الثامن عشر
استيقظ مجد على صوت طرقات على باب البيت فنهض بتكاسل وما إن فتحه حتى وجد شاباً يقف أمامه وعلى وجهه ابتسامة عذبة
هم الأخير بدخول البيت ولكن مجداً أوقفه وهو يتسائل:
من أنت؟
فقال الشاب متعجباً:
شمس
فقال مجد وهو يعبث بشعره:
أعتذر فقد كانت الألوان تغطي وجهك لهذا لم أتعرف إليك
ـ لا عليك
قالها شمس وهو يدلف إلى البيت ممسكاً بين يديه لفافة قماشية ألقاها نحو مجد وهو يبتسم ابتسامة غير مطمئنة ثم قال:
إفتحها
فقام مجد بفتحها وهو ينظر نحوه بشك فوجد بها سروالاً وقميصاً فقال متسائلاً:
ما هذا؟
ـ سروال وقميص!
فقال مجد بضيق:
أرى هذا ولكن لماذا أحضرتهما؟
أجابه بتهكم:
لماذا سأحضر لك قميصاً وسروالاً؟
ثم تابع:
لترتديهما
ألقى مجد الثياب على الأريكة بغضب ثم قال بحدة:
أرتدي سروالاً أرجوانياً وقميصاً أخضر اللون لأبدو مهرجاً أمام الجميع
قهقه شمس عالياً ثم قال:
الجميع في إيبرس يبدون كالمهرجين
فصرخ فيه:
ولماذا لا ترتدي أنت ثياب المهرجين هذه؟
وضع شمس يديه خلف ظهره ثم قال بغرور مصطنع:
أحب الإختلاف
فضربه مجد في كتفه ضربة آلمته فقال وهو يمسك بكتفه:
لماذا؟
فقال بحدة:
أنا لا أحب أن أكون منقاداً خلف أحدهم، بل أحب عيش الحياة على طريقتي وبإرادتي
ـ وفي النهاية؟
أجابه مجد بشكل قاطع:
لن أرتدي هذه الثياب وانتهى الأمر
فقال شمس ليحذره:
سيتعرف إليك الناس
ـ فليكن….
صمت شمس قليلاً ثم سأله عما سيفعله فقال:
سأخرج للبحث عن قاتلا والديَّ
فقال شمس باستنكار:
وهل تظن أن البحث عنهما مهمة سهلة؟
ثم تابع وهو يرى التساؤل في عينيه:
إن لم تكن تعرف فيما يعملان فلن تستطيع إيجادهما بهذه السهولة
قال مجد وهو يتذكر حديث جواد:
يعملان في تجارة الزيوت
فقال شمس بابتسامة واثقة:
إذاً سنذهب الى سوق أريج
*********
خرجا إلى سوق أريج أكبر أسواق إيبرس للبحث عن حيدر وميمون
وأخذا يسألان رواد السوق وأصحاب المتاجر عنهما ولكن دون جدوى حتى أصابهما التعب فجلسا جانباً بجوار أحد المتاجر طالبان القليل من الراحة فلمح مجد مجموعة من الجنود وبرفقتهم صاحب البيت الذي استأجره قادمين باتجاههم فقال موجها حديثه لشمس:
يبدو أن ما أخبرتني به حقيقي
فقال شمس الذي كان منشغلاً بمغازلة فتاة تمر أمامه:
ماذا قلت؟
نظر مجد نحوه وقال:
قلت هل تحفظ جميع الشوارع والأزقة في هذه المنطقة؟
ـ لماذا؟
لم يجبه ولكنه اكتفى بإشارة من رأسه نحو اولائك الجنود القادمين فقال شمس بقلق:
من هؤلاء وماذا يفعلون هنا؟
فأشار مجد إلى الرجل وقال:
هل ترى هذا الرجل الذي معهم؟
ـ ماذا به؟
ـ إنه صاحب البيت الذي أقيم فيه الآن
اتسعت عينا شمس وقال:
هذا يعني أنه وشي بك إليهم
فقال مجد:
أظن ذلك
نهض شمس على الفور وكذا مجد ثم قال الأول بلهفة:
ماذا تنتظر؟ هيا بنا
ركض الاثنان بأقصى سرعة لديهما يخرجان من شارع لآخر ومن زقاق إلى زقاق والجنود خلفهم، وبينما هم يركضون أشار شمس بيده إلى زقاق جانبي وصاح:
من هنا
