الثامن والعشرين
إنه أخي
صرخ بها الشاب الصغير وهو يحتضن جثة شقيقه فشعر مجد بالعجز في هذا الموقف، وقد كانت تلك أول مرة يشعر فيها بهذا الشعور فلم يستطع مواساته وبقي صامتاً ولكن دموعه التي ترقرقت في عينيه كانت أبلغ من أي كلمات.
بعد مضي وقت طويل هدأ بكاء الشاب وأخذ يحدق بالفراغ بأعين ثابته بعد أن جفت دموعه فقام مجد بإبعاده عن جثة شقيقه ثم قام مجموعة من الشباب بنقل الجثث الثلاثة وحملهم فوق ظهور الأحصنة استعدادا لنقلهم إلى الجنوب
عند منتصف النهار وبعدما انتهوا من دفن جثث الشباب الثلاثة الذين لقوا حتفهم في ذلك الهجوم الغادر كان الشاب يجلس قرب قبر شقيقه ينظر إليه بأعين جامدة وقد كانت ما تزال هناك دمعة عالقة بأهدابه تأبى النزول كي لا تحرق وجنته فيكفيه ما هو فيه من روح محترقة وقلب تمزق نياطه لفقد عزيزٍ وغالي
شعر مجد بالأسى لحاله فدنا منه وجلس إلى جواره ثم سأله عن اسمه فقال الشاب دون أن يرفع عينه عن قبر أخيه وبصوت مختنق وضعيف:
زياد
وضع مجد راحته فوق كتفه ثم قال وهو يشد عليه:
كن قوياً يا زياد، فهذه الدنيا عنيدة ولا تحب الضعفاء أبداً فكن عنيداً أكثر ولا تسمح لها بأن تنال منك يا فتى
لم يكن في حال تسمح له أن يستمع لأية نصائح فلم ينبس بشئ ففقد الأخ مصيبة لا تضاهيها مصيبة، فلاذ مجد بصمته حتى قصع زياد هذا الصمت قائلاً:
كان عمري خمسة أعوام حين ماتت أمي وكان عمر أخي حينها خمسة عشر عاماً
لم يمضي شهر على وفاة أمي حتى تزوج والدي بامرأة أخرى ذقت أنا وأخي على يديها ألواناً من الذل منذ أن وطئت أقدامها عتبات بيتنا، وبعد مرور شهرين من زواج والدي وتحديداً عند منتصف الليل كان جميع من بالبيت نيام في ذلك الوقت، أو هكذا كنت أظن فأنا لم أكن نائماً فكيف أنام وأنا أعرف أنني سألاقي في اليوم التالي ما لاقيته في يومي من ضرب وإهانة، وإذ بي أشعر فجأة بأخي ينهض من جواري ويسير متسللاً على أطراف أصابعه حتى خرج من الحجرة فلحقت به دون أن يشعر بي فرأيته يفتح باب البيت ويخرج فجلست في مكاني أنتظر عودته حتى غلبني النوم ولم أستيقظ إلا على شئ يدفعني، فتحت عيني فرأيت زوجة أبي تقف أمامي وتضربني بقدمها في كتفي وتحملق بي متعجبة من افتراشي الأرض ثم قالت بحدة:
لماذا تنام هنا؟
ثم ألقت ببصرها إلى داخل الحجرة المفتوح بابها وتابعت:
وأين ذلك الوغد؟
كانت تقصد شقيقي فصرخت فيها غاضباً من سبها أخي:
اسمه أصيل، وهو ليس وغداً
فأخذت تسبني بأقذع الألفاظ ثم انهالت على بالضرب فاستيقظ والدي على صوت صراخي وهو يفرك عينيه من أثر النوم وهو يتسائل في غضب:
ماذا حدث؟ لم كل هذا الصراخ عند الصباح؟
فتصنعت زوجته الحزن وقالت:
لم أجد أصيلاً في حجرته فأيقظت زياداً وسألته عنه فأخذ يصرخ دون سبب وهو يهرول خارجاً من الحجرة وكأنه يقصد ذلك لتظن أنني أسئ إليه
فنظر والدي نحوي بغضب ثم تابع ما بدأته من ضرب وسب حتى لم أعد قادراً على النهوض من مكاني،
كنت أنظر باتجاه الباب منتظراً عودة أخي ولكنه لم يعد، بل إني كنت أنتظره كل يوم على أمل عودته ولكنه لم يعد أبداً فصرت ألعنه في داخلي ألف مرة ومرة على تركه لي وحيداً أعاني من بطش أبي وزوجته
وفي إحدى الليالي الباردة وبعد مرور خمسة أعوام على ذلك اليوم الذي اختفى فيه أخي، كنت أنام في ردهة البيت بعدما استولت زوجة والدي على حجرتي لينام بها أبنائها، كنت أنام متكوراً على نفسي علني أحظى ببعض الدفء فالطقس في تلك الليلة كان بارداً بشدة على غير عادته ولم أستطع النوم بسببه فسمعت فجأة صوتاً قرب نافذة البيت فشعرت بالخوف ثم سمعت صوت محاولات لفتح النافذة فأصابني الذعر وكدت أن أصرخ فقد يكون لصاً ولكني تمالكت نفسي فإن لم يكن هناك أحد فلن أنجو من والدي أبداً، ثم فُتحت النافذة ورأيت على الضوء المتسرب منها من يدلف إلى البيت ثم أخذ يتحرك في المكان دون صوت حتى توقف فجأة واستدار في مواجهتي ولو انقشع الظلام في ذلك الوقت لرأيته يحدق بي ثم شعرت به يقترب مني فبدأ جسدي يرتعد وأخذت دموعي في الإنهمار وأنا أخشى إغماض عيني حتى رأيته يجثو أمامي ويربت على كفتي برفق ثم قال بصوت حانٍ:
