السابع والعشرين
كانت الوحوش داخل أقفاصها تعوي بصوت قوي يزلزل المكان وتسود حالة من الكر والفر بين المحتشدين في ساحة القصر فعاد جنيد الذي كان مؤخوذاً بهذا إلى الداخل ولكن فجأة انقلب ذهوله إلى تعجب حينما وجد العجوز ترتجف وأسنانها تصطك ببعضها وكأن البرد ينخر عظامها فقال:
ما بالك ترتجفين هكذا؟!!
لم تجبه فأعاد سؤاله مرة أخرى فأجابته وهي لا تزال على حالها:
لقد عاد
ـ من هو؟
ثم تابع:
ومن الذي كنت تقصدينه بملِك الذئِّاب؟
حملقت فيه العجوز طويلاً ثم قالت بصوت مرتجف:
سيد تلك الكائنات التي تقبع داخل الأقفاص بالأسفل
ثم تابعت وهي تزدرد ريقها بصعوبة:
لقد هاجت هكذا لأنها أحست بوجوده، فهي تستمد قوتها منه
قوس فمه لأسفل وقال بغير اقتناع:
ربما لأنها رأتني
رمقته العجوز بنظرة ساخرة ثم قالت باستهزاء:
أنت ملِكٌ مزيف
ثم اقتربت منه بخطوات مرتعشه ثم أمسكت بالقلادة وتابعت:
لقد خرج وهج أحمر من عيون هذه القلادة وهذا يعني أنه كان هنا بين الحشود
صمت مفكراً ثم قال:
ولماذا عاد؟
أجابته وهي تحاوط جسدها النحيل بكلتا يديها:
لينتقم.
ـ ممن؟
ـ مني
ثم تابعت بعد صمت:
لأنني قتلته
فقال بتهكم:
قتلتيه وعاد لينتقم منكِ؟
ثم صرخ فيها باستنكار:
هل أصاب الخؤف عقلك أيتها المرأة؟ كيف يعود ميت إلى الحياة مرة أخرى؟
عبس وجهها وانقلب خوفها إلى غضب فصاحت فيه:
إخفض صوتك
ثم أردفت:
لقد ضربته على رأسه بقوة فسقط أرضاً عندها رأيت بركة من الدماء أسفل رأسه فظننت أنه مات، ولكني عرفت فيما بعد أنه لازال حياً، وها هو اليوم عاد لينتقم مني
صمت لبعض الوقت قبل أن يقول:
كيف استطعت التغلب عليه وهو يفوقكِ قوة وحجماً وأنتِ كما أرى عجوز تتوكأ على عصاها في وهن
فقالت دون الإكتراث لسخريته منها:
لم أكن عجوزاً يا سيد جنيد
فابتسم بزاوية فمه بسخرية وقال:
كم عاماً مرت على ذلك اليوم سيدتي؟
ثم تابع بسخرية:
لابد وأنها تزيد عن السبعين
حملقت فيه العجوز ثم قالت بصوت وكأنه يخرج من أعماقها:
مائتين
ضحك فقالت مؤكدة:
ليست سبعين يا سيد جنيد، بل مائتي عام
فقال غير مصدق:
مستحيل
فقالت توضح الأمر له:
هذه الكائنات لا تشيخ يا سيد جنيد مهما تقد بها العمر ولا تقفد قوتها مهما حدث
فسألها مستنكراً وهو يرمقها بنظرة شك:
وكيف عشتِ أنتِ لأكثر من مائتي عام؟
أجابته وهي تنظر في عينيه:
لأنني واحدة منهم
فصرخ فيها غاضباً:
هل تهزأين بي أيتها العاهرة؟
وهم بإخراج سيفه من مكانه فتمتمت ببضع كلمات غير مسموعة فتجمد في الحال وتصلبت عضلاته ولم يعد قادراً على الحركة
ثم وضعت راحتها فوق عينيه وأخذت تتمتم مرة أخرى وعندما أبعدت يدها عينه وجد العجوز قد اختفت وحل محلها فتاة عشرينية فاتنة تمتلك شعراً مموج يصل طوله إلى أسفل خصرها وترتدي فستاناً أسوداً لا يستر مفاتنها
ثم ابتعدت عنه ببضع خطوات فقالت لما رأته ينظر نحوها بذهول:
لو نظر إلى هكذا لمرة واحدة لما التقى عالمي بعالمك أبداً
ثم تمتمت مرة أخرى فهوى أرضاً وكأن جميع أعصابه قد أصابها الشللوعلى الرغم من هذا لم تختفي نظرة الذهول التي كانت تسيطر عليه فدنت منه ثم قامت بصفعه صفعة قوية جعلت ذهوله يتحول إلى غضب فصرخ فيها:
من أنتِ؟ أين العجوز سُلاف؟
فقالت بهدوء لا يتناسب مع عاصفة الغضب التي تجتاحه:
أنا هي، وهي أنا
فصرخ فيها:
من أنتِ؟
فبادلته الصراخ قائلة:
أخبرتك أنني والعجوز شخص واحد
ثم تابعت وهي تلقي ببصرها خارج الشرفة:
دعك من هذا وفكر في طريقة لإخضاع هذه الكائنات لك مرة أخرى
فقال بنفاذ صبر:
وهل فقدت السيطرة عليها لأفعل من جديد؟!
