه نفيا:
لا
ثم تابع بنبرة شديدة الرجاء:
اخرجني من هنا.....ارجوك
فقال وهو يساعده على النهوض:
هيا بنا
نهض بصعوبة بالغة ثم سار مستندا على السيد مالك حتى خرج من ذلك المكان المظلم الى مكان اقل منه ظلمة، الى الليل الذي ينيره البدر فيبعث في النفس السكون،
كانت خطواته تثقل كلما زاد السير ولكن السيد مالك كان يحثه على الاسراع فيتحامل على نفسه قدر مايستطيع حتى خرجا من ذلك المكان فذهب به السيد مالك الى مكان آمن يبيت فيه ليلته.
اشرقت الشمس ومعها اشرق ذلك الذي كاد ان يموت في ظلمة لم يكن ليخرج منها ابداً.
فتح عينيه فوجد نفسه ممداً على ارض متربة داخل مكان قديم سقفه عبارة عن مجموعة من سعف النخيل الملقى فوق الجدران بأهمال يسمح للشمس بالتسلل من بينها، اعتدل جالسا ثم أخذ يجوب المكان حوله فبدا كأنه حانوت قديم ولكنه فارغ، تحامل على الام جسده ونهض ثم سار باتجاه الباب وخرج
اكاسيا القوية العزيزة باتت ضعيفة ذليلة تحولت منازلها وطرقاتها الى قبور لا حياة فيها
كان يجر اقدامه جراً فسمع فجأة صوت زمجرة يأتي من خلفه فاستدار بضعف نحو صوت الزمجرة فوجد كلباً اسوداً ضخم الجثة يقف خلفة متأهباً فنظر اليه وابتسم ثم قال:
ليس من المروءة ان تهاجمني وانا في مثل هذه الحالة فأنا لا اقوى على العراك مع ذبابة تقف فوق انفي كما وانك ان هاجمتي فلا تعتبر ذلك صيداً فالصيد يحتاج للمطاردة وانا لا اقوى على السير فما بالك بالركض
وكأن الكلب فهم ما قاله فتركه وولى مغادرا فضحك وقال:
كلب مهذب
ثم تابع طريقه
أرهقه السير فجلس بجانب أحد المنازل المقفرة حتى مرت عربة من امامه يقودها كهل له سحنة مريحة ويجلس على ظهر العربة صبي لا يزيد عمره عن سبعة اعوام بين الكثير من الامتعة فنظر اليه الكهل مطولا ثم قال بصوت مرتجف:
هل تريد ركوبة ايها الشاب؟
فابتسم وقال:
الركوبة تحتاج الى وجهة؟ وانا لا اعلم من اين جئت ولا اين اذهب؟
ابتسم الكهل ابتسامةكشفت اللثام عن أسنان سقط معظمها ثم قال :
اركب معنا ولتكن وجهتنا وجهتك
نهض واعتلى العربة الى جوار الكهل وقبل ان ينطلقوا اخرج الكهل من بين الامتعة شماغا ابيضا ومده اليه فقال مستغربا:
لماذا؟
ـ يقيك حر الشمس
رفع عينه تجاه الشمس بتلقائية فوضع كفه أمامه ليحجب عنها ضوء الشمس بعدما ضايقه ثم اخذ الشماغ من الكهل ولفه على رأسه
صاح الكهل في حصانه فانطلق على الفور باتجاه الجنوب
كان الكهل كثير الكلام وكان يملك من الحكايا ما يكفي لأميال وكان هو منصتاً جيداً لا يشارك في الحديث الا قليلاً
وفي اثناء حديث الكهل حانت منه التفاتة الى الخلف فالتقت عينه بعين الصغير الذي ابتسم، فبادله الابتسامة ثم نظر الى الكهل وقال مقاطعا حديثه:
حفيدك؟
ـ نعم
ـ اين ابواه؟
ـ ماتا
قالها الكهل وقد دمعت عينه فربت على كتف واعتذر منه ثم لاذ بصمته
كان متعباً فاستلقى على ظهره فوق العربة غاب في النوم دون شعور ولما استيقظ وجد الليل قد حل والضلام يعم المكان إلا من نور القمر المتسرب بين الأشجار.
وجد الصغير ينام الى جواره ولا اثر للكهل فنهض ثم هبط عن العربة فوجد العجوز يتمدد ارضاً ويغط في نوم عميق فاقترب منه ونزع الشماغ عن رأسه ثم وضعه الى جواره وقال بامتنان:
شكراً
ثم سار في طريق ملئ بالاشجار الكثيفة حتى توغل بينها وأخذ يسير حتى اقترب الفجر فجلس اسفل احدى الاشجار وقد بدا عليه الضيق والتعب فضم ركبتيه الى صدره واسند رأسه اليهما وظل ساكناً حتى قاربت الشمس على الشروق فشعر فجأة بيد تهز كتفه فرفع رأسه ونظر نحو صاحب اليد فعلت الدهشة وجهه
*********
هناك شئ لابد وان تراه يا اخي
قالها تميم بلهفة وهو يجذب شمساً من يده بقوة فخرج الأخير معه ليرى سبب لهفته فتجمد في مكانه وقال غير مصدق:
مجد؟!!
فقال الاخير مبتسما وهو يفتح ذراعيه عن آخرهما:
هو نفسه
ثم دنا من شمس الذي لم يعد قادرا على السير وقال بسرور:
اشتقت اليك يا صديقي
ثم عانقه، في البداية ظن شمس انه يتوهم وجود مجد أمامه فقد كان شاردا يفكر فيه منذ لحظات ولكن لما عانقه تأكد انه حقيقة فعانقه هو الاخر واجهش بالبكاء، ظل الاثنان على تلك الحالة لوقت طويل كل منهما تزرف عينيه الدموع شوقا لرؤية رفيقه
فاختطف مجد نظرة نحو تميم فرأى وجهه غارق في الدموع فابتعد عن شمس ثم قال وهو يضع كفه فوق كتف تميم:
لقد كبرت يا فتى
فابتسم الأخير ثم قال من بين دموعه:
إنها السنوات يا أخي، تغير الإنسان من طفل صغير لرجل بالغ
فقال مجد بابتسامة:
لا زلت حكيناً كما عهدتك دوماً يا تميم
ثم عانقه وتابع:
اشتقت لك ولحديثك العقلاني أيها الصغير
فصاح معترضا تميم باعتراض مصطنع:
لا تنعتني بالصغير
عندها انفجر الثلاثة ضاحكين ختى توقف مجد عن الضحك فجأة وتسائل بلهفة:
اين ريماس؟
اشار شمس بعينه تجاه البيت فأسرع الى البيت يسبقه الشوق
وجدها تجلس على الاريكة مغمضة عيناها وآثار دموع على وجهها الذي فقد رونقه وأصبح شاحباً، خطا خطوة نحوها ففتحت عينيها وكأن قلبها استشعر وجوده فأخذت تحدق فيه بعين ملؤها الشوق والحنين وقد بدا الذهول على وجهها ثم انهمرت دموعها بمزيج من الفرح والحزن، فرح برؤيته حياً امامها وحزن على انها تخشى الاقتراب منه فيختفي ويضحي سراباً
لما رأى ترددها من الاقبال عليه اقبل هو نحوها وقد تعلقت عينه بعينها ولما دنا منها رفع انامله ومسح عنها دموعها فانتفض جسدها واضطرب، فوضعت يدها على صدره كأنها تتأكد من وجوده فاختلج قلبها وأحست بالارض تميد بها وكادت تسقط ارضا ولكنه امسك بها ثم قال مبتسماً :
لن أسمح لكِ بالسقوط ابداً مادام في جسدي قلب ينطق باسمك في كل دقة وروح تجاهد للبقاء في هذه الحياة لأجلك
فارتمت بين زراعيه وأجهشت بالبكاء ثم قالت وهي تلف ذراعيها حول جذعه وتشد عليه بكل قوتها وكأنها تخشى ان تفقده من جديد :
ظننت ميتاً
فهمس بحب:
ومن قال اني لست ميتاً؟
رفعت رأسها ونظرت في عينيه فتابع وقد زينت بسمة رقيقة ثغره:
لقد مت منذ رأيت هاتين العينين اللتان اغرقتاني في صفاءهما في أول مرة
ثم تابع بعدما تنهد بارتياح:
اوليس الغريق ميتا؟
توردت وجنتاها بخجل فقامت بدفن وجهها في صدره لتواري خجلها من نظراته وأطلقت لقلبها العنان ليحلق في السماء عالياً شادياً مع طيورها اجمل أغانٍ وأعذب الحان
كانت تتمنة ان يتوقف الزمن فتطول تلك اللحظة اكثر ولكن ليس كل مانتمناه ندركه فقطع عليهما هذا الوصال صوت تعرفه وتميزه جيداً فسألها مستغربا:
ما هذا الصوت؟
لم تجبه ولكنها هرولت باتجاه الحجرة وهي تقول:
قادمة يا عزيزي
لحق بها فوجدها تهم بالتقاط طفل رضيع موضوع على فراش ارضي يصرخ بأعلى صوته
لمن هذا الصغير؟
سألها وهو يحدق بالصغير الذي تحمله بين ذراعيها بتعجب فأجابته وتحاول جاهدة أن توقف صراخه:
لشمس
ازدرد ريقه بصعوبة ثم سألها بتوجس:
ومن تكون أمه؟
ـ زهرة
قالها شمس الذي كان يقف خلفه فالتفت مجد إليه فوجده ينظر نحوه بابتسامة ثم اقترب منه وربت على كتفه وقال:
لم أكن لأخون أمانتك في غيابك يا أخي
لم تفهم ريماس ما يقصده شمس فقد كانت منشغلة بالصغير ولكن مجداً فهم ذلك وقال وهو يعانق شمس وقد دمعت عينه:
سا محني يا أخي
فقال الأخير بتفهم وهو يربت على ظهره:
لا عليك، نحن أخوان وعلى أحدنا أن يلتمس العذر للآخر
ثم التقط الصغير منها وأخذ يجوب الحجرة ذهاباً وإياباً يهدهد صغيره عله يسكت
فتسائل مجد مستغرباً:
أين أمه؟
صمت شمس ولم يجبه فقالت ريماس وقد دمعت عينها:
المسكينة قضت نحبها بعد وضعها بأيام
صعق مجدد مما سمع وبدا على محياه الحزن فقال شمس بضيق بعدما لم يتوقف صغيره عن البكاء:
ماذا به لا يتوقف عن البكاء ابداً؟.