فدلف الاثنان الى ذلك الزقاق واختفيا ولم يتمكن الجنود من العثور عليهما أبداً رغم انتشارهم وتمشيطهم للمنطقة بالكامل فاضطروا للرحيل
كان هذا وشيكاً
كانت تلك الجملة من مجد الذي كان يختبئ وشمس داخل أحد المنازل الذي تفاجئا به مفتوحا ولحسن حظهما كان خاليا من سكانه في ذلك الوقت فقد كان يراقب ذلك عبر نافذة صغيرة فسأله شمس إن كانوا قد رحلوا أم لا فأجابه:
رحلوا
فتنفس بارتياح ثم خرجا من ذلك البيت وسارا عائدين في نفس الطريق الذي جاءا منه ولكنهما لم يعودا إلى السوق بل سلكا طريقا متفرعا من ذلك الطريق إلى أن وصلا إلى بيت يبدو عليه الفخامة ولكنه قديم بعض الشئ فالتفت شمس نحو مجد وقال:
لم يعد هناك مكان آمن بالنسبة لك في إيبرس سوى هذا البيت
ـ لمن هذا البيت؟
ملأ شمس صدره بالهواء ثم قال بزهو:
إنه بيتي
ضحك مجد فسأله عن سبب ضحكه فقال:
ذكرتني بتميم، كان دائما ما ينتفخ هكذا حتى يصبح كديك على وشك العراك
ـ ومن يكون تميم؟
ـ صديقي
دارا حول البيت حتى صارا خلفه فقال شمس وهو ينظر نحو سور البيت:
هل تستطيع تسلق هذا السور؟
فرمقه مجد بنظرة شك وهو يتسائل عن سبب ذلك فقال:
لندخل
فقال مجد باستنكار:
ولماذا لا تفتح الباب؟
ـ لأنني لا أملك المفتاح
كيف لا تمتلك مفتاحاً وهو بيتك؟
سأله مجد باستنكار فقال وهو يحك مؤخرة رأسه:
بصراحة هذا بيت الحارث وفي إيبرس هذا البيت مقدس ولا أحد يستطيع الإقتراب منه
فقال مجد بنفاذ صبر:
ولماذا لم تأخذني إلى بيتك عوضاً عن هذا؟
ـ لأنني لا امتلك بيتاً، فقد كنت أعيش مع والدي في بيت مستأجر وحين توفي قام صاحب البيت بطردي لأنه يعلم أنني لن أستطيع دفع أجرته أبداً، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعيش هنا بصفي الوريث الوحيد لصاحب هذا البيت ولكن لا أحد يعرف بهذا
رمقه مجد بنظرة حاد ثم بدأ في تسلق السور فتبعه شمس ثم قفزا إلى أرض قاحلة يبدو أنها كانت حديقة فيما مضى ولكنها تحولت إلى صحراء على مر السنين
دلف الاثنان لداخل البيت عن طريق باب يطل على ذلك المكان الذي قفزا فيه
كان البيت يتكون من ردهة واسعة جداً يتوسطها درج كبير وعلى جانبي هذا الدرج توجد مقاعد وأرائك فخمة تنم عن ثراء فاحش، ويتوسط هذه الردهة سجادة فخمة يكفي ثمنها لإطعام شعب إيبرس لمدة عام كامل موضوع فوقها طاولة متوسطة الحجم ذات لون أبيض وموضوع فوق الطاولة مزهرية من الخزف لا تقل فخامة عن غيرها من الأثاث الموجود في البيت
كانت جميع جدران البيت مائلة إلى الصفرة مما يدل أنها كانت بيضاء وتحولت الى هذا بفعل الزمن
فقال مجد بانبهار:
يبدو أنه كان ذا ذوقٍ عالٍ وكان ثرياً أيضاً
ثم نظر نحو شمس وتابع:
أقسم لك أن هذا الأثاث لا يوجد له مثيل حتى في قصور الملوك
فابتسم شمس وأشار له أن يتبعه إلى الطابق العلوي
*************
صعد الاثنان إلى الطابق الثاني فكان يحتوي على ستة غرف متقابلة يفصل بينهما رواق مزخرف بأجمل الرسومات بحيث يقسمها الى ثلاثة غرف في كل جهة وفي آخر الرواق مزهرية ضخمة مصنوعة من الخزف مطلية حوافها بلون فضي رائع
