الثالث والعشرين
هجمت عليه الذكريات منذ أن وطئت أقدامه جنوب أكاسيا ولكنه كان متماسكاً فلم يكن يدري أنه بمجرد أن يلج إلى بيته لن يستطيع مقاومة أي ذكرى تمر على ذاكرته حتى وإن كانت ذكرى عادية ليست ذات أهمية
اقترب من السور الخارجي للبيت وأخذ يمر بيده عليه بشوق بدا في عينيه ثم قال بألم وهو يكافح دموعه:
لطالما لعبت إلى جوار هذا السور ولطالما شهد أجمل أوقاتي
ثم دفع البوابة بكلتا يديه ودلف إلى الداخل فتبعه البقية، ثم جثا على ركبتيه وقبض حفنة من تراب الحديقة بيده ثم قال وقد لمعت الدموع داخل عينيه الحزينتين:
كم لامس هذا التراب أقدامي وكم قبل أقدام أبي وأمي
ثم نهض بعدما انزلقت عبرة مؤلمة على وجنته وسار باتجاه البيت، ثم أخرج من أسفل سترته قلادة ملتفة حول عنقه ومعلق في طرفها مفتاح، حدق به طويلاً ثم دسه في ثقب الباب وفتحه فهبت رائحة الذكريات في وجهه مما أصابه بألم حاد في قلبه ثم دلف إلى البيت وهو يدور ببصره في كل مكان وكأنه ينتظر خروج أحد والديه من ركن ما من أركان البيت
كان كل شئ مغطى بالغبار وشباك العناكب، كانت ردهة البيت واسعة بعض الشئ تتوسطها سجادة ذات لون أزرق كلون السماء موضوع فوقها طاولة متوسطة من نفس اللون
وفي الجانب الأيمن من الردهة كان هناك أريكة ومقعدين بلون العسل تتوسطهم منضدة صغيرة، وفي الجهة المقابلة لها مائدة وضع حولها زوجين من المقاعد الخشبية ذات تصميم رائع، وبالقرب منها يوجد درج للطابق الثاني الذي يحوي غرفتين كبيرتين أمامهما رواق يطل على الردهة
أخذ يمر بيده على كل شئ تقع عليه عينه، فلامس الأريكة والمقاعد حتى أنه جرب الجلوس عليها جميعاً وكأنه يستعيد ذكريات طفولته ثم اقترب من الطاولة التي تتوسط الردهة ولامسها بيده فوقع بصره على بقعة داكنة موجودة على السجادة الزرقاء فجثا إلى جوارها ثم وضع يده فوقها وانهمرت دموعه مغرقة وجهه فقد عاودته أقسى ذكرى مرت عليه في حياته، بل ولن تمر عليه ذكرى أقسى منها ثم قال بصوت باكٍ يمزق القلوب:
هنا كان حبيبيَّ غارقان في دمائهما، قتلا غدراً في ليلة قمراء سيظل بدرها شاهداً على ما حدث حتى آخر الزمان
ثم تابع:
لم تكن أمي تؤذي أحداً لا بقول ولا فعل فبأي ذنب تقتل أمي ، وكذلك والدي لم أسمع أحداً يجرح سيرته بل الجميع كانوا يحبونه فبأي ذنب يقتل أبي
بل بأي ذنب أغدو يتيماً ولا أجد من يربت على قلبي الجريح الذي عشش الألم داخله وأنا طفل صغير
ثم نظر نحو رفاقه الذين انهمرت دموعهم حزناً على مصابه:
لو رأيتم ما رأيته ليلتها لتفجرت قلوبكم ونزفت عيونكم، طفل دون العاشرة ينام بجوار جثة والده المذبوح وأمه الممزق فؤادها يبكي بحرقة ولا يجد من يواسيه ويضمه إلى صدره ليشعره بشئ من الأمان
ثم نهض وهرول نحو الخارج فلحقوا به فوجدوه جاثياً بجوار كومة من التراب ولما اقتربوا منه وجدوا لوحاً خشبياً قديماً مكتوب فوقه ( غسان ـ أفنان )، فعرفوا أنه قبر والديه والذي حفره بنفسه في مشهد قاس جعلته الدنيا يمر به وهو طفل صغير