رمقته بنظرة حادة وقالت:
لقد شعرت هذه الكائنات بوجود سيدها وبهذا فقدت السيطرة عليها يا سيد جنيد
ثم تركته تائها في حيرته وخرجت إلى الشرفة
ظل في مكانه تعصف الأفكار برأسه ثم أخذ يملأ صدره بالهواء محاولاً ضبط أعصابه ثم لحق بها، فوجدها تستند براحتيها إلى حافة الشرفة وهي تنظر نحو ساحة القصر الفارغة بأعين ثابته فوقف إلى جوارها وأحذ ينظر إلى تلك الوحوش التي تضرب الأقفاص بكامل قوتها تكاد أن تحطمها وتعوي عواءً قوياً يزلزل الأبدان وإلى الجنود الواقفين داخل الساحة ترتجف أجسادهم وهم يمسكون بدروعهم في محاولة بائسة لحماية أنفسهم إن تمكنت تلك الوحوش من تحطيم أقفاصها، ثم صرف بصره عن هذا كله ووجهه نحوها فوجدها تحدق به وعلى وجهها ابتسامة ماكرة فأطلق تنهيدة قصيرة وقد انعقد ما بين حاجبيه ثم قال:
من أنتِ؟
زفرت بقوة وهي تشيح بوجهها بعيداً فأردف:
أعرف أنكِ والعجوز وجهان لعملة واحدة، ولكني لا أعرف من أنتِ ولم أكن أعرف من هي سُلاف ولا السبب الذي كانت تسعى إليه
ثم لمعت عيناه بخبث وتابع:
أعرف أن هناك سبب قوي تسعين لتحقيقه، أليس كذلك؟
سحبت نفساً عميقاً ثم قالت وهي تنظر إلى الساحة:
اسمي زمرد
ثم تابعت بغرور وهي تلقي بشعرها للخلف:
أجمل فتيات ممالك الذئِّاب
كانت بالفعل فاتنة ولا يوجد في جمالها اثنتين فأخذ يحملق فيها لبعض الوقت حتى انشغل جل تفكيره بجمالها ثم ازدرد ريقه وهو يبعثر نظراته عنها كي لا تتمكن من السيطرة على عقله فوقع بصره على أحد الوحوش فقال باستنكار:
كيف تعرفون الأجمل بينكم وجميعكم تملكون الوجه ذاته، وجه الذئب؟
قهقت زمرد عالياً ثم قالت:
للجمال في عالمنا مقاييس تختلف عن عالمكم، فمثلا في عالمكم تكون ملامح الوجه هي مقياس الجمال، أما في عالمنا فالأمر مختلف
رفع أحد حاجبيه لأعلى ثم قال بتهكم:
وما هي مقاييس الجمال في عالمكم؟
فقالت دون الإلتفات إليه:
الجمال في عالمنا يقاس بالقوة والقدرة على خداع الغير
فقال بتهكم:
هذا في عالمنا يسمونه الوقاحة والدناءة
فضحكت زمر ثم قالت ساخرة:
إذن يا سيد الوقاحة والدنائة، ما هي خطوتك التالية؟
لم يعجبه ما قالته ولكنه لم يعلق ثم قال:
أولائك الحمقى يظنون أن بإمكانهم التغلب على جيش بحجم جيش أكاسيا، ولكن هذا مستحيل
ـ ماذا ستفعل؟
صمت قليلاً ثم قال وهو ينظر في عينيها بتحدٍ:
سأقوم بسحقهم وسترين هذا
حل عليهم الصمت حتى قال:
لم تخبريني عن هدفكِ من هذا
زفرت أنفاسها بقوة ثم قالت:
أنت كائن لحوح
ثم تابعت:
هدفي هو السيطرة على عالمي، وجعل ملكهم أسفل قدمي، أنت ستساعدني في هذا كما سأساعدك في تحقيق حلمك.
