ملك الذئاب - العشرين - بقلم وفاء عبدالهادي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ملك الذئاب
المؤلف / الكاتب: وفاء عبدالهادي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: العشرين

العشرين

وقفا أمام الحانة بحصانيهما يخيم الوجوم عليهما فهبط مجد عن حصانه وتبعه شمس وهو يحدق نحو الحانة بأعين تشع غضباً ثم عقلا حصانيهما في المكان المخصص للجياد والعربات ودلفا إلى الحانة سأل مجد النادل عن صاحب الحانة فأشار بعينه نحو حجرة جانببة وقال: إنه نائم الآن فقال مجد بافتضاب: هلا أيقظته ضحك النادل وقال: بصراحة لا أرغب في خسارة عملي ثم تركهما وتابع عمله فجلسا على طاولة قريبة منهما في صمت، وبين الحين والآخر يلقي شمس بنظرة خاطفة نحو مجد الذي لم يرفع عينه عن باب الحجرة نهض فجأة فسأله شمس بقلق: إلى أين؟ زفر أنفاسه بضيق وقال: لن أنتظره حتى يستيقظ ثم سار ناحية الحجرة فقال شمس بصوت منخفض وهو يسير خلفه: ماذا ستفعل أيها المجنون؟! فأجابه: سأدخل إليه وأنت انتظرني هنا حاول أن يعترض ولكن مجداً لم يمهله وفتح الباب ودخل إلى الحجرة                          ************ كان ينام على فراش مهترئ وقذر، يرتدي ثياباً قذرة وتفوح منه رائحة نتنه كالحيوان النافق وبطنه الكبير يعلو ويهبط في تناغم مع أنفاسه التي يتوسطها شخير يزعج الأموات دنا منه وأخذ يتأمل ملامحه فكز على أسنانه في غضب بعدما تعرف إليه ثم قال هامساً: ها قد التقينا أخيراً أيها الوغد ثم صفعه على وجهه بقوة فوثب في فزع غير مستوعب لما حوله ثم نظر نحو مجد وحدقتاه تتسعان في غضب: من أنت؟ دفعه مجد بقوة فعاد إلى هيئته الأولى ثم هجم عليه مقيداً حركته واضعاً إحدى ركبتيه فوق صدره وبركبته الأخرى يعيق حركة ذراعه الأيسر بينما يلوي ذراعه الأيمن بإحدى يديه وبيده الأخرى يضع خنجره أسفل عنقه ثم قال بحدة مجيباً سؤاله: ماضيك الأسود أيها الحقير ثم قال بعد صمت: ستجيبني على سؤال واحد، بعده سأتركك وأرحل ثم تابع: من الذي دفعك لقتل الطبيب غسان وزوجته يا ميمون اتسعت حدقتاه في ذهول وقال: من أنت؟ فقال مجد بغضب وهو يحاول أن يحافظ على هدوءه: أخبرتك أني ماضيك الأسود….. أنا إبن غسان ثم زاد من ضغطه على الخنجر وقال بغضب أكبر: من الذي طلب منك قتله؟ حاول ميمون التملص منه ولكن دون جدوى فقال بصوت متحشرج يخرج من حلقه بصعوبة: أنا لم أقتل أحداً،   لم أقتل أحد ثم سحب نفساً قليلاً بصعوبة وتابع: لم أقتل في حياتي كلها سوى أخي حيدر فزاد مجد الضغط أكثر وقال: لا تكذب أيها الوغد فقد رأيتك بعيني وأنت تذبح أبي، عندها أقسمت أن أقتلك وأقتل الحقير الآخر ولكن لحسن حظه أن القدر سبقني إليه ليرحمه مما كان سيلاقيه على يديّ لاحت ابتسامة ساخرة على وجه ميمون وقال: ما دمت قد رأيتني وأنا أقتل والدك إذاً لقد سمعتني وأنا أقول له من أرسلني لقتله….. صمت ليلتقط بعض أنفاسه التي ضاقت بسبب ضغط الخنجر ثم تابع: الملك رعد هو من أرسلني لقتله ثم تبع كلامه بضحكة متقطعة زادت من حنق مجد الذي قال بحدة: لن يأمر الملك بشئ كهذا أبداً أبعد ميمون عينه عنه وكأنه بذلك ينهي الحوار فقال مجد بنفاذ صبر: سأعيد سؤالي للمرة الأخيرة، من الذي أرسلك لقتل والدي؟ ولما لم يجبه قام بطعنه في كتفه طعنة قوية وبيده الأخرى كمم فمه ليمنعه من الصراخ ثم قال وهو يحدق في عينيه بغضب: هذه المرة في كتفك، أما المرة المقبلة فلن تراها لأن رأسك سيكون في مكان آخر بعيداً عن هذه الجيفة القذرة ثم صاح بغضب: هيا أخبرني أبعد يده عن فم ميمون فقال الأخير بصوت متألم وقد سالت بعض دموعه: شريح                        ************* كان شمس يقف بالخارج يراقب الأجواء وحينما يمر أحد بجواره يتظاهر بأنه ثمل حتى لا يسأله أحد عن سبب وقوفه بالقرب من الحجرة حتى خرج عليه مجد والشرر يتطاير من عينيه فسأله شمس بلهفة: هل أخبرك؟ فلم يرد، شعر شمس بالقلق فدلف إلى الحجرة وهناك اتسعت عينيه وشهق عالياّ فقد كان ميمون ممد على فراشه جاحظ العينين مشقوق العنق تسيل الدماء من عنقه وكتفه بغزارة فخرج مسرعاً بعدما لم يتحمل رؤية هذا المنظر البشع ـ ماذا فعلت أيها الأحمق؟! قالها شمس بغضب وهو يمسك بذراعه ويهزه في غضب فسحب مجد يده منه وخرج من الحانة، فلحق به حتى وقفا بجوار حصانيهما فقال شمس الذي لم يعد يتمالك نفسه: لماذا أنت متسرع هكذا؟ فصاح مجد الذي لم يعد قادراً على الصمت أكثر: لأنه يستحق أكثر من ذلك ثم زفر أنفاسه بغضب وتابع: هل آلمتك رؤيته هكذا؟ لقد رأيت أبي بنفس المنظر قبل ثمانية عشر عام، وكنت حينها طفلاً لا يزيد عمري عن العشرة أعوام كانت الدموع تتلألأ في عينيه مما جعل شمساً يرق لحاله فربت على كتفه دون التفوه بشئ بعد قليل مسح دموعه بيديه ثم مرر يديه في شعره باستياء وسحب نفساً عميقاً ثم أخرجه دفعة واحدة وقال: علينا أن نعود إلى إيبرس الآن فلسنا في حاجة للبقاء هنا أكثر أومأ شمس موافقاً ثم امتطيا ظهري حصانيهما وانطلقا عائدين، وفي الطريق أخبر مجد شمساً عن رغبته في العودة إلى أكاسيا فشعر شمس بالحزن وقد كان ذلك جلياً على وجهه ولكنه لم ينبس ببنت شفة وبقي صامتاً حتى وصلا إلى إيبرس وصلا إلى إيبرس قرب منتصف الليل وكان أول ما قاما به هو التخلص من الجياد فقاما ببيعها لتاجر خيول مقابل ثمن جيد ثم عادا إلى بيت الحارث سيراً على الأقدام وبمجرد دخولهما البيت استلقى مجد فوق الأريكة وغط في النوم سريعاً بينما جلس شمس فوق السرير ينظر إليه دون أن يبعد عينه عنه إلى أن ذهب في النوم هو الآخر وفي الصباح استيقظ الأخير من نومه فوجد مجداً يجلس فوق الأريكة واضعا ساقيه فوق المنضدة التي أمامه ويحدق بسقف الغرفة كمن ينتظر شيئاً فنظر نحوه بعين نصف مغلقة وقال بصوت لا زال به أثر النوم: لماذا أنت مستيقظ باكراً؟ انتبه له مجد وقال مبتسماً: استيقظت لأجهز أمتعتي فسأله بتوجس: لماذا؟ ـ لأعود إلى أكاسيا عاد الوجوم إلى وجه شمس ثم سأله بعد صمت: متى ستعود؟ ـ اليوم صعق شمس عندما أخبره بذلك فقد كان مجد صديقاً رائعاً آنسه في وحدته واعتاد وجوده في حياته فليس من السهل عليه أن يرحل ويتركه وحيداً كما كان ـ ماذا بك؟ سأله مجد بقلق لما لاحظ وجومه فقال وهو يقترب منه: لا شئ، فقط سأشتاق لك ابتسم مجد ونهض ثم قال وهو يعانقه: وأنا أيضاً سأشتاق لك يا صديقي ثم تابع بعد انتهاء عناقهما: سأعود إلى زيارتك حتماً ولكن عليك شراء بيت خاص بك فحياة اللصوص هذه لا تليق بك ضحك شمس وقال: كنت أفكر بالأمر ثم تابع مازحاً: وأنا أيضاً سأذهب لزيارتك في أكاسيا فلا تكن بخيلا معي قهقه مجد وهو يعود للجلوس مرة أخرى فسار شمس إلى خارج الغرفة فسأله مجد: إلى أين؟ أجابه دون أن يلتفت نحوه: سأذهب وأجلب لك ما تتزود به أثناء سفرك ثم استدار ونظر نحوه وقال مهددا وهو يشير في وجهه: ولكن إياك أن ترحل قبل عودتي ثم ابتسم وذهب                            *********** في طريقه إلى السوق شاهد تجمهراً ضخماً لسكان إيبرس فاقترب منهم ليعرف سبب تجمهرهم فوجد المتحدث باسم الملك يقف على منصة نصبت في ذلك المكان وحوله الكثير من الجنود والفرسان الموكلين بتأمينه وكان يصيح بصوت جهوري: يا شعب إيبرس، لقد صدر هذا البيان الذي سوف يلقى على مسامعكم من البلاط الملكي والذي تم تنفيذ ما فيه مع فجر اليوم ، لقد قامت إيبرس بإغلاق أبوابها منذ فجر اليوم كما حُظر السفر على الجميع سواءً من خارج إيبرس إليها أو العكس، وتم إعادة جميع السفن إلى الشواطئ وعاد الصيادون والبحارة إلى داخل إيبرس كما ستكتفي إيبرس بما تنتجه بنفسها حتى إشعار آخر فصاح أحد المتجمهرين متسائلاً: ما سبب هذا كله؟ فأجابه المتحدث: لقد حدث انقلاب في أكاسيا وتحسباً لأي خطر قد يحدث قامت إيبرس بهذه الأمور عندما سمع شمس ما قاله المتحدث عاد أدراجه راكضاً ليخبر مجدً بأمر هذا القرار المفاجئ ـ مستحيل صرخ بها مجد حين أخبره شمس بما سمع وظل يذرع الغرفة جيئةً وذهاباً وهو يتنفس بغضب حتى سأله شمس: ماذا ستفعل الآن؟! ثم تابع لما لم يرد: لقد أغلقت البوابات مع فجر اليوم ولم يعد بإمكان أحد لا الخروج ولا الدخول إلى إيبرس وهذا يعني… ثم صمت فالتفت مجد إليه وسأله بحدة: يعني ماذا؟ أجابه بهدوء: أن تبقى في إيبرس حتى تتغير الأوضاع فصرخ فيه: لن أبقى هنا دقيقة بعد الآن وقاتل والديَّ يعيش حياته في أكاسيا دون رقيب فقال شمس بتهكم: وكيف ستعود إلى هناك؟……ستطير؟! طرأت فكرة في رأسه فابتسم وقال: ربما لا يمكنني الطيران ولكن يمكنني السباحة لم يفهم شمس ما يرمي اليه فتابع موضحاً: سأعود عبر غابة أكاسيا وإن كنت سأضطر لقطع بحر آبي سباحةً فقال شمس باستنكار: تمزح أليس كذلك؟ ـ لا فصاح فيه بغضب: أنت غبي ومتهور لدرجة انك قد تلقي بنفسك في الهاوية فقال وهو ينفث أنفاسه بغضب: هل لديك حل آخر وعند متصف النهار كانا يقفان عند شاطئ رسال فقال شمس وهو ينظر باتجاه البحر: هل حقاً ستسبح حتى تصل إلى هناك؟ أومأ إيجاباً وقال: ليس أمامي سوى هذا الحل فقال شمس الذي لم يعجبه الأمر: هلا تريثت قليلاً ربما وجدنا حلاً آخر ثم نظر عن يساره فوجد مجموعة من الصيادين ينزلون إلى البحر خلسة فطرأت في رأسه فكرة فقال موجهاً كلامه لمجد: انتظرني هنا ثم سار مبتعداً فسأله مجد عن وجهته فأجابه دون أن يلتفت إليه: سأعود، انتظرني فحسب وصل إلى جماعة الصيادين ووقف يتحدث إليهم لبعض الوقت ثم عاد رفقة أحدهم وقف الرجل أمام مجد وقال وهو يتفحصه من أعلى لأسفل ثم قال بعد أن بصق على الأرض: كم ستدفع؟ امتعض وجه مجد بتقزز ثم نظر نحو شمس طالباً التوضيح فأردف: سيقلك بقاربه إلى شاطئ أكاسيا فتهللت أساريره وقال غير مصدق: حقاً؟ ثم تابع موجهاً حديثه للرجل: كم تريد؟ نظر الرجل نحو البحر مطولاً ثم بصق مرة أخرى وقال: عشر قطع ـ موافق نطق بها مجد ثم توجهوا إلى بقية الصيادين وهناك جهز الرجل قاربه للإبحار بينما مجد وشمس ينتظرانه، بعد لحظات أشار لمجد أن يصعد على متن القارب فأراد مجد توديع شمس ولكن الأخير قفز إلى القارب وقال سأودعك عند شاطئ أكاسيا، فابتسم مجد وهو يقفز إلى القارب فقال الرجل سآخذ عشر قطع إضافية فأخبره شمس أنه سيدفع ثم نظر نحو مجد وسأله بطريقة فكاهية: ستدفع أليس كذلك؟ ضحك مجد وقال للرجل: هيا تحرك بدأ الرجل بالتجديف يساعده مجد من الناحية الأخرى، وبعد قرابة الساعتين وصلا الى شاطئ أكاسيا فقام مجد بإعطاء ثلاثين قطعة نحاسية للرجل وهو يقول: ها هي ثلاثين قطعة وقبل أن تمسها يد الرجل كان شمس قد أمسك بالنقود وأخذ منها عشر قطع ثم أعطى البقية للرجل فسأله مجد عن سبب ذلك فقال: يكفيه عشرين قطعة فقط ـ الباقي من أجل عودتك فقال شمس وهو يدس النقود في جيبه: ومن أخبرك أني سأعود؟ ثم قفز من القارب ونظرات مجد تلاحقه دون أن يصدر من الأخير أية حركة فقال: ما بالك تحملق بي هكذا؟ ولما لم يتغير وضع مجد تابع موضحاً: لمن سأعود إلى هناك، لقد اعتدت وجودك يا رجل وإن غبت سأشتاق لك قفز مجد من القارب وقال بتأثر وهو يقف أمامه: كنت طوال عمري وحيداً بعد موت والديَّ، لم يكن لي قريب ولا صديق حتى التقيت بك فصرت أخي وصديقي ثم تابع وهما يتعانقان: كنت حقاً سأفتقدك لو كنا افترقنا وبعد هذا العناق الذي طال قال شمس بمزاح: هل تعرف طريقاً آمناً في هذه الغابة أم أننا سنكون وجبة شهية لذئابها ابتسم مجد وقال: لست متأكداً فقال شمس وهو يزدرد ريقه: أتمنى إن هاجمني أحد الذئاب أن يهاجمني من الخلف حتى لا أراه وهو يأكل رأسي فضحك مجد وقال موضحاً: توجد الذئاب بكثرة في بعض مناطق الغابة وليس فيها كلها ـ كم تستغرق المسافة من هنا حتى المملكة؟ صمت مجد قليلاً ثم قال: تستغرق يوماً كاملاً ولكني أعرف طريقاً مختصراً يمكننا أن نسلكه ونصل في وقت أقل فسأله شمس: وهل هذا الطريق آمن؟ قوس فمه لأسفل علامة الجهل وقال: لا أعلم فقال شمس وهو يشير له بأن يبدأ السير: لا يهم، فمنذ عرفتك والمشاكل تلاحقني فقهقه مجد عالياً ثم انطلقا متجهين إلى المملكة                         ********* حين وصلا إلى المملكة وجداها ساكنة سكون الموتى فقال شمس متعجباً: ما هذه المقبرة؟ هل هي هكذا بالعادة؟ أجابه مجد والدهشة مرتسمة على وجهه: لا أعلم، ولكني لم أراها هكذا من قبل ـ وماذا سنفعل الآن؟ سأله شمس فقال سنذهب إلى مكان يمكننا المبيت فيه حتى الصباح وعندها سنعرف ما حل بالمملكة ثم توجها إلى العيادة فقام مجد بفتح بابها ودعوة شمس إلى الداخل ثم أغلق الباب بعدها قام بإشعال مصباح صغير ليضيئ المكان ثم جلسا كل واحد على أريكة ليرتاحا من عناء السير، فانتفض شمس فجأة ولما سأله مجد عما حدث أجابه وهو ينهض من فوق الأريكة ويجلس إلى جواره ممسكاً بذراعه: أنظر هناك مشيراً إلى شئ متكوم في زاوية المكان فقال مجد وهو يمعن النظر بذلك الشئ محاولاً معرفة كينونيته: ما هذا الشئ؟ لم أنتبه لوجوده حين دخلنا ثم نظر نحو شمس وتابع: ولكن لماذا أنت خائف هكذا؟ أجابه وهو ينظر إلى ذلك الشئ: أقسم لك أن هذا الشئ تحرك منذ لحظة فقال مجد بابتسامة: مستحيل، لابد وأنك تتخـ...... لم يكد أن يكمل جملته حتى تحرك ذلك الشئ مرة أخرى فقال مجد بدهشة: تميم؟!!! كان ينام في وضعية الجلوس متكوراً على نفسه فاقترب منه وأوقظه وهو يقول: تميم، لماذا تنام هنا؟ فتح الأخير عينيه وصاح غير مصدق لما رآه أمامه: سيدي، أنت عدت؟ ثم عانقه وأخذ يبكي بشدة فربت مجد على ظهره وهو يستغرب الحالة التي وجده عليها ثم قال بعدما أبعده عنه قليلاً: لماذا أنت هنا يا تميم؟ وأين ريماس؟ أخفض تميم بصره نحو الأرض ولم يرد مما أقلق مجد فتسائل بلهفة: لماذا لا تجيب؟ هل أصابها مكروه؟ رفع تميم بصره نحو مجد وقال وهو ينظر في عينيه: إن الأميرة محتجزة في القصر بأمر من الملك الجديد..شريح، وابنه..جنيد صعق مجد وقال باستنكار: هل تهذي أيها الصغير؟ ما هذا الذي تقوله؟ فقال تميم مؤكداً: لقد أصبح الوزير شريح هو الملك وابنه قائد جيوش المملكة هو ولي عهده وبأمر منهما تم احتجاز الأميرة فأمسكه مجد من كتفيه بقوة وصرخ فيه: أخبرني بكل ما تعرفه، بل بكل ما حدث في غيابي. فبدأ في سرد ماحدث                               ******* يوم رحيل مجد وقف أمامها ليودعها فانهمرت دموعها على وجنتيها بغزارة، فوضع وجهها بين راحتيه ثم مسح دموعها بأنامله وقال: لم البكاء؟ فأجابته من بين دموعها: سأشتاق إليك ثم ارتمت على صدره تبكي بقوة فأحاطها بذراعيه وقال: وأنا أيضاً سأشتاق إليك أميرتي فقالت وهي لا تزال بين زراعيه: عدني ألا تتأخر فقال: أعدكِ ثم أبعدها عنه قليلاً وقال وهو يشير بسبابته في وجهها محذراً: ولكن لا مزيد من الدموع ضحكت، فضمها إليه مرة أخرى وقال وهو يتنهد بحب: لا أعرف كيف سأتحمل غيابك ولكني سأحاول إنهاء ما سأذهب لأجله سريعاً كي أعود إليكِ ثم طبع قبلة على جبينها وقال وهو يودعها بابتسامة: سأعود أميرتي ثم رحل وقفت في الشرفة تراقبه أثناء رحيله حتى صعد إلى العربة التي ستقله إلى الميناء الشمالي وقبل أن تتحرك العربة، وجه بصره إليها ولوح لها مبتسماً فلوحت له هي الأخرى مبتسمة ابتسامة حزينة والدموع تتجمع في محجريها وما إن اختفى عن أنظارها حتى عادت إلى مخضعها ثم انكبت على فراشها وانفجرت باكية ولم تخرج منه حتى حل الليل وغابت في النوم استيقظت في اليوم التالي وعلى وجهها ابتسامة مشرقة كشروق الشمس ثم خرجت من مخضعها حافية القدمين متجهة إلى غرفته ليكون أول شخص يقع بصرها عليه كما اعتادت أن تفعل ناسية أنه قد رحل بالأمس ولم يعد موجوداً في كل أكاسيا وقبل وصولها إلى غرفته التقت بأكثر شخص يمكنه تعكير مزاجها فقال يستفزها بمجرد أن رآها: صباح الخير حلوتي توقفت في مكانها وهي ترمقه بنظراتها الغاضبة ثم تابعت سيرها، ولكنه أمسكها من يدها وجذبها نحوه بقوة ثم حاوط خصرها بيديه وهو يتحسس جسدها بطريقة قذرة فاتسعت حدقتاها وحاولت التملص منه فلم تستطع فصرخت بأعلى صوتها: كيف تجرؤ على هذا أيها الحقير؟ فأبعد يديه عنها فأسرعت باتجاه الغرفة وهي تقول مهددة إياه: إنتظر لترى ما سيفعله بك أيها الوغد كانت تقصد مجداً فقال وهو يضحك باستفزاز: ماذا ستفعل الغزالة المسكينة؟ ستنادي فارسها الغائب ليدافع عنها؟!! في تلك اللحظة تذكرت أن مجداً لم يعد موجوداً فشعرت بالخزلان وانهارت باكية، فاقترب منها وتابع: عليكِ أن تنسي أمر هذه الغرفة وأمر ساكنها فهو لم يعد موجوداً ثم تابع وهو يسير مبتعداً: ولا تنتظري عودته يا أميرتي فهو لن يعود، لأنني أرسلت معه على متن السفينة من يقتله ثم أطلق ضحكة عالية ورحل كانت تبكي في خوف ثم عادت إلى مخضعها بعد مضي لحظات وعند منتصف النهار خرجت من مخضعها وذهبت إلى حديقة القصر وجلست على حافة فوارة المياه سامحة لرذاذ المياه المتناثر أن يدغدغ روحها المتعبة ـ لهذا أَحَبَّكِ سمعت من يقول هذه الجملة فالتفتت نحوه فوجدت تميماً يفق خلفها مبتسماً ببراءة فقالت: ماذا قلت؟ أجابها وهو يشير إلى وجهها: قلت ماذا كانت ردة فعله حين رأى هذا الجمال لأول مرة؟ فقالت بعدم فهم وهي تضيق ما بين حاجبيها: عمن تتحدث؟ فابتسم بمكر وقال: تعرفين توردت وجنتاها وابتسمت وهي تذكر اللقاء الأول الذي جمعها به وكيف كانت ردة فعله عندما وقع بصره عليها ثم قال: كان مشدوهاً لدرجة أنه لم ينتبه إلى عندما تحدثت إليه ولم تنمحي الدهشة عن وجهه حتى صفقت بيدي فطأطأ بصره أرضاً في حرج فقال تميم وهو يضم راحتيه إلى صدره ثم قال بطريقة درامية: ما أجمل الحب! كم أتمنى أن يكون لي حبيبة فنظرت ريماس نحوه بدهشة وقامت برشقه بالمياه وهي تقول: لا زلت صغيراً على هذا الكلام أيها القرد فقام برشقها بالمياه أيضا وهو يقول ضاحكاً: لست قرداً أيتها الأميرة ثم ظلا يتراشقان بالمياه حتى غرق فستانها وأصبحت الغلبة له، فركضت خلفه وصوت ضحكاتهما يملأ المكان حتى سقطا أرضاً بإنهاك فقالت الأميرة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة: يكفي لم أعد أستطيع أكثر فقال لاهثا: وأنا أيضاً ثم ظلا يتحدثان ويمرحان حتى حل الليل وذهبا للنوم بعد منتصف الليل بوقت طويل كانت الأميرة نائمة في فراشها حين فتح باب مخضعها ودلف منه جنيد ثم دنا منها وجلس على طرف الفراش وأعاد فعلته بتحسس جسدها مرة أخرى فقامت بطعنه في يده بسكين أخفته أسفل وسادتها تحسباً لهذا الأمر فأطلق صيحة مكتومة فقالت وهي لا تزال ضاغطة على السكين: الغزالة الضعيفة لا تكون غزالة إلا في وجود فارسها أما في غيابه فتتحول إلى سبع يمكنه أن ينهش أحشاء الكلاب التي تنبح وتتجرأ على سادتها ثم سحبت سكينها فابتعد عنها وهو يتوعدها قائلاً: غداً سترين من تنعتيهم بالكلاب كيف سيكونون في القمة يا.... ثم تابع ساخراً: يا ابنة السباع فنهضت من فراشها ووقفت أمامه بشموخ وكبرياء ثم قالت: تبقى السباع سباعاً وإن كانت في أسفل سافلين لها هيبتها ويخشاها الجميع، وتبقى الكلاب كلاباً وإن كانت في أعلى عليين ضعيفة وتخاف من حجر في كف طفل صغير وكأن ما قالته قد ألجم لسانه فلم ينبس ببنت شفة وغادر على الفور وبعد خروجه تمردت دمعة من عينها وانزلقت على وجنتها فمسحتها بكبرياء قبل أن تكمل رحلتها. وفي خلال الأسبوع الذي تلا تلك الليلة شهد القصر مجموعة من التغييرات، كان أبرزها تغيير حراس القصر بالكامل و كذلك جميع الخدم ولم يبق منهم سوى الوصيفتان حور وزهرة وفي آخر يوم من أيام هذا الأسبوع كانت الأميرة في مخضعها تقوم بتعليم تميم الكتابة وحور برفقتهم حين وصل إليهم أصوات جلبة في الخارج فقالت الأميرة بتعجب: ما هذا؟ فقالت حور: لا شئ يا مولاتي لا تشغلى بالك بهذا فنهضت الأميرة من مكانها واتجهت نحو الباب وهي تقول: سأتفقد الأمر ولكن حور اعترضت طريقها وقالت بحدة وهي تدفعها بقوة فأسقطتها أرضاً: ابقي مكانك أيتها العاهرة ثم قامت بتقييدها بوشاح كان موجوداً على الأريكة فقالت ريماس بذهول: حور ما هذا الذي تفعلينه؟! فصفعتها على وجهها بقوة وقالت: منذ دلف ذلك الوغد إلى حياتك تغيرتِ في معاملتك معي، لذا لن أدعكما تهنئان ببعضكما أبداً ثم أغلقت الباب وقالت وهي ترمقها بنظراتها الحادة: ابقي مكانك ولا تضطريني لقتلك كان تميم جلساً في أحد الزوايا يرتجف من الخوف حين وقع بصره على مزهرية من الخزف بالقرب منه فاقترب منها ببطء دون أن تلاحظ حور ذلك ثم عاد إلى مكانه وأخذ يتحرك تجاه حور التي كانت تجلس فوق أحد المقاعد مغمضة عينيها في استرخاء فوقف خلفها ورفع المزهرية لأعلى ثم هوى بها على رأسها فخرت مغشياً عليها بعدها أسرع نحو الأميرة وقام بفك قيدها فسارعت بأخذ المفتاح من يد حور وأسرعت نحو الباب وخرجت تركض باتجاه البهو..... انتهى تميم من سرد هذا الجزء على مسامع مجد الذي كان ينظر نحوه بلهفة ولما لاحظ صمته تسائل: أهذا فقط؟ أومأ تميم إيجاباً فتابع: وأنت أين كنت؟ قال وهو يلتقط أنفاسه: عندما خرجنا نركض نحو البهو انسللت من بين الحضور وخرجت من القصر مسرعاً وأنا أسمع صراخها أشار له مجد بأن يكمل فتابع: خرجت للبحث عنك في كل مكان كي تأتي لنجدتها وصرخت باسمك بأعلى صوتي علك تسمعني ولكن صوتي الضعيف لم يكن لم ليصل إلى مسامعك أبداً. نهض غاضباً وسار باتجاه باب العيادة والشرر يتطاير من عينيه ولكن شمساً أوقفه فقال بغضب: ابتعد عن طريقي فقال شمس: إلى أين ستذهب؟ صرخ بغضب: إلى ذلك الوغد الذي تجرأ عليها في غيابي ـ وماذا ستفعل؟ قال بتحدٍ: سأقطع يده التي تجرأت ومست جسدها وسأفقأ عينيه اللتان نظرتا نحو بتلك الطريقة فقال شمس بتعقل: وهل تعتقد أنهم سيسمحون لك بالاقتراب من القصر، ستكون جثة قبل أن تصل إليها ثم تابع بهدوء: إهدأ يا صديقي حتى تستطيع التفكير والتخطيط جيداً فضرب الجدار بقبضته في غضب                           ********* كان شمس وتميم يجلسان إلى جوار بعضهما فوق الأريكة وكان السكون مخيماً على المكان إلا من أنفاس مجد الغاضبة والذي كان يجلس في أحد جوانب العيادة ضاماً ركبيته إلى صدره ودافناً رأسه بينهما فاقترب منه تميم ليطمئن عليه وهو يرتجف خوفا. من ردة فعله فقام بوضع راحته الصغيرة فوق كتف مجد فرفع الأخير رأسه ونظر نحوه فوجد الخوف بادياً على وجهه البرئ فقال وهو يربت على يده: لا تقلق أنا بخير. ابتسم ببراءة فبادله مجد بابتسامة مصطنعة ثم عاد برأسه إلى الخلف مسنداً إياه إلى الجدار وفجأة لمعت عينا تميم وانتفض كأنه تذكر شيئاً ثم قال: لقد نسيت شيئاً نظر مجد نحوه بلهفة فتابع: منذ بضعة أيام كنت أتسكع في أحد الشوارع فالتقيت صدفة بالوصيفة زهرة وقد كانت برفقتها امرأة عجوز ما إن رأتني حتى بادرت بسؤالهي عنك ولما أخبرتها أنك لم تعد بعد عبس وجهها فقامت المرأة العجوز بالمسح على رأسي بحنو وقالت: إن عاد الطبيب أخبره أن العجوز تنتظرك فسأله: هل تعرف تلك المرأة؟ هز رأسه نفياً ثم قال: لا ولكني سمعت الوصيفة تناديها بالسيدة سلاف فقال مجد بدهشة: السيدة سلاف؟!!! ـ هل تعرفها؟ كان سؤالاً من شمس فأجابه وهو ينهض من مكانه: بالطبع                         ********** قام مجد بطرق باب بيت العجوز ففتح وخرجت منه الفتاة الصغيرة التي تعمل عند السيدة سلاف ولما سألها مجد عن سيدتها أخبرته أنها نائمة فطلب منها إيقاظها فذهبت إليها ثم عادت بعد دقائق برفقتها فرحبت العجوز بهم وأدخلتهم إلى بيتها ثم أمرت خادمتها أن تحضر بعض الطعام لضيوفها ولكن مجد أخبرها أنه لا داعي لذلك ثم سألها عن أحوال القصر وقد كان بادياً عليه الحزن فقالت العجوز وهي تضع راحتها على صدره: تقصد الأميرة؟ أومأ إيجابا فتابعت: ما أعرفه لن يفيدك في شئ يا بني، انتظر حتى يحل الصباح وسيأتي بكل جديد قال وهو يهز رأسه باعتراض: لن أستطيع هذا أبدا فقالت: تريث يابني وكن عاقلاً حتى تتمكن من التفكير جيداً. ثم عرضت عليهما أن يبيتا ليلتهما في بيتها حتى الصباح كان بيت السيدة سلاف مكون من حجرتين متجاورتين إحداهما للعجوز وخادمتها وردهة صغيرة فعرضت عليهما المبيت في الحجرة الخالية ما إن دلفوا إلى الحجرة حتى استلقى تميم على فراش أرضي وغاب في النوم بينما بقي شمس يراقب مجد الذي كان يذرع الحجرة جيئة وذهاباً كأسد حبيس قفص حتى داعب النوم جفونه فنام بينما بقي مجد مستيقظاً حتى شروق الشمس استيقظ شمس بسبب ضوء الشمس الذي ملأ الغرفة فوجد مجداً لا يزال على حاله فقال وقد بدا عليه الضيق من الحال التي وصل إليها صديقه: لماذا لم تنم؟ انتبه مجد له فتابع: الإرهاق وعدم النوم جليان على وجهك قال وهو يتنهد بضيق: وكيف أنام وأنا لا أعرف عن حالها شئ؟ ثم تابع: عقلي لا يتوقف عن التفكير بها أبداً فقال شمس: سيكون كل شئ بخير يا صديقي بعد لحظات طرق الباب فقام مجد بفتحه فوجد العجوز تقف خلفه مبتسمة إبتسامتها الحانية فقالت لما رأت وجهه البائس: كيف حالك يابني؟ قوس فمه لأسفل وقال: كما تريني وضعت راحتها على صدره وقالت: سيكون كل شئ بخير ثم سألته بعد صمت: هل استيقظ رفيقاك؟ لم يجبها ولكنه أفسح المجال أمامها لترى فوجدت تميماً لا يزال نائماً بينما شمس يجلس فوق الأريكة فابتسمت له ثم قالت وهي تشير نحو تميم: أيقظا هذا القرد وتعاليا إلى الخارج خرج الثلاثة من الحجرة فالتقطت أنوفهم رائحة خبز طازج ووجدوا السيدة سلاف قد وضعت فوق طاولة صغيرة طبقاً يحوي مجموعة من الفطائر ثم دعتهم لتناول الطعام فانطلق تميم على الفور وبدأ الأكل بنهم شديد بينما بقي مجد وشمس في مكانهما فقالت المرأة بكرم: هيا يا أبنائي لا تخجلا نظر شمس نحو مجد فأشار له أن يبلي دعوتها فتحرك خطوة واحدة ولكن مجداً لم يتزحزح من مكانه قيد أنملة فسأله: وأنت؟ لم يكن لديه شهية لأي شئ في ذلك الوقت فقال: لا أريد فقال شمس: إن لم تأكل شيئا فلن أقرب الطعام أنا الآخر فتنهد بألم وقال: شمس أرجوك لا طاقة بي لأي شئ ولا شهية لدي فقال شمس عندها: سوف تفقد قوتك، وعندهالن تستطيع نجدة حبيبتك قط فسار معه على مضض ولم يأكل إلا لقيمات صغيرة وكذلك الحال مع شمس وبعد الانتهاء من الطعام نهض ثم قال وهو يهم بالخروج: أشعر بالاختناق، سأخرج لأتنفس بعض الهواء وما إن فتح الباب حتى وجدها تقف أمامه تهم بطرقه وما إن وقع بصرها عليه حتى صاحت في دهشة: سيد مجد!!                       *********