قال مجد:
ربما يكون جائعا
ــ لا اعرف
قالها شمس فاقترب منه و اخذ ينظر الى وجه الصغير بتمعن ثم قال:
انه مريض
ـ كيف عرفت؟
سألته ريماس متعجبة فأجابها:
وجنتيه محمرتان بشكل ملفت وعينيه ذابلتان
ثم وضع راحته فوق جبينه الصغير وقال:
حرارته مرتفعة جدا
فقال شمس بقلق:
والحل؟
صمت مفكرا ثم قال وهو يلتقط الصغير منه:
احضر لي بعض الماء البارد وخرقة نظيفة
فخرج شمس ملبيا ثم وجه حديثه لريماس:
وانت قومي بغلي بعض اعشاب البيلسان واحضريها بسرعة
خرجت هي الاخرى، فقام بوضع الصغير فوق الفراش وجرده من ثيابه
عاد شمس ومعه ما طلبه فأخذ يغرق الخرقة بالماء البارد ثم يضعها فوق جبين الصغير تارة وفوق يديه ورجليه تارة اخرى الى ان كف الصغير عن البكاء كانت ريماس تقف خلفه تراقب ما يفعله فقال وهو ينهض من جواره:
كرري ما فعلته بين الحين والاخر حتى تشعري بحرارته تعود الى طبيعتها
فابتسمت وهي تومئ له ايجابا ثم قالت:
وبالنسبة لمغلي البيلسان
ـ اسقيه منه فسوف يساعد في انخفاض حرارته ولكن انتبهي ألا يكون ساخناً
ثم خرج من الغرفة والقى بجسده المثقل على الاريكة، ثم اغمض عينيه محاولا الاسترخاء كاد ان يغفو ولكن اصوات قوية تنخر برأسه منعته من ذلك ففتح عينيه وظل يحدق في الفراغ يفكر فيما حدث معه في الاعوام الماضية حتى شعر بالضيق فعاد الى الحجرة حيث رفاقه
جلس ارضا الى جوارهم واخذ ينظر الى الصغير الذي كان قد نام بعدما انخفضت حرارته بشكل ملحوظ وابتسم فقال شمس بامتنان :
شكرا لك يا صديقي....لا اعرف ماذا كنت سأفعل لولا وجودك الآن؟
ربت على كتفه وقال:
كيف تقول هذا؟ إنه ابن أخي
ثم سأله عما حدث في الجنوب بعدما افترقوا داخل الغابة فقص عليه شمس ما حدث فبدا الحزن والضيق على وجهه، فسأله تميم الذي كان قد دلف إلى الحجرة أثناء حديث شمس:
أين كنت طوال الأعوام الماضية يا أخي؟
ابتسم لما رأى الفضول ينبثق من أعينهم جميعاً لمعرفة سبب اختفاءه ثم شرع في سرد ماحدث
**********
بعدما افترقنا انا وشمس داخل الغابة هاجمني احد اولائك الوحوش الذين هاجموا الجنوب في الماضي وضربني ضربة قوية صدمتني باحدى الاشجار ثم جثم على صدري واخذ يقرب وجهه من وجهي فشعرت بانفاسه الحارة تلفح وجهي وكاد ان يقضي علي بمخالبه التي كادت أن تنغرس في عنقي فلم اقاومه في تلك اللحظة اذ شعرت أنني ميت لا محالة ولكني كنت انظر في عينيه محدقا فرأيته ينهض عني ويركض مبتعداً
نهضت عن الأرض بصعوبة بالغة وأخذت أحدق في الإتجاه الذي سلكه ذلك الوحش وفي رأسي يدور سؤال واحد:
لماذا كان يبدو خائفاً رغم أنني أضعف منه بكثير؟
في تلك اللحظة شعرت بشئ حاد ينغرس في ظهري فسقطت على الارض وفقدت وعيي
ولما افقت وجدتني ممدا على فراش وثير ووجدتها تجلس على طرف الفراش و...
شمس مقاطعا:
من هي؟
ـ الفتاة التي كنت اراها في رؤياي المتعلقة بأولائك الوحوش كما أخبرتك
اشار له بأن يكمل فتابع:
كانت ترتدي ثوبا ابيضا هذه المرة على عكس المرات السابقة اذ كانت ترتدي السواد وقد كان سافرا اكثر مما مضي، حاولت النهوض ولكن الما حادا في ظهري منعني من ذلك فبقيت على حالي، فسألها بضعف:
من أنتِ؟
فامسكت يدي ثم قالت برقة:
زمرد
فهمست إلى نفسي:
ابنة الراعي
فتابعت وهي تمسك بيدي:
كيف حال مولاي الملك اليوم؟
دفعت يدها بعيدا عني ولكنها كانت اكثر اصرارا فأمسكت بها مرة اخرى واحكمت قبضتها عليها فلم استطع تحرير يدي بسبب ضعف جسدي ثم اخذت تقترب مني الى ان اصبح وجهها مقابل وجهي ثم قالت وقد بت اشعر بأنفاسها تصطدم بوجهي:
لا تحاول سيدي فلا شئ سيمنعني منك اليوم ابداً
ورغم ان ابتسامة رقيقة كانت على شفتيها الا انني شعرت بالاشمئزاز منها فأشحت بوجهي بعيدا عنها وبيدي الحره دفعت وجهها للخلف، فنهضت عن الفراش وقد احمر وجهها من شدة الغضب، فتحاملت على نفسي ونهضت انا الاخر ثم قلت مهددا وانا اشير في وجهها بسبابتي:
اياك والاقتراب مني مرة اخرى
ثم وليت مغادرا وقبل ان تصل اقدامي الى الباب شعرت بضربة قوية على مؤخرة رأسى ففقدت وعي مرة اخرى
*********
ظلمة حالكة، لا اثر للنور، وكأنني فقدت بصري فجأة، فأصابني الذعر لمجرد ورود الفكرة على رأسي
شعرت بوجود احد بالقرب مني رغم عدم رؤيتي له فقد كنت اسمع صوت انفاسه ثم سمعتها بعد لحظات تقول:
لم يرغب بي في السابق.... اللعنة عليك تشبهه في كل شئ وايضا انت لم ترغب بي
ثم تابعت وقد احتد صوتها وبدا عليه الغضب:
لقد جعلته يقاسي بين البشر.. وسأجعلك تقاسي مثله
ثم تحركت في المكان وتابعت:
سأتركك هنا في هذا المكان الحالك حتى تفقد عقلك وتموت ... لن ترى النور مرة اخرى
ثم قهقهت عاليا بنشوة المنتصر وسمعت صوت خطواتها تبتعد تلاها صوت صرير باب يفتح ثم يغلق، بعدها عم سكون رهيب لدرجة الموت كان الشئ الوحيد الذي يبدد هذا السكون هو انفاسي التي علت اثر شعوري بالاختناق،
كانت يداي مقيدتان الى الجدار بأغلال لا تسمح لي بالابتعاد عنه كثيرا
فلم اكن استطيع التحرك بعيدا عن الجدار اكثر من ثلاثة او اربعة اقدام، كما لم اكن استطيع عد الايام او التفريق بين الليل والنهار فقد كان اللون الاسود سمة للجميع حتى انني لم اكن ارى ذلك الذي يأتي الى بطعام ردئ لا يسمن ولا يغني من جوع لدرجة اني ظننته شبحا.
