ملك الذئاب - الثلاثين - بقلم وفاء عبدالهادي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ملك الذئاب
المؤلف / الكاتب: وفاء عبدالهادي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الثلاثين

الثلاثين

هدوء غريب لم يشهده الجنوب من قبل كان الاغرب في تاريخ المملكة  فبعد الهجوم الذي شنه الشمال على الجنوب والذي تبع برد قاسٍ جدا من الفيلق الجنوبي حدث هدوء مفاجئ ظنه الجميع الهدوء الذي يسبق العاصفة ولكن هذه العاصفة تأخرت لأيام، لأسابيع، لأشهر، ولكن لم يحدث شئ فظن البعض ان الشماليين اصابهم الخوف مما حدث في الهجوم الاخير والبعض الاخر رأى انهم يخططون لشئ عظيم اذ اصبح الامر حديث الجميع اما ما حدث في الستة اشهر الاخيرةمن العام التالي علي ذلك الهجوم كان هو الاغرب اذ اخذت تصيب مجد نوبات فقد للوعي بشكل غريب ومفاجئ ودون سبب  واخذ الامر يتكرر معه كثيرا اذ انه كان يفقد وعيه في اليوم الواحد اكثر من ثلاث مرات وفي كل مرة يفيق فيها لم يكن يبدو عليه الاعياء مما اثار تعجب شمس وريماس اللذين حاولا اقناعه بمراجعة طبيب كي يفحصه ولكنه كان يرفض متعللا بأنه طبيب لو كان يشتكي من مرض ما لعرف ذلك مما اثار غضب ريماس فصاحت فيه في اخر مرة رفض فيها الذهاب لطبيب قائلة: كونك طبيباً لا يعني انك تعرف كل ما يتعلق بالطب، لا تجعل حماقتك تقودك للهلاك فلم يقل شيئا ولكنه ضحك مما استفزها فصرخت فيه بأعلى صوتها: ستموت ايها الاحمق ثم القت اناء كانت تمسك به نحوه ولكنه امسك به قبل ان يصطدم به وهذه المرة ما يزال يضحك فأخذت تزوم بغضب وكادت ان تنفجر وظلت تدور برأسها في كل مكان كمن يبحث عن شئ فوقع بصرها على خنجره فاقتربت منه وسحب الخنجر ووضعته اسفل عنقه كعادتها عندما تغضب منه وقالت وهي تكز على اسنانها بغيظ: حاول الا تستفزني والا قطعت رأسك الاحمق هذا والقيت به بعيدا عن جسدك.... هل فهمت؟ ثم تركته واتجهت صوب باب البيت ولكنه اوقفها فشعرت انه اخيرا وافق على ان يراجع طبيبا فاستدارت ونظرت اليه في انتظار ان يقول لها انه نوافق ولكنه قال ببرود: الخنجر فتجهم وجهها ونظرت نحو الخنجر الذي مازالت تقبض عليه في يدها ثم القته نحوه بقوة وهي تصرخ فيه: لا ترني وجهك مرة اخرى ثم خرجت من البيت وهي تصيح: احمق........مجنون.........متهور التقط مجد الخنجر الذي استقر عند عتبات الدرج واخذ يحدق به فدلف شمس وتسائل عن سبب غضبها فأخبره مجد بما حدث فقال شمس: هي محقة...... لابد وان تراجع طبيبا فتنهد مجد بضيق وقال: كم مرة اخبرتكم اني لا اشكو شيئا......... انه مجرد عرض وسينتهي فقال شمس باستنكار: عرض؟!.......اي عرض هذا الذي يدوم لستة اشهر ثم تقطب جبينه وتابع بحزن: اخشى ان تكون نهاية هذا العرض هي نهايتك يا صديقي فربت مجد علي كتفه وقال يطمئنه: لا تشغل بالك بهذا الامر......فأنا بخير فسحب شمس نفسا عميقا وقال اتمنى ذلك ثم هم مغادرا فسأله مجد عن مقصده فقال: سأذهب الي المدرسة العسكرية فأخبره بأنه سيذهب برفقته فسأله شمس ليتأكد منه: هل انت واثق؟! اذ انه وبسبب نوبات فقدان الوعي المتكررة كان لا يخرج من البيت الا نادرا، كان هذا بناء على رغبة شمس وريماس والذين كانا يلحان عليه في هذا الامر كثيرا فكان يوافق بناء   على رغبتهماوكان شمس ينوب عنه في كل شئ  ولكنه اراد الخروج من البيت فقد بات يشعر بالاختناق بين جدران البيت اومأ ايجابا فلم يملك شمس من الامر شئ ففضل الصمت كانت ريماس تجلس في حديقة البيت الامامية وقد سالت بعض دموعها حزنا وخوفا من ان تكون تلك النوبات التي تصيب مجد هي اعراض لمرض خطير قد يودي بحياته، م رأت كلا من مجد وشمس يخرجان من البيت  فنهضت وهي تمسح دموعها حتى لا يلاحظ احد ذلك ولما وقع بصر مجد عليها رمقته بنظرة غاضبة ثم اشاحت بوجهها بعيدا عنه وعادت الى البيت لم يتمالك مجد نفسه واخذ في الضحك اذ انها كانت تبدو كالاطفال وهي غاضبه حثه شمس على الاسراع ولكنه لم يكد ان يخطو خصوة واحده حتى سقط على الارض فاقدا وعيه كان حينما يفقد وعيه فيما مضى لا يمكث لأكثر من ساعة على الاكثر حتى يستعيد وعيه ولكن هذه المرة زاد الامر بشكل مرعب اذ ظل فاقدا وعيه لأربعة ايام كاملة حتى ظن البعض انه مات ولكنه كان يتنفس لذلك لم يجزم احد بوفاته لما افاق وجد نفسه ممدا على الفراش وعلى كرسي قريب بعض الشئ كان يجلس شمس دافنا وجهه بين راحتيه اعتدل جالسا فأحس شمس بحركته فرفع وجهه عن يديه فاتسعت عينيه وفغر فاهه غير مصدق انه قد استيقظ اخيرا فقال مجد وهو يحملق في وجهه بدهشة: شمس....... هل كنت تبكي؟! فمسح شمس وجهه بيديه وهو يهز رأسه نفيا فقال مجد باستنكار وهو يشير الي وجه شمس: إذن لقد امطرت السماء على وجهك فانفجر الاثنان في ضحك هستيري حتى دمعت اعين شمس فرحاً بنجاة صاحبه فقال مجد لما لاحظ دموعه: لماذا تبكي ياصديقي؟ فقال شمس وقد اجهش بالبكاء: خشيت ان افقدك يا اخي فاعتدل مجد وجلس مقابله ثم عانقه وقال وهو يربت على ظهره: وجود شخص مثلك في حياتي يجعلني اتمسك بالحياة اكثر ثم ابعده عنه قليلا وتابع ممازحا وهو يمسك بكتفه: كما انني لا افكر بالموت الان ثم نهض عن الفراش ففتح شمس معه امر مراجعة الطبيب فرفض مجد مرة اخرى وتابع وهو يسير باتجاه الباب: سأبحث بين كتب والدي عما اذا كان هناك علاج لما يحدث معي ثم فتح الباب فوجد ريماس تقف خلفه تهم بفتحه فصاحت غير مصدقة: مجد؟! ثم فتحت زراعيها وكادت ان تتعلق بعنقه من فرط سعادتها ولكنها تراجعت في اللحظة الاخيرة اذ تذكرت انها غاضبة منه فأشاحت بوجهها ثم القت شعرها الى الخلف بإهمال وولت مغادرة فقال متهكما وقد لاحت ابتسامة على شفتيه: لماذا اتيت اذا؟! فعادت ادراجها حتى وقفت امامه ثم قالت بكبرياء مصطنع وهي تلقي بشعرها للخلف مرة اخرى: ليس من شأنك..... ثم تركته وغادرت اخذ يشيعها بعينيه وهي تهبط الدرج فسمع شمسا من خلفه يقول: تتدلل فابتسم مجد ولم يقل شيئا ثم هبط الى الردهة ومنها الى الفناء الخلفي كانت مساحة الفناء الخلفي كبيرة بعض الشئ ومحاطة بسور عال يصل ارتفاعه لأكثر من مترين يتمركز في وسط الفناء بئر كبير وفي الجانب الايمن والملاصق للبيت يوجد حجرة متوسطةالحجم سار مجد باتجاه تلك الحجرة وقبل ان يصل اليها فتح بابها فجأة وخرج منها والده مهرولا وعلى وجهه امارات الفزع حتى وصل الى الجهة المقابلة وتحديدا عند شجرة كبيرة جفت اوراقها ولم يعد فيها اثر للحياة جثا غسان بالقرب من الشجرة واخذ يحفر بيديه بشكل سريع حتى حفر حفرة عميقة بعض الشئ ثم اخرج من اسفل ثيابه شيئا والقاه داخل تلك الحجرة ثم اهال التراب عليه بعد ذلك ثم نهض واخذ ينفض يديه من التراب العالق بهما ثم توجه صوب باب البيت والذي يطل على الفناء كان مجد يتابع مايحدث بذهول  وكاد ان يعود الى البيت ليتأكد ما اذا كان والده قد دلف الى البيت ام انه كان يتوهم، خطا خطوتين باتجاه البيت ولكنه توقف خشية ان يظن رفاقه انه فقد عقله فعاد للخلف وقال محدثا نفسه ساخرا: وكأنها اول مرة فقد كان كثيرا مايرى طيف والديه داخل البيت ولكن كانت تلك هي المرة الاولى التي يشعر ان هناك خطبا ما وراء الفزع الذي يراه في عيني والده ثم هز رأسه لينفض عنها تلك الفكرة وتابع طريقه الى الحجرة وقف امام الباب الذي كان موصدا فدفع الباب بيده بأنفاس محتبسة فوجده مغلقا ليس لأنه يشك في ان ما رآه حقيقي ام لا ولكنه فعل ذلك لشئ في نفسه فتنفس الصعداء وانفرج ثغره بابتسامة ثم انحنى بجوار