زياد لا تخف، هذا أنا، أصيل
توقفت عن البكاء للحظات فهذا هو صوت أخي وأستطيع تمييزه بين مئات الأصوات التي تشبهه ثم أخذت أفكر، هل أرتمي بين ذراعيه وأفرح بعودته؟ أم أدفعه بعيداً لائما له على تركي وحيداً؟ ثم شعرت به يجذبني من يدي وهو يقول بصوت منخفض:
هيا بنا يا زياد
فدفعت يده بعيداً عني ثم قلت بحدة وبصوت منخفض كي لا أوقظ أبي:
إبتعد عني ولا تريني وجهك بعد الآن
لم أرى ملامح أخي في تلك اللحظة ولكني متأكد أنها كانت مزيج من الدهشة والغضب فقال محاولاً معرفة ما ألمَّ بي:
لماذا تفعل هذا يا زياد؟ ما الذي أصابك؟
فقلت غاضباً:
لقد تركتني أعاني من قسوة والدنا وزوجته ووليت هارباً غير آبه لما قد يحدث لي وأنا بمفردي بينهم
فمسح بيده على رأسي بحنان ثم قال محاولاً استعطافي:
كان هذا من أجلك يا زياد
ثم تابع:
لقد تركت البيت من أجل تأمين حياة لنا بعيدا عن هذا الأب القاسي وزوجته
وكأن عقلي يصم أذني عن الإستماع له فقلت معترضاً:
عد من حيث أتيت يا أصيل فأنا لست بحاجتك ولا أريدك في حياتي أبداً
ثم نطقت بالجملة التي أنا متأكد من أنها أغضبته:
أنت لم تعد أخي، وأنا ليس لي أخ يدعى أصيل، فأخي مات منذ زمن
عم السكون البيت إلا من أنفاسنا أنا وأخي فرأيته ينهض ويسير باتجاه النافذة ولكنه عاد نحوي مسرعاً ثم قال:
قل ما تقوله فأنا لن أدعك هنا مهما حدث
ثم شعرت به يرفعني لأستقر فوق كتفه ثم خرج بي عبر النافذة كما دخل
قطع مسافة طويلة في السير وأنا ما زلت مستقراً فوق كتفه حتى وصلنا بعد شروق الشمس إلى أطراف قرية بعيدة عن قريتنا فقلت بعدما شعرت أن التعب والإرهاق قد ألمَّا به:
أنزلني يا أصيل
فقال بتحدٍ وهو يتابع سيره:
لن أفعل
فقلت أنا بتحدٍ أكبر:
أنزلني وإلا……
فتوقف عن السير وقال:
وإلا ماذا؟
فقلت في غيظ:
سأصرخ
قهقه أخي عالياً وقال:
إفعلها إذن
فابتسمت رغماً عني لسماعي ضحكاته ولان قلبي فجأة ثم قلت دون شعور:
لابد وأنك تعبت يا أخي، أنت تحملني منذ منتصف الليل
فأنزلني عن كتفه وقال وهو ينظر في عيني بنظرة ملؤها الحب:
وأحملك ما تبقى من حياتي يا زياد
ثم تابع وقد نبع الحب من عينيه وسال مع كلماته كالعسل المصفى:
أنت أخي يا زياد وأقسم لك لو اجتمعت الدنيا بكل مخلوقاتها لتفرق بيني وبينك فلن أدعها وإن كنت سأدفع روحي ثمناً
لم أشعر بنفسي وأنا أرتمي بين ذراعيه وأجهش بالبكاء وأقول:
لقد انتظرتك طويلاً يا أصيل، لقد جعلتني أظن أنك تخليت عني، أنت قوتي يا أخي وأنا بدونك لا شئ
أخذ يربت على ظهري بحنان وهو يقول:
من الآن فصاعداً لن يفرق بيننا شئ يا زياد، لن يفرق بيننا سوى الموت
ثم أبعدني عنه قليلاً ومسح دموعي التي أغرقت وجهي ثم وقف وأمسك بيدي وتابعنا طريقنا سوياً
كنت طوال الطريق أتأمل أخي الذي تغيرت ملامحه بشكل كبير فقد أصبحت قامته أطول ونما شاربيه ولحيته بشكل ملحوظ جداً، كان يبدو أكبر سناً عما كان في السابق وكأنه تحول فجأة من فتى مراهق إلى رجل بالغ
كان أخي يلاحظ ما أفعله فكان ينظر نحوي بين الفينة والأخرى ثم يبتسم فأبادله الإبتسامة وأنا أشعر بسعادة لا توصف حتى توقفنا أمام بيت صغير مكون من طابق واحد فسألته:
لمن هذا البيت؟
فأجابني:
لنا
ابتسمت بسعادة لضمه لي فيما يملكه
فتح أخي الباب ودلفنا إلى البيت الذي كان عبارة عن ردهة متوسطة يوجد بها أريكة وحيدة وطاولة طعام صغيرة وحجرة ومطبخ صغير في أحد أركان البيت فسألني أخي قاطعاً على تأملي لبيته:
هل تشعر بالجوع؟
فقلت بحرج وأنا أخفض بصري باتجاه الأرض:
نعم، فبالأمس حرمتني زوجة أبي من تلك اللقيمات التي كانت تمنُّ عليَّ بها في يومي لأنني لم أنجز مهامها كما أرادت
جثا أخي على ركبتيه أمامي حتى صار في موضع يسمح له بالنظر في عيني مباشرة فوجدته غاضباً يكز على أسنانه وقد انتفخت أوداجه، ثم لانت ملامحه لما رأى الحزن والخوف يمتزجان داخل عيني وقال:
لن يكون هناك ذلك الأب وزوجته بعد الآن، فقط أنا وأنت
ثم أشار باتجاه الطاولة وقال:
هيا لتأكل
فأسرعت نحو الطاولة وجلست على أحد المقاعد فرأيت أخي يدلف إلى مطبخه ثم يعود بعد لحظات حاملاً بين يديه بعض الأطباق التي تحوي جبناً وزيتوناً وعسلاً ثم وضعها أمامي وطلب مني تناول الطعام بالقدر الذي أشاءه، فأخذت آكل بنهم شديد لدرجة أنني لم أعد قادراً على التنفس ثم قام أخي برفع ما تبقى من طعام وأعاده من حيث أتى به ثم وقف بالقرب مني وقال وهو يشير نحو الحجرة:
إذهب إلى تلك الحجرة فلابد وأنك تريد النوم
تهللت أساريري فرحاً فهائنذا أخيراً سأنام فوق فراش وأنعم بالراحة والدفء وهممت بالذهاب إلى الحجرة ولكني توقفت وأنا أنظر صوب أخي ثم تسائلت:
وأنت، أين ستنام؟
ضم شفتيه وكأنه يفكر فتابعت:
نم أنت في حجرتك وأنا سأنام هنا، فأنا معتاد على النوم هكذا
أمسك ذقني بكفه برفق ثم رفع وجهي لأعلى لتلتقي نظراتنا ثم قال:
كيف كنا ننام في السابق يا زياد؟
فقلت مندفعاً دون تفكير:
كنا نتشارك حجرة واحدة
فقال باستنكار وقد ارتفع أحد حاجبيه لأعلى:
وهل اختلف الحال الآن؟
فقلت مدافعاً:
لم أقصد شيئا يا أخي، ولكن لكل إنسان خصوصية لا يحب أن يشاركها مع أحد وخصوصاً إن كان طفلاً صغيراً مثلي
فقال أخي باستنكار:
ومن قال أنني أراك طفلاً يا زياد؟ أنا لا أراك إلا رجلاً راشداً
وإذ به يحملني إلى الحجرة ثم يضعني فوق الفراش
كانت هناك بسمة عالقة على شفتيه أشعرتني براحة غير عادية ثم رأيته يهم بالخروج من الحجرة فوثبت من الفارش وأنا أصيح منادياً إياه:
أصيل إلى أين أنت ذاهب؟
التفت أخي إلى وتسائل متعجباً لما رآني أقف بجوار الفراش:
لماذا نهضت؟
فقلت دون الاكتراث لسؤاله:
إلى أين أنت ذاهب؟
ـ سأذهب لأنجز بعض أعمالي وأعود
فصحت مكذباً:
كلا، بل أنت تنوي الرحيل من جديد
فقال مدافعا:
أقسم لك أني سأذهب لأنهي بعض أعمالي المتأخرة
عندها لم أستطع الصمود أكثر فقلت وأنا أنهار على الأرض باكياً:
لا تتركني وحدي يا أصيل، أنا أشعر بالخوف من دونك يا أخي
ثم أخذ جسدي يرتجف ولم أعد أقدر على قول المزيد فهرع أخي إلى وضمني إلى صدره بقوة وهو يقول:
أقسم لك أني لن أتركك وحيداً مهما حدث، وسأكون بجوارك دوماً يا أخي
ثم تحولت نبرة صوته إلى البكاء وهو يقول:
سامحني يا أخي، أعدك أن ما حدث في الماضي لن يتكرر مرة أخرى
لا أعرف مقدار الوقت الذي بقيناه على ذلك الوضع ولكنه لم يبتعد عني حتى هدأت فسألني بقلق:
هل أنت بخير الآن؟
أومأت إيجاباً فرأيت شبح ابتسامة يرتسم على شفتيه ثم نهض وساعدني على النهوض ثم خرج من الحجرة فلحقت به وأنا أقف عند بابها فرأيته يغلق باب البيت الذي ظل مفتوحاً منذ مجيئنا
ثم عاد إلى مرة أخرى وأخذ يحثني على النوم فجلست على طرف الفراش دون الإستلقاء عليه فقال ليطمئنني:
نم يا زياد وسأظل أنا إلى جوارك ولن أذهب لأي مكان
شعرت بالارتياب قليلاً فأنا أخشى أن أغمض عيني وأفتحها فأجده قد اختفى من جديد ولكني رضخت له على مضض واستلقيت على الفراش وإذ به يستلقي إلى جواري ثم تثائب عدة مرات قبل أن يقول باستنكار:
أي عمل هذا الذي كنت أنوي الذهاب إليه فأنا لا أستطيع رفع جفوني
ثم أخذ يمسح على رأسي برفق حتى غبت في النوم دون شعور
لا أعرف كم من الوقت مر وأنا نائم ولكني حين فتحت عيني وجدت أصيلاً مستلقٍ إلى جواري محملقاً بسقف الحجرة وكأنه ينتظر شيئاً وبمجرد أن أحس بحركتي نظر نحوي فوجدني أنظر نحوه فابتسم وقال:
نوماً هانئاً يا زياد
فبادلته الإبتسامة وتسائلت:
هل نمتُ كثيراً؟
صمت مفكراً ثم قال:
لا، فقط النهار بأكمله
فقلت مندهشا.:
كل هذا الوقت؟!
فضحك أخي ثم نهض عن الفراش دون أن يعلق ثم خرج من الحجرة وأنا ألاحقه بعيني حتى سمعت صوت باب البيت يفتح فأسرعت خلفه إلى خارج البيت فوجدته يسير مبتعداً فصرخت بأعلى صوتي:
أصيل..
