الخامس والعشرين
لقد نهضوا سيدي.
قالها السيد بشير قائد السجن وهو يقف بين يدي شريح وابنه اللذين كانا ينظران إليه لا يصدقان ما يقوله
رواق ضخم وطويل جداً يقع على جانبيه مئات الزنازين الكبيرة جداً والتي قسمت من الداخل إلى ثلاث زنازين متوسطة الحجم، كل زنزانة منها مغلقة بقضبان حديدية قوية، وفي داخل كل زنزانة يقبع كائن غريب الشكل له هيئة تشبه البشر إلا أنه أضخم بشكل كبير ويغطي شعر رمادي سائر جسده، تبرز عضلات ذراعيه وكتفيه، أما الوجه فهو الأغرب بين كل هذا فهو يشبه وجوه الذئاب
كان جنيد ينظر إلى كل هذه المخلوقات بدهشة ويكتسي وجهه بأمارات عدم التصديق رغم أنه كان على علم بوجودها ولكنه لم يكن يتخيل أنها ستنهض ذات يوم أو ما هي هذه الكائنات فقال يسأل والده الذي كان ينظر نحو تلك الكائنات بفخر وكأنه قد وصل أخيراً لمبتغاه:
ما هذا؟
فآجابه دون أن يرفع بصره عنها:
إنهم جنود ممالك الذئاب يا بني
ـ جنود ممالك الذئاب؟!
قالها جنيد بعدم فهم فأردف والده:
منذ ما يزيد عن المائتي عام اكتشف راع وجود هذه المخلوقات داخل كهف أطلق عليه كهف الراعي يقع قرب الغابة الملعونة من الجهة الشمالية في وادٍ يطلق عليه اسم وادي الذئاب ولكن لم يعرف أحد عنها شئ حتى مر مائة عام على ذلك الأمر وتم إخراجها من الكهف عنوة بأمر من الملك الذي كان في ذلك الوقت فجعلها خاضعة له بطريقة ما وقام بمحاربة إيبرس التي كانت ترفض الخضوع له
فقاطعه جنيد:
كيف عرفت هذا؟
اقترب منه وقال:
قرأت عن هذا في كتاب وجدته مصادفة في مكتبة القصر
فرمقه جنيد بنظرة غريبة وقال باستنكار:
وهل صدقت ما كتب فيه بهذه البساطة؟
ـ ما تراه أمامك هو عين اليقين
قالها شريح وهو يشير إلى الوحوش فاقترب جنيد من أحد الزازين وقام بنغز الوحش الذي بداخلها باستخدام عصاً مدببة فأطلق الوحش عواءاً قوياً يصم الآذان ثم هجم عليه ولولا وجود القضبان الحديدية التي تفصله عنه لكان افترسه على الفور
سقط جنيد على ظهره من المفاجأة فأطلقت سلاف التي كانت تقف صامتة ضخكة استفزته ولكنه لم يعلق ثم سأل والده:
كيف يتم ترويض هذه الكائنات؟
قوس شريح فمه لأسفل علامة الجهل، فقال بغضب وهو ينهض:
كيف لا تعرف؟ أين ذلك الكتاب اللعين؟ لابد وأن به طريقة ما لترويض هذه الكائنات
ثم زفر أنفاسه بقوة وتابع:
هذه الكائنات لن تفرق بين عدوها أو صديقها
أطلق شريح تنهيدة قوية وهو يطالع ابنه الغاضب ثم قال:
وجدت ذلك الكتاب في مكتبة القصر وقد كان موجوداً في زاوية بعيدة عن بقية الكتب فلفت انتباهي، فذهبت إليه وأمسكت به وما إن فتحته حتى دلفت الملكة بتول فجأة وامتقع وجهها حين رأته بين يدي ثم أسرعت نحوي والتقطته من يدي ثم أشارت في وجهي بسبابتها وقالت:
إياك أن تمس هذا الكتاب مرة أخرى
ثم أعادته إلى مكانه وعادت ووقفت قبالتي ثم تابعت بكبرياء:
لا تنس نفسك يا شريح، أنت لست سوى فارس أو بمعنى أدق خادم يمكن الإستغناء عنه في أي وقت ولست صاحب مكان لتسرح وتمرح في القصر كما يحلو لك
كدت أن أنفجر من كلامها اللاذع فتركتها وانصرفت
كانت بتول على علم بأمر الخلاف الذي بيني وبين شقيقها غسان فقد كانت تظن أني أطمع في مكانة أخيها كونه المستشار الأول للملك ولكنها لم تكن تعرف أني أطمع فيما هو أكبر من هذا، فقد كنت أطمع في مكانة زوجها وبعد معرفتي بالسر الموجود داخل الكتاب أصبحت أطمع في حكم العالم بأسره.