كان المكان موحشا وكانت الوحدة اكثر وحشة فقام عقلي بأحضار طيف كل من طرق حبه قلبي فكانوا يؤنسون وحدتي وكنت اتحدث اليهم كالمجنون فيتوهم عقلي حديثهم ولكني ذات مرة كنت اسند رأسي الى الجدار مغمضا عيني فسمعت فجأة صوتا يتحدث الي ففتحت عيني واخذت اجوب المكان حولي علني ارى صاحب ذلك الصوت ولكن هيهات فكيف ارى وانا مقبور في هذا المكان؟
فأرخيت سمعي علني اسمع صوت انفاسه فلم اسمع سوى السكون فعزوت ذلك الى كثرة تخيلي للأشخاص الذين استأنس بأطيافهم
ثم حدث ذلك بعد مضي وقت ولكن الصوت كان لشخصين يتحدثات في الوقت نفسه لم تكن كلمات مفهومة ولكنها كانت همهمات ثم زاد الامر وبات المتحدثان ثلاثة ثم اربعة ثم خمسة ثم الى مالانهاية اصوات كثيرة لا استطيع حصرها ابدا كنت اشعر بالام حادة في رأسي حد الاغماء بسبب قوة الاصوات وعلوها بشكل لا يحتمل حتى بدأت اصرخ محاولا اسكات هؤلاء الذين يتحدثون ولكن دون جدوى فالصوت داخل رأسي فقط
لقد صدقت تلك العاهرة فلم يعد يفصل بيني وبين الجنون سوى شعرة رقيقة
حتى جاء يوم رأيت فيه النور اخيرا
كان نورا ابيضا عم المكان ومن وسط هذا النور خرجت امي كنت متعبا حد الموت، ضمتني الى صدرها فلم اعد بحاجة الى شئ بعد ذلك فالراحة التي شعرت بها بين احضانها اغنتني عن الدنيا وما فيها ثم ربتت على ظهري بعدها بلحظات تركتني ورحلت صرخت مناديا اياها بعدم الرحيل ولكنها رحلت فبكيت في تلك اللحظة وكأنني ادركت انها كانت وهما توهمته، فسمعت فجأة صوت خطوات يقترب ولكن ذلك الصوت كان من خارج القبر الذي كنت داخله ثم سمعت صوت الباب يفتح، كان اول ما رأيته حينها النور،...... النور الذي حرمت منه لزمن هاهو عاد من جديد فشعرت بروحي تعود الي مرة اخرى
مصباح زيتي كان هو مصدره يحمله شخص لم اكن استطيع رفع جفوني لأتبين ملامحه حتى نزل على ركبتيه امامي فكان السيد مالك كبير حراس القصر
لم اتذكره حينها ولكني تذكرته فيما بعد
ساعدني على الخروج من ذلك القبر الذي دفنت فيه حياً، والذي كان هو نفسه السجن الذي سجنت فيه حينما دلفت الى القصر لأول مرة في حياتي عندها رأيت القصر مهيبا ولكنه بات كئيبا اسودا بعدما كان في الماضي ابيضا كالمرمر
خرجت من القصر برفقته لا اعرف الى اين يأخذني ولكني سرت معه فأي مكان غير الذي كنت به هو جنة بالنسبة لي
حانوت قديم سقفه مصنوع من سعف النخيل كان هو المكان الذي خبأني به وبمجرد ان وطئته اقدامي استلقيت على ارضه فلقد ذابت عظامي في ذلك الظلام ثم تركني السيد مالك وهم مغادرا فسمعته يهمس اثناء رحيله قائلا:
انت املي الوحيد
بعدها لم اسمع صوته، لا اعرف ان كنت قد نمت ام اغشي علي ولكني غبت عن هذا العالم وعند شروق شمس اليوم التالي استيقظت وقبل ان افتح عيني شعرت بالنور يتسرب اليها ففتحت عيني ببطء مستلذا بذلك النور الذي لطالما اشتاقت اليه روحي.
خرجت من ذلك المكان فلفحت الشمس جسدي واستشعرت حرارتها عندها ايقنت اني لست احلم بل لقد عاد النور الى حياتي اخيراً، كدت اقفز فرحاً ولكن قواي لم تسعفني على ذلك فاكتفيت بالسعادة التي شعرت بها تداعب روحي ثم استقللت عربة يقودها كهل عرض على ان يقلني الى وجهتني التي لم اكن اعرف لها طريقا فقد كنت اشعر اني في مكان غريب لا اعرفه فلم تكن المنازل والطرقات المقفرة التي رأيتها من أكاسيا التي اعرفها اكثر من نفسي
ودون شعور غبت في النوم فوق عربة الكهل ولما استيقظت كان الوقت ليلا ووجدتني قريب من الغابة عندها ادركت أنني لا زلت في أكاسيا وأن خطباً ما قد حدث في فترة غيابي قد بدل حال المملكة من حال إلى حال
سرت داخل الغابة املا ان اصل الى الجنوب ولكني لم البث حتى سقطت في المتاهة وشعرت اني ادور في مكاني فجلست اسفل شجرة عند اقتراب الفجر كنت مسندا رأسي الى ركبتي في يأس حين شعرت بيد تهز كتفي برفق فرفعت رأسي ونظرت نحو صاحب اليد فوجدت تميماز يفق أمامي وقد كان يحدق بي وكأنه يحاول تبين ملامحي ثم قال بدهشة:
القائد مجد؟!!!
بصراحة لم أكن أقل عنه دهشة فآخر مرة رأيت فيها تميماً كان غلاماً لا يزيد عن ثلاثة عشر عام وهاهو ذا شاب يافع ربما تجاوز عمره العشرين فقلت وقد تملكني الذهول:
تميم؟!!.
وبعد الكثير من الدموع والعناق أتينا سوياً إلى هنا.
بعد انتهاء مجد من سرد ما حدث معه في الأعوام السابقة وجد رفاقه يحملقون به اليه وقد بدا الوجوم على ملامحهم فقال محاولا تلطيف الاجواء التي امطرت سحابة من الكئابة فوقها:
ما بالكم هذا مجرد ماضٍ وانتهى
تبعها بضحكة قصيرة ثم عبس وجهه فجأة وابتلع غصة تكونت في حلقه وكأنه يبتلع كومة من الاشواك ثم قال:
اخشى ان يكون ما انا فيه الان حلم جميل ينتهي بمجرد ان استيقظ فأجد اني لا زلت في ذلك السجن.
امسكت ريماس بكفه و خللت اصابعها بين اصابعه ثم قالت وقد دمعت عينها:
حينما ترى كابوساً مفزعاً وتعود للنوم بعده وترى حلماً جميلاً فلا تشغل نفسك بالتفكير في ذلك الكابوس لئلا يعود اليك من جديد وتخسر حلما جميلاً
ضم كفها بين كفيه وشبح ابتسامة يرتسم على شفتيه فقال تميم:
عندما ماتت امي واضحيت وحيدا تتلقفني الدنيا بين اكفها شعرت انها النهاية فقد كان الجميع يعاملونني بقسوة فتمنيت الموت ولكني التقيت بك عوضا عن ذلك فكنت لي خير سند، كما كنت الوحيد الذي عطف على بعد امي
صحيح ان الفترة التي قضيتها في كنفك لا تزيد عن الثلاثة اعوام الا انها كانت افضل اعوام في حياتي كلها حتى في غيابك لم تتركني شريدا بل تركت لي رفاقا لم يتخلوا عني للحظة وكأنك اوصيتهم بي خيرا......
ثم ابتسم وتابع:
ما أقصد فيما قلته الان ان الالم لا يدوم ولابد وان يعوضنا القدر عما فعله بنا فيترك لنا اناسا بأمكانهم تحويل الحزن في حياتنا الى فرح كبير
اطلق تنهيدة قوية سامحاً لها أن تزيح الضيق الذي يشعر به جاثماً فوق صدره ثم شكر تميماً على كلماته التي قالها ثم نظر نحو شمس الذي كان ينظر اليه ببلاهة فقال الاخير معترضا لما طال تحديقه به:
لا تنتظر مني قول شئ فهذين الاحمقين سلبا من عقلي كل كلمة يمكن ان تقال في مثل هذه المواقف.
ضحك الجميع على ذلك بمن فيهم شمس ثم قال مهونا على صديقه وهو يربت على كتفه:
دعك من الماضي فقد ولى وانتبه لحاضرك ومستقبلك وانظر ماذا تستطيع ان تفعل لمن يرونك املا لانتهاء الامهم
ثم نهض وهو يشير لتميم ان يلحق به فتسائل مجد:
الى اين؟
أجابه شمس:
إلى الجنوب
ـ لماذا؟
ـ لجلب ما نحتاج إليه من مؤونة
فسأله مجد بشك وهو يختطف نظرة نحو ريماس:
هل تذهبان سوياً في كل مرة!
أومأ نفياً وقال:
في كل مرة يبقى واحد منا فنحن في غابة كما ترى، أما هذه المرة فسنذهب سوياً وستبقى أنت.
ثم ولى مغادرا ولكنه استدار فجأة وقال محذراً مجد بغضب مصطنع:
انتبه لابن اخيك ولا تدع الحب ينسيك وجوه والا قتلتكما
ضحك مجد ثم قال وهو يمسك بلحيته التي تغطي نصف وجهه بيد وبالاخرى يمسك بشعره المغبر والذي طال لدرجة كبيرة:
المهم الا تتأخرا حتى تخلصني من هذين
اومأ له ايجابا ثم انصرف.