فنظر نحوي ثم قال وهو يشير لي بيده دون أن يتوقف عن السير:
لا تتحرك، سأعود بسرعة
فأخذت أتبعه بعيني ودقات قلبي تتسارع حتى اختفى عن أنظاري عندها شعرت أن قلبي سيحطم ضلوعي ليقفز خارجها، جاهدت كثيراً لأحافظ على ثباتي كي لا أنهار باكياً وبقيت في مكاني منتظراً عودته ولما دام تأخره لأكثر من ساعة ظننت أنه قد رحل بلا عودة ولكنه خيب ظني حين رأيته يعود فانهمرت دموعي بغزارة مغرقة وجهي
شعر أخي بالقلق حين رأى دموعي تنهمر بغزارة فأسرع نحوي وهو يقول بقلق:
لماذا تبكي يا زياد؟!
فقلت بصوت متهدج من البكاء:
ظننتك قد رحلت وتركتني
فمسح أخي دموعي وهو يقول معاتباً:
لماذا يا زياد؟ ألم أخبرك أنني لن أتركك أبداً؟ لماذا لا تصدقني؟
لم أجد ما أقوله فلذت بصمتي ولكني واصلت بكائي فمسح بيده على رأسي وقال برجاء:
يكفي يا زياد أرجوك فأنا لا أحتمل رؤية دموعك أبداً
ثم تابع وقد تبدلت تعبيراته إلى الجد:
كن قوياً يا زياد، ولا تتعلق بشئ فكل ما نملكه معرضون لفقده يوماً ما فها قد فقدنا نبع الحنان ولم تعد موجودة بيننا بعدما كنا نظن أنها شئ دائم وها هو الأب الحنون الذي كان يخاف علينا من نسمات الهواء قد تحول إلى حجر لا يلين ولا يرق
ثم أطلق تنهيدة متألمة وتابع وقد تلألأت العبرات في عينيه:
أنت كفايتي من الدنيا يا زياد
ثم دلفنا إلى البيت بعدها
أغلق أصيل الباب ثم توجه صوب الأريكة وجلس فوقها وهو يشير إلي أن أقترب ففعلت ثم فتح لفافة قماشية كانت بحوزته وهو يقول:
لقد جلبتها لك بالأمس ولكني نسيت إحضارها إلى البيت
ثم تابع بابتسامة وهو يخرج قميصاً وسروالاً مناسبان لحجمي:
ما رأيك بهما؟
تهللت أساريري وشعرت بالسعادة تغمرني فقد كنت أرتدي ثياباً بالية ممزقة في أكثر من موضع فشرعت أخلع ثيابي القديمة وارتديت الثوب الجديد الذي جلبه لي أخي وما إن انتهيت حتى دلف هو إلى الحجرة وعاد يرتدي ثياباً غير تلك التي كان يرتديها ثم خرجنا من البيت
كانت الشمس قد أوشكت على الغروب حين ذهبنا إلى مكان أشبه بساحة احتفالات تقام فيها عروض بهلوانية وفرق موسيقية
كان المكان مزدحماً بشدة فأخذ يشق الصفوف وهو يحملني فوق كتفيه، فكان المشهد من أعلى ساحراً حتى وصلنا إلى مجموعة من الشباب يصيحون باسم أخي فأنزلني أخي عن كتفيه ثم أخذوا يتصافحون بطريقة رائعة، وبعدما انتهوا من تلك الترحيبات قال أحدهم متصنعاً الحزن:
لقد خسرنا الرهان يا رفاق
فقال أخي متعجباً:
أي رهان؟
ليجييه أحد الشباب:
بصراحة لقد تراهنا أنك لن تأتي ولكننا خسرنا الرهان
فقال أخي:
ألم أخبركم أني سآتي؟
فقال الشاب نفسه مستنكراً:
وكم مرة أخبرتنا فيها أنك ستأتي ولم تفعل؟
ثم نظر أحدهم نحوي فجأة بتجهم فشعرت بالخوف منه ولكنه ابتسم فجأة كالأبله ثم قال وهو يلوح لي بيده:
مرحباً أيها الصغير
اختبأت خلف أخي وأنا أمسك بثيابه فوضع أخي كفه فوق كتفي وقال:
لا تخف يا زياد هؤلاء رفاقي
فقال الشاب الذي كان يمازحني:
ظننته أكبر من هذا حين أخبرتنا عنه، لم أكن أتخيل أنه طفل صغير
فقال أخي بفخر وهو يبتسم بعذوبة:
أخي ليس طفلاً بل هو رجل، ورجل قوي أيضاً
فبادلته الإبتسامة وقد شعرت بالارتياح لرفاقه ثم بدأت إحدى الفرق بعزف موسيقاها معلنة بداية العروض فجلس الجميع فوق المقاعد الصخرية التي تلتف حول الساحة بشكل دائري وبالطبع لم يكن لي نصيب في تلك المقاعد فجلس أخي على مقعده وأجلسني فوق فخذه ثم أخذنا نشاهد عرض إحدى الفرق الراقصة التي دلفت إلى ساحة الإحتفال وأخذت تتراقص على أنغام الفرقة الموسيقية وعندما انتهت من تقديم عرضها أخذ المشاهدون يصفقون بحرارة فقد أعجبتهم تلك الرقصات التي أبدعوا في أدائها