شرد عقله وهو يتخيل نفسه ملكاً على كل ممالك الأرض بكل جيوشها وشعوبها، ثم ابتسم وهو يرى ريماس حلم طفولته الذي طال انتظاره تقف إلى جواره بفستان زفافها المطعم بأغلى الأحجار وأجملها، ثم تهللت أساريره وهو يرى مجدا يركع عند قدميه ذليلاً مهاناً يرتدي ثياباً رثه
فانتبه من شروده على صوت زمرد وهي تقول:
مستحيل، فهذا تحديدا لن يخضع لك ولن يسهل عليك السيطرة عليه أبداً، فيلزمك قوة هائلة للتغلب عليه
حملق فيها مدهوشاً، فكيف استطاعت معرفة ما يفكر فيه؟ فلاذ بصامتاه وحاول شغل عقله في أي أمر آخر حتى لا تتمكن من معرفة ما يجول بخاطره.
بعد مرور أسبوع كان قد قام بتجهيز سرية قوامها ألف وخمسمائة ما بين فارس وجندي من أقوى فرسان وجنود المملكة وهو عدد هائل يقارب عدد مقاتلي الفيلق الجنوبي كاملاً وعلى رأس هذه السرية فارس شاب يدعى زهير.
كان جنيد جالساً فوق صهوة حصانه يروح ويغدو أمام الصفوف بغرور فاقتربت منه زمرد وعلى وجهها ابتسامة واثقة ثم قالت موجهة حديثها له:
هل ستكون على رأس هذه السرية؟
قهقه عالياً ثم قال بغرور:
هل سمعت عن ملك يذهب بنفسه للقضاء على مجموعة من قطاع الطرق واللصوص؟
ثم تابع:
كما أن موته شرف لن أدعه يناله
فقالت بتهكم وبصوت منخفض لا يصل إليه:
ملك! تصدق نفسك
ثم بدأ الزحف باتجاه الجنوب.
*********
وصلت السرية إلى القرى التي يسيطر عليها الجيش الجنوبي شمال الغابة بعد مرور ثلاثة أيام وكان ذلك على مرحلتين
ثم بدأت زحفها إلى داخل الغابة وعند منتصف الليل بدأ الهجوم إذ تسلل مجموعة من جنود الجيش الشماليين إلى الجنوب فوجدوا ثلاثة من جنود الفيلق يتسامرون وجميعهم يقبض على سيوفهم وكأنهم مستعدون للقتال، فهجموا عليهم على حين غفلة وقاموا بذبحهم ثم فعلوا الأمر ذاته مع جنود آخرين وكادوا أن يذبحوهم لولا أن صاح أحد الجنود بالكلمة المتفق عليها بينهم فتأهب كل من سمع تلك الصيحة وقام بتنبيه من لم يسمع حتى أصبح جميع الجنود المتمركزين جنوب الغابة والذين يتراوح عددهم ما بين مائة وخمسين إلى مائة وسبعين مقاتل بقيادة شمس على أهبة الإستعدادولكنهم لم يعرفوا من أي اتجاه سيكون الهجوم كما أنهم لم يتوقعوا حجم الهجوم الواقع عليهم
كان القمر في تلك الليلة بدراً فكانت الرؤية واضحة بعض الشئ، بدأ الهجوم واشتد القتال بين كلا الجيشين وقد كان لعنصر المفاجأة دور فعال في إضعاف شوكة الجيش الجنوبي ولكنهم تمكنوا من المقاومة وأبلوا بلاءً حسناً حتى بدأ صمودهم يقل بشكل تدريجي وبدأت قواهم تضعف وأخذت الهزيمة تلوح في الأفق منذرة بحسم المعركة لصالح الجيش الشمالي
حتى حدث شئ عجيب لم يتوقعه أحد، إذ أخذت السماء تمطر سهاماً تستقر في صدور وظهور الجنود والفرسان الشماليين وأسقطت منهم ما يربو على الثمانمائة قتيل غير الذين سقطوا منذ البداية أما البقية فولوا هاربين من هول ما يلاقوه مخلفين جثث قتلاهم وراء ظهورهم حتى انقشع الظلام وأخذ نور الفجر في التسلل وأشرقت الشمس وكشفت ما أخفاه الليل.