نهضت ريماس هي الاخرى ثم قالت وهي تسير باتجاه الباب:
سأذهب لاعد لك شيئا لتأكله فلابد وانك لم تأكل منذ مدة
ــ وهل تجيدين ذلك؟
قالها ممازحا فالتفتت نحوه وقالت مستفسرة:
ماذا تقصد؟
ـ اقصد هل تجيدين طهو الطعام؟
ثم تابع وهو يرى بوادر الغضب على وجهها:
فأنت اميرة مدللة لها من الخدم ما يكفيها ان تفعل شيئاً بنفسها
فصاحت فيه بغضب:
لا شأن لك بهذا
اشار لها ان تخفض صوتها وهو يختطف نظرة نحو الصغير النائم ثم قال:
اخفضي صوتك والا صرعت الفتى
ـ بل احفظ انت لسانك والا قتلتك
ثم تابعت بغرور وهي تدفع شعرها الى الخلف بغرور:
أنا امرأة لا تتكيف مع الظروف بل تدفع الظروف مرغمة ان تتكيف معها فأكون اميرة وقتما احب واكون امرأة عادية وقتما احب هل فهمت؟
فقال مندفعاً وهو يبتسم بعذوبة:
ــ في كل الاحوال احبكِ
احمرَّ وجهها خجلاً فأسرعت الى خارج الحجرة وهي تواري وجهها بكلتا راحتيها
فأخذ يضحك وهو يستلقي على ظهره بجوار الصغير.
اما في الخارج فقد كانت تقف قرب باب الحجرة مستندة بظهرها الى الجدار وهي تضع يدها على صدرها محاولة ضبط انفاسها المتسارعة اثر انفعالها فكيف يقول ذلك؟ هي تعلم انه يحبها ولكنه لم يصرح بذلك قط بل كانت تشتاق لأن تسمعها منه . شعرت بالسعادة كجناحين تحلق بهما في السماء عاليا وبكلمته لحنا شجيا يطرب اذنيها، وبعدما هدأ انفعالها ذهبت لتعد له طعاما
*********
بعد انتهائها من إعداد الطعام كانت تقف امام باب الحجرة تحاول جاهدة أن تواري ابتسامتها التي علقت بوجهها اثر كلمته التي قالها فلم تفلح
تقدمت نحو الداخل فوجدته نائم على احد جانبيه بجوار الصغير فاختفت ابتسامتها تلقائيا وهي ترى التعب والارهاق باديان على وجهه
فاقتربت من الفراش ثم وضعت الطعام جانبا وهمت بايقاظه ولكنها تراجعت في اللحظة الاخيرة فلقد تذكرت ما كان يحدث حينما توقظه فوضعت يدها فوق فمها لتمنع ضحكة كادت تخرج منها وتوقظه فسمعته يقول:
لماذا توارينها؟ أنا اشتاق لسماعها
انتبهت اليه فوجدته ينظر نحوها ونفس الابتسامة التي تأسرها تزين ثغره فقالت بتلعثم:
الم تكن نائما؟
هز راسه نفياً وهو يقول:
ـ كلا فقد كنت اريح جفوني المتعبة فحسب
ثم اعتدل جالسا واشار لها ان تجلس، جلست الى جواره فأمسك بكفها وقربه من شفتيه طبع قبلة رقيقة عليه فاختلج قلبها
كانت عينيه معلقتان بعينيها اللتان لطالما رآهما بهما بحراً تغرقه امواجه دون ادنى مقاومة وكأنه يستلذ بهذا الغرق واموج البحر تحتضنه كأم تحتضن رضيعها ثم قال:
اشتقت اليك يا اميرتي
احمرت وجنتاها وصارتا كحبتي كرز ناضجتان وهو يلف ذراعيه حول خصرها ويجذبها نحوه
*********
ـ انتبه
قالتها وهي تدس قطعة من الخبز في فمه ثم تابعت وهي تشير الى الفراش بعينيها:
استيقظ الصغير
نظر الى جواره نحو الصغير فشعر بها تنسل من بين ذراعيه ولما نظر اليها اسرعت باتجاه الباب ثم قالت قبل ان تتركه وتغادر:
تناول طعامك.. وان شئت خذ قسطا من النوم حتى يعود صديقاك
ثم رحلت وهي تبتسم ابتسامة خجول، اخذ يمضغ قطعة الخبز التي وضعتها في فمه وهو يحدق في المكان الذي كانت تقف فيه ثم القى ببصره نحو الصغير فوجده غاطا في نوم عميق فابتسم
********
تبدو وسيما
قالها شمس مبتسما بعدما انتهى من قص شعر مجد وتهذيب لحيته فقال الاخير مستنكرا:
وهل كنت قبيحا في السابق؟
هز رأسه نفيا واردف:
لا ولكن تلك اللحية كانت تجعلك تبدو اكبر سناً
فملأ صدره بالهواء ثم قال:
لقد كبرت بالفعل، فلقد تجاوزت الخامسة والثلاثين
ضحك شمس وقال مازحا:
لقد هرمت يا صديقي
ضحك على دعابته ثم وقف يمدد اطرافه بانتشاء فقد كان يشعر بالانتعاش بعدما اغتسل وبدل ثيابه البالية
خرجت ريماس إليهما فافتغر فاها واتسعت حدقتاها انبهارا بوسامته التي كانت تخفيها لحيته الكثة وكأنها تراه لأول مرة بدونها فقالت بدهشة:
تبدو وسيما
وقبل ان ينطق بشئ قالها تميم ايضا فارتفع حاجباه في دهشة وقال باستنكار:
ما بالكم تجمعون اليوم على وسامتي وكأنني كنت قرداً في السابق
اطلق تنهيدة قوية ثم قال وهو يراقب ردة فعلهم:
سأذهب الى الكهف صباح الغد
فقال تميم مستفسراً:
أي كهف؟
سحب نفساً عميقاً ثم قال:
كهف الراعي
فصرخت ريماس معترضة:
تريد القضاء علي هذه المرة؟ اما اكتفيت مما حدث؟ لقد كدت اموت لسبع سنوات وأنا أظنكَ ميتاً، ماذا تريد ان تفعل اكثر من ذلك؟
أما شمس فوقف أمامه مبدياً اعتراضاً ثم قال:
لن تفعل ذلك فيكفينا ما حدث في المرة الماضية. لم يعد لدينا طاقة لأي جديد قد يحدث
اما تميم فلم يكن يفهم على ماذا يدور حديثهم
فاخذ يقلب بصره بينهم ثم قال:
تعالوا معي
ساروا معه لبضعة امتار قبل ان يجدوا انفسهم على شفا حفرة من واد كبير جداً تظهر في نهايته قمة جبلية شاهقة فقال بحدة وهو يشير الى ذلك الوادي:
هل ترون هذا الوادي؟
اومأ الثلاثة ايجاباً فتابع:
انه وادي الذئاب.... وتلك القمة التي تظهر في اخره هي قمة جبل كهف الراعي
تبادل ثلاثتهم النظرات فقد كانت اول مرة يعرفون فيها ان الكهف قريب منهم الى هذا الحد
ثم زفر انفاسه بقوة واردف:
وهذا يعني ان ذهابي الى ذلك الكهف سيكون على مرأى ومسمع منكم فسوف تذهبون معي هذه المرة لننظر ما يخفيه ذلك الكهف اللعين
الى حدما نالت الفكرة استحسانهم
وفي مساء اليوم قرر شمس المبيت في كوخه ولكن مجداً آثر ان يبيت الجميع في البيت فكانت الحجرة من نصيب ريماس والصغير كما كانت دوما اما الشباب الثلاثة فكانت الردهة مبيتهم وعند منتصف الليل استيقظ الجميع فزعين على صوت طرق عنيف على الباب فذهب شمس الذي كان اقربهم الى الباب ثم فتحه فوجد فتاة تقف امامه ترتدي معطفا ذا قلنسوة كبيرة تغطي بها رأسها فسمع مجدا يقول:
من الطارق؟
وقبل ان يجيبه كانت قد ولجت الى البيت ثم نزعت غطاء رأسها فظهر وجهها اسفل ضوء المصباح الزيتي المعلق بأحد جوانب الردهة وقالت وهي تنظر نحوه بتحد:
انا
حور؟!
قالها مجد وريماس في صوت واحد وقد كان الذهول مشتركا بينهما فابتسمت بمكر ثم قالت:
الم تشتاقا اليّ؟
ثم اقتربت من ريماس وعانقتها عناقا بارداً بينما الاخرى جامدة كالصنم ثم قالت وهي ترمق مجد بنظرة خبيثة وجريئة في الان نفسه:
اشتقت اليك يا مولاتي....