بعد ذلك دلفت إلى الساحة فرقة من المهرجين الذين قدموا عرضاً ساخراً أدمعت عيون المشاهدين منه من كثرة الضحك وهكذا توالت العروض إلى أن انتهت عند منتصف الليل فودع أخي رفاقه ثم عدنا إلى البيت
وفي الصباح ذهبت برفقة أخي إلى عمله فسألته أثناء ذهابنا عن ماهية عمله فقال بعد صمت:
حداد
ثم تابع لما رأى الدهشة تعتري قسمات وجهي:
ماذا أفعل؟ لقد حاولت كثيراً ألا تكون لنا صلة بوالدنا ولكن يبدو أنه قدرنا والقدر لا مفر منه
ثم جثا أمامي وقال برفق وهو يمسك بساعدي:
اسمعني جيداً فيما سأقوله يا زياد وحاول ألا تنساه
فهززت رأسي بإنصات فتابع:
إن حدث وندم والدنا على سوء تعامله معنا وجاءك طالباً العفو، اعف عنه وإياك أن تكون قاسياً فإنه سيظل والدنا مهما حدث، ولا تنس أنه كان أباً حنوناً وعطوفاً قبل أن يتزوج بتلك المرأة، فكن ليناً وقابل قسوته بالرحمة وبطشه بالصبر فربما عاد نادماً
ثم قبل جبيني وتابع:
هل تعدني يا زياد أن تفعل هذا؟
فقلت وأنا بالكاد أفهم ما يقصده:
إن كان باستطاعتي سأفعل
نظر إلي أخي مستغرباً فأردفت:
أقصد إن كان الوقت الذي سيأتي فيه طالبا العفو يسمح لي بأن أعفو عنه فعلت وإلا فلا
ثم تابعت لما رأيت ملامح أخي قد تبدلت إلى الضيق:
لا تحملني فوق طاقتي يا أصيل فهناك أوقات لا تسمح لنا بالعفو مهما حدث وإن كان من أمامنا يعض أنامله من الندم، لأننا في ذلك الوقت نكون أشد وجعاً من ندمه فلا نقوى على العفو أبداً
رفع أخي كتفيه ثم أخفضهما باستسلام ولكنه ابتسم ثم تابعنا طريقنا
وصلنا إلى المكان الذي يتخذه أخي ورشة لعمله فأصابتني الدهشة،
كان هناك الكثيرين يقفون أمام الورشة وما إن وقعت أنظارهم على أخي حتى أخذوا يزفرون أنفاسهم بارتياح فجذبت طرف قميص أخي وسألته عن أولائك الناس فأخبرني أنهم زبائن الورشة وأنهم هنا لاستلام أغراضهم ومنهم من جاء لصنع شئ ما
دلفنا إلى داخل الورشة وباشر أخي عمله على الفور وعلى الرغم من مكوث البعض لوقت طويل إلا أنهم لم يتذمروا قط وهذا ما أثار تساؤلي فقلت:
ألا يوجد حداد في هذه القرية سواك يا أصيل؟
فأجاب نفياً وأردف:
يوجد الكثيرين ممن لهم الخبرة في هذا المجال
فقلت متعجباً:
إذن لماذا يقصدك الكثيرين رغم حداثة سنك ويتركون أصحاب الخبرة؟
فأجابني وهو يقوم بتركيب حدوة لحصان أحد التجار:
تعلم شيئاً يا زياد، كن صادقاً مع نفسك ومع الناس وكن صاحب أمانة ومنطق حسن ووجه بشوش، يحبك الناس ويفضلون التعامل معك وإن كنت صاحب خبرة أقل
ثم تابع وهو ينظر نحوي:
ولا تنس أنني تعلمت الكثير على يد والدنا
ثم تابع عمله
انتهى العمل مع غروب الشمس وانقطع قدوم الزبائن إلى الورشة ولكننا لم نرحل حتى حل الليل فقد كان أخي يقوم بإنهاء بعض أعماله التي يتوجب عليه تسليمها في صباح الغد
ثم عدنا إلى البيت بعد انتهائه منها
انقضت الأيام تباعاً ونحن على نفس الوتيرة حتى مرت ثمانية أعوام لزمت فيها أخي ليلاً ونهاراً وتعلمت على يديه كل ما يخص تلك الحرفة وخلال تلك السنوات لم ينقطع أخي عن زيارة والدنا بين الحين والآخر ولكنها كانت زيارات عن بعد لمعرفة أحواله والإطمئنان عليه
*************
كنا في أحد الأيام داخل الورشة حين دلفت إلينا فتاة تدعى بيان كنت أعلم عن علاقتها بأخي إذ كانا حبيبين، فقد أخبرني أخي عن حبه لها فسألته آنذاك إن كانت تبادله نفس المشاعر فأجابني نعم،
لم نكن أنا وأخي منتبهين لها حين وقفت بالقرب منا وقالت بصوت رقيق وهادئ:
أصيل
انتبه كلانا لها فقال أخي متعجباً من وجودها في مكان عمله:
بيان؟!!
