ملك الذئاب - الفصل السادس والعشرين - بقلم وفاء عبدالهادي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ملك الذئاب
المؤلف / الكاتب: وفاء عبدالهادي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل السادس والعشرين

الفصل السادس والعشرين

القائد، لقب أطلقه سكان الجنوب على مجد بعد الهجمات التي شنها على مناطق التسليم والقوات التي تتمركز في الجنوب سواءً القوات التي تتمركز عند حدود أكاسيا أو المنتشرة داخل القرى ثم قام باستبدالهم بقوات جديدة من جيشه الذي كونه من شباب الجنوب الشجعان وأطلق عليه اسم الفيلق الجنوبي أصبح عدد مقاتلي الفيلق بعد ستة أشهر من أول هجمة على أول منطقة من مناطق التسليم يفوق الألفي مقاتل وهو عدد قليل بالنسبة لجيش المملكة والذي يقدر بحوالي المائتي ألف مقاتل كان جميع مقاتليه مدربون بشكل جيد ومسلحون بالأسلحة التي اغتنموها من القوات التابعة لجيش المملكة كما قام بالسيطرة على القرى الواقعة شمال الغابة وقام بنقل سكانها إلى الجنوب ليكونوا في منطقة آمنة من أي هجوم أو حرب تنشب بينهم وبين من أسماهم الشماليين كان يشرف بنفسه على تدريب مجموعة من الغلمان على الرماية في المنطقة التي تتوسط الجنوب والتي أطلق عليها اسم المدرسة العسكرية لتأهيلهم للإلتحاق بالفيلق الجنوبي بعد الانتهاء من تدريبهم ذهب إلى الحجرة التي خصصت للقائد في تلك المدرسة فدلف إليه شمس بعد لحظات فوجده يجلس على كرسيه شارداً يخيم الوجوم على وجهه فسأله عن سبب شروده فقال: ألا ترى معى أن الأمر يدعو للريبة وعدم الاطمئنان؟ ثم تابع: لقد انقضت عدة أيام منذ أرسلنا الرسالة ولم يصلنا رد، أخشى أنهم يدبرون مكيدة لنا فقال شمس موافقاً: حتى أنا أيضاً لست مطمئناً لهذا الصمت فنهض مجد وقال بحزم: لذا يتوجب علينا التحرك سريعاً قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه ثم خرج من الحجرة وعاد وبعده بلحظات دلف إلى الحجرة ثلاثة من الشباب التمس فيهم الفطنة والذكاء والحنكة في تدبر الأمور فجعلهم مستشارين له يأخذ رأيهم في كل شئ وكان شمس على رأس هؤلاء الشباب فقال مجد بعدما اتخذ الجميع أماكنهم: لا أشعر بالراحة لما يحدث، فهذا الصمت من قبل الشماليين يصيبني بالقلق فقال أحد الشباب وقد كان يدعى سراج: وما الذي ترى أن نفعله سيدي؟ ثم قال شاب آخر وكان يدعى متيم: نحن على أهبة الإستعداد لنفعل ما تأمر به سيدي أخذ يقلب بصره بينهم جميعاً ثم قال: لقد اتخذت قراراً وأتمنى ألا يخالفني فيه أحد ثم تابع: سأذهب إلى الشمال، فأنا لن أبقى مكتوف الأيدي في انتظار ما قد يكون فيه هلاك الجميع ثم قال موجها حديثه لمتيم: وأنت يا متيم، استعد فسوف تذهب برفقتي فنهض متيم وقال بحماس: أنا مستعد سيدي فابتسم مجد ثم سمح لهم بالإنصراف انصرف الثلاثة يتبعهم شمس الذي كان واجماً، لاحظ مجد وجومه فأوقفه: شمس أنتظر وقف شمس في مكانه فاقترب منه مجد ثم قال وهو ينظر إلى وجهه العابس: ماذا بك؟ لماذا تبدل حالك هكذا فجأة؟ فقال بتذمر كالأطفال: لماذا لا أذهب أنا معك؟ لماذا اخترت متيماً لهذا؟ ضحك مجد ثم قال: لأنني أحتاج لشخص أثق به ليبقى هنا نائباً عني حتى عودتي ثم وضع كفه فوق كتفه وتابع: وهذا الشخص هو أنت حملق فيه شمس لبعض الوقت ثم ارتخت ملامحه وابتسم بعذوبة وهو يعانق مجداً فقال الأخير معاتباً: هل تظن أنني قد أتخلى عنك أيها الأحمق؟ سأله شمس عن موعد رحيله فقال: عند منتصف الليل فأومأ برأسه وهم بالانصراف فأوقفه مجد مرة أخرى فتسائل عما يريده فقال الأخير: لا أريد أن تعرف ريماس بهذا على الأقل حتى أرحل فلا وقت لدي لمحاولة إقناعها بالأمر فابتسم شمس وقال: هذه الفتاة تهيم بك يا صديقي فبادله الإبتسامة وهو يقول: أعرف هذا، لذا لا أريد لها أن تحزن فقال شمس: كن مطمئناً ثم استأذن وانصرف وعند منتصف الليل كان مجد ومتيم في طريقهما إلى الشمال.                           ************ وصلا إلى الشمال بعد مضي يومين وتحديداً عند منتصف ليل اليوم الثاني، كان الطقس بارداً بعض الشئ وكان السكون مخيماً على المملكة في ذلك الوقت من الليل فتواريا جوار أحد المنازل بعيداً عن الهواء الذي يشعرهم بلسعة برد حتى أشرقت الشمس وعادت الحياة تدب في طرقات وأزقة المملكة من جديد فرأوا مجموعة من الجنود يقومون بجمع الناس غصباً ويدفعونهم للسير في اتجاه معين، فتعجب متيم مما يحدث وتسائل: ما الذي يحدث فأنا لم آت إلى الشمال من قبل فأجابه مجد وهو ينظر باتجاه الجنود: لا أعرف، فأنا لم أرى هذا يحدث من قبل ثم تابع: دعنا نسير معهم لنرى إلى أين يأخذونهم وبالفعل اندمجا بين البقية وسارا معهم حتى وصلا إلى ساحة القصر، فاتسعت عينا متيم وهو ينظر بانبهار نحو القصر ثم قال: هل هذا هو قصر الملك؟ أومأ مجد إيجاباً ثم قال: لقد عشت فيه لثلاثة أعوام حملق فيه متيم لبعض الوقت ثم قال: حقاً أومأ إيجاباً فتابع: وبأي صفة كنت تعيش هنا؟ كاد أن يجيبه لولا أن ومض مشهد في عقله جعل عينيه تظلمان فجأة ثم عاد النور إليهما مرة أخرى، ولكن ذلك المشهد كان سريعا. لدرجة أنه لم يلحظ شيئاً معيناً فيه ضغط بيديه على جانبي رأسه وقد ظهر الألم على وجهه فشعر متيم بالقلق وسأله: هل أنت بخير سيدي؟ أبعد يديه عن رأسه وأجابه بأنفاس لاهثة: بخير بخير لا تقلق ثم سحب نفساً طويلاً وأخرجه ببطء محاولاً ضبط أنفاسه في تلك اللحظة أطلق بوق عالٍ جداً فالتزم الجميع الصمت وعم السكون المكان ثم تحرك صف طويل من الجنود وانتشروا على جانبي الساحة فظهر شئ مغطى بأغطية سوداء بطول السور على كلا الجانبين لم يلحظاه عند دخولهما في البداية ثم بدأ الجنود في رفع الأغطية السوداء فظهر تحتها العشرات من الأقفاص الحديدية وداخل كل قفص منها يقبع مخلوق