كان يمرر يده ذهاباً وإياباً فوق القبر ويبكي بحرقة تكاد تجعل الصخر يشاركه بكاءه
أظهر شمس القليل من التماسك فمسح دموعه واقترب منه ثم قال وهو يربت على كتفه:
سامحني يا أخي لأنني لم أكن معك قبل اليوم، ولكني أعدك أن أظل إلى جوارك حتى تفارق روحي جسدي
نظر مجد إليه ثم عانقه وأخذ يبكي بقوة أكبر فتابع شمس في محاولة للتخفيف عنه:
جميعنا في هذه الحياة يا صديقي يمر بأمور لم يكن بمقدور عقله أن يتخيل حدوثها أبداً ولكنها تحدث فإما أن يستسلم لها ويهلك أو يواجهها وينجو
فاقترب منه تميم ثم قال وهو يضع كفه الصغير فوق كتف مجد:
ذكرياتنا المؤلمة تبقى خالدة في أرواحنا وليست في عقولنا لذا لا يمكننا نسيانها أبداً، ولكن يمكننا تناسيها لتستمر حياتنا
ابتعد مجد عن شمس ونظر إليه فتابع وهو يبتسم بمرارة:
لن تستطيع نسيان والديك أو حتى تتناسى ما حدث لهما ولكن حاول ألا تكون سبباً في حزنهما فالآباء والأمهات يشعرون بأبنائهم حتى وإن كانوا أمواتاً
فضمه مجد إلى صدره وبكى من جديد
****************
بعدما هدأت عاصفة الذكريات التي ضربته وزعزعت كيانه وجعلته غير قادر على الصمود أكثر طلب منه رفاقه أن يعود لداخل البيت فهو لم ينام منذ أيام ولكنه أبى وآثر البقاء قرب قبر والديه وقال:
سأبقى هنا لبعض الوقت
ثم تابع بعد صمت:
اذهبوا أنتم لتنالوا قسطاً من الراحة
لم يتحرك أحد من مكانه فقال وهو يتنهد بضيق:
أرجوكم دعوني وحدي
نهض الجميع على مضض وتركوه عائدين إلى الداخل فمال بجانبه بجوار القبر متوسداً ذراعه الأيسر واضعاً يده اليمنى فوق قبر والديه حتى غاب في النوم، ورغم أن الوقت كان ظهراً إلا أنه لم يستيقظ سوى في اليوم التالي بعدما أحرقته حرارة الشمس
نظر نحو القبر مطولاً وابتسم بمرارة ثم نهض وهو ينفض التراب عن يديه وعن ثيابه واتجه إلى البيت
ارتسمت الدهشة على وجهه بمجرد أن وقف عند باب البيت فقد كان نظيفاً ولامعاً كسالف عهده، ولكن ما جعل جسده يقشعر هو خروج أمه من مطبخها حاملة بين يديها طبقاً يحوي مجموعة من فطائر التفاح والعسل التي يحبها والتي كانت تصنعها خصيصاً له كانت تنظر إليه وعلى وجهها ابتسامتها الحانية ثم قالت:
مجد، تعال يا بني
شعر بصوتها يدغدغ قلبه وكأنها أول مرة يسمع اسمه منها ثم تابعت:
هيا لقد أعددت الفطائر لأجلك
ثم ضحكت ضحكة رقيقة وهي تقول:
إنها لذيذة، مصنوعة بالحب
كاد أن يدخل إلى البيت ولكنها أشارت له أن يتوقف وقالت:
إخلع حذائك فلقد انتهيت لتوي من تنظيف البيت
أومأ موافقاً وعلى وجهه ابتسامة مشتاقة ثم خلع حذائه ووضعه جانباً داعساً على أرضية البيت النظيفة بأقدامه الحافية حتى وصل إليها، فوقف أمامها ثم ظل محدقاً بها فقالت وهي لا تزال تحتفظ بابتسامتها:
هيا يا حبيبي تناولها
مد يده ليمسك بها ولكن كل شئ تلاشى من أمامه فجأة فوجد نفسه يفق وحيدا في وسط الردهة ولا وجود لأمه
فسالت دموعه المتألمة على وجنتيه