ثم سألها بقلق:
هل حدث شئ ما؟
أومأت نفياً فصمت أخي منتظراً ما ستقوله فأشارت نحوي بعينها إشارة تعني أنها تريد الحديث معه فقط فهممت بالإنصراف ولكن أخي أمسك بساعدي وهو يقول:
تحدثي يا بيان، فأنا وأخي شئ واحد، كما أنني لا أخفي عنه شيئاً
فزفرت أنفاسها بقوة ثم قالت:
لقد أخبرت والدي عن أمر زواجنا كما اتفقنا
فسألها أخي مندفعاً:
وماذا كان رده؟
لاحت ابتسامة على شفتيها وقالت:
لم يكن مقتنعاً ولكنني أقنعته فقبل
فتهللت أسارير أخي ولكنه لم يمكث على تلك الحال لحظات حتى قالت موضحة:
ولكنه اشترط شرطاً
فحملق بها أخي وكانه لم يتوقع ذلك ثم قال بتوجس:
وما هو شرطه؟
فأشارت نحوي بسبابتها وقالت:
هذا
ـ ماذا به أخي؟
سألها أخي فأجابته وهي تنظر نحوي:
إما أن يكون لنا بيت مستقل، أو يرحل أخوك عن البيت
كان لما قالته وقع كالصاعقة على أذني ولما نظرت نحو أخي وجدته مذهولاً فصرخ صوت في داخلي:
ما الذي تقوله هذه الفتاة يا أخي؟
ـ قل شيئاً، لماذا أنت صامت هكذا؟
ـ هل ستختارها وتلقي بي خارج حياتك؟ قل شيئاً يا أخي فصمتك يدمرني
ولما طال صمته اقتربت منه ثم أمسكت بكفه وقالت محاولة استمالة قلبه:
أصيل، أنا لا أقول لك تخلى عن أخيك، ولكن ألا ترى أنه عائق في طريق سعادتنا؟
فلم ينبس أخي ببنت شفة فتابعت:
ألم تخبرني أن والدكما يعيش هنا في إحدى قرى الجنوب؟ إذن أرسله إليه وبهذا لا تكون قد تخليت عنه
وأيضاً لم ينبس أخي بشئ فقالت وقد ظهر الضيق على ملامحها:
أصيل قل شيئاً
ثم تابعت لتحسم الأمر:
سأعتبر صمتك رفض يا أصيل
فما كان من أخي إلا أن سحب كفه من بين يديها وعاد أدراجه للخلف وهو لا يزال مدهوشاً ثم تابع عمله دون التفوه بحرف واحد
فغادرت وقد اغرورقت عيناها بالدموع
كنت لا أزال على حالتي منذ قالت بيان ما قالته فعاد نفس الصوت في داخلي يؤنبني:
هل صرت عبئاً على أخيك بعد كل تلك السنوات يا زياد؟
ثم تابع:
لا تكن نذلاً يا زياد، فأصيل مستعد للتضحية بروحه من أجلك فدعه يسعد بمحبوبته وابتعد عن طريقه
انزلقت عبرة من عيني فمسحتها قبل أن يلحظها أخي ثم قررت إنهاء الأمر فور عودتنا إلى البيت
كان أخي يعمل شارداً ولم يكن منتبهاً لتلك القطعة الحديدية التي صارت كقطعة من الجمر بسبب شدة سخونتها وتوهجها وكادت أن تسقط فوق قدمه فألقيتها بعيداً عنه فانتبه إلي فقلت موضحاً:
كادت أن تسقط فوق قدمك
فألقى أخي ما بيده من أدوات وهم خارجاً من الورشة ولكنه قال قبل رحيله:
سأذهب إلى البيت، فلا طاقة لي بالعمل اليوم
فقدمت اعتذاري للزبائن الذين كانوا متواجدين في ذلك الوقت ثم قمت بإغلاق الورشة ولحقت به
وما إن وصلنا إلى البيت حتى قام أخي بالولوج إلى الحجرة وصفع الباب خلفه بقوة جعلتني أجفل
فجلست فوق الأريكة أفكر في الأمر بشكل جدي فتوصلت إلى أن أترك البيت لأخى حتى يتزوج بالفتاة التي يحبها وسأبحث أنا عن مكان آخر، وفي اللحظة التي قررت فيها مصارحة أخي بما أنتوي فعله رأيته يخرج من الحجرة واجماً وكأن كل هموم الدنيا تجثم على صدره
كان يسير متجهاً صوب الباب فسألته:
إلى أين؟
فأجابني باقتضاب:
سأخرج لأتنفس بعض الهواء
ثم تابع طريقه فأوقفته قائلاً بنبرة حادة:
أصيل
فقال دون أن ينظر نحوي:
لا تخف يا زياد فأنا لن أبتعد كثيراً، كما أنه ليس لي مكان آخر أذهب إليه غير هذا البيت
أثارت كلماته تلك غضبي فهو لا يزال يعتبرني طفل فصرخت فيه:
أنا لم أعد ذلك الطفل الذي كان يخاف إذا ابتعدت عنه، لقد كبرت وأصبحت مدركاً لما أفعله أو ما يفعله الناس من حولي
فنظر نحوي نظرة تفيد بأن أختصر فأردفت:
أنا موافق
أخذ نفساً عميقاً وهو يحاول الحفاظ على هدوءه ثم قال:
وما الذي توافق عليه؟
فقلت وأنا أخشى ردة فعله:
موافق لأن أترك البيت، فأنا لن أعيش حياتي على حساب سعادتك
فقال بنبرة هادئة على عكس ما توقعته:
لا تتكلم بحماقة يا زياد
فقلت بنفاذ صبر:
وما الحماقة فيما أقول؟ أليس هذا شرط بيان ووالدها؟
لينفجر في وجهي صارخاً:
فلتذهب بيان ووالدها إلى الحجيم، بيان لا شئ، ووالدها لا شئ، وهذا الكون بمن فيه لا شئ، وأنت………
ثم لان صوته فجأة وهدأت ثورته وتابع:
أنت أخي يازياد ولا شئ في هذه الدنيا يهمني سواك، وامرأة تفرق بيني وبين أخي لن يجمعني بها بيت واحد وإن كنت أعشقها هل فهمت؟
ثم تعانقنا وأجهش كلانا بالبكاء وبعد أن هدأ اخي واستعاد رباطة جأشه أبعدني عنه قليلا ثم قال:
لقد انتهى هذا الأمر، فلا تأت بذكره مرة أخرى
كانت نبرة صوته تحمل الكثير من الرجاء فأومأت له إيجاباً وبالفعل لم يتطرق أحدنا لذكره مرة أخرى على الرغم من أن أخي لم ينسى هذا الأمر قط ولكنه كان يتظاهر بهذا، فأنا أعرف أخي أكثر من نفسي وأعرف متى يكون بخير ومتى يكون غير ذلك
حتى تفاجئنا بعد مضي أربعة أشهر بقرار الضرائب الذي فرضت على الحميع فقد تم إعلانه بين سكان الجنوب عن طريق بعض الجنود الذين أخذوا يذيعون الخبر في كل القرى
وفي قريتنا كان أحد الجنود يصيح معلناً فتسائل أحد الأشخاص مستنكراً:
ومنذ متى يفرض الملك ضرائب على سكان المملكة؟
ليجيبه باستهزاء:
منذ قتل
فعرفنا حينها أن الملك رعد قد قتل وحل محله وزيره شريح
لم يصدق أحد أمر الضرائب حتى انقضى الشهر الأول وجاء الجنود ليجمعوها عنوة من الناس فسلبوهم كل ما يمتلكوه وكان السيف مصير من يبدي اعتراضه على هذا الأمر.