كانت جميع الغرف مغلقة بأقفال كبيرة ما عدا الغرفة الأخيرة في الجهة اليمنى فقد كان بابها مفتوحاً على مصراعيه
سار شمس نحو تلك الغرفة فلحق به مجد
كانت الغرفة تحتوي على سرير ضخم رغم قِدمه إلا أنه فخم وأريكة متهالكة بعض الشئ ولكنها تصلح للإستعمال، وخزانة ضخمة تحمل نفس الزخارف الموجودة على السرير ولكنها متهالكة أيضاً فقال مجد معلقاً:
لماذا تبدو هذه الغرفة فقيرة بالنسبة لبقية البيت؟
فقال شمس وهو يقوس فمه لأسفل:
هكذا وجدتها وأقمت فيها على حالها
ثم استلقى فوق السرير وأغمض عينيه باسترخاء بينما انشغل عقل مجد بأمر الغرف المغلقة وما تخفيه خلفها فقال:
شمس
انتبه له الأخير فتابع:
منذ متى وأنت تقيم في هذا البيت؟
أجابه بغير اكتراث:
منذ ثلاث سنوات تقريباً
فقال مجد:
ألم تفكر لحظة خلال تلك السنوات الثلاث أن تفتح أي غرفة من تلك الغرف المغلقة؟
ـ ولماذا أفتحها؟
رمقه مجد بنظرة حادة وهو يقول بتهكم:
مكثتَ في هذا البيت لثلاث سنوات وحولك خمس غرف مغلقة ولم يدفعك فضولك يوماً لتكتشف ما يختبئ خلف أبواب هذه الغرف؟
ثم تابع:
لم أمكث بهذا البيت سوى لحظات وفضولي يكاد يقتلني لأعرف ما تخفيه هذه الأبواب خلفها
فنهض شمسٌ واعتدل جالساً ثم قال وهو يشير في وجهه محذراً:
إياك أن تفكر في فتح باب من هذه الأبواب
فرمقه مجد بنظرة ماكرة ثم قال وهو يتراجع الى الخلف وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة:
أنا لا أفكر في فتح هذه الأبواب بل سأفتحها
ثم انطلق مسرعاً الى خارج الغرفه فلحق به شمس محاولا منعه فأمسك به قبل أن يفتح باب الغرفة المجاورة وصاح فيه:
سنقتل إن اكتشف أحد هذا أيها الأحمق
فقال مجد بهدوء لا يتناسب مع هذا الموقف أبداً:
لم يدخل أحد إلى هذا المكان منذ زمن بعيد لذا لن يدخله أحد الآن
فقال شمس معترضاً:
وإن كان فلن أسمح لك بهذا أبداً
فتنهد مجد بضيق وقال:
ماذا تظنني سأفعل؟ انا لن أحطم شيئاً، سألقي نظرة فقط
كاد شمس أن يعترض ولكن مجدا قال بتحدٍ:
سألقي نظرة
فتركه ليشبع فضوله، فأمسك مجد بالقفل وحاول خلعه بيده فوجده قوياً جداً فقال:
هذا القفل صدئ ولكنه قوي
ثم أخرج خنجره يقتلع به القفل ولكن شمساً امسك بيده وقال:
ماذا ستفعل أيها المجنون؟
ـ لا شئ سأحاول فتح القفل
فقال شمس بصوت منخفض وهو يكز على أسنانه في غضب:
لن أسمح لك بهذا فسوف يتلف القفل
قال مجد متعجبا:
لماذا تخفض صوتك؟ ثم وإن حدث وتلف القفل فهو ليس جديداً من الأساس
فقال شمس وهو يكاد أن يبكي:
أقسم أني سألقى حتفي بسبب فضولك هذا
ضحك مجد بصوت مرتفع فلكمه شمس في بطنه لكمة ليست قوية ليصمت
فبدأ مجد في محاولته فتح القفل باستخدام الخنجر ولكن الأمر لم يفلح فتنفس شمس بارتياح وقال:
هل أرضيت فضولك؟ ها أنتذا حاولت ولم يفلح الأمر فلتترك الباب وشأنه
رمقه مجد بنظرة حادة وقال:
لماذا أنت جبان هكذا؟ كما أنني لم أرض فضولي بعد، بل إن الأمر يزداد إصراراً في داخلي لرؤية ما تخفيه هذه الأبواب