الباب ومد يده داخل اصيص قديم وازال بعض التراب فظهر مفتاح التقطه ووضعه في ثقب الباب وادار المزلاج ثم دفع الباب فانفتح عن اخره كانت الغرفة تحوي مكتبا متوسط الحجم وعلى سطح هذا المكتب توجد مجموعة من الكتب التي يغطيها التراب وصندوق ضخم موجود بجوار احد الجدران غير ذلك لا يوجد شئ في الحجرة دلف مجد الى الحجرة فعادت اليه الذكرايات ولكنه تخطاها بسرعة واندفع باتجاه المكتب ثم امسك بأحد الكتب الموضوعة عليه ونفخ التراب عنه غطت سحابة من الغبار الغرفة فاستنشقها رغما عنه واخذ يسعل بقوة الى ان انقشعت تلك الغيمة ثم فتح الكتاب واخذ يتصفح صفحاته ولكن داخله كان منشغلا بما رأه منذ قليل فكان يلقي بنظرة خاطفة بين الفينة واختها نحو الشجرة ثم قرر ان يرضي فضوله فأغلق الكتاب وخرج من الحجرة وتوجه حيث الشجرة جثا علي احدى ركبتيه بجوار الشجرة وتحديدا عند نفس النقطة التي كان والده يحفر فيها ثم مد يده واخذ يتحسس الارض فوجدها صلبة يصعب حفرها باليد الفارغة فجاب بعينيه المكان بحثا عن شئ يصلح للحفر فوقع بصره على فأسٍ صدئ ملقى بجوار البئر فذهب اليه والتقطه فوجده لازال يصلح للاستعمال ثم عاد الى مكانه واخذ يضرب الارض بقوة فوصل صوت الحفر الى مسامع شمس وريماس المتواجدين في الردهة فخرجا اليه كانت الدهشة ترتسم على وجهيهما فتبادلا النظرات فأشارت ريماس بيدها علامة الجنون وقالت بصوت منخفض: اخبرته ان يراجع طبيبا ولكنه رفض، ثم تابعت بتهكم: ها قد فقد عقله وقرر دفن نفسه للتخلص من جنونه وضع شمس يده على فمه ليمنع ضحكة كانت ستخرج منه ثم  تنحنح فانتبه مجد له ثم تابع: ماذا تفعل؟! فأجابه وهو مازال مستمرا في الحفر: احفر. فقال شمس موضحا: ارى ذلك ولكني اقصد لماذا تحفر؟! فتوقف عن الحفر ثم التفت اليه فتفاجأ بوجود ريماس التي رمقته بنظرة استعلاء وهي تشيح بوجهها بعيدا فأرد دون الاكتراث لها: لو اخبرتكما اني رأيت والدي يحفر في نفس هذا المكان منذ لحظات فهل أنتم مصدقيّ؟! فاندفعت ريماس صارخة بغضب موجهة كلامها لشمس: الم اخبرك......... لقد جن تماماً ولم تعد هناك ذرة عقل في رأسه اليابس هذا بدا وكأن شمس استشعر بالفعل بوادر فقدان العقل عند صديقه فقال يجاريه: وماذا وجدت؟ رمقه مجد بنظرة حادة ثم قال: هل ستفعل مثلها؟............انا لم افقد عقلي ولكني سأفقده فعلا ان استمريتما في معاملتي كمجنون. ثم عاد يتابع الحفر في صمت حتي قطع هذا الصمت صوت ارتطام كان صادرا من الحفرة إذ يبدو أن الفأس قد ارتطم بشئ معدني فتأهب كل من ريماس وشمس بينما القى مجد الفأس وأخذ يزيح التراب بسرعة حتى ظهر لوح معدني فحاول اخراجه ولكنه لم يخرج فأخذ يزيح التراب حول ذلك اللوح فظهر انه غطاء لشئ ما ثم امسك به جيدا وسحبه لاعلي فظهر صندوق معدني ملئ بالزخارف فقال شمس بذهول: كنز؟! فقال مجد وهو يطالع الصندوق بأعين متفحصة: لا اظن ذلك فقالت ريماس وهي تلمس الصندوق بيدها: ماذا يكون اذا؟ فأطلق مجد تنهيدة لضبط انفاسه التي تسارعت اثر المجهود الذي بذله ثم قال وهو يتذكر النظرة التي رآها في عين والده: لا يهم ماذا يكون ....المهم الا يكون بداخله مصيبة ثم وضع الصندوق على الارض واخذ يقلبه في كافة الاتجاهات فوجد في احد جوانبه ثقبا لمفتاح فزفر انفاسه بضيق وقال: يحتاج مفتاحا...ولا اعرف ما اذا كان والدي يحتفظ بمفتاح لهذا الشئ ام لا؟ فتسائلت ريماس: وكيف ستفتحه؟! اختطف نظرةوسريعة نحوها ثم ابتسم وهو يلتقط الفأس ثم رفعه لأعلى وهوى به على الصندوق فانكسر غطاءه بضربة واحدة فقال شمس مندفعا بحدة: تحطيم الابواب المغلقة هواية عندك فضحك مجد وهو يتذكر صراخ شمس حينما حطم الباب المغلق في ايبرس ثم قال: لأعرف ما يخفيه الباب المغلق لابد وان افتحه ثم تابع وهو يحدق بشمس: وان لم يفتح حطمته ثم رفع غطاء الصندوق فاتسعت اعينهم ذهولا كتاب؟! قالها شمس باستنكار حين مد مجد يده الى داخل الصندوق واخرج منه كتابا له غلاف غريب الشكل كتب عليه بخط عريض( الحارث  ) ثم تابع وهو يلتقط الصندوق ويقلبه رأسا على عقب: الا يوجد شئ اخر ثم القاه ارضا فقالت ريماس التي لا تقل عنه دهشة: من يحتفظ بكتاب داخل صندوق مغلق والاغرب انه مدفون في باطن الارض؟! فقال مجد دون ان يرفع بصره عن الكتاب: لا تستهينا ربما كان الامر جلل بعدها فتح  الكتاب فوجد ورقة مطوية بداخله أمسك بها وهو يطالعها بتعجب ثم فتحها وقرأ ما بداخلها بصوت مسموع: غسان قم باخفاء هذا الكتاب وان استطعت ان تحرقه فلا تتأخر فلقد وقع هذا الكتاب بين يدي شريح ولا اظن انه استطاع معرفة شئ كبير مما يخفيه هذا الكتاب و اخشي ان تطالك يداه بأذي فانتبه لنفسك ولزوجتك واحذر ان يصيب مجد مكروه..........كن بخير يا اخي........................بتول رسالة تحذيرية. قالها شمس بعدما سمع محتواها فأوما مجد ايجابا ثم قال بأسى وقد لمعت الدموع في عينيه: نعم ولكن ابي لم يقرأها ثم تابع وقد انزلقت عبرة على وجهه: فلو كان قرأها لما قتل تلك الليلة ربت شمس على كتفه بمواساة فمسح مجد العبرة عن وجهه بكبرياء ثم قال وهو يحدق بالكتاب ويقلبه بين يديه: لنري السر الذي يحويه هذا الكتاب والذي دفع ابي وامي حياتهما ثمنا له ثم فتح الكتاب وشرع في القراءة على مسامعهما مجموعة من جذوع الاشجار المتراصة الي جانب بعضها بانتظام كان اول شئ رأيته حينما فتحت عيني كنت ممدا على ظهري فوق فراش ارضي حاولت النهوض فلم تسعفني قواي اذ كنت اشعر بألم حاد في رأسي وضعني في حالة من عدم الاتزان فبقيت على حالي لبعض الوقت ثم تحاملت على نفسي واستجمعت قواي وساعدت نفسي علي النهوض   اعتدلت جالسا على الفراش فرأيت مالم اراه عندما كنت ممدا كانت حجرة صغيرة الحجم سقفها وجدرانها الاربعة مكونة من جذوع الاشجار يتوسط الجدار الايمن منها باب خشبي ونافذة تعلو الجدار الملاصق للفراش الذي ارقد عليه شرعت في النهوض عن الفراش ففتح الباب فجأة ودلف منه رجل يبدو في العقد السادس من عمره ما ان رآني حتي تهللت اساريره وتقدم نحوي وهو يصيح فرحا: استيقظت اخيرا! ثم اقترب وجلس على طرف الفراش بالقرب مني وتابع: كيف حالك الان؟ بم تشعر يا بني؟ كنت انظر اليه بعين مستغربة فتابع الرجل بقلق: لماذا لا تتكلم؟! صمت قليلا ثم اجبت عن سؤاله بسؤال اخر: من انت؟      فابتسم الرجل وقال: انا من وجدتك في الغابة فضيقت ما بين حاجبي طالبا التوضيح فأردف: كنت اتجول داخل الغابة لأحتطب فوجدتك ملقى على الارض هرعت اليك فوجدك فاقدا وعيك ورأسك ينزف الدماء بغزارة فحملتك واتيت بك الى بيتي. كنت انظر الى الرجل مستغربا تواجده بالقرب مني دون ذرة خوف واحدة ويدور في رأسي سؤال واحد لماذا لا يخاف هذا الرجل؟  الا يرى هيئتي؟ فقاطع الرجل تساؤلات رأسي قائلا: هل تشعر بالجوع؟ وقبل ان اجيبه نهض وسار باتجاه الباب مسرعا وهو يقول: ما هذا السؤال يا عدنان  هذا الشاب فاقد وعيه منذ اكثر من يومين لابد وانه جائع ثم خرج واغلق الباب خلفه بقيت في مكاني لا تصدر مني اي حركة احاول استيعاب ما يحدث  وبينما انا كذلك اذ سافر عقلي الى زمن بعيد مسترجعا ذكرى مضت منذ ما يزيد عن الالف عام وتحديدا يوم ان دلف الينا ميسرة الراعي كنت شابا ابلغ من العمر ثلاثمائة عام حينما مات والدي حاكم ممالك الذئاب فكان لزاماً ان يتم تنصيبي حاكماً على ممالك الذئاب بعده بصفتي ولي عهده وهذا امر لم يكن يستهويه اهل ممالك الذئاب اذ كانوا يرونني مغرورا ويخشون يوماً اكون فيه حاكماً وأظلم الجميع ولكن رغم ذلك كان لابد وان اكون الحاكم وفي يوم تتويجي حاكماً فوجئنا جميعاً بوجود بشري بيننا فأمسك به مجموعة من الجنود وكادوا أن يقتلوه ولكني اشرت لهم بأن يحضروه بين يدي كان يرتجف من شدة الخوف ودموعه تنهمر بشكل غريب وكيف لا يخاف وهو يقف امام ملِك الذئِّاب فأشرت له بيدي ليهدأ وقلت بصوت حاولت جعله ضعيفا كي لا يصيبه الذعر اكثر: اهدأ ولا تخف فحدث ما توقعته وخر مغشيا عليه لم يكن الامر عادياً أبداً فلم نتوقع يوماً ان يلج بشري الى عالمنا قط فنحن من كنا نذهب الى عالمهم خفية وكان يعاقب كل من يفعل ذلك فعالم الذئِّاب كعالم البشر له قوانين تحكمه يعاقب فيه المخطئ افاق ذلك البشري بعد مضي وقت طويل وحين وجدنا بالقرب منه عاد اليه ذعره وكاد ان يفقد وعيه مرة اخرى ولكني قلت له بنفاذ صبر: اهدأ لن يأكلك احدنا وحاول تمالك نفسك قليلاً فحدق فيَّ وعيناه تتسعان رعباً ويخشي ان يرمش جفنه فمددت يدي وربت على كتفه برفق خشية ان تؤذيه قوتي ثم قلت محاولا طمأنته: لا تخف لن يؤذِك احد لا اعرف ان كان قد هدأ ام انني توهمت ذلك ولكني سألته: من انت؟  وكيف اتيت الى هنا؟ ازدرد الرجل ريقه بصعوبة ثم قال بصوت مبحوح: اسمي ميسرة ثم صمت فأشرت له ان يتابع فأكمل وقد ارتخت اعصابه المشدودة: كنت ارعى اغنامي في منطقة قريبة من وادي الذئاب فانجرفت الاغنام الى الوادي فلحقت بها سريعا لأقوم بإعادتها الى المكان الذي كانت به حيث ان الوادي ليس مكانا امنا رغم وفرة الحشائش به الا انه ملئ بالافاعي والافات التي لا يوجد موقع قدم خال منها ولم ارغب في فقد احد اغنامي وبينما انا كذلك اذ سمعت صوت عواء قوي فأخذت انظر حولي بحثا عن مكان الذئاب فلم اجد شيئا  ولما استرقت السمع شعرت بالصوت قادم من الجبل الشاهق  في ذلك الوادي فتركت الاغنام ترعى في الوادي وسرت باتجاه ذلك الجبل كنت كلما اقتربت منه زادت حدة وارتفاع صوت العواء فصعدت الجبل حتى وجدت كهفاً قرب قمة الجبل يصدر الصوت منه فدخلت اليه فوجدت في جانبه الايمن سرداب عبرته كمغيب رغم ظلمته الحالكة وقلة الهواء داخله الا اني عبرته حتي ظهر ضوء في الجانب الاخر ومعه بدأ الهواء يعود لأملا صدري منه عند انتهاء هذا السرداب وجدت ساحة عظيمة مضاءة وكأن الشمس قد اشرقت بداخلها اخذت اجوب المكان بعيني وانا منبهر بما اري ولما رفعت رأسي لأعلى وجدت فتحة في قمة الجبل تسمح لضوء الشمس ان يعم المكان ولكن ما لفت انتباهي اكثر هو وجود جسم اسطواني وكأنه بئر يتوسط تلك الساحة ولقد كان عواء الذئاب في هذا المكان قد بلغ اقصاه ولكن لا يظهر اي ذئاب في هذا المكان اقتربت من ذلك البئر فاكتشفت ان صوت العواء قادم منه وفي لحظة تنحى فيها عقلي عن الامساك بزمام الامور تاركا الامر لفضولي بأن يأخذني الى قعر الجحيم او ان يلقي بي في الهاوية وضعت راحتي على حافة ذلك البئر ثم قفزت الى داخله دون الاكتراث لما قد يحدث ان اصطدم جسدي بأخره ولكن ما اذهلني هو انني لم اصطدم بشئ بل خرجت من جوف الارض دفعا كما يخرج الجنين من رحم امه درت بعيني في المكان حولي كان عبارة عن كهف كالذي ولجت منه قبل قليل ثم نظرت الى المكان الذي خرجت منه فوجدته يعلو ويهبط وكأن هناك شيئا ما يتحرك اسفله ثم مددت يدي ووضعتها على ذلك المكان فشعرت بشئ يجذبني لأسفل فاصبت بالذعر لمجرد تخيلي اني اختنق اسفل التراب فضاقت انفاسي وخرجت من الكهف مهرولا فاتسعت حدقتاي ذهولا لما رأيت جنة خضراء واشجار عالية تضج بالحياة وطيور تحلق في عنان السماء مغنية اشجي الالحان فشعرت للحظة اني خرجت الى الجانب الاخر من الجبل سرت بين الاشجار مأسورا بهذا الجمال الذي تراه عيني ولم اشعر بنفسي واقدامي تأخذني بعيدا عن الجبل الذي جئت منه كان صوت العواء يعلو كلما ابتعدت حتى رأيت من بعيد تجمعاً ضخماً كان صوت العواء يصدر منه وبينما انا اقترب اذ التفت نحوي فجأة احد الواقفين فأصابني الرعب كانت هيئته من الخلف تشبه البشر ولكنه اضخم و عندما التفت الي وجدت وجهه يشبه وجه الذئب حاولت الهرب ولكني تجمدت في مكاني ولم استطع التحرك قط فتحرك هو نحوي واخذ يعوي بقوة فانتبه البقية اليَّ ثم امسكوا بي دون ادني مقاومة مني انتهى ميسرة مما يقول وقد لاحظت عليه انه هدأ بشكل كبير فقررت بشأنه قراراً كنت متأكدا انه لن يعجب احداً فقلت بصوت جهوري يسمعه القاصي والداني: لقد دلف هذا البشري الى ممالك الذئاب عن طريق الخطأ لذا قررنا العفو عنه والسماح له بالعودة الى عالم البشر فاشتعلت الهمهمات بين الحضور ثم تجرأ احدهم وصاح قائلا: كيف تسمح له بالعودة الى عالمه بعد تجرأه للدخول الى عالمنا  لابد وان يقتل فقلت: لطالما ذهب الكثيرون منا الى عالم البشر  و....... فقاطعني: ولكنهم ضعفاء لايمكنهم اذيتنا ابداً فصحت قائلا بغضب: الا ترون انه من الظلم ان يتباهي المرء بقوته على ضعيف لا حول له ولا قوة ثم تابعت باصرار وحزم: سيعود هذا البشري الى عالمه وانتهى الامر ثم اشرت للجنود ان يعيدوه الى الكهف الذي اتى منه ولكنه قال معارضاً: هلا سمحت لي يا سيد الذئاب ان ابقى في عالمكم ثم تابع برجاء لما رأي الدهشة في عيني: ارجوك سيدي فلا احد ينتظر عودتي في عالمنا. وكالاحمق وافقت على طلبه رغم الاعتراض الذي ابداه الجميع عاش الراعي بيننا وكان مسالماً على عكس المتوقع منه وبعد مضي عام على وجوده بيننا  حدث ما كنا نخشاه اذ تزوج من احدى فتيات ممالك الذئاب فنحن نستطيع التشكل في هيئة البشر بسهولة كان عمر ميسرة حينها حوالي ثلاثين عام بينما كان عمرها حوالي مأتي وخمسين عام ولا عجب اذ نحن نعيش لسنوات كثيرة ولكن لا يبدو اثر ذلك علينا فلا نشيخ ولا نفقد قوانا  ابداً بل قد يعيش الواحد منا لآلآف السنين دون ان يتغير شكله او ان تخور قواه ولكن الاسوأ حدث بعد مضي حوالي عامين من زواجهما اذ انجب الراعي فتاة بشرية بكل المقاييس أسماها زمرد فأمرت بقتلها على الفور اذ كنت اخشى ان يتكرر الامر بين اهل ممالك الذئاب فيختفي اثرنا ولن يبقى لنا وجود ولكني تراجعت عن ذلك رفقاً بحال الراعي الذي كان يبكي بقوة وليتني لم افعل ذلك فبعد مرور حوالي خمسة وعشرين عاماً على ولادتها وبينما انا اتجول في احد المروج اذ ظهرت  امامي فجأة من العدم ثم اقتربت مني بدلال وهي تقول: كيف حالك جلالة الملك؟ لم اجبها وتابعت طريقي دون الاكتراث لها فعادت امامي من جديد وتابعت بنفس اسلوبها: مابك تتجاهلني سيدي؟ الا ترى جمالي؟ كانت بالفعل فاتنة ولكني لم اشأ ان اخطئ مثل هذا الخطأ ابدا فدفعتها بيدي بعيداً وانا اقول بحدة: ابتعدي عني يا ابنة الراعي فان اختلط عالمنا بعالم البشر واصبح النسل الجديد خليط من كلا العالمين وجميعهم مثل ابنة الراعي فأين نحن من هؤلاء البشر؟ ولكنها لم تبتعد بل اخذت تقترب مني اكثر حتي اصبحت ملاصقة لي تماما ثم تابعت وهي تبتسم ابتسامة رقيقة: لا استطيع سيدي فأنا احبك عند هذا الحد لم اتمالك نفسي وصرخت فيها بغضب: ابتعدي عني ايتها اللعينة والا نفيتك الى عالم البشر دون رجعة فتجهم وجهها وعادت من حيث اتت ثم عدت الى القصر وفي نيتي اعادة الراعي وابنته الى عالم البشر وفي اليوم التالي فوجئ الجميع بمقتل الراعي وزوجته واختفاء ابنة الراعي التي بحثنا عنها في كل ممالك الذئاب ولكن لم يعثر عليها احد ثم خطر على بالي امر اردت التيقن منه وهو هل يمكن ان تكون قد ذهبت الى عالم البشر؟ فذهبت الى الكهف الذي اتى منه ميسرة الراعي ودلفت اليه فوجدت المنطقة التي قال الراعي انه قد خرج منها في جوف الارض اذ كانت تعلو وتهبط فلامستها بيدي فشعرت بيدي تنجذب الى اسفل ولكني لم اقاوم ذلك الجذب بل سمحت له ان يأخذني الي نهايته التي كانت عبارة عن فتحة دائرية الشكل دفعت الى خارجها دفعاً كانت ساحة عظيمة كما وصف الراعي ووسط تلك الساحة يوجد جسم اسطواني يشبة البئر كما وصف ايضا ثم رأيت سرداباً يمر في احد جوانب الساحة فعرفت انه السرداب الذي عبره الراعي فعبرته حتى وصلت الى الكهف وهناك وعلى ارضية الكهف عرفت ان ابنة الراعي قد خرجت الى عالم البشر اذ وجدت اثر خطواتها فتنهدت بارتياح لرحيلها فلم اكن احب وجودها بيننا رغم قبولي لوجود والدها من قبل ثم عدت الى ممالك الذئاب مرة اخرى وامرت بسد باب الكهف بالصخور والقطر المذاب.                             ******* الف عام مضت على حكمي لممالك الذئاب كنت فيها صاحب القوة العظمى فلم يكن هناك من هو اقوى مني في كل ممالك الذئاب  وفي احد الايام كنت بالقرب من كهف الراعي كما اطلقنا عليه منذ دلف الينا الراعي فاتسعت عيناي فجأة اذ رأيت ابنة الراعي تسير باتجاه الكهف فلاحظت ان باب الكهف لم يعد مغلقا فسرت خلفها حتى دلفت الى الكهف فدلفت خلفها ثم عبرت البوابة فعبرت انا الاخر ولما وصلت الى الجانب الاخر لم اجدها فأسرعت باتجاه السرداب لألحق بها ان كانت عبرته ولكني وصلت الى الكهف ولم اجدها ثم شعرت بمن يضربني على رأسي ضربة قوية فلم ارى بعدها شيئا حتى فتحت عيني في تلك الحجرة. قطع علي شرودي صوت السيد عدنان الذي كان يقف بالقرب من الفراش فنظرت نحوه ولما لاحظ شرودي قال مبتسما: فيم شردت؟.... ثم تابع: كنت اسألك عن اسمك فقلت دون تفكير: الحارث.... فجلس على طرف الفراش واسند طبقاً كان به بعض الحساء على الارض بجوار الفراش وقبل ان ينبس احدنا ببنت شفة عادت الآلآم لرأسي من جديد فرفعت يدي لأمسك برأسي فشهقت عالياً وقد اصابني الذعر فقد كانت يداً بشرية حملقت بها طويلا حتى قال السيد عدنان قلقا: هل انت بخير؟ ولما لم اجب امسك بيدي الاخرى وهو يقول: ماذا بك يابني؟ شعرت بيده التي تمسك بيدي ولكني لا ارى يدي ابدا ثم نظرت في عيني السيد عدنان وازدردت ريقي بصعوبة ثم قلت بصوت مرتجف ضعيف: احتاج للراحة فتفهم الرجل ذلك و خرج من الحجرة وفور خروج الرجل من الحجرة وثبت عن الفراش واخذت احدق بكلتا يدي ثم نزعت القميص الذي كنت ارتديه وهمست الى نفسي غير مصدق: مستحيل واخذت انظر الى جذعي العاري الذي لم اكن عليه من قبل وقلت: كيف حدث ذلك؟ فأنا وإن كنت أستطيع التحول لهيئة البشر ألا أنني لم أقم بذلك في ذلك الوقت ثم تمالكت نفسي واعدت ارتداء قميصي وخرجت من الحجرة ردهة صغيرة الحجم بها طاولة صغيرة جانبية وضع حولها مقعدين كان هذا اول مكان وطئته قدماي بعدما خرجت من الحجرة فوجدت السيد عدنان يقف بالقرب من باب الحجرة فرمقته بنظرة شك وقلت: لماذا تقف هنا؟! كان وجه السيد عدنان يمتلك مسحة من الطيبة والسماحة فقال بنبرة حانية: لما رأيتك تحدق بيدك طويلاً خشيت ان يكون عقلك قد تأثر بتلك الضربة فآثرت البقاء قريباً منك خشية ان تفقد وعيك من جديد لا اعرف لماذا شعرت بالالفة تجاه السيد عدنان فابتسمت وقلت ممتنا: شكرا لك بادلني السيد عدنان الابتسامة ثم قال: من اي البلاد انت؟....... يبدو من ملامحك انك غريب عن جنوب أكاسيا صمت مفكرا ثم قلت: انا من الشمال بعد ذلك تحدثنا حديثا طويلا عرفت خلاله ان السيد عدنان يعيش في هذا البيت الذي اختاره لنفسه في وسط الغابة بعيدا عن البشر الذين عانى منهم كثيراً وبينما نحن نتحدث إذ سألني فجأة: كم عمرك يا حارث؟ صمت فلم اكن اتوقع سؤالاً كهذا ثم نظرت نحو السيد عدنان فوجدته ينتظر جوابي فقلت في داخلي ان اخبرته ان عمري يزيد عن الألف عام فسيكون متأكداً اني فقدت عقلي اذ ان البشر بالكاد يقتربون من التسعين فقلت لأعرف الجواب منه: كم تتوقع ان يكون عمري؟ صمت مفكرا ثم قال: ثلاثين عاماً على الاكثر فعرفت اني شاب في عالم البشر فقلت موافقاً على كلامه: توقعك في محله ثم اخبرني انه سيخرج الى الغابة ليحتطب فطلبت ان اذهب معه فاعترض متعللاً باصابتي ولكني اخبرته انني بخير فخرجت برفقته رغم عدم اقتناعه بالامر مررنا في اثناء سيرنا ببركة ماء فأردت رؤية وجهي فجثوت على احدى ركبتي بالقرب من البحيرة ونظرت الى وجهي فرأيت عينان حادتان تشبهان في حدتهما عيون الذئاب توقعان الرعب فيمن يطيل النظر فيهما فشعرت بالضيق ثم نظرت نحو السيد عدنان فوجته قد ابتعد فارتشفت رشفة من ماء البركة ثم غسلت وجهي ولحقت به مكثت مع السيد عدنان في بيته وسط الغابة حتى توفي بعد بضعة اعوام لم اكن اختلط بالناس كثيرا اذ لاحظت مع مرور السنوات اني لا اتقدم بالعمر ابدا رغم مرور اعوام تجعلني كهلاً الا اني كنت لا ازال شاباً لا يزيد عمره عن الثلاثين عام كنت في الاعوام الخوالي اذهب الى الكهف الذي خرجت منه علني استطيع العودة ولكن ما ان تطأه اقدامي حتى اشعر بوخز قوي في كل جسدي يتسبب في اغمائي وعندما افيق اجدني ملقي باهمال في وادي الذئاب وكأن الجبل يلفظني خارجه حتى فقدت الامل في عودتي الى ممالك الذئاب مرة اخرى فقبلت بالعيش بين البشر ورضيت به حتي حدث امر غريب بعد ما يقرب من المأئة عام من ولوجي عالم البشر كنت كثيراً ما أتنقل بين الشمال والجنوب ولكن مستقري كان في بيت الغابة وفي احد الايام التي كنت فيها في الجنوب كنت اتجول بالقرب من وادي الذئاب فلفت انتباهي وجود عربتين ملكيتين ومجموعة من الفرسان القريبين من البلاط قرب الجبل الذي يوجد به كهف الراعي فدنوت بحذر حتي لا ينتبه احدهم فسمعت جماعة الفرسان يتحدثون بصوت منخفض عن متحولين يشبهون الذئاب فدق ناقوس الخطر في رأسي وخشيت ان يحدث ما خطر على عقلي وبينما انا كذلك اذ خرج الملك ووزيره الذي هو ابنه من داخل الكهف ثم اقتربا من جماعة الفرسان وقال الملك بحدة: لا اريد لأحد ان يعلم بأمر هؤلاء المتحولين فأومأ الفرسان ايجابا ثم تابع: ان اقترب احد من هذا الجبل لا تتردوا في قتله ابداً هل هذا واضح ثم غادر على الفور انتشر الفرسان حول الجبل وعند باب الكهف كالجراد فبيقت في مكاني ولم اتحرك منتظرا ان يغفلوا عن الجبل لحظة واحدة فأذهب الى الكهف وانظر ماذا يحدث في الداخل ولكن ما حدث في تلك اللحظات هو ما جعل اعينهم تتسع رعبا وقلوبهم تكاد تغادر صدورهم من شدة الخوف اذ انطلق عواء رهيب من داخل الكهف لم يحدث ان سمعت عواء في مثل قوته من قبل شعرت في الوقت ذاته بألم حاد في كل انحاء جسدي ثم سقطت على الارض دون حراك ولكني كنت متيقظا فرأيت ابنة الراعي تقف بالقرب مني وعلى وجهها ابتسامة خبيثة فعرفت انها سبب ما حدث لي الان فشعرت بالغضب ولكني لم املك فعل شئ فقد كنت مقيدا ولا استطيع التحرك ابداً حتى حل الليل. بعدما حل الظلام وتحديداً عند منتصف الليل حضر الى وادي الذئاب فيلق ضخم من الجنود والفرسان كما احضروا عددا كبيرا من العربات التي كانت تحمل اقفاصا حديدية ضخمة ثم بدأوا في اشعال المشاعل لتنير الطريق المؤدي للكهف ثم اخذوا يخرجون جنود ممالك الذئاب من داخل الكهف وقاموا بوضعهم في تلك العربات ذات الاقفاص وانطلقوا بهم الى حيث لا اعلم بعدها فقدت وعيي ولم استيقظ الا بعد ايام                             ******** اللعنة قلتها وانا اكز على اسناني غاضبا فلما صعدت الى الجبل واردت الولوج من باب الكهف وجدته مغلقا بجدار بني من الصخور والقطر المذاب فلم اقدر على فتحه ابدا فقد ضعفت قوتي بعد خروجي من ممالك الذئاب هبطت الى ارض الوادي ثم عدت الى البيت وانا افكر فيما قد يفعله الملك وجنوده بجنود ممالك الذئاب ولما وقع في قلبي انهم قد يستغلون قوة الذئاب في تحقيق اغراضهم الدنيئة صحت بغضب: ما احقر نفوس البشر!........ وبالفعل حدث ما توقعته اذ ادعى الملك انه حاكم وحوش وولف والعجيب انهم خضعوا له ثم قام بنشرهم في كل ارجاء المملكة كان عدد الوحوش الذين تم اخراجهم من الكهف كبير جدا اذ يزيدون عن الثلاثة الاف فاضطررت للرحيل عن اكاسيا وقصدت ابعد الممالك عنها مملكة ايبرس اذ لم اكن استطيع العيش في اكاسيا وابنة الراعي تتحكم في كما لو كنت لعبة بين يدي طفل صغير والادهى انها سلبتني قواي وحصرتها داخل قلادة لعينة ووضعتا حول عنق ذلك الملك فأصبح هو ملك الذئاب وصلت الى ايبرس بعد مضي يومين اذ ذهبت اليها عبر الغابة التي تقع غرب اكاسيا اقمت هناك في منطقة تسمى رسال كانت قريبة من بحر آبي العظيم وكنت كما انا لا اختلط بالناس الا نادراً  وفي احد الايام وبعد مضي سبعة اعوام كان هناك هجوم من اكاسيا على المملكة ولكن سكان المملكة قاوموهم ببسالة ولم يسمحوا لهم بالتوغل داخل ارضهم اكثر لم يكن ذلك ليعجب اكاسيا المتسلطة والتي ترى نفسها صاحبة القوة الاعظم في هذا العالم لذا قامت بضرب ايبرس بسلاح اقوى وهو المتحولين كما كانت تطلق عليهم اذ كانوا يعتقدون ان أولائك الوحوش بشر قد تحولوا بطريقة ما الى هذه الهيئة فكانوا يطلقون عليهم اسم المتحولين فحاربوهم بهم وكانت تلك اقسى حرب عرفها البشر استمرت تلك الحرب لعشرة ايام متواصلة ذاق خلالها سكان ايبرس اقسى الوان الذل وكادوا ان يهلكوا جميعاً كنت في اليوم العاشر من ايام الحرب موجودا في وسط ايبرس بين الناس الذين باتوا ينتظرون مصير من سبقوهم ممن التقوا بالمتحولين وجها لوجه سواء كان ذلك شجاعة منهم او قدراً ساقهم الى حتفهم فلم يعد هناك مهرب منهم والموت قادم لا محالة اذ سمع الجميع عواءهم الذي باتوا يعرفون وكأنه نداء الموت ثم خرجوا من الاروقة والازقة  واخذوا يهاجمون الجميع فبات الكل يصرخ وبات الخوف سيد الموقف أما بالنسبة لي فلم اكن خائفا وكيف اخاف وانا احد هؤلاء وقد كنت سيدا عليهم فيما مضى؟ وفي لحظة نسيت فيها اني لم اعد ملك الذئاب وقفت امامهم وانا اصرخ بأعلى صوتي: توقفوا فتوقفوا  اصابني الذهول ولم اصدق انهم استجابوا لأمري ثم وجهوا انظارهم باتجاهي فادركت في تلك اللحظة اني هالك لا محالة ولكني رأيت في عيونهم نظرة اعرفها جيدا فهمست الى نفسي غير مصدق: لا زالوا يعرفونني فاستعدت ثقتي التي فقدتها واستعدت رباطة جأشي وصحت عاليا: توقفوا ولا يمسن احد منكم بشريا بسوء فانطلقوا عدوا عائدين من حيث جاءوا وانتهى بهم المطاف في صحراء ايبرس الكبرى حتى هلكوا جميعا فأمر ملك ايبرس ببناء بيت كبير للشاب الذي استطاع التصدي لهؤلاء المتحولين فأصبحت قريبا من البلاط الملكي واصبح لي مكانة كبرى بين اهل ايبرس واصبحت ادعى السيد الحارث فشعرت بالسعادة لهذا ولكني كنت حزينا لما حل بالوحوش الذين لقوا حتفهم اذ لم يكونوا يستحقون ذلك بل من تحكم بهم وامرهم بقتل الابرياء هو من يستحق الهلاك اصبح اليوم الذي هلك فيه الوحوش عيداً تحتفل به ايبرس كل عام لمدة عشرة ايام متواصلة كما استمرت الحرب لعشرة ايام وفي الاحتفال بالذكرى الاولى لهذا النصر فعلت شيئا لم اكن اتخيل اني قد افعله يوما فقد تزوجت باحدى فتيات ايبرس التقيت بها في احد الايام حينما كنت اتسكع في سوق ايبرس كانت تتشاجر مع احد الباعة بعدما اخبرها بثمن الغرض الذي تريده ولم يعجبها ابتسمت وانا اراها تفعل هذا واعجبني اصرارها على ما تريد ورغم احتدام الموقف وتجمع الناس الا ان البائع خضع لرغبتها وباعها الغرض الذي تريد بالثمن الذي تريد ثم انصرفت وانصرف الجميع مكثت طوال الليل افكر في تلك الفتاه وما فتئت اصرفها عن عقلي حتى تعود اليه من جديد. لا انكر شعور السعادة الذي كان يراودني كلما مر طيف تلك الفتاة على رأسي كنت ممدا على الفراش محملقا في سقف الغرفة بينما عقلي شارد في فتاة السوق ويبنما اتخيلها تقف امامي مبتسمة اذ تبدلت ملامحها فجأة وتحولت الى وجه اعرفه وابغضه... فوثبت عن الفراش كانت تقف امامي تبتسم ابتسامتها الخبيثة التي اكرهها ثم تجهم وجهها فجأة وقالت بحدة: اتعجب بفتاة من البشر؟........لقد كنت امامك وحاولت كثيراً ان احظى ولو بجزء من مشاعرك ولكنك كنت قاسياً ولم ترأف بقلبي الذي احبك ورغب بك خشية ان يندثر الذئاب ويحل البشر محلهم ثم تابعت وهي تصيح بصوت حاد كمن يحتضر: ماذا بعد ان صرت بشرياً؟ الم يعد يهمك الامر؟ لم يعد هناك فرق؟ ثم دارت حولي وأكملت: ماذا ان تزوجت بها وانجبت منها طفلاً؟..لمن سيكون انتماء هذا الطفل برأيك؟... للبشر ام الذئاب؟ لم اجد الجواب المناسب لسؤالها فقد كانت محقة...ولكن ماذا سأخسر بعدما فقدت هيئتي وصرت بشرياً  ولما لاحظت صمتي قالت بتهكم وهي تبتسم: لا تجد ما تقوله اليس كذلك؟ ..ولكني سأخبرك بسر صغير يا ملك الذئاب................ انت لم تعد وحشاً ثم اطلقت ضحكة عالية و تلاشت من امامي كالدخان.                         ********** شعور بالغضب يخالطه شعور بالهزيمة وشعور بالحيرة شعور بالوحدة رغبة عارمة في البكاء كل هذه المشاعر كانت تتأجج في داخلي يبدو انني لطول المدة التي مكثت فيها مع البشر اصبحت اشعر بنفس شعورهم والاسوأ اني صرت افكر مثلهم جلست على طرف الفراش افكر فيما قالته ابنة الراعي فما اعرفه ان ما قالته حقيقي فأنا لم اكن اتوهم وجودها بل كانت امامي حقيقة بدأت انفاسي تضيق فذهبت الى النافذة وفتحتها عن اخرها واخذت التهم الهواء التهاما علني استطيع التنفس بشكل افضل ولما عادت انفاسي الى طبيعتها عدت وتمددت على الفراش واخذت افكر في الامر بهدوء حتى غلبني النعاس وسط وادي الذئاب اقف محدقا بالجبل الذي يقبع به كهف الراعي دلفت الى الكهف ثم عبرت السرداب الذي كان مضيئا وكأن الشمس تشرق من جانبه الاخر ووقفت في وسط الساحة شع نور قوي من داخل البئر فاغمضت عيني على اثره ثم فتحتها ببطء فوجدت النور قد انقشع ثم رأيت عبارة مكتوبة على أحد جدران الساحة وهي:       ..يعود ملك الذئاب بوجود شبيه من نسله.. ثم انقشعت وكتبت عبارة غيرها وهي:      ..دماء ابنة الراعي مفتاح لبوابة ممالك الذئاب.. ثم عاد النور القوي من جديد فأغمضت عيني مرة اخرى وعندما فتحتها كنت لا ازال ممدداً على فراشي فقلت محدثا نفسي: هل كان ما رأيته حقيقة ام انني كنت احلم؟ ظللت كذلك افكر بالامر حتى رأيت فتاة السوق تتشكل امامي من العدم فنسيت الامر الذي كنت افكر به كانت تبتسم برقة وعذوبة فلم استطع منع نفسي من ان انجرف خلف قلبي فخرجت من البيت وذهبت الى السوق قاصداً البائع الذي كانت تتشاجر معه بالامس والذي ما ان رآني حتى صاح مهللاً ومرحِّباً بي وهو يقول: مرحباً بالسيد الحارث انه لشرف لي ان تنال بضاعتي المتواضعة اعجابكم لم احب اطرائه الزائد عن الحد ... فلقد رأيته نفاقا فابتسمت له مجاملاً ثم قلت: كنت اود ان اسألك عن الفتاة التي كانت تتشاجر معك بالامس فتجهم وجهه وقال: اللعنة عليها في كل مرة تأتي عندي لشراء شئ تفتعل شجاراً قوياً بسبب الثمن الذي لا يعجبها ولا ترحل حتى تأخذ الغرض الذي تريد بالثمن الذي ترتضيه فأشحت بوجهي بعيداً عنه لأخفي ابتسامة زينت ثغري، لاحظ ما فعلته فسألني متعجبا: ولكن لماذا تسأل عنها؟ فقلت بحدة و بوجه جامد: ليس من شأنك.....اخبرني اين تعيش فقال بضيق لا اعرف اين تعيش ولكني اعرف اين تعمل فسألته مندفعا: اين؟ قال وقد كسا ملامحه التعجب: اذهب الى بيت السيدة خولة صانعة السجاد واسأل هناك عن فتاة تدعى سبيل وبالفعل ذهبت الى بيت خولة والذي كان مكونا من طابق واحد وكان محاطا بسور كبير مما يدل على عظم مساحته                         ************ سرت بمحاذاة السور حتى وصلت الى بوابة ضخمة بعض الشئ فوقفت امام تلك البوابة فوجدت ساحة كبيرة تمتلئ بكم هائل من فراء الخراف مقسمة الى اكوام وخلف كل كومة تقف من خمسة الى ستة من الفتيات واللاتي يقمن بتجهيز هذا الفراء ليتم غزله وما ان وطئت قدمي داخل ذلك المكان حتى التفتن جميعاً اليَّ واخذن يحدقن بي  بحثت عنها بعيني فلم الحظ وجودها فقلت بصوت متحشرج لطول صمتي: ابحث عن سبيل فاشتعلت الهمهمات بينهن وبدا على وجوههن الوجوم والضيق وكأن كل واحدة منهن كانت ترغب في ان تكون هي من ابحث عنها  ثم سمعت من تصيح بحدة: عدن الى عملكن وتوقفن عن الثرثرة خرجت صاحبة الصوت من بينهن كانت امرأة بدينة في العقد الخامس من عمرها كان يبدو عليها التغطرس والتعال ما ان وقفت امامي حتى نادت على فتاة في الخامسة عشرة وقالت بحدة موجهة كلامها الي: اخبرها بطلبك وخذ منها موعدا للاستلام  وارحل ثم همت بالمغادرة فأوقفتها سائلاز: انت السيدة خولة؟ رمقتني بنظرة استعلاء وهي تجيب سؤالي بالنبرة ذاتها: الا تعرف السيدة خولة اشهر صانعة سجاد في ايبرس كلها؟ ضايقني اسلوبها فقابلت غرورها ببرود وقلت: لا فسألتني بحنق: ماذا تريد؟ ـ سبيل فصاحت بصوت عال وحاد: سبييييييييييل لا اعرف ان كانت قد خرجت من بين الركام ام انها كانت امامي منذ البداية فلقد وجدتها امامي بمجرد انا نادتها تلك المرأة الشمطاء ـ انظري ماذا يريد وتعجلي يكفيكي تلكؤاً قالتها خولة قبل ان تهم بالمغادرة لترد عليها سبيل بحدة: انا لا اتلكأ لا احد هنا يعمل بمهارتي اشاحت خولة بوجه ممتقع ثم غادرت وقفت سبيل امامي باحترام وقالت بصوت رقيق لدرجة اني ظننت في بادئ الامر ان هناك فتاة اخرى تتحدث: بماذا تأمر سيدي؟ فغرت فاهي من جمال صوتها ثم قلت لما شعرت انها لاحظت بلاهتي: انت انعقد ما بين حاجبيها وقالت محاولة استيعاب ما اقصده: ماذا قلت سيدي؟ لاقول مندفعا كالابله: اريد انت كانت الدهشة تكسو ملامحها فأردفت: اقصد...............هل تقبلين الزواج بي؟ لم تكن الوحيدة التي اصابها الذهول في ذلك الوقت فجميع من في ذلك البيت كن مذهولات في تلك اللحظة وكن ينتظرن جوابها فقالت بعد طول صمت: سأفكر فأخذت الفتيات يتغامزن فيما بينهن فقالت السيدة خولة وهي ترقبني بنظراتها الثاقبة موجهة كلامها لسبيل: سبيل من يكون هذا الفتى؟ فأجابتها سبيل وقد توردت وجنتاها خجلا: انه السيد الحارث تبدلت ملامح السيد خولة الى الذهول واتسعت عيناها ثم قالت معتذرة: اعتذر منك ايها السيد لم اكن اعرف فتجاهلت ما قالته وسألت سبيل عن رأيها فقالت السيدة خولة نيابة عنها: بالطبع موافقة فمن الحمقاء التي ترفض الزواج من السيد الحارث؟ فقلت متلهفاً: ماذا قلت؟ لتبتسم في خجل  وتقول بصوت خفيض بالكاد يسمع: موافقة فههلت جميع الفتيات في سعادة ثم التففن حول سبيل يضحكن ويهنئنها بهذا الزواج الذي يرونه شيئاً عظيماً اما بالنسبة لي فقد كنت سعيداً جداً الا ان شيئاً في داخلي كان يلومني لانني اخفيت عنها حقيقتي كان الاحتفال بالزفاف في اليوم الاول من الاحتفال بالذكرى الاولى للنصر على المنحولين كما أسموهم وقد كان زفافا اسطوريا شهده كل سكان ايبرس اما في الذكرى الثانية لذلك النصر كنت احتفل بين المحتفلين بأغلى ما وهبته لي الاقدار، جرير ولدي واغلى بشري على قلبي به نسيت لأي عالم انتمي بل احببت كوني بشرياً لذا عندما اتم العاشرة اخبرته بحقيقتي ففرح جداً وصاح بأعلى صوته: سأكون قوياً جداً عندها ادركت ان جرير ما يزال طفلاً ولم يستوعب ما قلته ولكني قلت في داخلي..غدا سيكبر وسيفهم معنى ما قلته له..وفي الان نفسه ادركت انه كان من الافضل الا اخبره بشئ فقلت له محذراً: لا تخبر احداً بهذا السر ابدا. يا جرير والا ستكون العواقب وخيمة لم يستوعب ما قلته فأردفت: لو  علم احد  بهذا السر يا صغيري فسوف اقتل فشهق جرير عالياً وقال بخوف وهو يحتضنني: لا لن اخبر احداً بهذا السر مهما حدث ثم اجهش بالبكاء في تلك اللحظة دلفت الينا سبيل ثم قالت مستغربة لما رأت دموع جرير: ماذا حدث؟ لماذا يبكي جرير؟ فنظر الي نظرة مفادها: وحتى عن امي؟ فأومأت له ايجابا دون ان تلحظ سبيل ذلك ثم اجبت على سؤالها: لقد فعل شيئا خاطئا وعاقبته عليه لذلك كان يبكي لم افهم سر نظرات سبيل ولكنها بالنسبة لي لم تكن تحمل الا شيئاً واحداً وهو انها سمعت ما اخبرت جريراً به ولكني لم ارد تضخيم الامر لئلا اكون متوهما وافتح على نفسي باباً لا استطيع اغلاقه ابدا فبقيت صامتاً ولكني في الايام التالية صرت متأكداً انها سمعت ذلك الحوار الذي دار بيني وبين جرير اذ رأيتها ذات يوم تقرأ في هذا الكتاب الذي اكتب فيه الان رغم اني كنت اخفيه بعيداً عنها الا اني لا اعرف كيف وصل الى يدها ولما رأيتها لم تسرع باعادته حيث كان بل ظلت تقرأ فيه امامي وكأنها تتعمد ذلك فتظاهرت بعدم الاهتمام ثم قمت باخفاء الكتاب مرة اخرى بعد أن تركته لكن ما حدث بعد اسبوعين كان هو ما قطع الشك باليقين عندي بأنها باتت تعرف بالامر فقد كانت في زيارة لبيت السيدة خولة للقاء بعض رفيقاتها كنت جالسا على الاريكة افكر في امر ما عرفته سبيل وكيف سأتصرف ان جاء يوم واضطررت للمواجهة معها بأمر ما عرفته فكيف سابرر موقفي؟ بل ماذا سأفعل ان عرف احد بذلك؟ كيف سأقنعهم بكوني لم اكن على علم بأمر هجوم المتحولين ولا دخل لي به؟ في تلك الاثناء دلفت سبيل الى البيت ثم قامت بالقاء التحية وعلى وجهها ابتسامة مصطنعة، فأنااستطيع معرفة ذلك ثم قامت بوضع جراب قماشي كان بحوزتهاعلى الطاولة التي تتوسط ردهة البيت ثم صعدت الى الطابق الثاني بينما تعلق بصري بذلك الجراب وما يخفيه داخلة فنهضت عن الأريكة وسرت باتجاه الطاولة وانا اراقب الدرج خشية ان تأتي سبيل في اي لحظة فتحت الجراب القماشي ونظرت داخلة فرأيت كتابي وقفت مصدوما لا اصدق ان سبيل قد تكون وشت بي شعرت بالغضب وكدت امزق الكتاب الذي بين يدي حتى اني فكرت في قتل سبيل انتقاماً ولكن ما اوقفني هو صوت جرير وهو يصيح في مرح ففكرت في الامر للحظة وقلت في داخلي: لو قتلتها واصابني مكروه ما فماذا سيحدث لجرير؟ اقترب مني فجثوت عل ركبتي امامه ثم قبلت وجنتيه ومسحت على رأسه ثم قلت بعطف: كن قويا يا جرير وانتبه لنفسك يا بني فقال جرير مستغربا: ابي ماذا حدث؟  لم تقول ذلك؟ فابتسمت ابتسامة مريرة وقلت: لا شئ يا حبيبي فقد أشعر بالقلق ليضع كفه الصغير على صدري ويقول ببراءة: كن مطمئنا يا ابي ولا تقلق من شئ ابدا؛ فأنت رجل صالح ولا اظن ان احدا قد يفكر في ايذائك يوما ضممته الى صدري فهبطت عبرة من عيني وسقطت على قميصه فشربها على الفور في تلك الاثناء هبطت سبيل الدرج فقالت بتذمر لما رأتنا متعانقين: اوليس لي نصيب من هذا العناق؟ بالطبع قالها جرير وهو يبتعد عني قليلا ويفتح زراعه عن اخره سامحا لها بمشاركتنا العناق فجاءت الينا مهرولة وهي تلف احدي يديها حول جذعي والاخر حول جرير فالتقت نظراتنا فرأيت في عينيها بغضا لم اره من قبل فشعرت بالحسرة                               ******* اشد انواع الغدر ايلاما تلك التي تأتيك ممن تتوقع منه الحب والحماية دلفت الى البيت بعد وقت طويل من اللهو واللعب فوجدت ابي يقف في ردهة البيت وفي يده كتاب يحدق فيه وقد كان بادياً على وجهه مزيج من الحزن والغضب. كنت اصيح مناديا اياه وانا اركض نحوه ولما وقفت امامه وضع الكتاب فوق الطاولة ثم جثا على ركبتيه امامي وقبل وجنتي ثم مسح على رأسي واوصاني بأن انتبه لنفسي واشياء من هذا القبيل فسألته عن سبب ما يقوله مستغربا فطمأنني وقال انه يشعر ببعض الضيق فوضعت يدي على صدره وطمأنته ان كل شيئ سيكون بخير وكيف لا وانا اعرف ابي واعرف قدره بين الناس واعرف كيف يحبونه فضمني الي صدره بقوة دون ان يبنبس ببنت شفة في تلك اللحظة كانت امي تهبط الدرج وقالت باعتراض لما رأتنا متعانقين: اوليس لي نصيب من هذا العناق؟ فابتعد عن والدي قليلا ثم فتحت زراعي عن اخره وكأني اخبرها بذلك ان لها نصيب فابتسمت وجاءت الينا مهرولة ثم عانقتني وابي فكان قلبي سعيد بهذا الجمع الدافئ ولكن لم اكن اعرف ان القلبين الاخرين في تلك اللحظ قد جفا احدهما حد الكره والاخر قد تحطم وبات ينزف متألماً بعد ذلك العناق وضعت امي الطعام فجلسنا حول الطاولة نأكل ولكن انى لي ان استسيغ طعامي وانا ارى ابويَّ لا يقربان الطعام الا قليلاً وبعد الانتهاء من تناول الطعام ذهبت الى غرفتي لأنام وكذا والديَّ ايضا قد ذهبا الى غرفتهما وفي اليوم التالي استيقظت من نومي وخرجت من غرفتي فوجدت ابي يجلس في غرفة مكتبه ويخط بيده في كتابه ما ان راني حتى توقف عن الكتابة ثم ابتسم واشار لي بيده ان اقترب ففعلت ولما دنوت منه وضعني على فخذه وقبل وجنتي ثم اخذ يتحدث الي بكل حب وطوال حديثنا لم تفارق البسمة شفتيه وبين الحين والاخر كان يضمني الى صدره وعند المساء جلسنا نتناول عشاءنا فكان ابي يطعمني بيده لا اعرف لماذا احسست بانقباضة في صدري في ذلك الوقت ولكني لم اصرح بذلك امام والديّ ولذت بالصمت انتهينا من العشاء فقامت امي برفع الطعام عن الطاولة ثم قالت وهي تسير باتجاه الدرج: هيا لتنام يا جرير فقلت وانا اضرب قدمي بالارض معترضا: سأبقى مع ابي فرمقتني بنظرة حادة ثم صعدت الى الاعلى كان ابي يجلس على الاريكة عائدا برأسه للخلف مغمضاً عينيه، اسرعت نحوه ثم تمددت الى جواره واسندت رأسي على فخذه فأخذ يداعب غرتي بيده ثم اخذنا نتسامر حتى غلبني النعاس ولم اشعر بشئ استيقظت فزعاً على صوت جلبة فدرت برأسي في كل الجهات محاولا استيعاب ما يحدث فوجدتني في غرفتي نائما في فراشي خرجت من غرفتي فتسمرت في مكاني للحظات فلقد رأيت في الرواق الفارق بين الغرف عدداً من الجنود والفرسان يقفون متأهبين وكف كل واحد منهم تقبض على سيفه فطالعتهم بعين متعجبة ثم أسرعت نحو غرفة والدي اذ كانت الاصوات تأتي من هناك وقفت امام الباب فاتسعت عيناي ذهولا ورعبا في الآن نفسه. كان ابي راكعا على ركبيته ومجموعة من الجنود يجبرونه على ذلك بينما يقف ملك ايبرس امام ابي وينظر له بازدراء حتى امي هي الاخرى كانت ترمق ابي بالنظرة ذاتها فصرخ صوت في داخلي: لماذا يا امي؟ ماذا الذنب الذي اقترفه ابي لتفعلي هذا به؟ لقد احبك يا سبيل ثم سحب الملك سيفه الذي كان مستقرا في غمده فالتقت عيني بعين ابي كانت هناك دمعة عالقة في عينه تحاول جاهدة الا تسقط ولكن حينما يكون الالم اكبر من قوة تحملنا فلا لوم على دموعنا. سقطت تلك الدعمة من عينه على قلبي فأدمته في تلك اللحظة غرس ذلك الوغد سيفه في صدر ابي فصاح متألماً بينما صرخت صرخة قوية تصدعت لها جدران البيت كان اكثر ما آلمني هو نظرات امي المتشفية تجاه جثة والدي الثابتة عن الحركة وكأنها كانت تنتظر ذلك اليوم راكضاً خرجت من البيت لا اعرف الى اين تأخذني اقدامي ولكني ابتعدت عن البيت بل وعن المدينة كلها اشرقت الشمس وانا لازلت اركض حتى بلغ بي النصب مبلغه فجلست جوار احد البيوت وانا الهث ثم تذكرت النظرة الاخيرة التي نظرها ابي فانفجرت في البكاء وانا اصرخ بكل ما اوتيت من قوة: اكرهك يا امي؟ لا اعرف متى توقفت عن البكاء ولكني اخذت ابكي حتى اني لا اذكر ان كنت قد نمت ام انني فقدت وعي وحينما فتحت عيني وجدت الظلام قد حل فبقيت في مكاني لا تصدر مني اي حركة منتظراً ان ينتهي هذا الامر وأجدني نائماً في فراشي، ولكن ما رأيته لم ينتهي بل ان اسوأ كوابيسي تحقق في تلك الليلة حينما سرى الليل ووجدت نفسي وحيداً لا احد بجواري فأخذت اصرخ: ابي هل انتهت اللعبة؟ يكفينا لعبا يا ابي فلقد بدأت اشعر بالخوف........ ولما لم اجد سوى صدى صوتي يجيب ندائي انهرت على الارض باكيا فكان ذلك اليوم بليله ونهاره وبكل دقيقة فيه هو اسوأ ايام عمري واكثرها سوادا بعد مضي خمسةعشرعاماً قضيتها على اطراف المملكة لأكون بعيدا كل البعد عن اكثر مكان المني واكثر اناس ادموا قلبي عدت الى المدينة مرة اخرى قاصدا زيارة المكان الذي لطالما جمعني بأحبابي فقد اشتاقت روحي لرؤيتهم فذهبت الى بيت الحارث عل عيني تكتحل برؤية طيفه وصلت الى المدينة وهناك التقيت بأكثر مخلوق اكرهه المرأة التي كانت في يوم من الايام امي لكنها لم تعد كذلك اصطدمت بها دون قصد وانا اسير في احد اروقة المدينة فسقطت ارضا فهرعت لمساعدتها على النهوض اذ لم اكن اعرف انها هي في تلك اللحظة التقت نظراتنا فحملقت بي وقد علت الدهشة ملامحها فقالت غير مصدقة: جرير؟! أشحت بوجهي بعيدا عنها ثم ساعدتها على النهوض وهممت بالانصراف ولكنها امسكت بساعدي واوقفتني ثم وضعت وجهي بين راحتيها وهي تقول بشوق: جرير اشتقت اليك يا بني،  اين كنت؟ تجاهلت ما قالته ولم انظر الى وجهها حتى فكيف اصدق المرأة التي قتلت ابي؟ احتضنتني بيديها وقد اسندت رأسها على صدري وهي تبكي  لم يصدر مني اي رد تجاه ما تفعله فقد كنت صلبا كالجبل قاسيا كالصخر، قالت من بين بكائها: لقد اصبحت رجلا يا جرير ولما لم تجد مني ردا ابعدت رأسها عن صدري ثم نظرت في عيني فوجدتهما جامدتان ولا يوجد اي تعبير فيهما فقالت: جرير ماذا بك؟  لماذا لقاءك بي باردا؟  ثم تابعت: الا تذكرني؟ فنظرت في عينها سريعا ثم ابعدت بصري عنها دون قول شئ فقالت: انا امك يا جرير، الم تتعرف الي؟  .......لقد تعرفت اليك رغم ان ملامحك تغيرت.فكيف لم تتعرف الي وانا لازلت كما انا؟ هنا كسرت صمتي وقلت ساخرا: نعم لازلت كما انت  المرأة القاسية التي قتلت زوجها دون ذنب اتسعت عيناها ثم ابتعدت عني قليلا وهي تصيح بأعلى صوتها: ما زلت تذكره؟ فقلت وقد شعرت بها تطعنني في قلبي بكلماتها: وكيف يمكنني ان انساه؟ فضربتي بكلتا يديها في صدري بقوة وصرخت عاليا: لقد كان ابوك وحشا ثم وضعت يدها على فمها وكأنها انتبهت لصوتها الذي ارتفع فابتسمت بزاوية فمي وقلت متهكما: وحشا..... لقد عشت معه لأكثر من عشرة اعوام ولم ار منه تصرفا واحدا يوحي بأنه وحشا وعشت بين البشر لخمسة وعشرين عاما ولم ار منهم الا افعال الوحوش ثم تابعت باقتضاب: لا تعترضي طريقي مرة اخرى لئلا توقظي الوحش الذي يسكن في داخلي لأنه لن يرحمك ان استيقظ ثم تركتها غارقة في دموعها ورحلت مبتعدا عنها ولم نلتقي بعد ذلك اليوم ابدا وقفت امام الباب وفي داخلي شوق كبير لأن اطرق الباب فيفتحه لي ابي فأرسلت عيني اولى جنودها فانذلقت على وجنتي ولكني حاربتها بكبرياء مقاتل لا يقبل الهزيمة قط فمسحتها باناملي ثم درت حول البيت حتى صرت خلفه وهناك اخذت اتلفت بعيني يمينا ويسارا لأتأكد من خلو المكان ثم اعتليت سور البيت وقفزت داخله دون ان يراني احد هطلت دموعي كالمطر مغرقة وجهي عند اول خطوة خطوتها داخل فناء بيتنا الخلفي فقد كان كل شئ كما رأيته اخر مرة بيد ان الشيجرات التي كانت به قد ماتت وجفت اوراقها وكيف لا تموت وقد مات صاحبها؟ سرت باتجاه البيت اجر اقدامي جرا ثم دلفت الى البيت هناك انهرت على الارض وانا اتذكر لحظاتي مع أبي ما اسوأ القلوب حينما تقسوا فتصبح كالحجارة بل ان من الحجارة لمن يخرج الماء من بين شقوقه نهضت بعد وقت لا اعلم مقداره وصعدت الى الطابق الثاني سرت في الرواق الفاصل بين الغرف وحاولت جاهدا الا اذهب نحو غرفة والديّ ولكن هل كان لقلبي ان يستجيب لنداءات عقلي المتكررة بألا يذهب؟ بالطبع لا لم يستجب فذهبت الى هناك وكان حالي في ذلك الوقت هو الاسوأ اذ عادت المشاهد جميعها امام عيني فصرخت عالياً دون إدراك حينما جاء مشهد مقتل والدي كانت الغرفة المواجهة لغرفة والديّ هي غرفة مكتبه ومكتبته فوقفت عند بابها انظر الى كل شئ فيها بعين مشتاقة فلفت انتباهي كتاب مستقر على الطاولة فدلفت الى الغرفة ودنوت منه كان هو ذاته الكتاب الذي كان ابي يخط فيه في نفس الليلة التي قتل فيها أمسكته وازحت التراب عنه ثم فتحته ولأول مرة اقرأ ما كتبه ابي فاخذت اقرأ واقرأ حتى انتهيت لم افاجأ بشئ مما كان مكتوبا فلقد اخبرني به ابي ولكنه لم يخبرني حول شكوكه نحو امي خرجت من المكتبة وانا احمل كتاب والدي بين يدي وعدت الى غرفة والديّ، فتحت الخزانة واخذت منها مجموعة من المفاتيح جمعت جميعها في حلقة واحدة واخذت اغلق ابواب الغرف واحد تلو الاخر عدا غرفة المكتب التي لم أكن أعرف أين مفتاحها والتي كان بابها يوصد دون الحاجة لمفتاح وما ان انتهيت حتى هبطت الى الطابق السفلي بحثت بعيني عن مكان اخفي فيه مجموعة المفاتيح فلم اجد امامي سوى المزهرية الموضوعة فوق الطاولة التي تتوسط الردهة فوضعتها داخلها ثم خرجت من البيت واغلقت الباب المطل على الفناء الخلفي ثم اعتليت السور متجها الى الخارج فتذكرت اني لم اغلق باب غرفة والديّ فنظرت  باتجاه البيت وانا افكر في العودة لإغلاقه وفي النهاية قررت ان ادعه ورحلت عدت الى القرية التي اقمت بها في السنوات الماضية ولم اعد الى هناك مرة اخرى تزوجت بعد بضع سنوات من احدى فتيات القرية التي كنت اعيش بها وانجبت منها ثلاثة من الابناء اثنين من الذكور وانثى واحدة وهم عمار وغسان وبتول على الترتيب كانوا هم حياتي التي احبها. لم اكن اريد لأبنائي ان يعلموا بسر جدهم ولكن لم استطع ذلك اذ كان لابد وان اخبرهم حتى يتحقق ما اسره الى ابي ذات يوم، وفي كل مرة ارغب في اخبارهم اتراجع  في اللحظة الاخيرة خوفاً من أن يبوح به أحدهم ويتعرضوا جميعاً للخطر ولكني لم أستطع ذلك فكيف سيتحقق ما أسره لي أبي ذات يوم وهو عودته إلى عالمه من جديد، حينما يولد من نسله من يملك عينان حادتان كعيون الذئاب تصيبان من يطيل النظر إليهما بالرعب، ولما لم يولد من أبنائي من يشبه جده أردت إخبارهم بالأمر عسى أن يولد لأحدهم ولد يشبهه فيكون مفتاح باب العودة له حتى كبر أبنائي واشتد عودهم. جاء الي في احد الايام ولدي الاصغر غسان والذي كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما حينها حاملا بين يديه كتاب ابي فوقف امامي وسألني مندفعا وقد كان باديا على وجهه الضيق: ماذا حدث بعدما تأكد الحارث ان زوجته على علم بحقيقته؟ حملقت فيه غير مصدق ان الامر الذي حاولت اخبار ابنائي به ها قد اصبح احدهم يعرفه ـ ابي هل انت بخير؟ انتبهت من شرودي على صوت غسان الذي شعر بالقلق لطول صمتي فابتسمت فرحا وقلت: سأخبرك ثم ارسلته لاخبار شقيقه وشقيقته اني ارغب في رؤيتهما فعاد بعد لحظات برفقتهما جلسنا نحن الاربعة ارضا ثم قصصت عليهم قصة الحارث منذ وطئت اقدام ميسرة ارض ممالك الذئاب حتى مقتل والدي فنهض غسان عن الارض وهو يصيح غاضيا: اللعنة عليهم جميعا  بينما قال عمار وقد بدا على وجهه الحزن: كنت اظن ان الامر مجرد قصة لا صلة لها بالواقع لم اكن اعلم ان هناك انسان قد يعيش مأساة كهذه نظرت اليه نظرة استفهام فاردف: بالطبع هو انسان يا ابي فحتى لو كان في داخله وحش يكفي انه كان انسانا بأفعاله لاحت ابتسامة على شفتي فقد شعرت بالفخر بأبنائي بعد انتهاء حديثنا غادر الثلاثة وبقيت وحدي اسجل في الكتاب ما حدث منذ الليلة التي قتل فيها والدي حتى اللحظة فسوف اعطي هذا الكتاب لأبنائي وسأوصيهم بالحفاظ عليه والا يفرطوا فيه وان كانت ارواحهم هي الثمن فهذا الكتاب نجاة لصاحبه) انتهى مجد من قراءة الكتاب فوجد كل من ريماس وشمس يحدقان به في ذهول فقال باستغراب: ماذا بكما؟! لماذا تحدقان بي هكذا؟! فقال شمس وهو مازال على حاله: عينان حادتان كعيون الذئاب تصيبان من يطيل النظر فيها بالرعب فقال مجد بابتسامة: نعم قرأت هذا فصرخت فيه ريماس بحدة: أيها الأحمق، ألم تنتبه أن هذا الوصف هو نفسه وصف عينيك اتسعت عينا مجد وكأنه انتبه للتو لذلك الوصف ثم قال وقد اصابه الذهول هو الاخر: هل تقصدان..........؟ أومآ إيجاباً فتابع وهو يحدق بالفراغ: هذا يعني أنني أنا الشبيه ثم نهض على الفور وقال بحزم: سأذهب الى الوادي فنهضت ريماس ووقفت امامه ثم قالت باعتراض: لن تذهب مجد باصرار: ساذهب فأنا الشبيه من نسل الحارث ودماءه تجري في عروقي ثم تابع وقد علا صوته بشكل كبير: هل تظنين اني سأبقى في مكاني انتظر عودته ونحن لا نعرف ما يمكن ان يفعله ان عاد؟ وكيف سيكون انتقامه من البشر بعدما أذوه؟ ثم ابتعد عنها وفي داخله اصرار غريب لأن يذهب الى هناك فصرخت فيه بعدما احست بالخطر فيما هو مقدم عليه: ستموت ان ذهبت الى هناك ايهما الاحمق لاحت ابتسامة ماكرة على شفتيه ثم استدار في مواجتهتها وقال بمرح: ان حدث فلا تنسي يوما انك كنت تعرفين شابا يدعى مجد ثم دلف الى داخل البيت وهو يشير لشمس بأن يلحق به فضربت الارض بقدمها وهي تصيح بغضب: احمق امتطى كل منهما صهوة حصانة وانطلقا الى الغابة فوادي الذئاب يقع في الجانب الاخر من الغابة. كان من الصعب الولوج الى الغابة ركوبا لذا ولجا اليها مترجلين حتى وصلا الى وسط الغابة وهناك سمعا اصواتا وهمهمات قوية فقال مجد بصوت منخفض: يبدوا ان الشماليين يريدون مفاجأتنا من جديد فقال شمس الذي استبد به القلق: ماذا سنفعل الان؟....نعود ادراجنا ام نكمل؟ صمت مفكرا ثم قال: عد انت الى الجنوب وقم بتحذير الشباب ليكونوا متيقظين لأي خطر اما انا فسأكمل الطريق الى الوادي وما ان انتهي حتى الحق بك رغم الاعتراض الذي ابداه شمس الا ان مجداً لم يتزحزح عن قراره قيد انمله فاضطر شمس للعودة بمفرده وبينما كان مجد يتقدم بخطوات متوجسة تفاجأ بضربة قوية صدمته بأحدى الاشجار فسقط على الارض واغمض عينيه متألماً ثم شعر بشئ ثقيل يجثم على صدره ففتح عينيه ليجد واحداً من اولائك الوحوش الذين رأهم في ساحة القصر قبل عامين والذين قرأ عنهم في كتاب الحارث جاثماً على صدره تكاد مخالبه ان تنغرس في عنقه لتقضي عليه فأصابه الجمود بعدما احس بنهايته ولكن ذلك الوحش ابتعد عنه فجأه وانطلق ركضا بين الاشجار نهض مجد بصعوبة متحاملاً على آلآمه واخذ ينظر متعجبا في الاتجاه الذي سلكه ذلك الوحش ولم يكن منتبهاً لذلك الذي يسير خلفه بخطوات حذرة كي لا يصدر صوتاً حتى اذا ما دنا منه طعنه في ظهره طعنة قوية فصاح مجد متألماً وسقط على الارض ثم بدأت الدنيا تظلم في عينه شيئاً فشيئاً حتى اظلمت تماماً وسكن جسده عن الحراك                         ***********