ثم لمح فجأة ظل شخص يمر من أمامه كلمح البصر فنظر في الاتجاه التي سار إليه فرأى نفسه حين كان طفلاً يركض بسعادة وخلفه أمه تلاحقه وهي تضحك وتصيح قائلة:
سأمسك بك أيها الفأر
ثم ركضا إلى خارج البيت، فابتسم من بين دموعه وهو يلاحقهما بعينيه، ثم سمع صوت ضحكات أتية من خلفه فتعرف إليها بسهوله، كيف لا وهي ضحكاته حين كان طفلاً
فاستدار للخلف فوجد مجداً الصغير يقف أعلى الدرج وعلى وجهه ابتسامة عريضة ثم هبط لأسفل بوثبات سريعة ثم ركض باتجاه باب البيت فاتجاً ذراعيه عن آخرهما وهو يصيح بسعادة:
أبي
ثم تعلق بعنق والده، فحمله والده ودار به في حنان ثم قال بابتسامة حانية:
اشتقت إليك يا عزيزي
وأنزله أرضاً ثم أخرج من حقيبته مجموعة من أقلام الرصاص وأهداها له
ثم تبدل المشهد أمامه فوجد أمه تخرج من مطبخها حاملة أطباق الطعام وهو يساعدها في ذلك ثم يضعانها فوق المائدة
ثم أمسكت وجهه وقبلت وجنتيه بحب ثم أرسلته لدعوة والده لتناول الطعام فانطلق بمرح وهو يصعد عتبات الدرج ويصيح منادياً والده:
أبي…. أبي…الطعام جاهز
اختفى للحظات ثم عاد من جديد يحمله والده فوق كتفيه وهما يضحكان في سعادة
ثم تبدل المشهد مرة أخرى فوجد والده يجلس فوق الأريكة ممسكاً بين يديه بكتاب ويقرأ فيه بشغف بينما تجلس أمه إلى جوار والده وهي تقوم بغزل ثوب من الصوف له فقد كانت بارعة في هذا
فرأى نفسه يخرج من غرفته هابطاً الدرج بسرعة ثم يركض باتجاه والديه ممسكاً في يده لوحة صغيرة كان قد رسمها بنفسه وفيها يجلس مجد بين والديه فوق الأريكة ذاتها وعلى وجوههم السرور، فتذكر أنه كان يجيد الرسم منذ صغره
نهضت أمه وتقدمت نحوه ثم احتضنته وهي تنظر لوجهه الصغير تارة وللوحة تارة أخرى، ثم نهض والده هو الآخرواقترب منهم أيضاً وأحاطهما بذراعيه، فابتسم ابتسامة مريرة بطعم أيامه
تلاشى المشهد من أمامه فجأة فدار ببصره حوله يبحث عن والديه كالمجنون فرأى أمه تدلف إلى البيت عبر الباب المطل على الفناء الخلفي للبيت وهي تهرول بفزع ممسكة بين يديها بإناء صغير، ثم تبدل المشهد مرة أخرى فرأى نفسه ممد على فراشه ويظهر المرض على وجهه الصغير وبعد لحظات دلفت أمه وهي تحمل الإناء الصغير الذي كان مملوءاً بالماء ثم أغرقت خرقة نظيفة بهذا الماء الذي كان بارداً وأخذت تضعه على جبينه، فتذكر أنه مرض في إحدى الليالي ولولا وجود أمه إلى جواره حينها لكان قد مات
ثم وجد نفسه واقفاً وسط الردهة وحيداً فتلفت حوله وكأنه ينتظر المشهد الذي يليه فرأى والديه جالسان فوق الأريكة يتحدثان ولكنهما توقفا عن الحديث ونظرا إليه في وقت واحد فالتقت عينه بأعينهما فشعر بالخوف للحظات كما زاد خفقان قلبه فأشارت أمه إليه ونادته برفق:
مجد، اقترب يا بني
نظر خلفه ليتأكد إن كانت تقصده هو أم لا ثم أعاد بصره إليها بعدما لم يجد أحداً خلفه فوجد نظراتهم ما زالت متلاقية فأشار بيده نحو صدره وهو يزدرد ريقه وقال ليزداد يقيناً:
أنا؟!!!