ثم نظر نحو الباب مطولاً وقام بالطرق عليه فقال شمس بتهكم:
هل تنتظر أن يفتحه لك أحد من الداخل؟
ثم تابع بسخرية:
يبدو ألا أحد بالداخل لذا سنعود فيما بعد
فقال مجد بحدة وهو ينظر نحوه:
إن لم تصمت فسأضربك
ثم عاد إلى الغرفة وجلس فوق الأريكة وأغمض عينيه وهو يعود بظهره إلى الوراء بينما استلقى شمس على السرير من جديد
لم يكن مجد من النوع الذي يستسلم أبدا فظل يفكر في إيجاد شئ من شأنه فتح الأقفال دون إتلافها
نهض من فوق الأريكة فأصدرت أزيزاً انتبه له شمس الذي قال وهو يرمقه بنظرة شك:
إلى أين؟
ـ سأقوم بجولة سريعة في البيت
ولما لم يبعد شمس عينه عنه قال ليطمئنه:
لا تقلق سأتجول في البيت قليلاً وأعود إلى هنا
عاد شمس إلى وضع الإسترخاء من جديد فخرج مجد من الغرفة
كان يسير في الرواق الفاصل بين الغرف وهو يطالع الأبواب بفضول شديد حتى وصل إلى الدرج وهبط الى الطابق السفلي
كان أول شئ يتفحصه عن قرب هو أريكة كبيرة موجودة بجوار الدرج من الجانب الأيمن، لونها أحمر قاني وحوافها مطلية بلون ذهبي أضفى عليها بهاءاً وجمالاً
وكان هناك مقعدين بجوار الأريكة لهما نفس تصميمها وقد وضع أمامهم منضدة صغيرة ذات لون ذهبي يعلوها لوح من الزجاج فلفت انتباهه إطار معلق على الجدار خلف الأريكة الكبيرة، كانت صورة لشخص ما ولكن لحظة!!
ـ أنا؟!!!
قالها مجد بذهول فقد كان الشخص الموجود في الصورة يشبهه في كل تفاصيله، وبغير شعور مد يده ليلمس الصورة فانقطع الخيط الذي يعلقها بالجدار وكادت أن تسقط ولكنه التقطها قبل ذلك
وجد على الجدار موضع الصورة جملة محي أغلبها ولكنه قرأ ما يظهر منها :
يعود.. ملك… ـوجو……شبي….سله
فلم يستطع فهم ما تعنيه، لذا تركها وتابع جولته
نظر نحو السجادة الموضوعة في وسط الردهة ثم اقترب منها وأمسك بالمزهرية الموضوعة فوق الطاولة وأخذ يحدق فيها بإعجاب شديد
**************
كان شمس لا يزال مستلقياً فوق الفراش يحدق بسقف الغرفة الملئ بالشقوق حين تناهى إلى سمعه صوت تحطيم فوثب من فراشه وركض إلى خارج الغرفة إلى أن وصل إلى الدرج وهناك تسمرت قدماه، فقد كان مجد يقف بالقرب من الطاولة وينظر نحو الأرض بفزع حيث المزهرية التي كانت فوق الطاولة ولكنها كانت محطمة
فصرخ شمس في فزع:
ماذا فعلت؟
إنتبه مجد لوجوده فقال مدافعاً:
لم أفعل شيئاً، كنت أشاهدها ولكنها انزلقت من بين يدي وارتطمت بالأرض فتحطمت
وفي وثبتين هبط شمس الدرج وصار إلى جواره وقد تعلق بصره ببقايا المزهرية يكاد أن يبكي فقال:
لقد مكثتُ في هذا البيت لثلاث سنوات ولم يتبدل فيه شئ وأتيت أنت بين لحظة وأختها وبدأت في تحطيمه
فصاح مجد متهكما:
لم أرى في حياتي كلها إنسان جبان مثلك
ثم سأله:
هل يعرف أحد أنك تعيش هنا؟
هز رأسه نفياً دون أن يرفع عينه عن حطام المزهرية فتابع مجد:
إذاً لا داعي لهذا الخوف فلن يتهمك أحد في إتلاف شئ
ثم تابع وهو ينظر نحوه:
ولكني متأكد أن هذا البيت لم تطأه قدم منذ سنين طويلة
