السادس عشر
كان في عيادته يقوم بفحص أحد المرضى حين دلف اليه أحد الفرسان وهو يقول بلهفة:
أيها الطبيب نحتاجك في سجن القلعة بشكل عاجل
ـ لماذا؟
صمت الفارس قليلا ثم قال:
السيد غيث مصاب إصابة خطيرة وقد يموت في أية لحظة
استأذن مجد من المريض وخرج على الفور ثم ركب العربة التي ستقله الى وجهته وانطلق على الفور
أمام سجن القلعة هبط مجد من العربة وانطلق مسرعا الى الداخل فوجد قائد السجن يقف عند البوابة منتظرا مجيئة، ثم اتجه به اى.مكان السيد غيث
وما إن وقع بصره عليه حتى اتسعت حدقتاه، فقد كانت الدماء تسيل من عنقه بغزارة ، فهرع اليه وهو يحاول إسعافه فرأى في عينيه كلاما يود قوله ولكنه لا يستطيع فقرب مجد أذنه منه بطريقة لم يلحظها المتواجدين حوله ثم قال بصوت منخفض لم يسمعه البقية:
ما الذي تريد قوله سيد غيث؟
فقال السيد غيث بصعوبة بالغة وبصوت متحشرج:
ذ ئـ ب
لم يتطع مجد فهم ما يقوله فعاد يسأله مرة أخرى ولكنه كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة مودعا الحياة
تأثر مجد لموته وبدا عليه الحزن ثم التفت نحو البقية وقال:
لقد مات
بعد لحظات هم بالخروج من الغرفة ولكنه عاد أدراجه وكأنه يرغب في التأكد من شئ، ثم حدق مطولا بجثة السيد غيث بعدها نظر نحو الستائر المغلقة لنافذة الغرفة فاقترب منها وقام بنزعها ثم دنا من الجثة مرة أخرى وقام بطي الستارة بين يديه، ثم وضعها على موضع الإصابة وضغط عليها بقوة ليوقف النزيف قليلا وما إن أبعدها حتى اتسعت حدقتاه وقال بذهول:
مخالب؟!!!
اقترب منه قائد السجن ثم قال وقد بدا القلق في نبرة صوته:
لقد هاجمه ذئب
**************
وبينما كان مجد مغادرا رفقة قائد السجن قام بسؤاله فجأة وهو يراقب تعبيراته:
كيف دخل الذئب إلى هنا؟
كادت نظرات مجد أن تخترقه فقال بتلعثم:
قفز من أعلى السور
وبشكل تلقائي جاب مجد السور بعينيه سريعا ثم قال باستنكار:
كيف؟
بدا التوتر على وجه قائد السجن وهو يقول:
الجانب الشرقي لسور السجن ملاصق لجبل لابد وأنه قفز منه
فسأله بشك:
وهل من المعقول أن يقفز ذئب من فوق هذا الاإرتفاع دون أن يتأذَّى؟……. ثم وإن حدث هذا فكيف خرج بعد انتهاء مهمته؟
امتقع وجه قائد السجن بعدما لم يجد جوابا لسؤاله فابتسم له مجد بخبث ثم تركه ورحل
خرج من السجن فوجد العربة التي أقلته لازالت تنتظره فاستقلها عائدا إلى القصر،
وفي الطريق كان يفكر في مأساة السيد غيث ثم قال محدثا نفسه:
كيف خرج الذئب من السجن وطريق الخروج يختلف عن طريق الدخول؟
ثم صمت وهو يدفن وجهه بين راحتيه ولكنه سرعان ما انتبه لشئ فقال وهو يحدق بالفراغ أمامه:
كيف يكون أحد جوانب السور ملاصقاً لجبل والسجن نفسه موجود فوق قمة جبل؟
ولما لم يجد أجوبة مقنعة لأسئلته قال موبخا نفسه:
لماذا تشغل نفسك بهذا أيها الأحمق؟ أنت تبحث عن جواد
وصل إلى القصر مع حلول الظلام فقرر الذهاب الى سوق النحاسين في اليوم التالي
*********
وصل الى السوق وسار فيه حسب وصف تميم له فوجد رجلا أشعثاً يفترش بساطا مهترئا ويضع فوقه بعض الأواني النحاسية المستعملة ليبيعها
فحدق فيه غير مصدق أن هذا الرجل الذي أمامه هو الرجل الذي يبحث عنه حتى قال الرجل بصوت حاد بطريقة تدعو للضحك:
إلام تنظر أيها السيد؟
انتبه له مجد فتابع:
طلبك ليس عندي
فقال مجد متعجبا:
وكيف عرفت هذا؟
قال وهو يشير بيده نحو مجد:
أنظر الى ثيابك
نظر مجد نحو ثيابه وقال:
ماذا بها؟
ـ تبدو غنيا يا هذا، وأمثالك لا يشترون من عندي شيئاً…… هيا إرحل لتفسح الطريق لغيرك
زفر مجد أنفاسه بضيق ثم سأله عن اسمه فقال بغير اكتراث:
جواد
فقال وقد تهلل وجهه:
كنت أبحث عنك منذ مدة
قال جواد بدهشة:
عني أنا؟
أومأ مجد إيجابا فسأله بخبث:
وماذا تريد مني؟
وقف مجد الى جواره وقال بصوت منخفض وبطريقة فيها إغراء:
لأعطيك ألف قطعة من الذهب الخالص
سقطت الآنية التي كان جواد ممسكاً بها عندما سمع ما قاله مجد ثم سأله بىهفة:
أين هي؟
فابتسم مجد بخبث وقال:
ولكن هناك مقابل
تجهم وجه جواد وقال بضيق:
ما هو المقابل؟
ـ حيدر وميمون
بمجرد أن نطق مجد بهذين الإسمين حتى اتسعت ححدقتا جواد ذهولا ثم قال:
ماذا تريد منهما؟
لايس من شأنك، دلني على مكانهما فقط واعطيك ما أخبرتك به
صمت جواد ولم يرد فقال مجد:
لماذا لا ترد؟ ألا يعجبك المقابل،أم أنك تخاف منهما؟
فتابع مجد لما طال صمته:
من كان لا يعجبك المقابل زدته لك وإن كنت تخافهما أمنتك……فكر في الأمر مليا وسأعود إليك بعد يومين لتخبرني عن رأيك
ثم ابتعد مغادرا فسمع جواد يقول:
هما خارج المملكة
استدار مجد اليه ثم سأله:
متى سيعودان؟
ـ لن يعودا أبدا، فلقد استقرا خارج المملكة ونمت تجارتهما بشكل يجعلهما في غنى عن العودة الى أكاسيا مرة أخرى
ـ وفيم يتاجران؟
قال جواد بعد تفكير:
حسب ما أذكر يتاجران في الزيوت
فقال مجد وقد بدأ يشعر بالضيق:
هل يمكنك أن ترسل في طلبهما وأزيدك فوق الألف ألفاً آخر
هز جواد رأسه نفيا وقال:
وإن أعطيتني كل كنوز هذا العالم فلن يعودا فهما محظوران من دخول أكاسيا
فقال مجد بشك:
ومن الذي منعهما؟
قوس جواد فمه لأسفل علامة الجهل
فقال مجد بتحدٍ:
ولكني سأعرف
ثم سأله عن مكانهما فقال:
في أقصى ممالك الشمال…. مملكة إيبرس
صعق مجد حين أخبره جواد بهذا فمملكة إيبرس هي أبعد مملكة عن أكاسيا إذ يفصلها عنها بحر آبي العظيم الذي تستغرق الرحلة فيه عشرة أيام كاملة، وبين البحر وإيبرس صحراء واسعة يأخذ المسافر فيها عشرين يوما ليقطعها
فقال بغضب:
من كان ما أخبرتني به غير حقيقي فأعدك أني سأذيقك الويل قبل أن امحو أي أثر لك من هذه الدنيا
ثم رحل
*****************
عاد إلى القصر يجر أذيال الخيبة فقد كان يظن أن الأمر سهل ولكنه بات معقدا جدا
كان يسير مشغول البال مشتت الفكر لدرجة انه لم ينتبه لريماس التي تناديه من شرفتها حتى ذهب الى غرفته فتفاجأ بها تقف هناك فقالت بمجرد أن رأته:
كنت أناديك من شرفتي
فقال:
أعتذر لم أسمعك
شعرت بالقلق عندما رأت الحزن يخيم عليه فأمسكت بكفه وقالت:
مجد، ماذا بك؟ لماذا تبدو حزينا؟
نظر في عينيها فوجد القلق جليا فيهما فقال:
لا شئ ولكني متعب قليلا……
قالت بثقة وهي تنظر في عينيه الحزينتين:
لماذا تكذب؟
أخفض بصره نحو الأرض فقالت وهي تضع راحتها فوق خده:
هيا أخبرني
تنهد بألم ثم قال بصوت مختنق:
كنت أظن الأمر سهل يا ريماس ولكنه أصعب منا تخيلت
ـ لماذا ألم تعثر على ذلك الرجل؟
ـ بلى
ـ إذاً ما سبب حزنك؟
صمت قليلا ثم قال:
لأنني لم أجد قاتلا والديَّ يا ريماس
ـ ألم يخبرك عن مكانهما؟
ـ بلى أخبرني….