غريب الشكل له هيئة تشبه البشر إلا أنه لا ينتمي إليهم فوجوههم تشبه وجوه الذئاب ويغطي الشعر الرمادي سائر اجسادهم، شعر الجميع بالخوف لرؤية هذه الكائنات ثم خرج جنيد بعد لحظات يرتدي التاج الملكي فتعجب مجد وقال في نفسه: أين شريح؟! فسمع أحد الواقفين أمامه يقول بضيق وبصوت منخفض بعض الشئ: الوغد، قتل والده ليحل محله فقال من بجواره متهكماً: وهل كان والده ملاكاً لتشعر بالحزن عليه؟ فقال الأول بحدة: وهل تظن أن هذا يختلف عن والده ثم تابع: تابع في صمت صدم مجد حين سمع هذا، ليس حزناً على شريح الذي قتله ابنه ولكن لأنه بفعله هذا قد فوت عليه فرصة انتقامه، ولكن ما جعله يصعق هو خروج سُلاف ووقوفها إلى جوار جنيد فشعر للحظة أن الأرض تميد به ثم رأى جنيداً يخلع سترته وتمسك العجوز بقلادة من العاج هي عبارة عن رأس ذئب وتضعها حول عنقه فشعر بوخزة في باطن راحته اليمنى تلتها وخزة أخرى وأخرى حتى شعر أنه يقبض على كومة من الأشواك ثم سرى ذلك الوخز في ذراعه وأخذ ينتقل شيئاً فشيئاً إلى كل أنحاء جسده، كانت وخزات قوية وكأن هناك الآلاف من الأشواك تنغرس في جسده ثم شعر بأضعاف هذا الألم يجتاح رأسه لدرجة أنه كاد أن يفتك به فجثا على ركبتيه أرضاً وهو يضغط على رأسه بكلتا يديه بقوة يكاد أن يحطمه في تلك الأثناء انطلق عواء قوي من جميع الاتجاهات فنظر الجميع نحو الأقفاص تتلون وجوههم في فزع فوجدوا تلك الكائنات التي تقبع بداخلها تعوي بقوة وقد تضاعف حجمها وبرزت عضلاتها بشكل مفزع فأخذ الجميع في الصراخ ثم انطلقوا هاربين فالكل يرغب في النجاة بحياته فقد كانت تلك الوحوش تضرب القضبان الحديدية للأقفاص بقوة تكاد أن تحطمها بدأ الألم الذي بداخله في الزوال حتى تلاشى تماماً فنهض وهو ينظر باتجاه الشرفة بنظرات حادة ثاقبة ثم سار مبتعداً حتى خرج من ساحة القصر فعادت إليه آلامه مرة أخرى خارج الساحة فجثا أرضا وهو يمسك برأسه التي عاد إليها الألم بشكل أكبر، ثم شعر بالألم يهدأ فحاول النهوض ولكن الألم عاد مرة أخرى وهذه المرة هي الأقوى على الإطلاق فلم يعد قادراً على الإمساك برأسه حتى وكاد أن يفقد وعيه فأسند جبهته إلى الأرض حتى اختفى الألم فجأة وكأنه لم يكن موجوداً فرفع رأسه ونظر نحو متيم الذي كان يراقبه من بعيد ووجهه مزيج بين الخوف والشفقة ثم قال وهو ينهض: لنعد إلى الجنوب                          ************** كان واجماً طوال طريق العودة يخيم عليه صمت مطبق وإن سأله متيم عن شئ أجابه ببضع كلمات مقتضبة حتى وصلا إلى القرى التي يسيطر الفيلق الجنوبي عليها والتي تقع شمال الغابة فأوقفته إحدى كمائن جيشه ظناً منها أنهم من الشماليين ولكن ما إن عرفوا أنه القائد حتى أفسحوا الطريق أمامه ثم سألهم عن شمس فأخبره أحدهم أنه عاد إلى الجنوب في الليلة الماضية فأومأ متفهماً ثم تابع طريقه داخل الغابة عبر