ثم تابعت وهي تمد يدها نحوه:
كما اشتقت اليك ايضاً ايها الطبيب
ولما لم تجد منه تجاوبا اقتربت منه وكادت ان تعانقه ولكنه امسك بعنقها كالنمر الجامح وكاد ان يقضي عليها لولا رفاقه اللذين منعوه من ذلك فقال وهو يكز على اسنانه بغضب:
عودي من حيث اتيت والا لن يكون امامك فرصة للحياة مرة اخرى
امسكت بعنقها واخذت تسعل اثر قبضته القوية والتي منعت الهواء عن رئتيها ثم قالت:
لماذا تفعل ذلك ايها الطبيب؟ فأنا هنا لمساعدتك
ابتسم بزاوية فمه ساخراً ولم يقل شيئا فاقتربت من ريماس وقد تبدل حالها فجأة وعادت حور القديمة التي يعرفانها ثم قالت وقد قفزت دموعها قفزا:
سامحيني يا مولاتي
تبادل مجد وريماس النظرات المتعجبة فتابعت:
اعرف انني اذيتك سابقا ولكنتي ندمت على ذلك فسامحيني...... ارجوكي
قالت ريماس وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
لم اعتبرك خادمة قط بل كنت اعتبرك اختي اشاركك كل ما املك وانظري ماذا فعلت بي في المقابل؟ بعد كل هذا تطلبين مني ان اسامحك.
امسكت بيدها وكادت ان تقبلها طالبة العفو ولكن قلب ريماس كان قد قسا وتعلم الا يسامح كثيرا حتى لا يصبح معرضاً للجميع يدهسونه تحت اقدامهم فتركتها وعادت الى الحجرة وصفعت بابها خلفها بقوة كادت ان تخلعه من مكانه
اسرعت نحو مجد وضمت قبضتيها برجاء وهي تبكي طالبة منه ان يشفع لها عندها فهي تعلم مكانته عندها ولما اشاح بوجهه بعيدا عنها قالت بصوتها الباكي:
ارجوك سيدي... لقد ندمت على ما فعلت اقسم لك اني ندمت..... وأريد فرصة واحدة لأثبت لكما ذلك
ثم انهارت على الأرض فهرع اليها ليمنعها فالتقت نظراتهما
رأى الصدق يظهر جليا في عينها واستشعره في نبرة صوتها فقال وقد لان صوته بشكل واضح:
لماذا خنتها من البداية لتندمي الآن؟
فسمع صوتا يقول:
لأن لكل جواد كبوة....الم تسمع بذلك من قبل ايها الطبيب؟
التفت الجميع نحو المتحدث فقال مجد وقد اعتلت الدهشة قسمات وجهه:
سيد مالك؟!
**********
كانت منكبة على فراشها الى جوار الصغير تبكي بحرقة على ما فات
بكت رفيقتها التي خانتها، وبكت امها التي ماتت وتركتها طفلة، بكت والدها الذي قتل غدراً امام عينيها، كما بكت غياب مجد وظنها انه ميت
كل ذكرى قاسية مرت على قلبها تذكرتها في تلك اللحظة وكأن حور كانت اداة لتحريك تلك الذكرايات من مكانها
فسمعت صوت الباب يفتح ويدلف منه شخص الى الحجرة، ظنته مجد فقالت دون ان ترفع وجهها:
اخرج رجاءاً
ولما لم تشعر به يستجيب رفعت رأسها وكادت ان تأمره بالخروج ولكن ربطت الدهشة لسانها فقالت بصوت اقرب للهمس:
سيد مالك؟!
فاقترب منها ثم انحنى احتراما امامها وقال وكأنه يراعي مكانتها السابقة:
اجل يا مولاتي مالك
ثم تابع:
قد يخطئ الاخ في حق اخيه وقد يخطئ الابن في حق ابيه والعكس وقد تخطئ البنت في حق امها وقد تخطئ الام في حق ابنتها جميعهم مجتمعون تحت راية الخطأ ولكن قد يجتمعون تحت راية أخرى تسمى راية الندم
ـ ولم اجد احدا نادما على خطأ ارتكبه بقدر ما رأيت حور التي كانت تعض يديها ندما على ما فعلت في حقك يا مولاتي
ثم استطرد:
طوال عشرة اعوام كانت تبحث عنكِ للإعتذار منكِ وطلب العفو منك ولكنها كانت تخشى ردة فعل الطبيب فهي تعلم أنه يحبكِ وأنه لن يتهاون مع من يفكر في أذيتكِ أبداً
اقترب مجد الذي كان واقفا عند الباب ينتظر السيد مالك ان ينتهي مما لديه ثم جثا امامها وامسك بوجنتيها ومسح عنهما الدموع التي اغرقتهما ثم قال بعطف:
ان اخطأت يوماً وجئتك نادماً فهل ستغفرين خطأي ام تردينني خائباً؟
شعرت بالخنوع في صوته فقالت بحسرة وعينيها تزرف المزيد من دموع الالم:
حتى انت يامجد؟
ثم دفعت يديه بعيدا عنها وصاحت في غضب:
جميعكم تكالبتم عليّ.....
ثم صرخت بأعلى صوتها وهي تخرج من الحجرة:
اوغاد
اسرع خلفها فهو لا يعلم أي فعل مجنون قد تفعله بنفسها في لحظة كهذه فوجدها تمسك بسكين كبير توجه نصله نحو بطنها وتقبض عليه بقوة فصاح فيها مذعوراً:
ريماس ما هذا لذي تفعلينه؟!
كانت عيناها محمرتان بشدة والغضب باديا على وجهها فأجابته صارخة:
لأريحك واريحهم من عنائي
فصرخ فيها هو الاخر:
كفي عن هذا الهراء يا ريماس وضعي السكين جانبا.
ثم خطا خطوة نحوها فصرخت فيه ان يتوقف ثم تابعت ببكاء:
ماتت امي منذ كنت طفلة لا يزيد عمرها عن خمسة اعوام فلم يكن لي غير ابي والذي كان لي بمثابة العالم بأسره، كنت به قوية وها هو ايضاً قتل فصرت ضعيفة من دونه ولكني كنت استمد قوتي منك فلماذا تقسو عليّ وانا ليس لي في هذه الدنيا احد سواك؟
ثم اجهشت بالبكاء وهي تنهار أرضاً:
لماذا يامجد لماذا؟
في تلك اللحظة اسرع نحوها والتقط السكين من يدها وقذفة جانبا ثم ضمها الى صدره بقوة وقال:
اهدأي ياريماس اقسم لك انه لن يكون الا ما يرضيك وان كنت سألقي بها الان خارجاً
فاختطفت نظرة من بين ذراعيه دون ان ترفع رأسها عن صدره نحو حور فرأت صديقتها التي كانت تحبها وتهتم لأمرها فكفكت دموعها وابتعدت عنه ثم وقفت امام حور وقالت بكبرياء:
ما دمت نادمة عما حدث في الماضي فلماذا فعلت ما فعلته منذ قليل؟
ابتسمت حور من بين دموعها اذ احست بالرضا في صوت رفيقتها وقالت:
كنت امزح معكما وابحث عن طريقة لأكسب عفوكما يا مولاتي.......
ثم تابعت وقد اتسعت ابتسامتها أكثر:
سامحيني ارجوكي
لم تقل ريماس شيئا ولكنها عانقتها فكان هذا العناق بمثابة تعبير عن عفوها وابرام عقد لصداقة جديدة ثم بكتا
تهللت وجوه الحاضرين فرحاً بما حدث وكالعادة لا تدوم اللحظات الجميلة ابدا فقطع عليهم هذه اللحظات صاحب الصوت الصداح فقالت حور بدهشة:
ما هذا؟
ثم تابعت وقد تهللت اساريرها:
هل تزوجتما؟
هزت ريماس رأسها نفيا وقالت:
كلا انه ابن زهرة
فاندفع السيد مالك قائلا بلهفة:
اين هي؟....... اين زهرة؟ لماذا لا اراها؟
طأطأت ريماس رأسها نحو الارض وقالت بصوت بالكاد يسمع:
ماتت
هنا سقط السيد مالك على الارض فاقدا وعيه
فصاح مجد في فزع:
سيد مالك!!!