في اليوم التالي انتهزت فرصة انشغال الجميع في القصر ودلفت إلى المكتبة وتصفحت بعض صفحات الكتاب على نحو سريع ثم خرجت قبل أن يلتفت إلى أحد، ثم فعلت الأمر نفسه في اليوم التالي واليوم الذي يليه حتى اكتشفت أمر تلك الكائنات وفي الوقت نفسه اكتشفت فيه الملكة أمر تصفحي لكتابها سراً فأخفته قبل أن اعرف ما فعلته تلك الكائنات بإيبرس، وذلك لشكها في نواياي، وما أغاظني وكاد أن يقتلني قهراً أنها أعطت الكتاب لشقيقها في اليوم ذاته الذي يسافر فيه إلى الجنوب حيث زوجته وابنه وهي ترمقني بنظرة ماكرة فأحضرت في اليوم ذاته سماً قوي المفعول ودسسته في طعامها الذي كان آخر شئ تتناوله في حياتها وفي الصباح تفاجأ الجميع بموت الملكة ولكن لم يعلم أحد أنني أنا من قتلها
أما بالنسبة لغسان فأرسلت خلفه فارسين ماهرين جداً كانا من حراس القصر وأمرتهما بقتله وإحضار ذلك الكتاب ولكنهما لم يعثرا عليه قط وعادا خاليا الوفاض فانتهزت حالة الحزن المسيطرة على القصر وذهبت إلى ذلك الجبل وصعدت إلى الكهف الذي يقبع قرب قمته فوجدت بابه مغلق بالصخور التي حاولت زحزحت إحداها ولكن هيهات فقد كان الأمر صعباً جداً فجلست أرضاً التقط بعض أنفاسي ثم نهضت وأنا أصيح مشجعاً نفسي:
هيا يا شريح بإمكانك فعلها
فاستطعت إزالة إحدى الصخور بصعوبة بالغة ثم نظرت عبر الفتحة التي خلفتها لداخل الكهف فلم أرى شئ سوى الظلام فقمت بإزالة بعض الصخور التي سهلت إزالتها بعدما أزلت الصخرة الأولى كي أتمكن من رؤية المكان ولما نظرت مرة أخرى لم أجد شيئاً فقلت في نفسي أن ما كتب في ذلك الكتاب ليس سوى خرافة أو أسطورة تناقلها الناس بينهم حتى جاء من دونها في كتاب
فعدت أدراجي هابطاً إلى الوادي ثم توقفت حين تذكرت أثناء هبوطي أني لمحت شيئا داخل الكهف ولكني لم أنتبه له فعدت لأتأكد مما رأيت فوجدت سرداباً في الجانب الأيمن من الكهف فاشتعل الحماس في داخلي وعدت أزيل الكثير من الصخور كي أتمكن من دخول الكهف
لا أعرف لماذا شعرت بانقباضة في صدري بمجرد أن وضعت قدمي فوق أرضية الكهف،
سرت يميناً باتجاه ذلك السرداب دون الاهتمام لما شعرت به، كان المكان مظلماً لدرجة أنني كنت أتحسس موضع قدمي حتى توغلت داخله وبدأ صدري يضيق ولم أعد قادراً على التنفس لدرجة أني شعرت أني سأموت في ذلك المكان حتى رأيت ضوءاً ضعيفاً يظهر عند نهاية هذا السرداب الذي كنت أسير فيه فتابعت سيري بصعوبة حتى وصلت إلى نهايته فوجدت ساحة عظيمة في باطن الجبل مضاءة بالكامل بضوء النهار القوي الذي يتسلل إليها عبر فتحة في قمة الجبل
عندما وقع بصري على تلك الساحة رأيت مشهدا كدت أموت رعباً بسببه، مشهد يشيب له الرضيع في مهده
فقد كان هناك المئات من هذه الكائنات تجلس متأهبة وكأنها تستعد للهجوم، جميعها شاخصة الأعين لو اطلعت عليهم حينها لوليت هارباً أو لتوقف قلبك وسقطت صريعا في الحال.
