ملك الذئاب - الخامس عشر - بقلم وفاء عبدالهادي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ملك الذئاب
المؤلف / الكاتب: وفاء عبدالهادي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الخامس عشر

الخامس عشر

ذهب مجد الى سوق النحاسين للبحث عن ذلك المدعو جواد وقد كانت تلك أول زيارة له ولكنها لم تكن الأخيرة عندما وصل الى السوق قال متهكما: هذا ما يسمونه البحث عن إبرة في كومة من القش فقد كان حجم السوق كبيرا جدا ويحوي عشرات المتاجر كما أنه مزدحم بشكل لا يوصف دلف الى السوق وتوجه لأحد المتاجر للسؤال عن جواد فأتاه غلام من داهل المتجر وتوجه اليه مسرعا ثم قال بلهفة: مرحبا سيدي كيف أساعدك؟ قال: انا…… فقاطعه الغلام: ـأخبرني ما طلبك؟ ـ كنت أبحث عن……… ـ كؤوس أباريق أواني ـ لا أنا أقصد……. ـ أي شئ تريده موجود هنا سيدي، أخبرني بمل تريده وأنا سأحضره في الحال، ماذا تر…… ـ أصمت صرخ بها مجد في وجه الغلام ليكف عن الثرثرة صمت الغلام قليلا ثم سأله: بماذا تأمرني سيدي؟ عبس وجه مجد وزفر أنفاسه بضيق ثم قال: أنا لا أريد نحاسا نظر الغلام بعدم فهم ثم قال بتعجب: إذن ما الذي تريده؟ صمت مجد قليلا ثم قال: أريد شخصا، أقصد أنني أبحث عن رجل يدعى جواد تجهم وجه الغلام وقال بحدة: اذهب وابحث عنه في سوق الجواري غضب مجد لجواب الغلام وأراد ان يضربه ولكنه لم يرد افتعال مشكلة لا تجدي فتركه وذهب دلف الى متجر آخر فخرج له من بين الأواني النحاسية صبي صغير لا يتجاوز عمره العشرة أعوام فقال: مرحباً أيها الصغير صاح فيه الصبي بغضب: لست صغيرا اندهش من ردة فعله فقال مجاراة له: إذا مرحباً أيها الكبير فصاح الصبي بغضب أكثر: لست كبيرا فقال مجد باستنكار: بماذا أناديك إذاً؟ ـ تميم قالها الصبي بحدة فقال مجد متسائلاً بابتسامة: وهل أناديك بتميم فقط أم بالسيد تميم؟ انتفخ الصبي فجأة وصار كديك على وشك العراك ثم قال بنبرة استعلاء: يمكنك مناداتي بالسيد تميم ضحك مجد عاليا وكاد أن يسقط أرضا ثم قال من بين ضحكاته: لذا أيها السيد تميم، هل لي ان أسألك سؤالا؟ فقال الفتى بنفس النبرة: ما هو؟ ـ هل تعرف رجلا يدعى جواد؟ ـ وكم ستدفع مقابلا لهذا؟ قال مجد باستنكار: تريد مالاً؟ فقال الفتى مستهزءاً: وهل سأدلك مجانا؟ صمت مجد قليلا ثم سأله: كم تريد؟ ـ مائة قطعة نحاسية صاح مجد بذهول: ماذا؟ مائة قطعة؟ هل أنت مجنون؟ بادله الفتى الصياح وهو يشير فوجهه بيده: إذهب وابحث عنه في السوق إذا حتى تتقرح أقدامك أيها البخيل رمقه مجد بنظرة حادة ثم قال: بخيل أفضل من طماع ثم ابتعد مغادرا فقال الفتى بتحد: قل ما تشاء ولكنك ستعود مرة أخرى فقال مجد دون ان يلتفت إليه: لن أفعلها أبدا ثم تابع طريقه بحثا عن ضالته حتى أصابه التعب من كثرة السير فجل بجانب أحد المتاجر وقال محدثا نفسه: كان الصبي محقا،                          ************** كان تميم يجلس أمام المتجر يلعب ببعض الحصى حين رأى مجدا يعود اليه مرة أخرى فقال وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه: ألم أخبرك أنك ستعود فقال مجد