وهرع لنجدته ثم قال مستغربا:
ماذا به؟ لماذا فقد وعيه؟
فقالت ريماس بتأثر:
لأنها ابنته
********
فتح السيد مالك عينه فوجد الجميع ينظرون نحوه بأعين متلهفة فقال وهو يمسك بمؤخرة رأسه:
ماذا حدث؟
لم تستطع ريماس أن تواري دموعهما حتى شمس الذي ابدى تماسكاً في البداية لم يتمالك نفسه وبكى وكذا تميم اما مجد فكان اكثرهم تماسكاً، اقترب من السيد مالك وربت على كتفه برفق ثم قال بعدما اطلق تنهيدة قوية:
لقد فقدت وعيك سيدي
فسأله السيد مالك وهو يقبض على يده بقوة:
ـ لماذا يبكون؟........ اين زهرة؟ لماذا لا يجيبني احد؟
تبادل الجميع النظرات وكأنهم يبحثون عمن يؤكد له الخبر فوقع اختيارهم على مجد الذي بدا عليه الضيق فقال سريعاً دون ان ينظر في عينه:
لقد ماتت، منذ اربعة اشهر
فقبض على قميصه وقال بصوت مبحوح ضعيف:
مستحيل، انت تكذب
نهض مجد من جواره وامسك بالصغير الذي كان يحمله ابوه ثم وضعه بين ذراعي السيد مالك وقال وهو يشير نحو شمس:
هذا الذي بين يديك هو ابنها، وذلك الذي يجلس هناك هو زوجها
نظر السيد مالك نحو شمس فوجد عينيه مغرورقة بالدموع
فغرق في بحر دموعه هو الاخر ثم نظر نحو الصغير فوجده ينظر اليه وبسمة رقيقة تزين وجهه الملائكي فقبل وجنته الصغيرة ثم اجهش بالبكاء وهو يضمه الى صدره
شعر مجد بالضيق بسبب هذا الحزن الذي عم المكان ولم يعد بمقدوره التنفس فخرج إلى الهواء الطلق
بعد لحظات لحقت به ريماس فوجدته يجلس على احدى عتبات البيت فجلست الى جواره ثم اسندت رأسها الى كتفه وهي تحتضن زراعه فأمسك بكفها وخلل اصابعه بأصابعها ثم اطلق تنهيدة قوية دون ان يتكلم فقالت قاطعة صمته:
دلفت زهرة الى القصر اول مرة حينما كانت في الخامسة عشرة كوصيفة فحدث في اول يوم لها ان تباطأ السيد مالك في تنفيذ امر امره به شريح فصفعه الاخير على وجهه واهانه امام جميع من بالقصر واخذ يسبه باقذع الالفاظ فشعرت زهرة بالحزن لذلك ولما طلبت من والدها ان يترك عمله كحارس للقصر قابل طلبها بالرفض وقال موضحا:
ان تركت عملي في القصر فسوف يقتلني شريح فهو لا يقبل بهذا أبداً
تقبلت زهرة ما حدث ولكن الامر تكرر كثيراً وفي كل مرة كانت تطلب منه ترك عمله كان يتعلل بهذا السبب حتى جاء يوم اهين فيه السيد مالك بشدة من ذلك البغيض جنيد فضربه حتى ادمى وجهه فانتظرت زهرة ان يسحب والدها سيفه ويغرسه في صدر ذلك المغرور ولكنه لم يفعل، بل على العكس من ذلك فقد نهض وسار باتجاه جنيد البغيض وهو يترنح ثم انحنى امامه في ذل وخضوع غريبين بعد ذلك انصرف الجميع ولم يقى في ذلك المكان سوى السيد مالك وابنته زهرة
نظر نحوها فوجد الغضب يكاد يخرج ناراً من عينيها فرمقها بنظرة استعطاف ولكنها اشاحت بوجهها بعيدا عنه وولت مغادرة ولكنه اوقفها وهو يناديها بوهن:
زهرة ابنتي
فاستدارت نحوه ثم قالت بنبرة قاسية:
اياك ان تناديني بابنتي مرة اخرى، أنت لست أبي
ومنذ ذلك اليوم وزهرة ترفض اي شئ ينسبها اليه، اذكر انه ذات مرة اراد التحدث اليها بشأن جفائها نحوه فصرخت فيه قائلة:
الموت افضل كثيرا من العيش بلا كرامة
ثم تركته في مكانه يبكي كطفل فقد امه بين الزحام.
اسند رأسه الى رأسها دون ان ينبس ببنت شفة ولم يتحركا من مكانهما حتى ارسلت الشمس خيوطها الذهبية معلنة انتهاء تلك الليلة التي لم يذوقا للنوم فيها طعماً وبداية يوم جديد فنهض ودلف الى البيت فوجد الجميع نيام فأوقظ مجد شمساً قائلاً:
هيا لقد حان الوقت
فنظر الاخير له بعين نصف مغلقة ثم قال:
وقت ماذا؟
ـ الكهف
فقال شمس متذمرا:
الم ننتهي من هذا الامر؟
هز رأسه نفيا فقالت ريماس وهي تمسك بساعده:
مجد اخشى عليك
فقال شمس موجها حديثه اليها:
دعيه.. اقسم ان نهايتنا ستكون على يديه
ثم نهض وخرج من البيت تشيعه عين مجد حتى اختفى عن أنظاره
ثم توجه نحو تميم وأوقظه وما ان خرج الجميع من البيت حتى صاح شمس معترضاً:
وماذا عن ابني؟..من سيعتني به في غيابنا
اجابه:
السيد مالك
ـ هل تثقان به؟!
نظر مجد نحو ريماس وكأنه يسألها السؤال ذاته فقالت وهي تومئ له ايجابا:
نعم فهو يحب ابنته كثيراً ولا اظن انه قد يؤذي صغيرها
ــ وماذا عن تلك الفتاة؟
فقال مجد:
ستذهب برفقتنا
ثم تابع وهو ينظر نحو ريماس:
بصراحة انا لا اثق بها
فأومأت له ريماس ايجابا ثم دلفت الى البيت وبعد لحظات خرجت برفقتها ثم قالت:
لقد اخبرت السيد مالك عن رحيلنا
بعدها انطلقوا باتجاه الوادي
*********
وقف الجميع امام الجبل الذي يتواجد به كهف الراعي فقال مجد وهو يحدق بالجبل:
كان شريح وابنه يحتجزون وحوش الذئاب داخل سجن القلعة وهم من كان يقصدهم بالجرذان
ثم تابع:
ولقد هاجم أحد أولائك الوحوش السيد غيث طبيب السجن وقتله
ثم ضحك وقال:
كنت أظن أن الصورة المعلقة في ردهة بيت الحارث هي صورتي حتى قرأت كتابه
فقال شمس مستنكراً:
وكيف ستكون لك صورة هناك وأنت لم تذهب إلى إيبرس قبل تلك المرة؟
ثم تابع بتهكم:
ظننتك ذكياً يا صديقي
رمقه مجد بنظرة حادة وقال:
سأحاسبك على هذا فيما بعد، أما الآن علينا أن نكتشف ما يخفيه هذا الكهف
ثم تابع وهو يحدق بالجبل:
ألمهم أن تحافظوا على مسافات آمنة بيننا فنحن لا نعرف ما ينتظرنا بالداخل
ثم سلكوا الطريق المؤدي الى الكهف، كان مجد اول الداخلين الى الكهف الذي كان كما وصفه الحارث في كتابه ثم نظر عن يمينه فوجد السرداب كما وصف ايضا فأتجه نحوه ثم أشار لهم أن يلحقوا به
فوجدوا انفسهم على مشارف ساحة عظيمة جدا في باطن الجبل يضيئها فتحة كبيرة في قمة الجبل ففتحوا افواههم انبهارا ولكن انبهارهم ذلك تحول الى ذهول حينما جثا مجد على ركبتيه فجأة وامسك برأسه ثم اخذ يصيح متألما بصوت تقشعر له الابدان ثم نهض كأن لم يكن به شئ الا ان صوت انفاسه علا بشكل غريب وكأنه سبع انتهى لتوه من مطاردة طويلة ثم التفت نحوهم فبلغت القلوب الحناجر رعبا مما رأو فقد تحولت عينيه بشكل مفزع وصار لونها احمرا كلون الدم وانيابه برزت بشكل مخيف وكأنه وحش يكشر عن انيابه وانتفخت عضلاته بشكل هائل لدرجه انه بات يفوقهم حجما فتجمدت الدماء في عروقهم وصاروا كالتماثيل لا يستطيعون الحراك فقال بصوت اسقط قلوبهم بين اقدامهم:
عاد ملِك الذئِّاب
ثم تابع بصوت اقوى:
الويل لكِ يا ابنة الراعي
في تلك اللحظة صاحت حور بأعلى صوتها:
اهربوا
وأطلقت ساقيها للريح اما البقية فلم تصدر منهم حركة فإن كان الذي امامهم هو ملِك الذئِّاب فأين صديقهم؟!
شعروا بالارض تهتز اسفل اقدامهم واخذت بعض صخور الجبل في التساقط فوق رؤوسهم فاضطروا للهرب والنجاة بارواحهم فالتقوا خارج الجبل بحور التي كانت تقف امام باب الكهف ترتعد فرائصها، ما ان وقع بصر شمس عليها حتى صاح:
اهربي
فانطلقت معهم ركضاً حتى قالت حور بصوت مرتجف واسنانها تصطك من شدة الفزع:
لقد توحش السيد مجد
فتوقف شمس عن الركض فجأة ووقف امامها وقال وهو يحدق بها بأعين متسعة تشع غضباً:
ان حدث واخبرتي احداً بما رأيته او سمعته داخل الكهف أقسم اني لحظتها سأجعل البقعة التي تقفين فيها قبراً لك
فقلبت بصرها بينهم جميعا ولسان حالها يقول:
جميعكم رأى ما رأيته فلماذا تحذيرك خصصته لي فحسب؟
وكأنه عرف ما جال في خاطرها فقال:
لأنه اخي
ثم اشار نحو ريماس وتميم و تابع:
وهذه الفتاة حبيبته كما تعرفين اما هذا الفتى فهو بمثابة اخيه الأصغر ولا احد منا قد يخونه أبداً
ابتعد من امامها ثم عاد خطوات الى الوراء لينظر ما حدث بعد ذلك الاهتزاز العنيف للجبل فرأى المئات من تلك الوحوش تخرج من الكهف لتقف في بطن الوادي مطصفة في صفوف منظمة امام قائدهم الذي كان صديقهم فقال وقد بدا الخوف في نبرة صوته:
الويل لنا
اقتربوا منه جميعا فاشرأبت اعناقهم وهم يرون هذا المشهد الذي سيكون نهاية لهذا العالم بما فيه من بشر
ولكن ريماس لم يكن يشغلها هذه الأعداد من تلك الوحوش بقدر ما يشغلها ذلك الذي يقف امامهم والذي كان قبل لحظات حبيبها والذي تحول فجأة امام عينيها الى ذلك الكائن الغريب الذي لا تعرفه فسقطت العبرات من عينيها تباعاً ولكنها مسحتها بكبرياء وشموخ ثم قالت دون ان ترفع بصرها عنه:
ان كان وجود هذه الكائنات هو نهاية لعالم البشر فيكفيني شرفاً ان اموت وانا اواجه
فقال شمس:
من الواجب علينا تحذير الناس من هذا الخطر القادم علهم يستطيعون الفرار بحياتهم
ثم انطلقوا عدواً الى البيت
*********
نهض السيد مالك عن الاريكة وهو يحمل الصغير بين يديه وقال نبرة قلقة لما رآهم يلهثون بالكاد يستطيعون التقاط انفاسهم:
ماذا حدث؟!