كانت المفاجأة في تلك اللحظة قد جمدتني فلم أعد قادراً على الهرب ولا التقدم نحوهم فبقيت جامداً في مكاني لوقت طويل فأنا لا أعرف شيئاً عن هذه الكائنات ولا علم لدي عما يمكنها أن تفعله بي في تلك اللحظة حتى استجمعت شجاعتي وتجرأت على التقدم نحوها ليقيني أنها ستقتلني على كل حال، ثم مددت يدي المرتعشة نحو أحدهم واستطعت لمس ذراعه الضخم الذي تبرز عضلاته بشكل مرعب ويفوق حجمه حجم الذراع البشري ربما بعشرة مرات فأحسست بليونته مما أوحى لي أنه لا زال حياً وأنا أخشى أن يلتفت نحو في أية لحظة ثم مررت يدي أمام عينيه لأتأكد ما إن كان حياً أم لا فلم يحرك ساكناً فخطرت في عقلي فكرة مجنونة، قررت تنفيذها دون النظر إلى العواقب فملأت صدري بالهواء مستجمعاً شجاعتي ثم دفعته بكلتا يدي بقوة فمال على جانبه فاطمئن قلبي نوعاً ما إلى أن هذه الكائنات لا زالت حية ولكنها جامدة بطرقة ما فأسرعت عائداً عبر السرداب حتى وصلت إلى الكهف ثم خرجت منه وأخذت أعيد الصخور إلى أماكنها، ثم هبطت إلى الوادي وامتطيت ظهر حصاني الذي كان ينتظرني هناك وانطلقت عائداً إلى القصر وأنا أفكر في طريقة لإخراج هذه الكائنات من ذلك المكان والأهم، إخراجهم من حالة الجمود التبدي كانوا عليها حتى التقيت سُلاف التي ساعدتني هي وبعض الموالين لي في إخراج هذه المخلوقات من ذلك الكهف وإحضارها إلى هذا المكان.
كان جنيد يحملق بوالده في ذهول وعندما انتهى الأخير مما لديه ابتسم جنيد بمكر وهو يقول:
تستحقها يا شريح
بادله والده الإبتسامة، فتسائل مستغرباً:
ولكن كيف سنتمكن من إخضاع هذه المخلوقات لنا؟
ـ هنا يحين دوري يا سيد جنيد
نطقت بها العجوز فرمقها بنظرة شك فقالت وهي تشير نحوه:
إنزع سترتك
فصاح متهكماً:
هل فقدت عقلكِ أيتها العجوز؟
ـ ليس بعد
ثم تابعت وهي تشير له أن يسرع:
هيا
زفر أنفاسه بضيق ثم سألها:
لماذا؟
نظرت إليه مطولة ثم قالت:
هل تريد إخضاع هذه المخلوقات لك أم لا؟
أومأ إيجاباً فتابعت:
إذن إخلع سترتك
فخلع سترته على مضض وأصبح عاري الجذع فأخرجت المرأة من جُعبتها مجموعة من الأدوات التي تستخدم في دق الوشوم ثم أمرته أن يجثو على ركبتيه ففعل فبدأت في دق وشم على الجانب الأيمن من صدره، كان الألم جلي على وجهه ولكنه كان متماسكاً وبعدما انتهت من دق ذلك الوشم بدأت في دق ذات الوشم الذي كان عبارة عن وجه ذئب على ظهر كفه الأيسر ثم قالت بعدما انتهت:
هذه الوشوم كان يحملها ملكهم وهم جميعاً يخضعون له ويأتمرون بأمره
ثم أخرجت من جُعبتها أيضاً قلادة من العاج على شكل رأس ذئب وعلقتها حول عنقه ثم قالت:
اقترب من أحد الوحوش وأمره بما تريد وسترى ما سيبهرك
كان يشعر بالبلاهة وهو ينفذ كل ما تأمره به هذه العجوز ولكنه قرر أن هذا الأمر سيكون آخر شئ سيفعله من أوامر هذه المرأة ثم دنا من إحدى الزنازين ونظر نحو الوحش الذي بداخلها والذي كان يبدو عليه الغضب الشديد، فلاحظ جنيد أن عين الوحش قد راحت تنظر باتجاه الوشم الذي على صدره فتعمد إظهار الوشم الذي على يده فنظر اليه الوحش أيضاً ثم تعلق بصره بالقلادة وانحنى في احترام فلم يصدق جنيد ما تراه عينه فقال ليجرب الأمر:
انهض
فنهض الوحش على الفور وظل منتصباً في انتظار الأمر التالي فأراد جنيد التأكد أكثرفقام بفعل الأمر ذاته مع وحش آخر ففعل ما فعله الوحش الأول فارتسم الذهول على وجهه فاقتربت منه العجوز وهي تبتسم ثم قالت:
ألم أخبرك؟
نظر نحوها بنفس الذهول ثم قال متعجباً:
كيف عرفتِ كل هذا؟
فقالت بحدة:
ليس من شأنك
ثم نزعت القلادة عن عنقه وقالت:
جرب بدونها
نظر نحو الوحش وأمره أن يجلس فأخذ الوحش يقلب بصره بين الوشم الذي على صدره وعلى وجهه في صمت وقد ظهر التردد والحيرة على وجهه، فنظر جنيد نحو العجوز وكأنه يسألها عن السبب فضحكت بسخرية وقالت:
أنت لا شئ بدون القلادة
فانعقد حاجبيه في غضب ثم مد يده لينتزع القلادة من يدها ولكنها اختفت من يد العجوز أمام ناظريه فاتسعت عينيه في دهشة بينما تابعت العجوز:
لكل شئ ثمنه يا مولاي
زفر أنفاسه بضيق ثم قال:
لم أعهدكِ ساحرة أيتها الشمطاء
قهقهت العجوز عالياً ثم قالت متجاهلة ما قاله:
ألا تريد معرفة الثمن يا سيد جنيد؟
أشاح بوجهه بعيداً عنها فاقتربت منه ثم همست بشئ في أذنه جعل حدقتاه تتسعان فنظر إليها غير مصدق فابتسمت بثقة وكأنها تقول هذا ما لدي
**************
وفي أثناء العودة كان جنيد يجلس داخل العربة إلى جوار والده شارداً فيما قالته العجوز بعدما اقتربت منه وهمست في أذنه بصوت أشبه بفحيح الأفاعي:
الثمن هو رأس شريح
فألقى بنظرة خاطفة نحو والده فشعر بالألم يمزق فؤاده فدفن وجهه بين راحتيه مما أقلق والده فقال:
أنت بخير يا بني؟
رفع وجهه ثم قال وهو ينظر في عينيه:
أنا بخير لا تقلق ولكني مرهق بعض الشئ
ثم ملأ صدره بالهواء وحبسه قليلاً قبل أن يخرجه دفعة واحدة وقرر في داخله ألا يفعل ما طلبته منه العجوز مهما كان المقابل
وبعد مضي أسبوعين من ذلك اللقاء جاءت سُلاف إلى القصر مرة أخرى وقد كان مسموحاً لها بدخوله في أي وقت شاءت فوجدت جنيداً بجوار والده في حديقة القصر يتحدثان سوياً فاقتربت منهما وما إن وقع بصر جنيد عليها حتى تبدلت ملامحه وظهر عليه الضيق فنهض على الفور ثم استأذن من والده وانصرف عائداً إلى داخل القصر
ألقت سُلاف التحية على شريح ثم تحدثت إليه ببضع كلمات مقتضبة ثم أخبرته أنها ترغب في رؤية جنيد فسمح لها أن تذهب إليه
كان يجلس فوق عرش الملك والغضب مرسوم على وجهه فصفقت عالياً ثم قالت بانبهار:
هذا هو المكان الذي يليق بك سيد جنيد
لم يعرها اهتماداً فتابعت تذكره:
هل نسيت ما طلبته منك؟ أم أنك لم تعد ترغب في السيطرة على تلك المخلوقات؟
بالطبع لم ينسى جنيد ما قالته تلك المرأة ولكنه تناسى الأمر فوالده شئ عظيم بالنسبة له ولا يمكنه أن يقتله هكذا بمنتهى البساطة أبداً فقال ليحسم الأمر:
أي شئ قد أفعله إلا هذا، فأنا لن أقتل والدي مهما فعلتِ
ابتسمت العجوز بخبث وقالت:
هناك حل بديل