فضحكت وقالت:
نعم يا بني،…من يكون غيرك؟
فابتسم ابتسامة ممتزجة بدموعه وهو يدنو منهما فنهضا ووقفا قبالته فقالت أمه وهي مازالت محتفظة بابتسامتها:
ماذا بك يا بني لماذا تبدو خائفاً؟
ثم مدت يدها لتمسح دموعه بأناملها فارتعدت فرائصه، فقد شعر بيدها تلامس وجهه فزادت دموعه أكثر، ثم حرك بصره نحو والده فربت الأخير على كتفه مما جعله كورقة مصفرة في مهب الريح وكاد أن يفقد توازنه ويسقط أرضاً ثم قال بحنان أبوي:
تحمل يا بني، أنت لازلت في بداية الطريق، فإن كان الماضي صعب، فالقادم هو الأصعب
ثم قالت أمه:
لا تظلم أحداً يابني كي لا تُظلم، وحافظ دوماً على نقاء قلبك ولين جانبك وتذكر، إن حرمك القدر ممن تحب فإنه حتماً سيعوضك بالأحب
فقال بصوت ضعيف بالكاد يخرج من حلقه الذي اختنق من شدة الحزن:
ولكن لا أحد أحبَّ إلى في هذا الكون منكما، ومهما اعطاني القدر فإنه لن يعوضني عنكما مهما حدث
فقالت:
سيمر كل مر يا بني وتذكر شيئاً واحداً
ثم وضعت راحتها على صدره وتابعت:
متى ما احتجت للعون في هذه الدنيا، تذكر أننا هنا
ثم اختفى كل شئ من أمامه وعم الظلام وكأن الليل قد حل فجأة فدار حول نفسه يبحث عنهما فوجد نفسه عندما كان صغيراً يقف أعلى الدرج مذعوراً ينظر باتجاه الردهة من طرف خفي، فنظر إلى نفس المكان الذي ينظر إليه فرأى والديه يقتلان أمام عينيه للمرة الثانية فصرخ بألم:
لااااااااااااااا
ثم هبط مجد الصغير عتبات الدرج ببطء شديد وهو يجر قدميه بصعوبة حتى جثا بين والديه يبكي بمرارة وقد ظهر اليتم على وجهه كفلق الصبح
فجثا إلى جواره، وكان يريد أن يضمه إلى صدره فقد شعر به وكأنه شخص آخر مر بما مر هو به وليس مجرد ذكرى عادت إليه لتزيده ألماً فوق ألمه
أخذ يوزع نظراته بين وجهي والديه ووجهه الصغير فبكى بكاءاً مريراً تصدعت له جدران البيت ثم أغمض عينيه وحين فتحهما وجد نفسه لا يزال واقفاً عند باب البيت، فوجده نظيفاً كما رآه ولكنه خالٍ لا والده ولا والدته
فمسح دموعه التي أغرقت وجهه وقد قرر في داخله أن يتماسك أمام أي ذكرى تراوده حتى لا يسقط بين براثنها فتسلبه عقله
خطا أول خطوة لداخل البيت فشعر ببرودة الأرض تسري بقدمه فنظر نحو الأرض سريعاً فوجد نفسه يقف حافيا وحذائه موضوع جانباً فوضع يده على صدره وقال بابتسامة:
أعرف أنكما هنا
ثم تابع دخوله فوقع بصره على رفاقه نيام في ردهة البيت، كانت ريماس تجلس على طرف الأريكة وتميم يتمدد على الأريكة بجوارها واضعاً رأسه فوق فخذها، وزهرة تنام فوق أحد المقاعد بوضعية القرفصاء أما شمس فقد كان ينام ماداً ساقيه أمامه فوق المنضدة الصغيرة
شعر بالشفقة لأجلهم فلابد وأنهم بذلوا مجهوداً هائلاً كي يعيدوا للبيت حياته المفقودة