ثم تابع بتوجس لما لم يجد مجداً معهم:
اين الطبيب؟
كادت حور ان تجيبه ولكن شمساً رمقها بنظرة جعلتها تتراجع ثم تقدم نحو السيد مالك والتقط منه صغيره ثم قال:
لابد وان نرحل الان؟
فقال السيد مالك معترضا:
لن ارحل عن هنا حتى تخبروني بما يحدث
لم يجبه ولكنه دلف الى الحجرة وعاد يحمل وشاحاً وضع فيه صغيره ثم ضمه الى صدره واشار لتميم ان يقوم بربط هذا الوشاح على ظهره حتى يتسنى له التحرك بحرية دون ان يضطر لحمله بين ذراعيه ثم قال وهو ينظر نحو السيد مالك:
ان اردتما البقاء هنا فهذا شأنكما ولكننا سنرحل
ثم خرج الثلاثة من البيت تاركين السيد مالك هائماً في حيرته وحور التي تخشى ان ينطق لسانها بما رأت
كانوا يسيرون بلا وجهه ويطبق عليهم صمت رهيب فقطعت ريماس هذا الصمت قائلة:
لماذا حذرت حور من البوح بما حدث داخل الكهف؟
اجابها دون النظر نحوها:
ان حدث وعاد مجد فلا اريد ان يكرهه الناس ويرونه سبب دمارهم فيقتلونه
شعرت بالجميل والعرفان تجاه شمس فابتسمت وقد لمعت عينيها ببريقها
وفي اثناء سيرهم التقو زيادا الذي تهللت اساريره فرحا برؤيتهم فأخبره شمس بما حدث في وادي الذئاب وبالطبع لم يأت بذكر ما حدث مع مجد فقال زياد وقد بدا الغضب في نبرة صوته:
اللعنة، لو كان القائد بيننا الان لوجد لنا حلا
وبعد حديث قصير اتجه بهم صوب القرية التي كان يقيم فيها وشقيقه قبل التحاقهم بالفيلق الجنوبي اذ كانت من القرى التي لم تتضرر بشكل كبير
وصلوا الى القرية عند منتصف الليل بعد الاستعانة بعربة احضرها زياد
وقفوا امام بيت صغير مكون من طابق واحد فتح زياد بابه ودعاهم للدخول فسأله شمس:
لمن هذا البيت؟
ـ كان لأخي واصبح لي بعد موته
فضم شمس شفتيه بأسى ثم قال:
شكرا لك يا زياد
ابتسم الاخير دون قول شئ ثم اشار بيده الى الحجرة وقال موجها كلامه لريماس:
بإمكانك استخدام هذه الحجرة سيدتي
اومأت له بامتنان ثم اتجهت الى الحجرة ومعها الصغير
توجه زياد نحو الباب وهو يقول بترحاب:
البيت بيتكم تصرفوا فيه بحرية
كاد ان يصل الى الباب فسأله شمس متوجسا:
زياد، هل لا زلتم تحبون القائد؟
استدار زياد لمواجهته ثم قال بابتسامة:
ومن منا لا يحبه؟
ثم تابع بحنين وقد دمعت عينه:
لقد ثأر لأخي فكيف لا احبه؟....كما اننا جميعا نتمنى ان يعود لنجتمع تحت قيادته من جديد
كان جوابا شافيا لدرجة كبيرة اشعرته بالارتياح فقال ممتناً:
شكرا لك
اغلق زياد الباب جيداً ثم احضر مجموعة من الفرش وأعطاها لشمس وتميم ثم اخبرهما انهم سيبيتون ليلتهم وفي الصباح الباكر سيعلن الخبر في كل ارجاء القرية ليجدوا حلاً سريعاً لذلك فقال شمس بتوجس:
وهل تظن انهم سينتظرون حتى الصباح قبل ان يقضوا على الجميع؟
قوس فمه لأسفل علامة الجهل وهو يتنهد في يأس
وبالفعل لم يمهلوهم اذ سمعوا صوت عواء قوي يصدح في الاجواء فانتبهوا جميعا وتبادلوا نظرات الفزع ثم خرجت ريماس من الحجرة وقد بدا على وجهها الحزم خلافاً لهم، ثم اتجهت نحو الباب وفتحته فصرخ فيها شمس:
ماذا تفعلين؟ عودي الى هنا
خرجت من البيت دون الاكتراث لندائه فأسرع خلفها وما ان خرج حتى وجدت العشرات من تلك الوحوش يجوبون الطرقات وهم يطلقون عواءً تتوقف له القلوب
حاول جذبها واعادتها الى البيت ولكنها اسرعت نحوهم ثم اخرجت من بين طيات ثيابها خنجر مجد الذي كانت تحتفظ به منذ اعطاها اياه شمس واخبرها بموته قبل سبع سنوات ثم طعنت به ساق احد الوحوش فصاح متألما ثم سقط على ركبيته فاستغلت ذلك وطعنته في صدره طعنة قوية اردته قتيلاً ثم نظرت نحو شمس وقالت بفخر:
تعلمت من مجد المواجهة وعدم الخوف
أسرع نحوها وطعن بسيفه وحشاً كاد ان يقتلها دون ان تنتبه له ثم قال وقد افتر ثغره بابتسامة:
وتعلمت منه ان اكون منتبها ايضا
فبادلته الابتسامة ولما رأى تميم وزياد ما حدث اسرعا نحوهما وشاركاهما في ذلك بكل شجاعة فقفز تميم بجسد النحيل على ظهر احدهم وتعلق برقبته ثم نحره كالبهيمة وحتى زياد ايضا الذي اسقط احدهم بضربة واحدة بسيفه
كانت هناك الكثير من العيون التي تراقب ما يحدث خلف النوافذ والشرفات دون الظهور فأظهروا شجاعة لما رأوا ذلك وارادوا الخروج والقتال ولكنهم تراجعوا حينما رأوا العشرات من تلك الوحوش تأتي مسرعة وكأنها تسمع استغاثة رفاقها حتى شمسا ورفاقه ولوا الادبار عائدين الى البيت وما ان دخل اخرهم حتى اسرع باغلاق الباب خلفه باحكام واخذوا يتبادلون النظرات الحائرة القلقة حتى سمعوا ضربا قويا على الباب والذي كان لحسن حظهم حديديا يتحمل تلك الضربات فقال شمس وهو يحدق بالباب:
ان لم يصمد هذا الباب امام قوتهم فسنكون حينها في مواجهة حتمية مع الموت ولن يكون لنا نصيب من النجاة ابداً
بعد مضي وقت ليس بالقليل توقف الضرب على الباب وكأن من كان يضرب اصابه الضجر فتوقف عن ذلك
فاتسعت عيونهم ذهولاً وكأنهم لا يصدقون انهم لازالوا احياء حتى تلك اللحظة
تقدم زياد نحو الباب ثم وضع راحته على احدى دفتى الباب وقال مبتسما:
شكرا لك اصيل، شكرا لك يا اخي
ثم استدار ونظر نحوهم وتابع بفخر:
لقد صنع اخي اصيل هذا الباب ليكون قويا في وجوه اللصوص ولكنه كان كذلك في وجوه من هم اعتى من اللصوص. ............... الوحوش
فقال تميم بلهفة:
ومم صنع اخوك هذا الباب ليتحمل كل تلك الضربات القوية؟
ـ الحديد المخلوط بالنحاس
انقضت تلك الليلة ولازالت الاعين تراقب الباب خشية ان يندفع بغتة وينتهي الامر ولكن ذلك لم يحدث حتى شروق الشمس
فتح شمس الباب بحذر ثم القى ببصره الى الخارج فلم يرى شيئا، فتشجع قليلا وخطا خطوة الى الخارج فوجد المكان خاليا من اي كائن حي فدار بعينيه في كل الاتجاهات وقد اصابه الشك فيما حدث فسمع صوتا يقول:
لم تتوهم فجميعنا رأينا ما حدث
التفت نحو صاحب الصوت فوجد رجلا خمسينيا يقف امام بيته وكذا جميع البيوت كان ساكنوها يقفون امامها متنظرين ان يجدوا تفسيرا لما رأوه الليلة الماضية فتنهد بقوة ثم اخبرهم بما حدث في وادي الذئاب فتبادلوا النظرات والحيرة ترسم الوانها على وجوههم ثم لمعت عينا شمس فجأة وكأنه انتبه لشئ ما ثم عاد الى البيت وقال لرفاقه:
لقد انتبهت لشئ لا اعرف ان كنت قد انتبهتم اليه ام لا
نظروا نحوه بتأهب فتابع:
اولائك الوحوش الذين رأيناهم عند الوادي يختلفون تماما عن الوحوش الذين هاجموا الجنوب في الماضي، لقد رأيت كليهما واعرف الفرق بينهم فوحوش الوادي يفوقون اولائك الذين رأيتهم في الماضي حجما وقوة
ثم تابع وهو ينظر صوب الباب:
ومن هاجمونا في الليلة الماضية من وحوش الماضي وليس العكس، لكن السؤال الذي يدور في ذهني الآن هو من أين جاءوا ولماذا لم يظهروا سوى في الليلة الماضية
ثم وجه كلامه لزياد قائلا بلهفة:
احضر لي جوادا يكون سريعا وقويا
فقالت ريما بحزم وصرامة:
شئت ام ابيت سأذهب معك
فرد بعصبية:
وهل تعرفين الى اين سأذهب؟
اومأت برأسها ايجابا وقالت:
الى الوادي لتتأكد من شكوكك
فقال بنفاذ صبر:
والصغير
ـ سأرسله الى جارة اثق بها وسنذهب جميعا الى الوادي
كان ذلك زياد فقال شمس بحدة:
ولكني لن ادعه مع احد حتى اتأكد من تلك الجارة
خرج شمس وزياد من البيت وسلكا طريقاً قريباً حتى وصلا الى بيت مكون من طابقين، طرق زياد الباب فخرجت منه فتاة تبدوا في الثلاثين من عمرها او اكثر وقبل ان ينطق زياد بشئ قال شمس مندفعا:
سيرين؟!