فاعتدل في جلسته متأهباً فقالت:
أن تقتل ريماس
بالطبع كانت تعرف مقدار الحب الذي يكنه جنيد لريماس فوضعه بين خيارين هما الأصعب على الإطلاق، فهو لن يستطيع التضحية بوالده مقابل ريماس ولن يضحي بريماس مقابل والده فقالت وكأنها تشجعه على هذا:
أعلم أنك تحبها ولكن صدقني لو وضعت هي في نفس موقفك هذا وكان عليها أن تختار بينك وبين مجد لاختارته دون تفكير
ظهر الغضب على وجهه وعلا صوت أنفاسه ثم قال:
كيف؟ وأنا لا أعرف أين هي؟
قوست فمها لأسفل ثم قالت:
إذن لم يعد هناك سوى……
لم تكمل جملتها إذ هجم عليها فجأة وقبض على عنقها بقوة ثم صاح مهدداً:
اسمعيني جيداً أيتها العجوز، إياكِ والتفكير في هذا الأمر مرة أخرى، فأنا لن أخسر والدي مقابل أي شئ في هذه الدنيا، وإن حدث وتحدثت فيه مرة أخرى فسوف أقطع لسانك القذر هذا
ثم دفعها للخلف فسقطت أرضاً بعدها نهضت ثم قالت وهي تهم بالرحيل:
كما تشاء
لم تتوقف العجوز عن محاولاتها رغم تهديداته حتى مرت ستة أشهر كاملةوفي اللقاء الأخير من تلك الأشهر الستة كان يجلس في حديقة القصر بمفرده حين جاءت العجوز ووقفت قبالته فقال يحذرها:
إن كنتِ جئتِ لتكرار نفس الأمر فارحلي ووفري على نفسك الإهانة التي تتعرضين لها في كل مرة فهذه المرة سأقتلك لأرتاح منكِ
فقالت وهي تبتسم بثقة:
لم آت إلى هنا لنفس الأمر يا سيد جنيد
ثم اقتربت منه ووضعت راحتها فوق رأسه ثم قالت:
أغمض عينيك
أبعد يدها عن رأسه بقوة وهو يزفر في غضب فقالت:
لم الغضب سيدي؟ أغمض عينيك فسوف أريكَ شيئاً مهماً
انصاع لها وأغمض عينيه فوضعت راحتها فوق رأسه وتمتمت ببضع كلمات فانتفض جسده فجأة وشهق عالياً وهو يرى الآلاف من تلك الكائنات تقف إلى جوار بعضها البعض محيطة بساحة عظيمة لا يمكن لعينه أن ترى نهايتها وداخل تلك الساحة يحتشد الآلآف من البشر الذين ينحنون أمامه في ذل وخضوع وهو ينظر نحوهم من مكان مرتفع جداً وكأنه فوق قمة جبلٍ ما
فجاءه صوت العجوز تقول:
ليس ملكاً على أكاسيا فحسب بل ملك على العالم أجمع، الكل خاضع لك والجميع يخشاك، لا أحد يخطو بخطوة دون علمك ولا أحد يمكنه الإعتراض على أمرك فالكل في خوف دائم من قوتك وبطشك
ثم أبعدت يدها عن رأسه فاختفى كل شئ ففتح عينيه وهو ينظر نحو العجوز بحدقتين متسعتين فتركته ورحلت دون النبس ببنت شفه
وقرب الفجر كان يقف أمام بيت العجوز يطرق بابها بقوة، فتحت العجوز الباب فدفعه بيده بقوة وهو يدلف إلى الداخل فسألته وهي تنظر نحو وجهه الغاضب:
ما الذي أتى بكَ إلى بيتي في مثل هذا الوقت يا سيد جنيد؟
لم يجبها ولكنه ألقى بكيس قماشي كان يمسكه عند قدميها فأطالت النظر نحو الكيس ثم نقلت بصرها نحوه وكأنها تقرأ ما في رأسه لتعرف محتواه فلم ينبس بشئ فانحنت وفتحت الكيس وهي تطالع ما بداخله على ضوء الكصباح الزيتي الوحيد الموجود في ردهة بيتها فشهقت عالياً واتسعت عيناها، بينما أغمض جنيد عينيه فلم يكن الكيس يحوي شيئاً سوى رأس والده فقالت وهي تنظر نحو الكيس بذهول:
كيف استطعت فعلها؟