ثم تابع وهو ينظر اليها مترقبا لردة فعلها:
إنهما يقيمان في إيبرس
فصاحت باعتراض:
لن أسمح لك بالذهاب الى هناك أبدا، فتلك البلاد بعيدة جدا عنا وأنا لا أتحمل غيابك ليوم واحد وليس لعدة أشهر
ـ ريماس أ…….
فقاطعته:
لا،لا،لا،….لا تحاول فلن أسمح لك بهذا أبدا
فقال بصوت عالٍ:
إنهما والديَّ يا ريماس
انهمرت دموعها وقالت ببكاء:
أخشى أن يصيبك مكروه في تلك البلاد ولا أعرف عنك شيئا
فلن تكفيك ثلاثة أشهر للذهاب والعودة
وضع وجهها لين راحتيه وقال بصون حاول جعله هادئاً:
أنا مضطر لهذا يا حبيبتي، لوتعلمين مدى الألم الذي أشعر به والنار التي تتأجج في صدري كلما مر طيف ما حدث في ذاكرتي لعذرتني
فقالت وما زالت دموعها تنهمر على وجهها:
وماذا بعد؟
سألها بعدم فهم:
بعد ماذا؟
أردفت توضح له:
أقصد بعد أن تنتقم ممن قتل والديك هل ستنطفئ النار التي في صدرك؟
ثم دفعته في صدره بكلتا يديها بقوة وصاحت:
لا،…هل سينجلي الألم الذي يعشش داخلك؟…..بالطبع لا
إذاً لماذا تسعى خلف شئ لن تجني بعده سوى مزيد من الألم؟
ثم تابعت:
لماذا تريدني أن أعاني كما عانيت؟ أنت عانيت بفقد والديك وستتركني أعاني لفقدك، لماذا تفعل هذا يا مجد لماذا؟
قال بنبرة رجاء وهو بالكاد يمنع نفسه من البكاء:
أرجوكي يا ريماس لا تزيدي الأمر علي فأنا لم أعد أحتمل
ثم مسح دموعها بأنامله وتابع بعطف:
ثم إنك وعدتني ألا أرى دموعك وها أنت ذا تخلفين بوعدك للمرة الثانية
فضربته بيديها في صدره مرة أخرى وقالت:
وأنت أيضا وعدتني أن تبقى إلى جواري وألا تجعل شيئا يحزنني، وها أنت ذا أكثر شخص في هذا الكون يجعلني أحزن
لماذا تفعل بي هذا يا مجد؟ انا لا أحب أحداً في هذه الدنيا بقدر ما أحبك
لم يجد ما يقوله لها فبقي صامتً وهذا ما آلمها أكثر فابتعدت عنه ثم ركضت متجهة الى مخضعها وهي ترتشف دموعها ارتشافاً
ظل في مكانه لا يعرف ماذا يفعل ولكنه في النهاية قرر الذهاب إليها والإعتذار منها
*************
دلفت الى مخضعها وارتمت على فراشها وهي تبكي وتنشج بصوت مرتفع فتعجبت حور لها، وبعد ذلك بلحظات حضر مجد الى هناك وقال موجهاً حديثه لحور:
أخرجي يا حور
عندما سمعت ريماس صوته صرخت فيه من بين دموعها:
أخرج أنت، أنا لا أريد رؤيتك بعد اليوم أبدا
فأعاد أمره لحور بالخروج دون الاكتراث لما قالته، ولما لم تستجب لأمره أمسك بيدها وقام بدفعها الى الخارج ثم أغلق الباب خلقها جيداً، ثم استدار ليتحدث إليها فوجدها تقف خلفه مباشرة وما إن وقع بصره عليها حتى صرخت فيه:
ألم أقل لك أخرج؟
فقال بتحدٍ وهو ينظر في عينيها:
لن أخرج
فقالت بغضب:
إن لم تخرج سأصرخ
ـ اصرخي
قالها بررود مما استفزها فأخذت تدور بعينها في كل مكان وكأنها تبحث عن شئ فوقع بصرها على خنجره فجذبته ثم رفعته أسفل عنقه وقالت بجدية:
سأقتلك
فقال بهدوء:
اافعليها لتريحيني مما أنا فيه
زكأن ما قاله كان كلمة السر لتتفجر دموعها التي ما كادت ان تتوقف من جديد فأسقطت الخنجر من يدها وارتمت على صدره من جديد وهي تبكي فقام بضمها وقال:
كبف لي أن أبقى هادئاً وقالت والديَّ يعيش حراً ويهنأ بحياته في الوقت الذي ذقت فيه مرارة اليتم والقسوة من جميع البشر؟
ثم رفع وجهه وتابع وهو ينظر في عينيها:
ماذا بامكانك أن تفعلي إن قتلني أحد ما؟
وفجأة تحول بكائها اى غضب شديد فقالت بتوعد:
أقسم أن أذيقه العذاب ألواناً وأجعله يتمنى الموت
فابتسم وقال بشئ من الارتياح:
هذا من أجل شخص لم تعرفيه سوى منذ أعوام فما بالك بأبي وأمي فما بالك بمن أحباني دون مقابل
نظرت نحوه طويلاً وقالت:
عدني أن تكون بخير
فتهللت أساريره وقال:
لن أعدك ولكني سأحاول قدر استطاعتي، فما أبقاني حياً طوال الأعوام الماضية كي أحقق انتقامي سيجعلني أعود إليك سالماً
بعد ذلك خرج من مخضعها وذهب على الفور الى مجلس الملك ليخبره بأمر سفره إلى إيبرس، فوجد شريحاً وجنيد عنده،
وقف امام الملك فسأله عما يريده فقال:
جئت آخذ الإذن منك جلالة الملك
ـ بخصوص ماذا؟
قال وهو يختطف نظرة نحو جنيد ووالده:
السفر،.. أعني أنني أريد السفر الى إيبرس لأمر ضروري
فقال الملك وقد انعقد حاجبيه:
وما هو هذا الأمر الذي يدفعك للسفر الى تلك البلاد البعيدة
صمت مجد مفكرا ثم قال:
احتاج لبعض الأدوات وعرفت اني سأجدها في إيبرس
اضطر مجد لإخفاء الحقيقة عن الملك حتى لا يمانع فمنذ أن عرف الملك أن مجداً إبن صديقه غسان بات يشعر أنه مسؤول عنه وكأنه ابنه
فقال الملك ليثنيه عن أمر السفر:
سأرسل من يجلب لك ما تحتاجه من ادوات ولكن سفرك أمر مرفوض
فقال مجد برجاء:
ولكن جلالة الملك أنا بحاجة للسفر فأنا احب انتقاء ما أريده بنفسي
فوافق الملك على مضض
وبعد مرور ثلاثة أيام كان مجد على متن أول سفينة متجهة الى إيبرس والتي انطلقت من الميناء الشمالي لأكاسيا بعد الكثير من الدموع من ريماس فعزم أن ينهي ما ذهب لأجله سريعاً حتى يعود إليها من جديد
**************