بعدها انحنى ليلتقط شظايا المزهرية المتناثرة فقام شمس هو الآخر بمساعدته في ذلك عندها عثرا على شئ لم يكونا ليعثرا عليه لولا تحطم المزهرية، مجموعة من المفاتيح تضمها حلقة صغيرة، أمسكها شمس وقال متعجباً:
ما هذه المفاتيح؟
لمعت عينا مجد واكتسى وجهه ابتسامة مشرقة ثم قال:
أظنها مفاتيح الغرف
فقال شمس مستنكراً:
لا زلت تفكر في أمر الغرف؟
فابتسم مجد وهو ينظر نحو المفاتيح ثم قال بحماس:
ومن قال لك أني نسيتها؟
ثم اختطف المفاتيح من يد شمس وأسرع باتجاه الدرج وصعد إلى الأعلى، فلحق به الأخير
وقف مجد أمام باب أول غرفة من الناحية اليمنى وشمس إلى جواره ثم اختار أحد المفاتيح بشكل عشوائي وأمسك القفل بيده الأخرى وحاول فتحه ولكنه لم يستجب فجرب مفتاحاً آخر فلم يستجب أيضاً وكذلك الأمر مع الثالث حتى بدأ يصيبه اليأس ثم قام بتجربة المفتاح الرابع فانفتح، عندها تهللت أساريره بينما عبس شمس بوجهه وظل يتمتم بكلام غير مفهوم
دفع مجد الباب بكلتا يديه فتمزقت شباك العناكب التي تغطيه من الداخل ثم دلف
كان كل شئ غارق في الظلام، فتقدم نحو النافذة التي تغطيها ستارة بالية وأزاحها فكشفت ما أخفاه الظلام
السرير والخزانة والأرضية وسجادها المرآه كل شئ كان مغطى بالتراب
فتقدم شمس هو الآخر حتى وقف في وسط الغرفة ثم نظر حوله بانبهار وقال:
رغم أكوام التراب التي تغطي كل شئ إلا أنها تبدو فخمة
ابتسم مجد وقال:
أوافقك الرأي
ثم سار نحو الخزانة وفتحها فوجدها ملأى بالثياب الرجالية والنسائة ذات الألوان الزاهية والمبهجة وكانت مرتبة بشكل أنيق فقال معلقاً:
يبدو أن صاحبة هذا البيت أنيقة ومنظمة
ثم توجه نحو المرآة فوجدها مغطاة بالتراب وكذا زجاجات العطر الموضوعة أمامها كما تحيط بها شباك العناكب، فقام بإزاحة الشباك عنها ثم فتحها وقربها من أنفه ليشم رائحتها فأخذ يسعل بشدة حتى احمرَّ وجهه وكاد أن يختنق ثم أعادها إلى مكانها وخرج من الغرفة فخرج شمس بعده وقال بتهكم:
هل أشبعت فضولك الآن؟
فرمقه بنظرة حادة وقال بأنفاس لاهثة إثر السعال:
ما هذه الرائحة؟ لقد كدت أموت
فقال شمس باستفزاز:
هذا درس صغير لك حتى لا يتحكم بك فضولك
لم يرد عليه وتوجه إلى الغرفة المقابلة لها من الناحية اليسرى وقام بفتحها بأول مفتاح ولحسن حظه انه فتح بينما كان شمس يغلق الباب الأول بقفله من جديد
تقدم الى داخل الغرفة فوجدها خالية من أي شئ فتركها وذهب إلى المجاورة لها فكانت خالية أيضاً ثم الغرفة المقابلة لها من الناحية الأخرى فوجد بها فراش صغير وخزانة متوسطة فابتسم وقال:
يبدو أنها كانت غرفة جرير
ثم توجه إلى الغرفة الأخيرة والتي تقابل الغرفة المفتوحة التي يقيم فيها شمس فقال الأخير:
الغرفة الأخيرة والمفتاح الأخير
قام مجد بدس المفتاح في القفل وأداره فلم ينفتح فكرر الأمر ذاته بالمفاتيح الأخرى عسى أن يكون قد اختلط عليه الأمر وتبدل المفتاح ولكنه لم يفتح أيضاً فنظر نحو شمس وسأله:
كيف فتحت هذه الغرفة؟
ـ وجدتها مفتوحة