فتح عينيه وحدق بالفراغ أمامه في صمت بينهما شرد عقله في لقائه الأخير معها أو بالأحرى بعد رحيلها كان يجلس وحيداً يفكر بصوت مسموع:
الملك، العالم كله تحت قدمي، الكون كله في قبضتي
ثم يهز رأسه بشكل أفقي وكأنه ينفض عن عقله تلك الفكرة التي تراوده، وظل على تلك الحالة بين قبول للأمر وعدمه حتى انتصف الليل فذهب الى مخضع الملك وطرق الباب، سمح له والده بالدخول فدخل ثم أغلق الباب بعد دخوله وهو ينظر إلى والده الذي كان يجلس على مقعده قرب الشرفة وقد كانت الدموع تلمع في عينيه
استبد القلق بشريح وهو يرى ولده في تلك الحالة التي لم يراه عليها من قبل فنهض ثم اقترب منه وهو يسأله عن حاله فقال جنيد:
لا شئ يا أبي
ثم مسح دموعه التي انزلقت على وجنتيه وتابع:
ولكني متعب قليلاً
فقال شريح باستنكار ممزوج بالقلق:
ومنذ متى وأنت تبكي بسبب شئ كهذا؟
مسح وجهه بكلتا يديه ثم ملأ صدره بالهواء وقال:
أشعر وكأن الكون بأسره يطبق على صدري ولا أستطيع التنفس
ثم تابع وهو يرى القلق في عيني والده:
سأخرج إلى الشرفة لأتنفس بعض الهواء علني أشعر بالراحة
ثم ابتعد عن والده الذي كان يشيعه بنظراته ثم وقف في وسط الشرفة وأطلق لدموعه العنان سامحاً لها أن تغسل صدره من الهموم التي علقت به ثم استند بمرفقيه إلى حافة الشرفة وهو ينظر إلى نجوم السماء وبدرها الشاهدين على حاله ثم أغمض عينيه فجاء في عقله نفس المشهد الذي أرته إياه العجوز ثم فتح عينيه وتبدلت ملامحه الى الصرامة ثم ألقى بنظرة خاطفة نحو والده وهو يتحسس مقبض سيفه بيده اليسرى ثم أمسك مقبض السيف بيده اليمنى بقوة وعاد إلى والده ثم قال وهو يقف أمامه منتصباً:
لا يكفي أن تكون قوياً لتحكم العالم، بل يجب أن تكون شجاعاً أيضاً وتدعس على مشاعرك بأقدامك
ثم أخرج سيفه من غمده وبضربة واحدة قوية فصل رأس والده عن جسده
مرت عليه لحظات كالدهر وكأن الزمن توقف عندها ثم نظر نحو جسد والده المنزوع الرأس وصرخ بكل ما أوتي من قوة ثم انهار على الأرض وهو يبكي بكاءاً مريراً وكأنه قد أدرك لتوه بشاعة الجريمة التي ارتكبها ثم صرخ:
سامحني يا أبي
حتى اقترب الفجر وهدأ بكاءه فنهض من جوار جثة والده وأحضر كيساً قماشياً ثم قام بوضع رأس والده بداخله وأغلقه بقبضته ثم هم بالخروج فلمح انعكاس صورته في المرآة فنظر إليها فوجد رجلاً ضعيفاً تختفي ملامحه أسفل نهرين من الدموع يجريان على وجهه فلم يعجبه هذا المنظر أبداً فهو لا يحب أن يكون إنساناً ضعيفاً فقام بمسح دموعه ثم خرج إلى حديقة القصر وتوقف بجوار فوارة المياه، وضع الكيس جانباً وأخذ يرشق الماء على وجهه ليسكت صوت ضميره الذي يصرخ فيه ولكن لا حياة لمن تنادي فلقد تغلب عليه شره فأمسك بالكيس مرة أخرى وامتطى ظهر حصانه وانطلق به مسرعاً قاصداً بيت العجوز
انتبه من شروده على صوت العجوز وهي تسأله:
كيف فعلتها؟
رمقها بنظرة حادة وهو يقول:
هذا ليس من شأنك، فعلتها وانتهى الأمر
ثم أطلق زفرة قوية وتابع:
أين تلك القلادة اللعينة؟