جلس أرضاً بالقرب منهم وهو ينظر نحوهم وعلى وجهه ابتسامة عذبة حتى استيقظ شمس بعد وقت ليس بالقليل فنظر نحوه بأعين نصف مغلقة وسأله بتعجب:
ماذا حدث؟
تنهد بسعادة وقال:
لا شئ
فسأله:
إذاً لماذا تجلس هكذا؟ وما سر هذه الإبتسامة؟
لم يجبه فتابع:
يبدو أن ذكرياتك القديمة قد أثرت على عقلك وجعلت منك أبلهاً
فضحك بصوت مرتفع مما أيقظ البقية فتسائلوا عما حدث فأشار شمس بيده علامة الجنون وقال:
لابد وأنه فقد عقله
فنهض مجد واقفاً وقال:
من قام بهذا؟
فقال شمس وهو ينظر حوله:
هل تقصد البيت؟
أومأ إيجاباً فتابع:
بصراحة وجدناه لا يصلح للعيش به فقررنا تنظيفه ما دمنا سنقيم فيه
ـ متى فعلتم هذا؟
ـ بعدما تركناك خارج البيت وعدنا إلى هنا فقمت بمساعدة زهرة بترتيب وتنظيف كل شئ
فقال تميم بصوت ناعس:
وأنا أيضاً ساعدتهما، فقد كنت أجلب الماء لهما من بئر بعيد عن البيت حتى تورمت قدماي من كثرة السير
فضحك الجميع
نظر مجد نحو ريماس فطأطأت بصرها نحو الأرض في حرج وقالت:
لم أعرف كيف أساعدهما فأنا لم أعتد حياة كهذه من قبل
لف ذراعه حول كتفيها ثم قربها منه برفق وقال:
لا بأس، فأكثر ما يهمني هو أنك هنا معي
ثم دنا من شمس وقال:
شكراً لك
فقال الأخير:
لا عليك يا أخي، فهذا حق الأخ على أخيه
ثم شكر زهرة على ما قدمته من مساعدة لريماس فقالت:
لا عليك سيدي الطبيب فأنت والأميرة تستحقان كل خير
شعر بشئ يجذب قميصه لأسفل فنظر نحوه فوجد تميم يمسك بطرف قميصه وينظر نحوه لأعلى ثم قال:
ومن حق الوالد على ولده
قهقه الجميع عاليا فقال مجد مصدقاً على كلامه وهو يمسح على رأسه برفق:
ومن حق الوالد على ولده
ثم سار نحو الباب المطل على الفناء الخلفي وفتحه عن آخره فأضاء البيت بضوء النهار القوي وأعاد إليه روحه وبهجته
في تلك الأثناء دخلت عليهم امرأة في العقد الخامس من عمرها تنظر نحوهم بقلق ثم قالت بابتسامة حذرة:
أعتذر عن تطفلي ولكن من أنتم؟
لاذ الجميع بصمته تاركين حق الجواب لمجد فهو صاحب هذا البيت
فاقترب منها وقال بدهشة:
كيف حالك خالتي؟
عقدت المرأة ما بين حاجبيها وقالت:
من أنت؟
فقال وهو يشير إلى نفسه:
ألا تذكرينني؟
دققت فيه المرأة طويلاً ثم ارتفع حاجبيها وصاحت في ذهول:
مجد؟ هذا أنت؟
أومأ إيجاباً وهو يبتسم فتابعت المرأة بلهفة:
كيف حالك يابني؟ أخبرني أين كنت؟ ولماذا اختفيت هكذا؟
أجابها:
أنا بخير، أما عن أين كنت، ولماذا اختفيت، فهذا أمر يطول ولا طاقة لي بالنبش فيه وتذكره الآن
فقالت وقد لمعت عيونها:
عوداً حميداً يا بني، عوداً حميداً
ثم قالت:
لقد اكتشفنا وجود قبر في حديقة البيت محفور عليه أسمي والديك و….