أخذ ينقل بصره بين الباب والمفاتيح ثم نظر نحو شمس وقال:
أغلق أذنيك؟
فقال شمس باستغراب:
لماذا؟
تراجع للخلف خطوات وقال مجيباً:
لهذا
ثم اندفع نحو الباب وضربه بكتفه بقوة فانخلع من مكانه وسقط داخل الغرفة
سقط شمس على ركبتيه وكأنه أصيب بالشلل فجأة فنظر مجد نحوه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة نصر:
كنت سأفعل الأمر نفسه مع الأبواب الأخرى ولكني لم أفعلها لأجلك حتى وجدنا المفاتيح، ولكن هذا الباب كان سيظل مغلقاً لعدم وجود مفتاح له لذا حطمته
ثم تابع وهو يرى الذهول على وجه شمس:
أنا عنيد لدرجة لا يمكنك تخيلها ولا أحب أن يظن أحد أنه استطاع هزيمتي أبداً
فرفع شمس بصره نحوه وقال:
من أين لك بهذه القوة؟
أطلق تنهيدة وأجاب:
درس قاسٍ علمتني إياه الحياة
ثم سار الى داخل الغرفة داعسا بأقدامه على الباب المحطم فعلت الدهشة ملامحه، فقد كانت الغرفة عبارة عن مكتبة ضخمة يتدلى من سقفها ثريا ضخمة جداً من الألماس وثلاثة من جدرانها عبارة عن رفوف تحوي مئات الكتب أما الجدار الأخير فيقبع أسفله مكتب ضخم وخلف هذا المكتب يقبع كرسي جلدي كبير زين ظهره بفصوص ذهبية
سار مجد حتى اقترب من المكتبة وراح يزيح عنها شباك العناكب التي تغطيها ثم أمسك بأحد الكتب وأخذ يقلبه بين يده فسمع شمساً من خلفه يقول:
ما هذا الكتاب؟
قوس مجد فمه لأسفل وقال:
لا يظهر عليه أية عناوين
ثم قام بفتحه وقلب صفحاته على نحو سريع ثم قال:
كتاب طبي يتحدث عن التشريح
ثم أعاده إلى مكانه وأخذ يتفحص بقية الكتب فوجد مجموعة من الكتب تتحدث عن المزيد من العلوم الطبية فلمت عيناه ثم قام بتفحصها على نحوٍ سريع كالظمآن الذي وجد الماء أخيراً
ثم قال موجهاً حديثه لشمس:
هل قلت لي بالأمس أننا أبناء عم؟
أومأ شمس إيجاباً فتابع:
إذاً هذا البيت من حقنا نحن الإثنين على حد سواء
رفع شمس أحد حاجبيه وقال باستنكار:
ماذا تريد أن تقول؟
فقال مجد بابتسامة:
أعني أنه يمكنني التنازل لك عن حقي في هذا البيت مقابل هذه المكتبة، بل إنني مستعد للتنازل لك عن أي شئ لي فيه نصيب من أجل الحصول على هذه الحديقة الغناء
فقال شمس مستغرباً:
ألهذه الدرجة تحب الكتب؟
نظر مجد نحوه وقال:
قبل عشرة أعوام لم أكن أدرك حرفاً مما يقال في هذه الكتب رغم أن والدي كان طبيباً ماهراً ولكني منذ تركت جنوب أكاسيا وانتقلت للعيش بشمالها تغير كل شئ، فأصبحت أقرأ كثيراً في كل ما تركه والدي من كتب ولكن التغير الحقيقي كان منذ ثلاثة أعوام
ثم تابع لما تذكر ريماس:
عيناها الزرقاوتين كانتا كبحر أغرق فيه ولا أستطيع النجاة منه أبداً
ثم ضحك بسعادة وقد لمعت عينيه ببريقها وتابع:
أحب طريقتها الطفولية في التعبير عن سعادتها أو غضبها، أتذكَّر إن تشاجرنا تغضب كالأطفال ولكنها سرعان ما ترضى بكلمة بسيطة
أحبتني قبل أن تعرف من أكون ودافعت عني حينما سقطت بين براثن أبيها حتى استطعت الوقوف على قدمي وأصبحت لي المكانة الأولى عند والدها