ابتسمت العجوز بزاوية فمها وقالت:
في مراسم تتويجك سأضع التاج بنفسي على رأسك والقلادة حول عنقك
ثم أخرجت الرأس من الكيس ونظرت نحو العيون المفتوحة التي رسمت الصدمة عليها وقهقهت عالياً ثم قالت وكأنها تتحدث اليها:
يا لحقارة نفوس الأبناء، يشقى الأب طوال عمره لينغم بنيه بحياة جميلة كما أنه يمكنه التضحية بحياته لأجل أبناءه، ولكن انظر يا شريح كيف ينسى الإبن كل هذا ويقتل أباه بمنتهى البساطة وكأنه كبش
ثم قهقهت مرة أخرى وتابعت:
هل تذكر يا شريح ليلة أن أخبرتك إن حدث واستيقظت هذه المخلوقات من رقادها فسوف يحتاج الأمر إلى تضحية عظيمة كي تتمكن من السيطرة عليها، عندها أخبرتني أنك مستعد للتضحية بأي شئ مقابل أن تحكم العالم فقلت لك أن المقابل هو رأس جنيد فصرت تصرخ في وجهي كالمجنون وتقول مستحيل كل شئ في هذا الكون يمكنني التضحية به إلا ولدي، حتى جاء اليوم الذي فعل فيه ولدك ما رفضت أنت فعله
كانت كلمات العجوز كوضع الملح فوق الجرح الملتهب فقد آلمته تلك الحقيقة التي عرفها ولو عاد به الزمان إلى الوراء لساعات فقط لما قتل والده مهما حدث ولكن من يعيد لنا ما فات؟
هم بالمغادرة ولكنه توقف كمن تذكر شئ وقال:
ما دمت تملكين سر إخضاع تلك الكائنات فلماذا تعطين هذا السر لشخص غيركِ؟
ابتسمت العجوز وقالت:
لأن عالمك هذا بأسره لا يهمني، كما وأن هدفك الذي تسعى إليه يختلف عن هدفي، فنحن أحياناً نكون مجبرين على السير في الطريق نفسه ولكن في نهايته لكل واحد منا وجهه يسعى لها جيداً
لم يجد ما يقوله فخرج من البيت وصفع الباب خلفه بقوة.
في صباح اليوم التالي كان جنيد يجلس فوق العرش بغرور وعلى وجهه ابتسامة كبيرة، فقد اختلفت نظرته لكل شئ حوله فهو بالأمس القريب كان يطمح للوصول إلى تلك المكانة وها هو الحلم أصبح واقعاً وسوف يتم تتويجه ملكاً على أكاسيا بشكل رسمي بعد خمسة أيام
كان يمسك بكأس من الشراب في يده يرتشف منه حينما دلف إليه أحد الحراس يخبره بأن السيد رسلان المسؤل الأول عن الشؤون المالية للمملكة يطلب الإذن بالدخول فسمح له
خرج الحارس وبعد لحظات دلف المسؤول بوجه مضطرب ثم انحنى في خضوع ولم يرفع هامته حتى سمح له جنيد بذلك فقد كان الأخير يشعر بالنشوة تغزو جسده وهو يرى الجميع خاضعين له
ثم قال بعد صمت:
ما الأمر؟
تنحنح السيد رسلان وقال بصوت منخفض:
هناك أخبار ليست جيدة سيدي
أشار له أن يكمل فتابع:
الجنوب
فقال بلا مبالاه:
ماذا به؟
أجابه وهو يراقب تعبيراته ويخشى من ردة فعله:
لقد توقفوا عن دفع الضرائب
نهض من مكانه وقد احتقن وجهه ثم أمسك بتلابيب المسؤول وهو يهدر بغضب:
أعد ما قلته
فقال وقد اكتسى الخوف قسمات وجهه:
نعم سيدي، لقد توقفوا عن دفع الضرائب منذ ستة أشهر وهو ما دفعني للتساؤل
فصرخ فيه بحدة وأنفاسه تلفح وجه السيد رسلان:
انتظرت لستة أشهر حتى تخبرني بهذا؟
ثم تابع:
أين رجالك؟
فقالت بتلعثم:
سيدي……لقد……لقد قمنا بإرسال مجموعة من رجالنا إلى الجنوب لتقصي الأمر ولكن….