الطريق الذي اكتشفوه والذي سهل لهم عبور الغابة بخيولهم حتى وصلا إلى الناحية الأخرى كان شمس يشرف بنفسه على تدريب مجموعة المقاتلين الجدد في المدرسة العسكرية فوقع بصره على مجد الواجم والذي دلف إلى الحجرة الخاصة به دون أن ينبس ببنت شفة فاستغرب شمس حاله فأسرع نحو متيم وسأله عن سبب وجومه فحكى ما حدث داخل ساحة القصر على مسامع شمس ومن يقفون معه فسأله شمس بقلق: هذا فقط؟! أجابه متيم وهو يومئ برأسه: نعم سيدي فقال شمس وهو يربت على كتفه: إذهب لترتاح فلابد وأنك متعب أومأ مبتسماً وهو يهم بالذهاب ولكنه توقف كمن تذكر شيئاً وقال: سيدي، هناك شئ حدث ولكني نسيت إخبارك به فسأله شمس بتأهب: ما هو؟ صمت قليلاً ثم قال: سيدي القائد ـ ماذا به؟ ازدرد متيم ريقه وهو يتذكر ما حدث ثم قال: عندما كنا نقف في ساحة القصر وأصاب القائد ما أصابه رأيته ينهض وينظر باتجاه الشرفة ثم نظر نحوي أو بالأحرى نحو البوابة فرأيت ما جعل فرائصي ترتعد وكدت أصرخ من الفزع، لقد كان لون عينيه قد استحال للأحمر الدموي واختفى سوادهما وكذا بياضهما، وكان جبينه مقطب وعضلاته وعروق رقبته بارزة بشدة لدرجة أنها توشك على الإنفجار ، مجرد النظر إلى وجهه يجعل القلب يتوقف، وما إن وطئت أقدامه خارج الساحة حتى جثا على ركبيته من جديد وأمسك برأسه بصراحة لقد أصابني لون عينيه بالذعر وكدت أفر هارباً بحياتي خوفاً مما قد يحدث بعد تبدل حاله، ثم رأيته يسند رأسه إلى الأرض وهوي ذراعيه إلى جوارها بعدما أصابه الوهن، فشعرت بالشفقة لحاله فليس من المروءة في شئ ان تترك من يحتاج للعون وأنت قادر على هذا، ثم رأيته يرفقع جبهته بعد لحظات ونظر باتجاهي فكان يبدو طبيعياً وقد عاد لعينيه لونهما الطبيعي فنهض عن الأرض وكأنه لم يكن به شئ عندها ظننت أنني توهمت ما حدث كان شمس يحملق في متيم لا يصدق ما يقوله ثم أطلق تنهيدة قوية وهو يربت على كتفه وقال: شكراً لك يا متيم. ثم تابع يحذره: إياك أن يعلم أحد بهذا الأمر ولا حتى القائد نفسه فأومأ برأسه إيجاباً ثم استأذن للإنصراف                       ************ يخطو بخطوات واثقة فوق قمة جبلية شاهقة وقد كان عاري الجذع ثم توقف وهو ينظر باتجاه الوادي الذي يمتلئ عن آخره بالوحوش الذين يقفون في صفوف منظمة ترتفع هاماتهم ولا تحيد أعينهم عن قائدهم طرفة عين تقدم ثلاثة منهم كانوا يقفون جانباً وقد كان يبدو عليهم القيادة وحسن التصرف وعلى خصر كل واحد منهم سيف يلمع تحت ضوء الشمس ثم قال أحدهم وهو يرفع ساعده الأيمن بموازاة منكبيه كتحية لقائده: جميع جنود ممالك الذئاب طوع أمرك سيدي فانفرجت شفتاه بابتسامة واثقة ثم قال بصوت جهوري: هل أنتم مستعدون لمحاربة تلك الخائنة؟ فصاح الجميع بصوت قوي جعل الأرض تتزلزل أسفل أقدامهم: مستعدون سيدي فسحب سيفه ورفعه عالياً وهو يصيح في حماس ففعل البقية مثله                        ************ دلف شمس إلى مجد ليطمئن عليه فوجده جاثياً على ركبتيه ممسكاً برأسه تكاد جبهته أن تلامس الأرض فهرع إليه ولكن مجد رفع رأسه فجأة ونظر باتجاهه فشهق شمس وتراجع للخلف خطوتين وهو يحدق فيه بفزع، فقد تحول لونه عينيه واصطبغتا بلون الدماء ثم نهض وهو يزفر أنفاسه بقوة وقد برزت عروقه وانتفخت أوداجه لدرجة أنها توشك على الإنفجار ثم أخذ يقترب من شمس الذي تجمد في مكانه بعد تبدل حال صديقه الذي يعرفه جيداً وصار شخصاً آخر، أو بمعنى أدق صار مخلوقاً غريباً لا ينتمي لعالم البشر في شئ ثم خارت قواه فجأة وسقط على الأرض فاقداً وعيه عندما فتح عينيه كانت الرؤية ضبابية ثم أخذت تتضح شيئاً فشيئاً حتى اتضحت تماماً فوجد نفسه ممد في أحد جوانب الحجرة وشمس يجلس قريباً منه يراقبه بتأهب وقبل أن بنبس الأخير بشئ قال: ماذا حدث؟ أجابه شمس كاذباً وهو يساعده على النهوض: لا شئ، فقدت وعيك لبعض الوقت فقال مجد وهو ينظر في عينيه بثقة: لماذا تلجأ إلى الكذب إن كنت لا تجيده؟ ثم أطلق تنهيدة قوية وتابع: ما الذي تخفيه عني؟ فقال شمس باستسلام: عندما قدمت من الشمال صباح اليوم ودلفت إلى الحجرة دون الحديث مع أحد أسرعت نحو متيم وسألته عن سبب وجومك فأخبرني بما حدث معك داخل ساحة القصر وخارجها ثم أخبرني بشئ لم أصدقه ـ ما هو؟ قال وهو ينظر في عينيه: أخبرني أن لون عينيك قد تبدل وصار أحمراً كلون الدم  وما طرأ عليك من تغير في عضلات جسدك وتبدل ملامحك ثم تابع: كان ما يقوله مستحيلاً حتى….. صمت فسأله مجد بتوجس : حتى ماذا؟ صمت شمس قليلاً ثم قال: حتى رأيته بعيني صمت مجد ولم يعلق ثم قال بعدما طال صمته: سأخبرك بشئ ولكن عدني ألا تخبر أحداً بهذا ـ أعدك قالها شمس على الفور فملأ صدره بالهواء وقال: عندما دلفت ومتيم إلى ساحة القصر، أظلمت الدنيا في عيني فجأة ثم ومض مشهد سريع داخل رأسي لم أستطع تبينه أبداً فقد كان ضوء قوي ومض فجأة واختفى ثم عاد النور إلى عيني مرة أخرى فشعرت بألم حاد في رأسي فضغطت بكلتا يدي على جانبي رأسي بقوة ثم اختفى الألم فجأة كما حل فجأة وبعدما خرج ذلك المغرور وهو يضع التاج فوق رأسه، رأيت العجوز سُلاف تخرج بعده ثم ألبسته قلادة من العاج كانت عبارة عن رأس ذئب وعندما وقع بصري على تلك القلادة رأيت وهجاً أحمراً ينبثق من عيني الذئب في تلك اللحظة فشعرت بوخز قوي في راحتي اليمنى ومنها إلى كل مكان في جسدي، ثم أظلمت عيني مرة أخرى فجثوت أرضاً وأنا أمسك برأسي الذي يكاد أن ينفجر فرأيتني أقف في مكان واسع يحتل اللون الأخضر الجزء الأكبر منه فقد كان مليئاً بالأشجار والزهور ويقف أمامي مجموعة من الوحوش التي رأيتها داخل الساحة في تلك اللحظة توقف مجد عن الكلام وهو ينظر نحو شمس ثم قال متذكراً: تلك الوحوش التي رأيتها داخل الساحة كانت تشبه ذلك الوحش الذي رأيناه سوياً