كان الحظ حليف المزارعين في هذه المعضلة فقد كانوا يجدون ما يفدون به أنفسهم أما أصحاب الحرف فقد توقف عملهم بشكل نهائي فاضطر الأغلبية منهم للهرب
فكانت جبال الرهط مأوى لمن لم يستطع دفع الضرائب فلجأنا أنا وأخي ومجموعة من رفاقنا الى تلك الجبال متخذين من كهوفها ملاذاً آمناً
كنا في نهار أحد الأيام بعد مضي ثلاثة أشهر أو يزيد على مقربة من الوادي القريب من القرية فالتقطت آذاننا صوت خطوات تقترب منا فاحتبست أنفاسنا ولكننا تنفسنا الصعداء حين وجدناه أحد رفاقنا ثم جلس إلى جوارنا وقد كانت عينه تلمع بحماس فسأله أحد الشباب عن سر لمعة عينه فقال:
ألم تسمعوا بما حدث؟
ثم أردف لما رأى الجميع ينظرون نحوه بتأهب:
لقد توقف نظام الضرائب
فاشتعلت الأحاديث الجانبية بين الجميع حتى أردف:
لقد قامت ثورة في أبعد قرى الجنوب حول فرض الضرائب وقد جابت تلك الثورة الكثير من القرى المجاورة لها وها هي في طريقها إلى قريتنا، حتى أنهم قاموا بتكوين جيش يعرف بالفيلق الجنوبي
فتسائل أخي:
ومن الذي استطاع أن يقف بكل جرأة أمام هؤلاء
قوس الشاب فمه لأسفل علامة الجهل ثم قال:
لا أعلم ولكني سمعت من يقول أنه شاب من شباب الجنوب، ومن يقول أنه من الشمال وهناك من يقول أنه من الجنوب ولكنه كان يعيش في الشمال ثم عاد إلى الجنوب مرة أخرى
ثم تابع:
لا يهم من يكون أو من أين هو؟ المهم أن نستعد للمشاركة في هذا الأمر
شعرنا جميعا بالحماسة وقررنا العودة إلى القرية للوقوف معهم فسلكنا الطريق الذي أتى منه رفيقنا ولكن أخي شعر بالخوف من سلك الطريق ذاته فأخبرهم أن نسلك طريقاً آخر ولكنهم لم يقبلوا بذلك وتابعوا سيرهم
كنت أنا وأخي نسير متأخرين عن البقية فشعرت بأخي يشد على يدي ولما نظرت نحوه أشار لي ألا أصدر صوتاً ثم انحرفنا في طريق جانبي بعيداً عنهم
وصلنا إلى القرية ثم ذهبنا إلى الورشة إذ قرر أخي صنع بعض السيوف لتقديمها للفيلق
***********
انتهى زياد من سرد بعض الذكريات التي جمعته بشقيقه وأجهش بالبكاء وهو يحتضن قبره لتهطل دموع الألم والحسرة مغرقة تراب القبر
أشاح مجد بوجهه بعيداً عن زياد ليخفي دموعه التي أغرقت وجهه تأثراً وحزناً على هذا الأخ المكلوم وكيف لا يبكي وكل فقد يذكره بفقده؟ فوقع بصره على رجل يبدو من مظهره أنه شارف على الستين فقد ظهرت الكثير من التجاعيد على جانبي عينيه واشتعل الشيب في رأسه وقد كان للحيته النصيب الأكبر منه
كان يحملق في زياد وقد ترقرقت الدموع في عينيه ثم أخذ يخطو باتجاههم دون أن يرفع مجد بصره عنه حتى جثا إلى جوار ثم قال بصوت باكٍ ومختنق:
زياد
رفع زياد رأسه ونظر باتجاه الرجل بأعين باكية ذابلة فتجهم وجهه وتحولت نظراته إلى السخط فتابع الرجل:
زياد أنا……
لم يكد أن يكمل الرجل جملته إذ صرخ فيه زياد فجأة:
إبتعد عني
حاول الرجل أن يتكلم ولكن زياداً لم يمهله إذ نهض وتابع صراخه:
ابتعد عني، لا أريد رؤيتك
فأمسك الرجل بيديه ثم قال ودموعه تنهمر:
يكفي يا بني أرجوك
أشاح زياد بوجهه بعيداً عنه فتابع:
دعنا ننسى الماضي يا بني ونبدأ حياة جديدة
فابتسم زياد بزاوية فمه ساخراً ثم قال:
ننس الماضي؟……نعم فلننس ولكن أخبرني، أين أصيل الآن؟
لم يستطع الرجل أن ينبس بشئ بينما أشار زياد نحو قبر أخيه وتابع بحدة:
ها هو مقبور تحت قدميك الآن،…هيا اطلب منه أن ينسى الماضي
ثم ضحك بسخرية وتابع:
لن يسمح أتعرف لماذا؟
ثم صرخ بأعلى صوته:
لأنه مات، هل تدرك معنى ما أقوله؟ لقد مات أخي، مات أخي
ثم دفعه في صدره بقوة فأسقطه أرضاً ثم ابتعد وهو يبكي بأعلى صوته
هرع مجد نحو الرجل ليساعده على النهوض ثم قال وهو ينفض التراب عنه:
لا تهتم لما قاله سيدي، لقد قُتل شقيقه في الليلة الماضية، والناس في مثل هذه المواقف لا ينتبهون لما يقولونه أبداً
فقال الرجل باقتضاب وهو يمسك بساعده ويضغط عليه بقوة:
أنت من يسمونه القائد؟
أحس مجد بنبرة التهكم في سؤاله فقال بتوجس:
نعم أنا، ولكن من أنت؟
أجابه وهو يشير إلى القبر بسبابته:
أنا والدهما
ثم تابع بتهديد صريح:
لقد كان ابني مؤمناً بقدرتك على تغيير هذا الواقع الذي نعيشه ومات في سبيل ذلك فإما أن تحقق له ما آمن به أو ترحل وتتركنا نواجه مصيرنا، فيكفينا ما نحن فيه بسببك
قام مجد بتحرير يده من قبضة الرجل وقال بتهكم:
احتفظ بما تقوله لنفسك واسعى لأن تكسب قلب ولدك فلقد فتحت في روحه جروحاً يصعب عليك تطييبها مهما فعلت
أما بالنسبة لي فأنا لا أنتظر النصح من أحد حتى أوفي بوعد قطعته لأحد، وخصوصاً من شخص مثلك
ثم سار مبتعداً عنه حتى وصل إلى رفاقه وأخذ يشجعهم ويحثهم على الثأر لرفاقهم وإن لاقوا نفس المصير
***********
علقت السرية في متاهة الغابة اذ كان يصعب عليهم تحديد الاتجاه الذي سلكوه عند قدومهم بعد الاضطراب والتوتر الذي اصابهم واضطرهم للفرار بأرواحهم اثر الهجوم الذي قام به الفيلق الجنوبي والذي حسم المعركة في لحظة لصالح الجنوب بعدما كان النصر حليفا لهم
كانوا يدورون في نفس الدائرة كلما سلكوا طريقا للنجاة سقطوا في هوة التيه والضياع حتي اصابهم اليأس فلزموا اماكنهم داخل الغابة حتي يستعيدوا رباطة جأشهم ويتمكنوا من العثور علي المخرج حتى انتصف الليل فتناهى الى مسامعهم صوت خطوات تقترب فلم يلقوا لها بالا ظنا منهم انها لبعض الحيوانات التي تتسكع في مثل هذا الوقت
لكن الامر بدا غريبا اذ كان صوت الخطوات منتظما وكأن هناك من يسير وفق طريق محدد ووفق خطة محددة كما ان صوت الخطوات زاد وكأن هناك مائة شخص يسير فشك البعض منهم في ذلك فوقفوا متأهبين وهم يحاولون تبين السبب فقال احدهم بصوت هامس مرتجف:
هل عادوا لملاحقتنا؟!
ليجيبه احدهم باستنكار:
ليسوا في حالة تجعلهم يلحقون بنا ايها الاحمق
ثم تابع ساخرا:
كما انهم لا يستطيعون ذلك لأنهم جبناء وضعفاء لا يقاتلون الا في الخفاء
فسمعوا من يقول متهكما
ما بالكم تصدقون ما تقولون؟
ثم اطلق ضحكة عالية وتابع:
انتم كالكاذب الذي اشاع كذبة بين الناس فتناقلوها فيما بينهم حتي عادت اليه فصدقها
انتم من هاجمتمونا ليلا فلو كنتم شجعانا لواجهتمونا نهارا.
فتبادلوا النظرات فيما بينهم حول هذا المتحدث الخفي فازدرد الذي سخر ريقه وقال بتوجس:
من انت؟
ليجيب الصوت بثقة:
انا الذي اعطيكم فرصة للمواجهة،فنحن قوم لا نهجم على احد من خلفه بل نواجهه وجها لوجة والغلبة لصاحب الحق
فقال الاول بصوت مرتجف:
الا ترى ان كلامك متناقض فكيف تقول انك لا تهجم ونحن لا نراك الا يعد ذلك هجوماً
ليقول الصوت بتهكم:
لا شأن لي ان كان في اذنيك صمم ولا تستطيع السماع هذا امر يستوجب العلاج
فأنا قد اخبرتك اني اعطيكم فرصة للمواجهة
فقال بتحد:
ان كنت تريد المواجهة فلترني نفسك
فخرج صاحب الصوت من خلف احدى الاشجار فلم يكن الا مجداً والذي قال بمجرد وقوفه امام ذلك الفارس المتغطرس:
ها انذا
كان التوتر الذي اعتري ذلك الفارس قد بلغ ذروته ولكن توتره اخذ ينحسر شيئا فشيئا حينما وجد مجداً يقف امامه وحيدا فقال بنبرة استخفاف بعدما تمالك نفسه:
هل ترى ان فيك من القوة ما يكفى لمواجهة هذة القوة التي تقف امامك
فقد كان عدد الجنود في ذلك الوقت يتخطى حاحز الثلاثمائة وخمسين جندى
فلم يجبه مجد ولكنه اكتفى بإيمائة من رأسه فتابع الفارس بغرور:
ولكني سأرحمك مما ستلاقيه على ايدي هؤلاء وسأكتفي بمواجتهك بمفردي وسترى كيف سأسحقك كما اسحق حشرة اسفل حذائي
فتح مجد زراعيه عن اخرهما وقال مبتسما:
فلترني ذلك اذا
سار الفارس باتجاه مجد يملأه الغرور ثم وقف امامه وسحب سيفه ليلمع تحت ضوء القمر المتسرب من بين قمم الاشجار وقال بتحد:
فلتبدا المواجهة
ثم رفع سيفه لأعلى وهوى به على مجد الذي استل سيفه في لمح البصر وتلقى به تلك الضربة ومع سماع اصطكاك السيوف خرج العشرات من جنود الفيلق الجنوبي الذين كانوا يقفون متأهبين خلف الاشجار واشتبكوا مع جنود وفرسان الجيش الشمالي وهزموهم شر هزيمة ولم يتبقى منهم على قيد الحياة سوى من يمكن حصرهم على الاصابع
تمكنوا من الخروج من الغابة وكان على رأسهم الفارس زهير الذي كان يحرص على عدم الظهور حفاظا على حياته
************