صمت فصرخ فيه:
ولكن ماذا؟
فقال وهو يكاد أن يبكي:
لم يعد منهم سوى واحد فقط
ثم صمت ليلتقط أنفاسه وتابع:
كان يحمل رسالة
فسأله بنفس النبرة الغاضبة:
وما مضمونها؟
صمت السيد رسلان ولم ينبس بشئ فصرخ فيه:
ما مضمونها؟
ازدرد السيد رسلان ريقه بصعوبة ثم قال:
من الأفضل أن تقرأها بنفسك سيدي
فدفعه بكلتا يديه حتى كاد أن يسقطه أرضاً، فأخرج رسلان الرسالة من جيبه ومدها نحو جنيد الذي التقطها منه بعنف ثم فضها ليقرأ محتواها فلم يجد بها سوى عبارة واحدة وهي ( السباع لا تخضع للكلاب )
فقبض على الورقة بقوة وهو يقول بغضب:
حقير
خرج السيد رسلان بعدما أذن له بالانصراف ثم دلفت بعده بلحظات، العجوز سُلاف فوجدته يجوب القاعة ذهاباً وجيئة يكاد الشرر أن يتطاير من عينيه فقالت:
ماذا كان يفعل رسلان هنا؟
فصرخ فيها:
ليس لكِ شأن بهذا
فدقت الأرض بعكازها بقوة ثم قالت بغضب:
منذ أن أشركني والدك في هذا الأمر وأنا قد أصبح لي شأن في كل شئ
ثم تابعت:
كما أنه ليس من مصلحتك أن ابتعد في الوقت الحالي
فلم ينطق بشئ ولكنه مد يده نحوها بالرسالة فأخذتها منه وقرأت محتواها فلم تفهم شيئاً فسألته:
السباع لا تخضع للكلاب،…ماذا تعني؟ ومن الذي أرسلها؟
أطلق زفيراً قوياً ثم قال بحدة:
الوغد
ابتسمت العجوز بزاوية فمها ساخرة ثم قالت:
من؟ مجد؟
فصرخ فيها بغضب:
لا تأتي بذكر اسمه أمامي مرة أخرى
فصمتت لبعض الوقت ثم تسائلت:
كيف عرفت أنه هو من أرسلها؟
جلس فوق العرش مرة أخرى وقال:
السباع والكلاب أمر لا يعرفه أحد سواي أنا وريماس ولابد أنه كتب هذا لأعرف أنه هو من أرسلها
ثم نهض وقال بتحدٍ:
هو من بدأ، فليرني ما لديه إذن
فسألته العجوز بحماس:
ماذا ستفعل؟
ـ إنتظري حتى تنتهي مراسم التتويج وسترين كيف سأُحرق الجنوب بمن فيه
ثم أطلق ضحكة عالية وتابع:
وليرني السيد مجد حينها ما يمكنه فعله
************
انقضت الأيام سريعاً وجاء يوم التتويج
كانت الفرق الموسيقية تعزف موسيقاها في ذلك اليوم منذ الصباح الباكر حتى بدء مراسم التتويج عند منتصف النهار، فخرج جنيد إلى شرفة القصر التي تطل على ساحته الكبرى وهو يضع التاج فوق رأسه ثم وقف كبير قضاته وأعلنه ملكاً على أكاسيا بشكل رسمي خلفاً لوالده ثم خرجت بعد ذلك العجوز سلاف ووقفت إلى جواره وهي تنظر نحوه بابتسامة ثم قالت وهي تمسك بالقلادة وتستعد لأن تلبسه إياها:
اخلع سترتك
فرفض ذلك وقال:
تريدين أن تجعلي مني أضحوكة أمام الجميع
فقالت وهي تعيد القلادة إلى مكانها:
إذن لا داعي للقلادة
وتابعت:
كنت أود أن أجعل منك ملكاً ولكن يبدو أنك لا تريد
فقبض على يدها وقال:
توقفي
رمقته بنظرة حادة وهي تشيح بوجهها بعيداً عنه فقال بضيق وهو ينظر باتجاه المحتشدين:
هل هذا الأمر ضروري؟
أومأت إيجاباً، فشرع في خلع سترته فاشتعلت الهمهمات بين المحتشدين وهم يرون الرجل الذي لطالما ارتعدت فرائصهم لمجرد سماع اسمه والذي تخشاه الوحوش في البراري يقف عاري الجذع أمامهم وهو الأمر الذي لم يعتده أحد فجنيد معروف بين الجميع
فقامت العجوز بتعليق القلادة حول عنقه وهي تقول:
ستظل هكذا دوماً فهذه الوحوش لابد وأن ترى هذه الوشوم والقلادة معاً
فزادت الهمهمات ثم أطلق بوق عالٍ فالتزم الجميع الصمت وحل سكون رهيب على الساحة
بعد ذلك انتفضت العجوز فجأة وارتعش جسدها بشدة وهي تطالع الحضور بأعين مرتعبة،
لاحظ جنيد ذلك فتسائل عما أصابها فقالت وقد بدأت شفتاها ترتجفان:
أشعر بوجوده
فسألها عمن تقصده فقالت بصوت مرتجف وخائف:
ملِك الذئِّاب
ثم عادت إلى الداخل وهي ترتعد فلحق جنيد بها وهو يتعجب من حالها وما كاد أن يسألها عما تقصده حتى سمع صوتاً جعله يهرول باتجاه الشرفة وهناك رأى ما جعله حدقتاه تتسعان
*************