في تلك الورقة التي وجدناها داخل صندوق الحارث فصمت شمس قليلاً وهو يحاول تذكر تلك الصورة ثم اتسعت عيناه في فزع بعدها تابع مجد: التفت عن يميني فرأيت فجأة فتاة ذات شعر بني مموج يصل طوله إلى أسفل خصرها وترتدي ثوباً أسوداً لا يستر مفاتنها وهي تسير بخطوات حذرة مبتعدة عن ذلك المكان فلحقت بها حتى انتهى بي الأمر إلى مكان يشبه الكهف ولكني لم أعثر عليها وكأنها تبخرت فجأة ثم تلقيت ضربة قوية على رأسي أسقطتني أرضاً ثم عاد النور مرة أخرى فوجدتني جاثيا ومتيم ينظر نحوي بفزع ثم تابع: ولكن الغريب في الأمر أنني كنت أسير وفق تلك الخطوات التي كنت أخطو بها في ذلك المشهد فقد كنت أشعر بهذا والدليل أنني وجدت نفسي خارج الساحة ثم وبعد عودتي إلى هنا حدث الأمر نفسه معي ولكني رأيتني هذه المراة أقف فوق قمة شاهقة وقد كنت عاري الجذع والآلآف من تلك الوحوش يقفون أمامي في خضوع ثم تقدم نحوي أحدهم وأخبرني أنهم جميعا ينتظرون أوامري فأخذت أصيح فيهم وأشجعهم على الإنتقام ولكني لا أعرف ممن؟ ثم مسح وجهه بكلتا يديه في استياء وقال: تلك المشاهد ألِفتها جميعاً وكأنني…. نظر نحو شمس وتابع: وكأنني عشتها من قبل ثم نهض وهو يقول بثقة: بل أنا عشتها من قبل ولما لم يجد تجاوباً من صديقه رمقه بنظرة حادة وقال: ماذا بك؟ ألا تصدقني؟ نهض شمس هو الآخر وقال: لو لم أرى ما رأيته هنا لما صدقت ماتقوله ثم تقطب جبينه وهو يسأله: لماذا لا تفكر أن ما رأيته ليس سوى حلم؟ فصاح فيه مجد مستنكرا: أي حلم هذا الذي أراه وأنا متيقظ؟ ثم إن موضع الضربة التي تلقيتها لا زال يؤلمني حتى اللحظة أشار له شمس أن يهدأ ثم قال: بصراحة لا أجد تفسيراً لما تقوله، وحتى ما رأيته بعيني وحتى ما قاله متيم ثم تابع بعد صمت: أحاول الربط بينهم جميعاً ولكني في النهاية لا أصل لشئ ثم أكمل وهو يتجه ناحية الباب: سأتركك لترتاح قليلاً، وحاول أن تنسى ما حدث ثم خرج وأغلق الباب بعده أخذ يفكر فيما حدث معه لبعض الوقت حتى شعر بالدوار فضم ساقيه إلى صدره وأسند رأسه إلى ركبتيه في يأس فسمع فجأة من يهمس في أذنه فرفع رأسه ونظر عن يمينه تجاه مصدر الصوت فلم يجد أحداً، فشعر أنه توهم ذلك ثم أعاد رأسه إلى ركبتيه من جديد ولم يشعر بانقضاء الوقت فقد غاب في النوم ولم يستيقظ إلا على صوت طرقات عنيفة على باب الحجرة فوثب من مكانه وهو يحاول استيعاب ما يحدث فشعر أن الأرض تميد به وكاد أن يسقط أرضاً ولكنه تماسك ثم اتجه نحو الباب وفتحه فوجد أحد مقاتلي الفيلق يقف أمامه وعلى وجهه أمارات الفزع فسأله بقلق عما حدث فأجابه وهو يلهث: نتعرض لهجوم سيدي ثم أردف: الشباب جنوب الغابة يحتاجون للعون فخرج مسرعاً وأخذ ينادي في جنوده الذين اصطفوا أمامه بسرعة البرق فاختار من بينهم جماعة من أمهر المقاتلين وانطلق بهم صوب الغابة                           ************