كما أنها الوحيدة في هذه الدنيا الني يمكنني ترك الجميع خلف ظهري لأجلها، ولأجلها فقط يمكنني أن أقيم حرباً تحرق الدنيا بمن فيها
كان شمس يحملق فيه مذهولاً ثم قال:
كل هذا؟ لم يكن يبدو عليك أنك تحب أو أن لديك مشاعر من الأساس
ثم تابع وهو يعقد حاجبيه:
كما أنك تجاهلت سؤالي وتحدثت عن فتاتك
ضحك مجد فتابع:
ومن تكون تلك التي استطاعت أن تسيطر على كيانك هكذا؟
فقال:
إبنة ملك أكاسيا
تسائل شمس باستغراب:
ومن تكون أنت لتكون لك المكانة عند الملك؟
ـ طبيبه
شهق شمس وقال غير مصدق:
أنت من أصحاب المكانة في أكاسيا؟
اومأ مجد إيجابا فتابع:
لا يمكن لأحد أن يتعرض لك بأذى في مملكة إيبرس ما دمت تابعا لقصر ملك أكاسيا
فقال مجد باستنكار:
وما أدراهم أنني طبيب الملك؟وما الذي يضمن لك ألا يتعرف إلى أحد بأذى إن علموا بمنصبي في أكاسيا؟
أجابه شمس بثقة:
لأن حاكم اكاسيا رجل صلب وقاس كما سمعت ولا يتهاون في حق أحد من شعبه
فقال مجد باستهزاء:
ولن يصله خبر موتي قبل أن تتحلل جثتي وتبلى عظامي أليس كذلك؟
ثم اتجه إلى المكتب الضخم وجلس على كرسيه الضخم الملئ بالغبار وشباك العناكب وقال بمزاح:
ما رأيك. أصلح أن أكون حاكما أليس كذلك؟
قهقه شمس عالياً حتى سقط على ركبتيه فقال مجد متعجباً:
ما المضحك في هذا؟
فقال من بين ضحكاته:
الغرور لا يليق بك
رفع مجد زاوية فمه لأعلى وقال باستنكار:
ألهذا تضحك؟
توقف شمس عن الضحك وقال بجدية:
تخيل أنك أصبحت ملكاً لأكبر ممالك هذا العالم مملكة أكاسيا ما هو أول شئ ستقوم بفعله؟
فكر قليلا ثم قال:
أول شئ سأفعله هو التخلص من ذلك المغرور ووالده
ـ ومن يكون ذلك المغرور؟
ـ جنيد قائد جيوش أكاسيا، شاب مغرور ومتسلط ويرى نفسه أفضل من الجميع بسبب منصبه الذي أنا واثق أنه لم يصل اليه إلا بدعم من والده
فسأله:
ومن يكون والده؟
ـ وزير الملك وهو ينوب عنه في كل شؤونه
ثم صمت
وثانياً:
سأله شمس فابتسم وقال:
ثانياً، سأتزوج من فتاتي ثم أعلنها ملكة على أكاسيا كما صارت ملكة على قلبي
ـ وثالثاً؟
ـ ثالثاً……ما هذا الصندوق؟
قالها مجد حين لفت انتباهه صندوق خشبي متوسط الحجم موضوع فوق أعلى رف بالمكتبة
ـ أي صندوق؟
سأله شمس فأشار بيده نحو الصندوق فقال شمس لما رآه:
لا أعرف لم ألاحظه سوى الآن
نهض مجد ودنا من المكتبة ثم رفع بصره حيث الصندوق فوجده بعيداً ثم نظر نحو طاولة المكتب وطلب من شمس مساعدته في نقل الطاولة الى حيث المكتبة فسأله:
لماذا؟
لم يجبه ولكنه أشار بعينه إلى الأعلى فقال شمس بصوت أقرب للبكاء:
يوماً ما سألقى حتفي على يديك
فضحك مجد وقال:
هيا، لا تكن جباناً
ثم قاما بنقل الطاولة بالقرب من المكتبة فقفز مجد فوقها على الفور وقام بإنزال الصندوق ووضعه فوق الطاولة وجلس بجواره
قام بتقليب الصندوق بين يديه في كل الاتجاهات، كانت عليه بعض الزخارف التي تدل على انتمائه إلى حقبة زمنية بعيدة عن زمنهم وفي الجهة الأمامية يوجد قفل يشبه الأقفال المغلقة للأبواب فأطال النظر إلى الصندوق بشكل صامت فسأله شمس بشك:
بماذا تفكر؟ أو ما الذي تنوي فعله؟
