ملك الذئاب - التاسع عشر - بقلم وفاء عبدالهادي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ملك الذئاب
المؤلف / الكاتب: وفاء عبدالهادي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: التاسع عشر

التاسع عشر

عاد شمس إلى البيت قرب الغروب فسأله مجد عن سبب تأخره فأخبره أنه ذهب إلى السوق وعاد باكراً ولكنه وجد مجموعة من الجنود قرب البيت فانتظر حتى رحلو ثم جلس فوق الأريكة ووضع ما معه من طعام على المنضدة الصغيرة الموضوعة أمامها ثم دعا مجداً ليشاركه الطعام فجلس إلى جواره وشرعا في تناوله ثم بعد الإنتهاء منه قام شمس بإغلاق نافذة الغرفة بستارتها السوداء وقام بإشعال مصباح زيتي صغير ثم قال موضحاً سبب فعله: هذا المصباح ليمكنا من الرؤية عند حلول الظلام، لهذا أغلقت الستارة كي لا يتسرب الضوء خارجاً وينكشف أمرنا ثم ظلا يتحدثان سوياً حتى غفا مجد فوق الأريكة التي كانا يجلسان فوقها بينما نام شمس على السرير ولم يستيقظا سوى بعد شروق الشمس خرجا من البيت لاستكمال البحث عن حيدر وميمون فكان اليوم كسابقه لم يعثرا على أي أثر لهما وكذلك الحال في اليوم الذي يليه والذي يليه حتى انقضى أكثر من عشرين يوم وأصاب اليأس قلب مجد فقال وهما يجلسان بعيداً في أحد الأزقة: سأعود إلى أكاسيا ثم تنهد بضيق وتابع وهو يسند رأسه إلى الجدار في حزن: لقد مللت، انقضى عشرين يوماً وقبلها ثمانية عشر عام ولم أعثر عليهما قط، كنت أظن أني قادر على الإنتقام لوالديَّ ولكني لم أستطع نهض شمس من جواره فجأة ثم قال وقد لمعت عينه: تعال معي ـ إلى أين؟ ابتسم شمس وقال: إلى السيد يعقوب فسأله: ومن يكون السيد يعقوب؟ نظر شمس حوله وكأنه يتأكد من عدم وجود أحد بجوارهما وقال بصوت منخفض: كاتم السر فقال مجد بعدم فهم: كاتم السر!  ماذا تعني؟ جلس إلى جواره مرة أخرى وأردف: تمتلك إيبرس مزية تجعلها أفضل من كثير من الممالك الأخرى وهي أن لكل شخص من شعب إيبرس وثيقة رسمية تستخرج من ديوان إيبرس تثبت انتمائه لها وهذه المزية وجدت في إيبرس قبل مائة عام و……. قاطعه مجد وعلى وجهه ابتسامة ساخرة: نمتلك هذه المزية في أكاسيا قبل أربعمائة عام، أي قبل إيبرس بأكثر من ثلاثمائة عام فقال شمس غير مكترث بما قاله: جاء السيد يعقوب إلى إيبرس عندما كان عمره عشرين عاماً أو أقل بقليل هارباً من مملكة قزوين فالتقى برجل من أثرياء إيبرس وعمل عنده، فقام الرجل بعد مرور خمسة أعوام على عمل يعقوب عنده باستخراج وثيقة تثبت انتماء يعقوب لإيبرس بمساعدة أحد رجال الديوان كتعبير عن حبه له فأصبح السيد يعقوب واحداً من شعب إيبرس وتسري عليه قوانينها ثم صمت فقال مجد: كل هذا رائع ولكن ما علاقة ما أنا فيه بهذا؟ أردف: بعد مضي عشرة أعوام على استخراج وثيقة له قام بمساعدة من يريد البقاء في إيبرس عن طريق تزوير الوثائق التي عرف طريقة استخراجها في مقابل مادي بسيط، وهذا يعني أنه قد يكون التقى بخصميك ويعلم عنهما شيئاً لكزه مجد في كتفه وهو يقول بحدة: لماذا لم تخبرني منذ البداية؟ فقال شمس: لم أكن أظن أن الأمر سيحتاج لهذا فقال مجد بحماس: وأين يكون السيد يعقوب هذا؟ ـ سأخبرك ثم انطلقا إلى السيد يعقوب سارا مسافة طويلة حتى بدءا يشعران بالتعب فسأله مجد بعدما لم يعد قادراً على السير أكثر: ألم نصل بعد؟ فقال شمس الذي جف حلقه: ليس بعد فنحن لم نقطع ربع المسافة حتى. توقف مجد عن السير وقال وهو ينظر إليه غير مصدق: ماذا قلت؟ لم نقطع ربع المسافة؟ ثم تابع بتهكم ممزوج بالغضب: لماذا لم تخبرني أننا سنجوب العالم كله سيراً على أقدامنا حتى نصل إلى ذلك الذي نسيت اسمه ـ السيد يعقوب قالها شمس بهدوء مما استفزه فصرخ بغضب: أياً كان، لماذا لم تخبرني؟ ليجيبه شمس بضيق: وماذا كنت ستفعل إن أخبرتك؟ أجابه بحدة: على الأقل كنا استأجرنا عربة تقلنا إلى هناك فقال وهو يبعد بصره عن مجد: لا أملك ثلاثين قطعة نحاسية لأدفعها للعربة زفر مجد أنفاسه بضيق ثم جلس على جانب الطريق، فجلس شمس إلى جواره حتى مرت أمامهم عربة خشبية يجرها حمار هزيل فتبادل الاثنان النظرات ثم انفجرا ضاحكين على تلك الفكرة التي طرأت لكليهما في الوقت ذاته فقال شمس معلقاً: لو فعلناها لاستغرقنا أسبوعاً كاملاً ثم مرت أمامهم عربة أخرى بعد لحظات يجرها حصان أسود فأوقفها مجد وسأل صاحبها أن يقلهم إلى وجهتهم فقال الرجل: سآخذ ثلاثون قطعة نحاسية في المقابل فقال مجد معترضاً: لا أحد يدفع من إيبرس إلى تلك المنطقة أكثر من عشرين قطعة فقال الرجل بحدة: هذا ما لدي فابتعد مجد عن طريقه في إشارة منه إلى انه يمكنه الذهاب ثم انتظرا قليلاً إلى أن مرت عربة أخرى يقودها شاب فأوقفه مجد وأخبره عن وجهته فسأله الشاب: كم ستدفع؟ أجابه مجد بعد تفكير: في العادة أدفع ثلاثة عشر قطعة ولكني سأعطيك خمسة عشر فقال الشاب مبتسماً: حسناً أشار لشمس أن يقترب ثم صعدا إلى العربة وانطلقا وفي الطريق سأله شمس عما سيدفعه فأجابه: خمسة عشر مال شمس بجسده نحو مجد وقال هامساً: ولكن هذا قليل، الكل هنا يأخذ ثلاثون قطعة رمقه بنظرة حادة ثم قال متهكماً: هل ستتقاسم النقود معه؟ ثم تابع: لقد قطعنا ربع المسافة على أقدامنا، كما أنني لن أدفع أكثر من هذا بعدها بقيا صامتين حتى قطعت العربة نصف المسافة ثم توقفت فتسائل شمس عن سبب وقوفها فقوس مجد فمه لأسفل علامة الجهل ثم فتح باب العربة فجأة وطل منه السائق ثم قال وهو يبتسم بمكر: أعتذر عن هذا ولكني سأتوقف قليلاً لإطعام الجياد، كانت الشمس في ذلك الوقت قد قاربت على المغيب فأومأ له مجد موافقاً فأعاد الشاب غلق باب العربة مرة أخرى بعدها قال مجد بصوت منخفض وهو ينظر نحو باب العربة الذي كان يجلس بجواره: هذا الفتى يشعرني بالريبة سأله شمس متعجباً: لماذا؟ ـ لا أعلم ولكني لا أشعر بالاريتاح لابتسامته الصفراء تلك ثم تابع: سأتفقد الأمر قام بدفع الباب فوجده موصدا فقال بحدة: ألم أخبرك؟ نظر شمس نحوه فتابع: الباب موصد فقال شمس بقلق: ماذا سنفعل الآن؟ صمت قليلا ثم رفع طرف قميصه وأخرج خنجره وقال: هل تستطيع القتال؟ ـ نعم ولكن لماذا؟ فقال مجد بنفاذ صبر: ما دام قد أغلق الباب علينا فهو يخطط لفعل شئ ما لهذا لابد وأن ندافع عن أنفسنا فتح شمس يديه الخاويتين أمام مجد وقال: ولكني لا أملك سلاحاً فأخرج مجد سكيناً كبيراً من جانب عنق حذائه وأعطاه له وطلب منه أن يجلس في الجهة المقابلة ففعل ثم مال بجسده للخلف وقام بضم ركبتيه الى صدره ثم ضرب الباب بقدمه بقوة فانفتح، فقفز سريعاً وبعده شمس فوجدا أمامهما ثلاثة من الرجال عظام الجثة غلاظ الوجوه لا تعرف الإبتسامة طريقاً لوجوههم العابسة وإلى جوارهم يقف سائق العربة، فقال شمس بقلق: ماذا سنفعل؟ أجابه بعد تفكير: افعل مثلي ثم أمسك نصل الخنجر بيده وكرامٍ ماهرٍ القاه نحو أحدهم فاستقر الخنجر في ساقه فسقط على الأرض وهو يتألم فابتسم مجد وقال: الآن رجل لرجل ثم هجما على الرجلين الآخرين وأوسعاهما ضربا حتى لم يعودا قادرين على النهوض ثم ضرب الصديقان أكفهما في سعادة، فمن قال أن القوة تكمن في الجسد الضخم؟ بعد ذلك قام شمس بإحضار حبل كان مربوطاً في مقدمة العربة وقاما بتقييدهم جيداً، أما سائق العربة فكان قد هرب خوفاً من البطش به ثم قال مجد وهو يقف أمامهما: لابد وأنكم سرقتم الكثيرين بهذه الطريقة وذلك الوغد كان هو الفخ الذي تصطادون به ضحاياكم ثم تابع: لهذا سأجعل منكم وجبة شهية للحيوانات ثم سار باتجاه العربة وجلس في موضع السائق وشمس إلى جواره ورحلا وصلا إلى تلك المنطقة والتي كانت تسمى رسال قرب منتصف الليل كانت الشوارع خالية في ذلك الوقت إلا من بعض الكلاب الضالة التي تتسكع بحرية في هذا الوقت فقال شمس: لن نذهب الآن الى بيت السيد يعقوب، فلابد وأنه نائم الآن ثم تابع: هناك حانة قريبة سنذهب إليها، اومأ مجد موافقاً ثم تابعا طريقهما حتى وصلا إلى الحانة مجموعة من الفتيات والشباب السكارى يتراقصون على أنغام فرقة موسيقية لا توحي وجوههم بوجود موهبة رقيقة كعزف الموسيقى لديهم أبداً ورجل ممتلئ الجسم يقف خلف طاولة رخامية مليئة بالكؤوس وزجاجات الخمر يقوم بتنظيف الكؤوس بقطعة قماشية يبدو عليه أنه صاحب الحانة كان شمس ينظر نحو المتراقصين بحماس وهو يهتز في مكانه بينما مجد يجوب المكان بحثاً عن طاولة شاغرة ولما وقع بصره على واحدة في ركن الحانة أشار لشمس أن يتبعه ولكنه لم ينتبه له فجذبه من يده وتوجه به نحو الطاولة لم يكن مجد من الشباب الذين يحبون مثل هذه الأجواء على عكس شمس الذي كان يشاركهم الرقص والصياح وهو في مكانه فقام مجد بعد قليل بمناداة النادل لطلب الطعام فهو يشعر بالجوع ولما جاء الاخير سأل مجد شمساً إن كان يرغب في تناول الطعام أم لا فقال: بالطبع أريد فمعدتي تستغيث فأخبر مجد النادل بما يريداه وبعد تناوله دفع ثمن ما أكلاه ثم خرجا من الحانة                               """"""""""" كان يسير تحت البدر على شاطئ البحر مستمتعاً بأمواجه التي تدغدغ قدميه الحافيتين حين رآها تسير أمامه فجأة ترتدي فستاناً أبيضاً رقيقاً وقد أضفى عليه البدر لوناً رمادياً خفيفاً زاده رقة وجمالاً، كانت مبتسمة ابتسامتها الرقيقة العذبة التي يحبها، وشعرها الأسود اللامع يتراقص مع نسمات الهواء في لحن شجي راسماً لوحة زاهية قادرة على نقل من يراها إلى عالم آخر دون شعور بالزمن دنا منها وقد بدأ قلبه يرقص طربا داخل ضلوعه وارتسمت بسمة عذبة على شفتيه، ثم تراقصا على أنغام قلبيهما فشاركتهما أمواج البحر سعادتهما عازفة أجمل الحان على أوتار الحب الصادق وهي تلامس أقدامهما وكأنها بهذا تستشعر الحب منهما لفت ذراعيها حول جذعه وأسندت رأسها إلى صدره فسمعت دقات قلبه المتسارعة والتي تهتف باسمها مع كل دقة، فأحاطها بذراعيه وكأنه يعلنها للكون صراحة أنها له وحده ثم أبعدها عنه برفق وأمسك بخصرها ثم رفعها لأعلى ودار بها حول نفسه في سعادة ففتحت ذراعيها عن آخرهما وكأنها يمامة تحلق في السماء وقد جعل صوت ضحكاتها كل شئ حولهما يرقص ويضحك كلٌ بطريقت فرقصت أوراق الأشجار عازفة حفيفاً شجياً حتى الأسماك في قاع البحر أخذت ترقص في تناغم راسمة أجمل صورة ثم صاحت بأعلى صوتها: أحبك مجد فأنزلها إلى الأرض برفق وظل ينظر في عينيها وكأنه يحتفظ بشكلها في ذهنه ثم أحاطها بذراعيه وضمها إلى صدره مرةً أخرى وأغمض عينيه وكأنه يطبع  صورتها في مقلتيه وفجأة تلقى ضربة قوية في وجهه فتح عينيه على إثرها فوجد نفسه ينام مفترشاً الأرض بجوار العربة وإلى جواره ينام شمس بشكل عكسي وتلك الضربة التي تلقاها كانت من قدمه وهو يتقلب أثناء نومه وضع يده على وجهه يتحسس مكان الضربة ثم نظر الى السماء التي بدأ نور الفجر يتسرب إليها فتذكر أنه بعدما خرج من الحانة هو وشمس سارا مبتعدين عنها بعربتهما ثم هبطا منها وجلسا إلى جوارهما يتسامران حتى غلبهما النوم ثم قفز إلى رأسه مشهد الشروق الذي لم يراقبه منذ غادر أكاسيا، فنهض وسار مبتعداً عن شمس فوجد نفسه على شاطئ البحر كانت هناك صخرة قريبة من شاطئ البحر تصطدم بها أمواجه العالية فاعتلى تلك الصخرة وجلس فوقها ينتظر شروق الشمس، وبعد وقت ليس بالقليل بدأت تبشر بقدومها مرسلة سهامها الذهبية لتضئ الكون وتكشف ما أخفاه الليل بين جنباته فملأ صدره بالهواء ثم أخرجه ببطء وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ـ يبدو أنك تحب شروق الشمس التفت إلى مصدر الصوت فوجد شمساً يقف خلفه مبتسما وجفونه منتفخة من أثر النوم فقال: لم أكن أهتم بهذا من قبل ولكني شاهدته مرة رفقة ريماس ومنذ ذلك اليوم لم أغفل عن رؤيته يوماً لأنه دائما ما يذكرني بها فمد شمس يده إليه ليساعده على اعتلاء الصخرة ثم جلس إلى جواره وقال: ريماس، إسم جميل فضربه مجد في كتفه بخفة وقال: لا أحب أن يأتي أحد بذكرها وإن كان اسمها فقط فاعتذر منه وبقي صامتاً ثم قال: مجد، أخبرني عن الحب فأنا لم أحظى به بعد ابتسم مجد بتلقائية وهو يتذكر اللحظات التي جمعته بريماس قبل أن يبوح لها بحبه وكيف كان يسعد بكل لحظة يراها فيها ثم قال: الحب هو أن يحلق قلبك في السماء عند رؤية من يحب فقال شمس مستنكراً: هذا فقط؟ رفع مجد كتفيه لأعلى ثم أخفضهما وقال: لا أعرف كيف أخبرك، كل ما أعرفه أنك تشعر بالسعادة لرؤية من تحب وتتمنى أن يظل أمام عينيك في كل لحظة وتتنفس عبيره في كل نفس فسأله: هل أنت مشتاق لحبيبتك الآن؟ تنهد مجد بابتسامة ثم قال: إنني أعد الليالي والأيام حتى أراها من جديد ثم تابع: أتعلم؟ كيف هو شعور الظمآن حين يعثر على الماء؟ هكذا أنا في غيابها يكاد يقتلني الظمأ وفي وجودها أرتوي وتنبض عروقي بالحياة ابتسم شمس ثم قال: ليتني أجد هذا الحب الذي تتحدث عنه فإن قلبي كاد أن يصدأ ضحك مجد ثم ربت على كتفه وقال: ستجده يوماً ما ثم بقيا يراقبان الشروق في صمت حتى ارتفعت الشمس وغطت الدنيا بضيائها. لاحت في الأفق جزيرة ليست بعيدة فتسائل مجد: هل ذهبت إلى تلك الجزيرة يوماً؟ فقال شمس مستغرباً: أي جزيرة؟ أشار مجد نحوها فقال شمس موضحاً: إنها ليست جزيرة ولكنها غرب أكاسيا فقال مجد وقد علت الدهشة قسمات وجهه: غرب أكاسيا؟!!! قال شمس موضحاً: إن إيبرس يا صديقي تأخذ شكلاً هلالياً لذا هي شبه ملتفةٍ حول أكاسيا من ناحية الشمال والغرب لم يفهم مجد ما قاله شمس فقام الأخير برسم دائرة وهمية فوق الصخرة وأردف: لو اعتبرنا أن هذه الدائرة هي أكاسيا وإيبرس معا ثم رسم خطاً يقسم الدائرة إلى ثلث وثلثين ولكن بشكل هلالي وتابع: هذا الخط يمثل بحر آبي، وهذا الجزء الأكبر هو أكاسيا أما هذا الجزء والذي يشبه الهلال هو إيبرس و…… قاطعه مجد قائلا: لقد فهمت ما تقصده ولكن ما لا أفهمه هو مادامت أكاسيا وإيبرس قريبتين بهذا الشكل لماذا نضطر للسفر من شمال أكاسيا ونستغرق شهراً للوصول بينما يمكننا السفر عبر الغرب ونصل في اليوم ذاته؟ فقال شمس موضحاً: لأن غرب أكاسيا ملئ بالذئاب يا صديقي، والكل يخشى على نفسه ثم ابتسم وتابع: هيا بنا إلى السيد يعقوب                            ********** قبل الذهاب إلى بيت السيد يعقوب قاما بفك حصاني العربة عنها واستخدماهما لسهولة التنقل بهما ثم انطلقا إليه كان الطريق المؤدي إلى بيت السيد يعقوب ضيقاً ولا يصلح لترك الحصانين أمام بابه أبداً فاضطرا لتركهما مع فتى صغير بمقابل وتابعا طريقهما الى بيته سيرا حتى وصلا اليه كان البيت من الخارج بسيطاً ولا يبدو عليه شئ من التكلف فهو مكون من طابق أرضي ملاصق للكثير من البيوت الأخرى والتي تشبهه، له باب خشبي منخفض يجبرك على الانحناء عند الدخول منه هم مجد بطرق الباب ولكن شهقة من شمس أوقفته فنظر إليه وسأله عما حدث فقال وهو يركز على وجه مجد: ما هذا الذي بوجهك ( يقصد أثر الضربة) فوضع مجد يده على وجهه بشكل تلقائي فشعر بالألم موضع الضربة ثم قال متهكماً: بغل قام برفس وجهي وهذا أثر حافره فقال شمس متعجبا: أي بغل هذا؟ أجابه مجد بنفس نبرة التهكم: بغل يدعى شمس شعر الأخير بالحرج وقال مغيراً مجرى الحديث: ألم تطرق الباب بعد؟ فأطلق مجد زفرة قوية ثم نظر نحو الباب وقام بطرقه ولكن لم يجبه احد ولما طال مكوثهم أمام البيت قال مجد بضجر: لا يوجد أحد في……. لم يكد أن يكمل جملته حتى فتح الباب وخرج منه كهل تجاوز عمره الثمانين ما إن رآه شمس حتى قال بسرور: مرحباً سيد يعقوب، كيف حالك؟ ابتسم السيد يعقوب وقال ببشاشة: شمس بني، أنا بخير، ماذا عنك؟ ثم مد يده نحو شمس فقام الأخير بمصافحته ولكن السيد يعقوب جذبه نحوه وعانقه ثم أخذا يتحدثان دون الاكتراث لمجد الذي كان يقف مذهولاً حتى نظر السيد يعقوب فجأة نحوه وقال باقتضاب وبوجه متجهم: من أنت؟ ولأنه كان في عالم آخر لم يجبه وكأنه لم يسمعه أصلاً فتولى شمس الجواب عنه وقال: صديقي ثم تابع: سيد يعقوب نريدك في أمر طارئ فقال السيد يعقوب وهو يدلف إلى الداخل: تعالا كاد شمس أن يتبعه ولكن مجداً اوقفه وهو يمسك بذراعه وقال: هل تظن أن هذا الكهل يذكر ما حدث قبل أعوام؟ ثم تابع: اقسم لك أنه نسي أننا نقف هنا أمام بيته بمجرد دخوله البيت فوصل إليهما صوت السيد يعقوب قائلاً: سمعتك أيها الوغد زم شفتيه في حرج ثم قال بصوت منخفض: لا زال يسمع                     “"""""""""""" وقف مجد أمام السيد يعقوب في حرج شديد فقال معتذراً: أعتذر منك سيد يعقوب لم أكن أقصد ولما لم تتغير نظرة السيد يعقوب إليه قال في محاولة بائسة فزاد الأمر تعقيداً: سيدي لقد بلغت من العمر أرذله لهذا ظننت أن ذاكرتك لم تعد تعمل فاتسعت عينا شمس وفغر فاهه بينما تجهم وجه السيد يعقوب وصاح فيه غاضباً: اخرج من بيتي أيها الوغد ولولا تدخل شمس لما قبل السيد يعقوب بوجوده في بيته أبداً داخل حجرة في بيت السيد يعقوب كان يجلس على كرسي وأمامه طاولة كبيرة بينما يجلس مجد وشمس على أريكة في جانب الحجرة ثم دلف إليهم بعد لحظات غلام في الخامسة عشرة وقام بتقديم كوب من الماء للسيد يعقوب وجلس على كرسي خشبي في زاوية الحجرة فقال مجد وهو يرى السيد يعقوب يرمقه بنظراته: اعتذر منك سيد يعقوب، فأنا شخص يخونه تعبيره دوماً تنهد السيد يعقوب بضيق ثم قال: ماذا تريدان؟ كاد أن يجيبه ولكنه تابع: أعرف ما هو طلبك ولكني أخبرني من أي البلاد أنت؟ فأجابه على الفور: أكاسيا قال السيد يعقوب باستنكار: من أكاسيا وتطلب وثيقة انتماء لإيبرس؟ ثم ما الذي يدفعك لترك أكاسيا؟! قال مجد مصححاً: سيد يعقوب أنا لا أريد ترك أكاسيا ولا أريد وثيقة انتماء لإيبرس ـ إذا ما الذي تريده؟ قال: عرفت من شمس أنك تقوم بتزوير وثائق الانتماء للغرباء لذا جئت أسألك عن غريبين قدما من أكاسيا وأقاما هنا فربما تكون قد زورت لهما وثائق أيضاً رمق السيد يعقوب شمساً بنظرة حادة ثم قال: ما اسم هذين الغريبين؟ فقال مجد بحماس: أحدهما حيدر والآخر ميمون ـ متى قدما إلى إيبرس؟ صمت مجد مفكراً ثم قال: قبل ثمانية عشر عام أو أكثر بقليل فضرب السيد يعقوب بقبضته على الطاولة بقوة وصاح: قبل ثمانية عشر عام؟ هل تظنني أذكر ما حدث قبل ثمانية عشر عام؟ ليقول مجد متهكماً: لقد غضبتَ حين قلتُ هذا ـ انهضا قالها السيد يعقوب بحدة وهو ينظر نحوه فتبادل الأخير النظرات مع شمس ثم نظرا إليه فتابع: أحضرا ذلك الصندوق مشيراً إلى صندوق كبير في زاوية الحجرة فقاما بإحضاره ووضعاه فوق الطاولة ثم أمرهما بفتحه ففعلا فوجداه ملئ بالأوراق المبعثرة بشكل عشوائي فقال السيد يعقوب موجها كلامه لمجد: هذه الأوراق لأشخاص أتو إلى إيبرس قبل عشرة أعوام، ابحث بينها علك تجد ضالتك ثم تركهما وغادر الغرفة فتبادل مجد وشمس النظرات ثم قال الأول بأسى: أتعلم بماذا أشعر الآن؟ نظر شمس نحوه فزم شفتيه ثم تابع بصوت حزين: أشعر أني أرغب في البكاء فسوف نضطر لترتيب هذه الأوراق أولاً ثم البحث بينها ثم ملأ صدره بالهواء وأخرجه دفعة واحدة ثم قال بحماس: هيا، لن يستغرق الأمر وقتاً فقال شمس متعجباً من تبدل حاله: هذه أول خطوة في طريق الجنون ثم ابتسم وشرع يساعده في ترتيب الأوراق حتى انتصف النهار ولكن في النهاية لم يجدا ما يروي ظمأهما فقال مجد للسيد يعقوب الذي كان قد عاد إلى الغرفة قبل انتهاء البحث بوقت قصير: أليس لديك أوراق أخرى؟ هز السيد يعقوب رأسه نفياً فشكره مجد ثم خرجا من عنده وبمجرد وقوفهم أمام البيت قال مجد بعدما تغلب عليه اليأس: سأعود إلى أكاسيا فلا مزيد من البحث خلف سراب ثم تنهد بمرارة وتابع: لقد عاهدت والديَّ أن انتقم ممن قتلهما ولكني فشلت في هذا ثم تفجرت دموع الألم من عينيه فربت شمس على كتفه وقال بتأثر: لا بأس يا صديقي لابد وأن نجدهما، وعندها يمكنك تحقيق انتقامك مسح مجد دموعه بكلتا يديه ثم هما بالمغادرا ولكنهما سمعا صوتا من خلفهما يقول: أعرف من تبحث عنهما سيدي، استدار الاثنان في وقت واحد نحو مصدر الصوت فوجدا الغلام الذي كان يجلس في زاوية الحجرة في بيت السيد يعقوب فتابع وهو يحدق نحو مجد: نعم سيدي أعرف من تبحث عنهما                            ************ أمي…. أمي…… أين أنت؟ كانت تقوم بتجهيز الطعام لوحيدها قبل عودته من عمله حين سمعت صوته فجأة يصيح في صحن الدار مناديا فهرعت إليه مجيبة نداءه فتفاجئت بوجود شابين يقفان في وسط دارها بصحبة ولدها فقالت متعجبة: من هذين؟ فأجابها: هذين الشابين يريدان سؤالك عن شئ قطبت المرأة جبينها وقالت: ما هو؟ فقال مجد بهدوء: أعتذر منك سيدتي ولكن أخبرني هذا الشاب أن لديك معلومات عن شخص يدعى حيدر اتسعت حدقتاها وتبدلت ملامحها ثم قالت بحذر: من حيدر؟ نقل مجد بصره نحو المرأة وابنها ثم قال بنبرة تهديد: لا تتذاكي أيتها المرأة، فابنك الثرثار هذا أخبرني بكل شئ ثم صمت قليلا وتابع: أعرف أنه زوجك نظرت المرأة نحو ولدها نظرة غاضبة ثم قالت باقتضاب: ما الذي تريده؟ ـ حيدر فقالت بحدة: ماذا تريد منه؟ زفر أنفاسه وقال بنفاذ صبر: أود سؤاله عن شئ فابتسمت بسخرية ثم قالت: مستحيل ـ لماذا؟!! دارت ببصرها في كل مكان ثم قالت: لأنه قتل صعق مجد ولم يصدق ما قالته المرأة فتابعت موضحة: لقد قتل قبل أكثر من خمسة عشر عام ثم أشارت نحو ولدها وقالت: كان هذا لا يزال حمل في بطني صمت طويلاً قبل أن يقول: أريدك أن تخبريني عن كل شئ تعرفينه عن زوجك حدقت فيه المرأة طويلاً ثم قالت: منذ ما يزيد عن ثمانية عشرة عام جاء حيدر وشقيقه الأصغر ميمون إلى إيبرس بعد ارتكابهما جريمة قتل في أكاسياً هرباً من الإعدام، وذلك لأن القتيل كان طبيب ملك أكاسيا وزوجته عملا معاً لمدة تقارب العامين حتى التقينا أنا وحيدر ومن هنا بدأت الخلافات بين الشقيقين فحيدر أراد الاستقرار وبناء عائلة له بينما رفض ميمون ذلك بحجة أنهما من أكاسيا وإن علم أحد بهذا فسوف يقتلان لأن إيبرس لها عداوة كبرى مع أكاسيا ولن تقبل بهما على أرضها أبداً ولكن رغم كل تلك الخلافات تزوجنا فغضب ميمون وترك شقيقه ورحل إلى حيث لا أحد منا يعرف، ثم عاد فجأة وبدون سابق إنذار بعد زواجنا بقرابة الثلاثة أشهر، يومها كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير حين سمعنا طرقاً عنيفاً على باب البيت فهرعنا أنا وحيدر نحو الباب وما إن قام زوجي بفتح الباب حتى وجدنا ميمون يقف خارجاً فقام حيدر بمعانقته بمجرد أن وقع بصره عليه ولكن لم تتبدل ملامح ميمون المتجهمة فأفسح زوجي الطريق لشقيقه ليدخل وما إن دلف حتى قام بطعنه بسكين حاد وأرداه قتيلا ثم هرب فصرخت بأعلى صوتي حتى هرع الجيران على صوت صراخي فوجدوا زوجي غارق في دماءه بعدها عدت إلى بيت أمي وبقيت فيه حتى توفيت أمي قبل بضعة أعوام وها أنذا أقيم فيه حتى اليوم مع ولدي انهت المرأة حديثها وهي تراقب الوجوه الصامتة التي تطالعها بذهول فقالت موجهة كلامها لصاحب الوجه الغاضب: من انت؟ أجابها وهو يكز على أسنانه في غضب: أنا ابن الطبيب الذي قتله زوجك وشقيقه فخافت المرأة وقامت باحتضان ولدها بخوف مما أغضب مجد فصرخ فيها: أنا لست زوجك لأقتل بريئاً ثم سألها: هل تعرفين أين ذلك الوغد؟ أومأت إيجابا وهي ترتجف بخوف ثم قالت: إنه صاحب الحانة الشهيرة في هذه المنطقة نظر مجد نحو شمس وكأنه يستوثق من حديثها فقال الأخير مصححا: ولكن سيدتي إن صاحب الحانة يدعى منذر وليس ميمون قالت وهي تزدرد ريقها بصعوبة: لقد قام بتغيير اسمه إلى منذر وعاش هنا بعيداً عن إيبرس ومشاكلها ـ هل يمتلك وثيقة انتماء لإيبرس؟ ـ نعم، قام بتزويرها له السيد ـ يعقوب قالها مجد مقاطعاً ثم هم بالمغادرة ولكنه استدار نحوها وقال بتهديد صريح: سأذهب إليه وإن اكتشفت أنك تكذبين أقسم لك حينها أني لن أختلف عن زوجك في شئ، بل سأكون أسوأ منه فقالت بخوف وهي ترتشف دموعها: أقسم لك أني لم أكذب في حرف مما قلته فرمقها بنظرة ساخطة قبل أن يتركها ويرحل رفقة شمس                           **********