كان جنود الفيلق الحنوبي ينظرون باتجاه السماء وكأنهم يبحثون عن مصدر السهام التي كانت تنتقي الجنود الشماليين دوناً عن غيرهم
ثم هبط عن سطح أحد المنازل القريبة من الغابة من الناحية الجنوبية قائدهم الشجاع ممسكاً بقوسه وقد علق جعبة السهام على ظهره وهو يبتسم فاقترب منه شمس وقال باندهاش:
أنت من فعلت هذا؟
نظر نحوه بينما شرد عقله فيما حدث
وصل إلى المنطقة القريبة من الغابة وهو يسمع صوت اصطكاك السيوف يصدح في الأجواء فاقترب من منطقة القتال مع رفاقه ثم قام باعتلاء سطح أحد البيوت المتواجدة بالقرب من الغابة والتي كان أغلها يتكون من طابقين فتمكن من كشف المكان أمامه، فطرأت في رأسه فكرة وقام بتنفيذها على الفور، فهبط عن البيت وأسرع نحو رفاقه ثم قال بشكل حازم:
السهام
ثم تسللوا إلى المكان الذي يتخذونه مخزناً لسلاحهم في تلك المنطقة وأخذ كل واحد منهم قوساً وما استطاعت ان تحمله يده من سهام، ثم خرجوا واعتلى كل خمسة منهم سقف أحد البيوت وعيونهم على مجد في انتظار إشارته فقام بوضع أحد السهام وجذب به قوسه ففعل البقية مثله وبمجرد أن أطلق سهمه أطلق البقية سهامهم تجاه جنود الجيش الشمالي فقد كان الأمر سهل لأن جنود الجيش الشمالي يرتدون زياً موحداً بخلاف الجيش الجنوبي الذي لا يمتلك تلك المزية
واستمروا في ذلك حتى تنفس الصبح ناشراً ضياءه فهبط الجميع أرضاً
أفاق من شروده على سؤال شمس عن كيفية فعله فقال وهو يربت على كتفه:
لا يهم كيف، المهم أننا انتصرنا في هذه الجولة
فتسائل أحد الشباب:
ماذا سنفعل الآن سيدي؟ هل سنزحف إلى وسط الجنوب أم سنمكث هنا؟
فصاح مجد بحدة:
لن نتراجع مهما حدث، بل سنمكث هنا وعند شمال الغابة وسيكون الجنوب هو شرفنا الذي ندافع عنه، ولن نسمح لأحد أن يعبر الغابة مرة أخرى وإن كان هذا على حساب أرواحنا
ثم تابع وهو ينظر باتجاه الجثث المتناثرة:
ابحثوا عما إذا كان هناك قتلى من جيشنا
ثم نظر باتجاه المقاتلين الذين جاءوا برفقته وقال آمراً:
عليكم نقل حثث هؤلاء الشماليين بعيداً عن هنا،
فانتشروا جميعاً لتنفيذ أوامره
فقال شمس الذي كان يقف إلى جواره:
أقوياء، لقد ظلوا صامدين حتى النهاية
فقال مجد وهو ينظر باتجاه السماء:
أتمنى أن يظلوا كذلك في المرة المقبلة
ـ هل ستكون هناك مرة مقبلة؟
سأله شمس بقلق فقال:
أنت لا تعرف جنيداً بقدر ما أعرفه أنا، هو مغرور لدرجة أنه إن وقفت ذبابة على أنفه سيقيم حرب إبادة على كل الذباب في هذا الكون
ضحك شمس بينما تابع مجد:
كما أنه سريع الغضب، أذكر أنه في أول لقاء بيننا تعامل معي بغرور وحدة فقابلت غروره ببرود كاد أن يسحقه
فقال شمس بدهشة:
ألهذه الدرجة؟
أومأ إيجاباً وكاد أن يتابع حديثه لولا أن قطعته عليهما صيحة قوية فأسرعا نحو مصدرها فوجدا أحد الشباب المقاتلين يجثو أرضاً ويحتضن بكلتا يديه جثة أحد الشباب الثلاثة الذين سقطوا نتيجة لهذا الهجوم يبكي بكاءً مريراً فاقترب منه مجد وجثا إلى جواره وشد على ساعده فرفع الشاب وجهه ونظر نحوه، كان شاباً صغيراً لا يتجاوز عمره الثمانية عشرة عام فصاح بصوت باكٍ يمزق القلوب وشفتاه ترتعشان:
إنه أخي
**************