فقالت سيرين هي الأخرى بذهول:
شمس؟، كيف اتيت الى هنا؟
فقال زياد مستغرباً:
عل تعرفان بعضكما؟
أجابته سيرين:
بالطبع
ثم تابعت موجهة حديثها لشمس:
اين مجد؟
نظر باتجاه الارض ثم وجه بصره اليها وقال:
فقد قبل سنوات، ولسنا نعرف ان كان حياً ام لا؟
خفق قلبها بقوة وبدا الخوف على وجهها ثم سقطت دموعها عندما راودها هاجس ان يكون مجد ميتا فكيف لا تبكيه وهي التي تحبه منذ الصغر؟
تعجب زياد مما حدث اما شمس فلم يحدث معه ذلك اذ كان على علم بهذا الامر فقال زياد بتوجس:
انت بخير سيدة سيرين؟
انتبهت له فمسحت دموعها ثم قالت وهي تومئ له ايجابا:
نعم نعم بخير
ثم تابعت بعدما ملأت صدرها بالهواء وزفرته دفعة واحدة:
ماذا تريدان؟
اشار شمس بعينه نحو صغيره الذي كان يحمله بين زراعيه وقال:
اريدك ان تعتني بهذا حتى عودتنا
ودون ان تتفوه بحرف التقطته منه ثم قالت وهي تعود الى البيت:
سيكون بمأمن حتى تعودا
ثم دلفت الى البيت واغلقت الباب خلفهما دون ان تنتظر مغادرتهما فتبادلا النظرات دون تعليق
وبالقرب من الوادي وقف الاربعة خلف صخرة ضخمة لا تسمح لهم بالظهور واخذوا ينظرون نحو الوحوش المتجمعة هناك فقال زياد بذهول:
ما هذه الكائنات؟، لم ار مثلها من قبل
ثم امسك بكتف شمس وقال بلهفة:
انظر سيدي،
ثم تابع وهو يشير أحد الوحوش:
ذلك الذي يقف امامهم يتصرف وكأنه القائد مجد.
امتقع وجه شمس وقال بتلعثم كاد ان يفضح ما يخفيه:
لالالا،لا يوجد من هو كالقائد مجد ابداً
لاحظ زياد الاضطراب الذي اعترى وجه شمس فقال بشك:
لماذا تبدوا متوترا؟
لم يعرف بم يجيبه فتولى تميم الجواب عنه ونطق بأغبى ما يمكن ان ينطق به في مثل تلك اللحظة وقال:
لقد قتل القائد قبل سبعة اعوام داخل الغابة
اتسعت عينا شمس من هول المفاجأة وهو يضع يده فوق فمه وفي داخله يقول:
اللعنة عليك ايها الاحمق
ـ هل حقا ما قاله هذا الفتى؟
قالها زياد وهو يحدق بشمس منتظرا جوابه ولما لم يجد الاخير ما يقوله اومأ له ايجابا فقال بحدة:
ولماذا اخفيتم الامر عنا؟
اجابه شمس وهو يرمق تميما بنظراته الغاضبة:
لم نشأ يشعر سكان الجنوب بالخوف بعد موت قائدهم
فضحك بسخرية ثم قال متهكما:
وسكان الجنوب الآن يعيشون حياة الأمن والأمان أليس كذلك؟
فقطعت ريماس هذا الحوار العقيم وقالت بحدة:
فيما تهذيان انتما؟ تتشاجران حول هذا الأمر وتتركان ما هو اهم
التفتا اليها فتابعت:
علينا ايجاد حل سريع لهذا الامر
ـ اي حل في هذه الاثناء لا يصلح للعمل به
التفتوا جميعا نحو المتحدث الذي لم يكن ايا منهم فوجدوا السيد مالك يقف خلفهم وعلى وجهه ابتسامة شامتة ثم تابع:
لقد انطلق الفوج الاول من هذه الوحوش والذين يتخطون حاجز الألف وحش الى الشمال وما ترونهم الان في بطن الوادي هم الفوج الثاني
ـ كيف عرفت ذلك؟
سأله شمس متوجساً فقال:
حينما تركتمونا ورحلتم كالجبناء
فقال شمس وهو يكز على اسنانه بغضب:
أخبرتك تلك العاهرة؟
أومأ إيجاباً وهو يقول ببرود:
قبل أن أفصل رأسها عن جسدها
صعقت ريماس بينما صاح شمس بحدة:
أيها الوغد
فقال مالك وقد تقطب جبينه:
لو لم تكن زوج ابنتي ووالد طفلها لغرست سيفي هذا في صدرك
فأمسك شمس بتلابيبه وهو يحدق فيه بغضب ولولا تدخل زياد وتميم، فقالت ريماس:
يكفي شجاراً وفكرا في حل لهذا
ابتعد شمس عنهم بعض الشئ واخذ يروح ويغدو كأسد حبيس فوصل اليه صوت السيد مالك يقول:
لدي حل لهذا الامر
فأرخى سمعه ليسمع ذلك الحل فانتفض من مكانه كمن لسعته حية ثم نظر نحو ريماس بأعين متسعة فوجدها تنظر نحوه ولا تقل عنه دهشة فقال بصوت عالٍ:
اعد ما قلته ايها السيد فأنا لم اسمعك
فقال السيد مالك:
قلت ان الحل الامثل لانتهاء هذه المشكلة هو قتل قائدهم
ثم تابع وهو يبتسم بخبث:
فقوة كل جيش تكمن في قائده واذا مات القائد انتهى الجيش وجيش الجنوب خير مثال على ذلك بموت قائده تمزق الى اشلاء
ـ انا معك
نظر الجميع نحو زياد الذي وافق على ما قاله ثم استطرد:
لقد كنت أحد جنود الفيلق الجنوبي حين كان قائماً ولكن بعد اختفاء القائد تشتت الفيلق ولم يعد هناك مقاتل واحد فيه
فرمق شمس ريماس وتميم بنظرة فهما ما تعنيه ثم قال:
ونحن معكم ايضا ولكن...
ـ ولكن ماذا؟
سأله السيد مالك فقال:
نحن قلة كما ترى فكيف سنتمكن من الوقوف امام جيش هائل من الوحوش؟
صمت السيد مالك مفكرا ثم قال:
دع الامر لي
ثم نظر نحو الوادي وقال:
هدفنا واضح.... صاحب الغرة البيضاء
بالفعل كان الوحش الذي صار اليه مجد يمتلك غرة بيضاء لم تكن موجودة به في البداية كما انه لم يكن مكتمل التحول الى تلك الهيئة التي هو عليها الان حتى انهم لم يتعرفو اليه الا من خلال ندبة قديمة كانت في كتف مجد الايسر والتي كانت تظهر واضحة في كتف الوحش صاحب الغرة
وبعيدا عن الاعين تلاقت الاكف معلنة وقوفها حائلاً بينهم وبين نيتهم في قتل الوحش وإن لم يكن صديقهم
**********