فقال دون يرفع بصره عن الصندوق:
أفكر في طريقة لفتحه
فقال شمس بحدة:
أنت كائن فضولي
ثم تابع:
لقد عرفتك بالأمس ورأيت منك ما يدفعك للهلاك
فابتسم مجد وقال وهو ينظر اليه بتحدٍ:
أنا هكذا أحب البحث وراء كل ما هو غامض، كما أنني لا أحب الحياة الراكدة بل أحب الحياة التي تسير مع التيار أتعلم لماذا؟
اومأ شمس نفيا فتابع:
لأنني أحب السير في عكس اتجاهه
ـ ولكنك ستهلك
تجاهل مجد ما قاله شمس وقال:
كيف سنفتح هذا الشئ؟
قوس الأخير فمه لأسفل علامة الجهل فقال مجد:
سأقوم بتحطيمه
ثم رفعه في الهواء وكاد أن يهوي به أرضاً ولكنه توقف في آخر لحظة، وأمسك بمجموعة المفاتيح التي لا زالت معه وأمعن النظر إليها فلاحظ وجود مفتاح مختلف عن البقية فأمسك به ووضعه في القفل فانفتح فصاح بفرح:
لقد انفتح
فقال شمس الذي حملق فيه باندهاش:
كيف عرفت ان مفتاح الصندوق موجود بين المفاتيح الأخرى؟
آجابه بأعين تشع ذكاءً:
بعد فتح أبواب الغرف تبقى مفتاح وتبقت هذه الغرفة، ولكن المفتاح لم يكن لها لذا فلابد أن لهذا المفتاح قفل يفتح به
ثم نزع القفل من مكانه ورفع غطاء الصندوق فوجد فيه خاتماً فضي اللون يعلوه حجر أحمر ذا شكل سداسي والى جواره ورقتان إحداهما مطوية والأخرى سميكة وملفوفة حول نفسها ولف عليها من الخارج حبل رفيع
أمسك مجد بالخاتم وأخذ يتأمله بإعجاب ثم وضعه في سبابته اليمنى فوجده مناسباً وكأنه له فقال مازحاً كالأطفال:
أنا وجدته أولاً
ضحك شمس على طريقته الطفولية ثم مد يده بداخل الصندوق وأخرج الورقة التي لفت حول نفسها ثم قام بنزع الحبل عنها وفتحها فشهق عاليا وقد ارتسمت على وجهه أمارات الفزع
ماذا حدث؟
سأله مجد بقلق لما رأى ما حدث منه ولما لم يرد ووجده يحملق بالورقة التي بين يديه أخذها منه ونظر إلى ما بها فوجدها صورة لمخلوق غريب له هيئة تشبه البشر ولكنه يمتلك وجه ذئب وجسده مغطى بالشعر كالذئاب، في تلك اللحظة رأى وميضاً احمرً يصدر من الحجر الذي يوجد بالخاتم ثم ومض مشهد سريع في رأسه جعله يسقط الصورة التي بين يديه فالتقط شمس الصورة وقال كأنه لم يلحظ ما شعر به مجد:
لو كنت في ذلك الزمن الذي هاجم فيه المتحولين إيبرس لكنت مت رعباً دون أن يمسني أحدهم
بعدها أخرج مجد الورقة المطوية الموجودة في الصندوق وفضها فوجد فيها عبارتين مكتوبتين بخط واضح وهما
.. دماء ابنة الراعي مفتاح لبوابة ممالك الذئاب..
.. يعود ملك الذئاب بوجود شبيه من نسله..
رفع مجد بصره عن الورقة وقال:
أنا لا أفهم شيئاً
ثم أشار إلى العبارة الثانية وتابع:
كانت هذه العبارة مكتوبة على أحد جدران الردهة ولكن كان أغلبها قد محي
بعدها بقيا صامتين لبعض الوقت حتى قال مجد:
لنعيد هذه الطاولة إلى مكانها
وبالفعل قاما بإعادتها ثم قال شمس وهو يمسك ببطنه:
ألا تشعر بالجوع؟
ـ بلى.. ولكن ماذا سنأكل؟
قال شمس:
سأذهب لشراء بعض الطعام
أومأ له مجد بالموافقة فذهب بينما بقي الأخير يفكر فيما حدث معه منذ لحظات
************