قاطعها قائلاً:
توقفي خالتي أرجوكي، فما أنا فيه يكفيني
لاذت المرأة بصمتها ثم نظرت إلى البقية وتابعت:
أعتذر عن إزعاجكم
ثم أسرعت خارجة من البيت
تعجب الجميع من ردة فعلها فقال شمس متسائلاً:
من تكون هذه المرأة؟
أجابه وهو ينظر باتجاه الباب:
جارتنا
فقالت ريماس باستنكار:
أية جارة هذه؟ فأنا لم أرى أي منازل بالقرب من هنا
فقال:
البيوت في هذه القرية ليست قريبة من بعضها وبيت السيدة أم سيرين هو أقرب البيوت لنا
ـ أم سيرين؟!!
قالتها ريماس بتعجب فضحك وقال:
بصراحة لا أذكر اسمها
فقالت ريماس بتهكم:
ولكنك تذكر سيرين
فقال بغير اكتراث:
وكيف أنساها فقد كانت رفيقة طفولتي
قالت بغيرة واضحة:
آه حقاً؟!
لاحظ الغيرة في نبرة صوتها فاستطرد ليستفزها:
نعم، وكان جميع أطفال القرية يحبون اللعب معها ولكنها كانت تفضل اللعب معي أنا وكذلك الحال معي، فقد كانت فتاة جميلة
احمر وجه ريماس وصار كقنبلة على وشك الإنفجار وكادت أن تصرخ فيه، ولكن السيدة أم سيرين عادت مرة أخرى وقد كانت تحمل بين يديها طبقاً مغطى تفوح منه رائحة شهية ثم دلفت إلى البيت بعدها فتاة شابة لا يزيد عمرها عن أربعة وعشرين عام وكانت أقل ما يقال عنها أنها أنثى بكل ما تعنيه الكلمة، شقراء ذات شعر ذهبي لامع كخيوط الشمس يصل طوله إلى أسفل خصرها ووجه أبيض يشوبه شئ من الحمرة
تقدمت نحو الجميع ثم مدت السيدة أم سيرين الطبق الذي بين يديها نحو مجد وقالت بابتسامة:
تفضل يابني
نظر إليها متعجباً فتابعت:
لابد وأنكم لم تتناولوا شيئاً
ثم نظرت نحو الطبق وتابعت بشئ من الحزن:
هذا شئ يسير فبعد الضرائب التي فرضت علينا من قبل البلاط الملكي لم نعد نملك سوى قوت يومنا
أمسكت الفتاة بيدها وقالت وكأنها تمنعها من قول المزيد:
أمي
التفت الجميع إليها فقالت المرأة بسعادة موجهة كلامها لابنتها وهي تشير نحو مجد بيدها:
هذا هو مجد يا عزيزتي، هل تذكرته؟
ثم تابعت موجهة حديثها لمجد:
ها هي سيرين يا بني، أنظر كيف أصبحت؟
فقال دون أن يرفع بصره عنها:
لقد كانت فائقة الجمال منذ صغرها، فكيف بها وقد أصبحت شابة؟
كان محقاً فقد كانت رائعة حقاً حتى أنها تفوق ريماس جمالاً
توردت وجنتاها بخجل فطأطأ بصره أرضاً وقد أدرك فداحة ما قاله ثم ألقى بنظرة خاطفة نحو ريماس فوجدها ترمقه بنظرة متوعدة ووجها محمر بشدة فازدرد ريقه بصعوبة ولم يرفع بصره حتى قالت سيرين بصوت رقيق:
مرحباً مجد، كيف حالك؟
أجابها وهو ينظر إليها:
بخير وأنتِ؟
ـ أنا بخير
ثم قالت بعد صمت:
أين كنت طوال الأعوام الماضية؟
لم يجب فسألته بقلق:
مجد، هل أنت بخير؟
فقال وهو ينظر في عينيها:
نعم أنا بخير ولكني كنت أفكر إن كنت حقاً تذكرتني أم أنك صدقت على ما قالته والدتك فقط؟
نظرت إليه بشوق ينبع من عينيها وقالت:
أذكر ملامح وجهك وإن غبت لألف عام فسأظل أذكرك، فكيف ينسى المرء إنساناً له في روحه مكان؟
أمسكت ريماس ببطنها ثم وضعت إحدى راحتيها فوق جبهتها وهي ترى تلك الفتاة تتغزل بحبيبها بطريقة درامية ثم قالت:
سأتقيأ
نظر مجد نحوها نظرة استعطاف ممزوج بالرجاء حتى لا تفعل شيئاً مجنونا
فأمسكت سيرين بكفه فجأة وقالت بابتسامة:
ألن تعرفني برفاقك؟
اضطرب جسده بينما أمسك شمس بريماس التي كادت أن تقفز نحو تلك الفتاة وتقتلها ليمنعها مما هي مقبلة على فعله فقام مجد بسحب يده من بين يديها وقال مشيراً نحو شمس:
هذا شمس، أخي وصديقي
قال بابتسامة:
سررت برؤيتك
فقالت بابتسامة متبادلة:
وأنا أيضاً
ثم أشار نحو زهرة وقال:
وهذه رفيقتنا وفي مقام الأخت
فقالت:
سررت بمعرفتكِ
ثم أشار نحو تميم وقال:
وهذا صديقي أيضا
ضحكت وهي تشير إليه بمرح طفولي
ثم أشارت نحو ريماس وقالت بتعجب:
ومن تكون الصغيرة الغاضبة؟
بسبب قصر قامتها وملامحها الطفولية التي لا تظهرها فتاة شابة وصفتها سيرين بالصغيرة فقال مجد مستدركاً:
إنها ليست صغيرة إنها في مثل سنكِ تقريباً
فقالت باستنكار:
ولماذا لا يبدو عليها؟
قوس مجد فمه لأسفل فسألته:
من تكون؟
أجابها وهو ينظر نحو ريماس الغاضبة:
إنها ريماس
ثم أخذ يقلب بصره بين الإثنتين وقال بعد تردد:
زوجتي
صعقت سيرين بينما امتقع وجه والدتها لدرجة أنها أسقطت الطبق الذي كان بين يديها فتحطم، أما ريماس فقد فغر فاها واتسعت عيناها في ذهول.
تجمعت الدموع في عيني سيرين منذرة بهطول أمطار رعدية فأسرعت تركض خارجة من البيت ولحقت بها أمها
ـ لماذا قلت أنني زوجتك؟
سألته ريماس فقال وقد تعلق بصره بالمكان الذي كانت تقف فيه سيرين:
لأقطع عليها الطريق من بدايته
ثم نظر نحوها وتابع مستنكراً:
لم السؤال؟ هل تمانعين هذا؟
احمر وجهها خجلا وهي تنظر باتجاه الأرض فقد ازدادت يقينا فوق يقينها أن مجداً واقع بها ولا يفكر في أحد سواها
***************