بحدة: ولكني لن أعطيك شيئا قبل أن تخبرني إن كنت تعرف مكانه حقا أم لا فقال تميم: بالطبع أعرف وإلا لما طلبت مقابلا فسأله عن مكانه وقبل ان يجيبه سمعا صوتا خشنا يأتي من داخل المتجر: تترك عملك وتثرثر مع الزبائن أيها الوغد انتفض تميم لدى سماعه هذا الصوت بينما القى مجد ببصره نحو الداخل فخرج عليهم رجل ضخم الجثة ذا ملامح خشنة ةشارب يغطي نصف وجهه، وعندما اقترب منهم امسك تميما من ثيابه ثم صفعه على وجهه صفعة قوية طرحته أرضا فهرع مجد لنجدته وهو يصيح في الرجل: أيها الحقير تضرب طفلا لا حول له ولا قوة؟! فقال الرجل رحدة: ليس من شأنك يا هذا، إن كنت ترغب غي شراء شئ فأخبرني عنه وإن كنت لا ترغب فارحل عن هنا نظر مجد حوله بحثا عن تميم دون الاكتراث لما يقوله ذلك الرجل فوجده يركض مبتعدا فلحق به حتى وجد نفسه خارج السوق، كان يجلس في زاوية بعيدة يبكي فاقترب منه ثم نزل على إحدى ركبتيه أمامه وقال وهو يمسح على رأسه بعطف: هل هذا الرجل والدك؟ هز رأسه نفيا ثم قال من بين دموعه: أعمل لديه فقط ـ وما الذي يجعلك تتحمل هذه الإهانة؟ صمت تميم قليلا ثم قال: أعمل مقابل المأوى والطعام ـ أين والديك؟ سأله مجد فقال وهو ينظر في عينيه مطولا: ماتا صعق مجد مما قاله فقد ذكره بحاله عندما رحل عن بيته بعد مقتل والديه فقد تلقى نفس المعاملة من الجميع حتى اشتد عوده وبات قادرا على الاعتماد على نفسه ثم قام بضمه الى صدره وربت على ظهره بحنان، فلا يشعر بحال اليتيم إلا يتيم مثله بعد أن هدأ تميم أبعده مجد عنه قليلا قم قال مبتسما: ما رأيك في عمل مقابل المأوى والطعام والمعاملة الحسنة نظر تميم نحوه ببراءة ثم قال: وأين أجده؟ ـ عندي قطب تميم جبينه وقال متعجبا: وماذا تعمل؟ ـ طبيب ـ ولكني لا أفهم شيئا في هذا أبدا ابتسم مجد وقال: لا يهم مع الوقت ستتعلم صمت تميم قليلا ثم سأله بتعجب: لماذا تساعدني؟ الجميع هنا يعاملونني بقسوة فلماذا انت الوحيد الذي حنوت علي؟! ملأ مجد صدره بالهواء وأخرجه ببطء ثم قال: لأنني ايضا مثلك ثم تابع وهو ينظر في عيني تميم البريئتين: فقدت كلا والدي عندما كنت في مثل سنك وتلقيت معاملة أسوأ من هذه، لهذا لا احب ان يعامل احد مثلما عوملت أنا ثم نهض وهو يمسك بكف تميم الصغيرة وقال: من الآن فصاعدا ستكون مساعد طبيب الملك ابتسم تميم وسار معه الى القصر، وما إن وطئته أقدامهما حتى التقيا بآخر شخص قد يتمنى مجد رؤيته في هذا الكون….جنيد تجاهله مجد وتابع سيره ولكنه اعترض طريقه ثم قال وهو يبتسم ابتسامة مصطنعة: كيف حالك أيها الطبيب؟ ـ بخير أجابه مجد باقتضاب فقال وهو يشير نحو تميم بإزدراء: ما هذا؟ فصرخ فيه تميم بغضب: ما شأنك أنت يا وجه القرد؟ استشاط جنيد غضبا وهم بصفعه ولكن مجدا أوقفه وهو يقول مهددا: إن فكرت مرة أخرى في تكرار هذا فلن اتوانى لحظة في قطع يدك ثم سار مبتعداً وهو ينظر نحو تميم باندهاش دلفا الى الغرفة فقال مجد لتميم محذرا: إن جنيدا شخص يستحق أن تصفعه على وجهه ولكن إياك أن تكرر ما حدث، فهذا البغيض لن يتركك وشأنك أبدا شعر تميم بالخوف فقال ليطمئنه: لن يمكنه أذيتك أبدا ما دمت برفقتي فاطمأن قلب تميم نوعا ما                             ********** في تلك الأثناء كانت ريماس تقف عند نافذتها في شرود تفكر فيما آلت إليه علاقتها مع مجد فقد أصبح يغيب عن القصر كثيرا لدرجة أنها قد تراه مرة كل أسبوع وكأن هناك ما يشغله عنها فكانت تنتظر مجيئه الى القصر كي تواجهه بشأن هذا الأمر دلفت حور الى مخضع الأميرة وقالت: مولاتي، لقد حضر السيد مجد وبرفقته صبي صغير نظرت ريماس نحوها وقالت بتساؤل: ومن يكون هذا الصبي؟ قوست حور فمها لأسفل علامة الجهل فخرجت ريماس من مخضعها وتوجهت الى غرفة مجد، وكعادتها لم تطرق الباب بل دفعته بكلتا يديها وولجت على الفور وبالفعل كان هناك صبي معه ولكنه أكبر قليلا مما ظنت كان الغضب باديا علة وجهاا ولكنها لم ترد ان تفتعل مشكلة في ذلك الوقت وخصوصا أمام طفل صغير وقف تميم أمامها مبديا احتراما فابتسمت وسألته: ما اسمك أيها الصغير؟ غضب تميم وكاد أن يصرخ في وجهها لولا يد مجد التي كممت فمه فقال الأخير محذرا: إحذري ان تناديه بالصغير او الكبير وإلا لن تتحملي صوت صراخه أبدا فقالت باستنكار: بماذا أناديه إذاً؟ أبعد تميم يد مجد عن فمه ثم قال بعد ان انتفخ وصار كديك على وشك العراك: بإمكانك مناداتي بالسيد تميم ضحكت ريماس وقالت: ومن يكون السيد تميم؟ أشار تميم نحو مجد وقال: مساعد الطبيب فقالت ريماس باندهاش موجهة كلامها لمجد: مساعدك طفل صغير؟ صرخ فيها تميم فجأة وقال: لا تنعتيني باصغير قال مجد يذكرها: ألم أخبرك؟ ثم انفجر الثلاثة في الضحك، بعد ذلك بوقت قصير غفا تميم فاقتربت ريماس من مجد وقالت بدلال: هل تعلم لماذا أنا هنا؟ مرر أنامله على وجنتها وقال بحب وهو يومئ إيجابا: أنت هنا لمعاتبتي على غيابي عنك طوال الفترة الماضية نظرت في عينيه بدهشة فكيف استطاع أن يقرأ أفكارها فتابع: لا تتعجبي فأنا أشعر بك يا ريماس ثم أمسك بكفها ووضعه فوق صدره وأردف: أنت تسكنين هنا……….بين ضلوعي توردت وجنتاها خجلا فقام بضمها الى صدره بقوة فقالت تسأله: مجد انتبه لها فتابعت: ألم نتفق أن نتقاسم الأفراح والأحزان؟ أبعدها عنه قليلا وهو ينظر في عينيه طالبا التوضيح فأردفت: وألا يخفي أحدنا هن الآخر شئ؟ ـ وهل أخفيت عنك شيئا من قبل؟ هزت رأسها إيجابا وقالت: منذ أشهر وأنا أراك منشغلا، لا تبقى في القصر كثيرا، كما أنني لم أراك منذ أسبوعين تنهد بضيق ولم ينبس ببنت شفة فقالت تحثه على البوح بما يشغله: هيا أخبرني نظر في عينيها طويلا ثم قال: أبحث عن قاتل والديَّ اتسعت حدقتاها في ذهول فقال يؤكد لها ما سمعته: نعم يا ريماس، أنا أبحث عمن قتل والديَّ منذ ما يقرب من العشرين عام ولاانها كانت في حالة من عدم التصديق، قص عليها قصته منذ مقتل والديه ومحاولاته في إيجاد قاتلهم ولكنه لم يأت بذكر محاولته قتل والدها بعدما انتهى مجد من إخبارها بما حدث وجد وجهها غارق في الدموع فقالت بصوت باكِ: كيف تحملت هذا؟….كيف تحملت مقتل والديك امام ناظريك؟ ابتلع مجد غصة مريرة تكونت في حلقه ثم قال: هذا ما حدث فأمسكت بكفه وقالت بخوف: مجد انا أخشى عليك ـ لا شئ يدعو للخوف فقالت محاولة ردعه: بلى، إن ما أنت مقدم عليه شئ خطير وقد تكون نهايتك، وأنا أخشى ان يصيبك مكروه، ولما لم ترى على وجهه بوادر الاقتناع تابعت: إن لم تكن حياتك تعني لك شيئا فهي تعني لي الكثير فقال بإصرار ممزوج بالغضب: لقد تحملت لما يقرب من عشرين عام يا ريماس، لذا لا تحاولي منعي فأنا لن أتراجع حتى أصل الى من حرمني من والديَّ وأقتص منه او أن يحول الموت بيني وبين ما أصبو اليه ولما رأت الإصرار يشع من عينيه تركته ورحلت جلس على طرف الفراش وهو يشعر بضيق شديد وآلام نفسه تكاد تفتك به فسمع صوتا من خلفه يقول: هذه الفتاة تحبك، حاول الا تخسرها نظر خلفه فوجد تميم جالسا ينظر نحوه فقال متعجبا: ألم تكن نائما؟ ـ بلى ولكني الآن مستيقظ ثم تابع: ولقد سمعت الحوار الذي دار بينكما تنهد مجد بضيق ثم قال: ليتني أستطيع البوح لك بما في صدري ولكنك صدغير لن تدرك معنى ما أقوله فقال تميم وهو يضع كفه فوق كتفه: لكل شعور في الدنيا طعم، فمثلا السعادة طعمها حلو، والحزن مر، والفقد طعمه كطعم الحنظل لا يستساغ أبدا، وأنا أعلم معنى أن يفقد المرء أبويه شعور بالمرارة لا ينجلي وجرح في الروح لا يندمل وإن مرت عليه السنون ثم تابع بمرارة وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيه: لقد مات والدي منذ أن كان عمري عام واحد، ولحقت به أمي قبل عام، لن أقول أنني عانيت بعد موت أمي فقط، بل كنت أعاني قبل موتها أيضا، كنت أعاني الفقر والجوع ولكن وجودها الى جانبي كان يمحو عني كل شعور سئ أشعر به وبعد موتها عانيت الجوع والحرمان أيضا ولم أجد في هذا الكون من يهتم لأجلي فلم تكن حياتي تعني لي كثيرا لدرجة أنني تمنيت ان لو لحقت بأمي ولكني الآن وجدت من يهتم لأجلي أخيرا…….أنت حملق فيه مجد بذهول فتابع: فالإنسان الوحيد الذي عاملني برفق ورحمة بعد موت أمي كان أنت، لذا أنا مدين لك بحياتي سيدي عانقه مجد وقد فاضت دموعه فتابع تميم: أنا لا أقول لك تخلى عن انتقامك بل على العكس أنا أؤيدك في هذا فألمك أكبر من ألمي مع أن المصاب واحد ولكن لا تتخلى عنها ولا تجعل الألم يفعل بها ما فعله بك مسح مجد دموعه ثم أبعد تميما عنه وقال بابتسامة: كنت ترفض أن يصفك أحد بالكبير ولكني من الان فصاعدا لن أناديك سوى بالكهل ضحك تميم وكذا مجد ثم خرج الأخير قاصدا الذهاب الى ريماس وخاول إرضائها ولكنه لم يستطع ابعاد القلق عنها ثم عاد الى غرفته فوجد تميما قد عاد للنوم مرة أخرى فتمدد الى جواره ونام سريعا وفي الصباح استيقظ تميم فوجد مجدا ينام فوق فراش أرضي فقال مستغربا وهو يقترب منه: لماذا تنام على الأرض سيدي؟ فتح مجد عينيه ونظر نحو تميم ثم قال بابتسامة: هل نمت جيدا؟ ابتسم تميم وهو يومئ إيجابا فتابع مجد: هذا جيد فأنا لم أستطع النوم أبدا ـ لماذا؟! اعتدل مجد جالسا ثم قال وهو ينظر نحو تميم: بسبب الزلزال ـ اي زلزال؟ أنا لم أشعر بشئ ـ كيف ستشعر به وأنت مصدره؟ نظر ميم نحوه نظرة متسائلة فقال موضحا: لقد كدت تسقطني من فوق السرير عدة مرات وسقطت أنت عن الفراش ثلاث مرات وفي كل مرة كنت أعيدك الى موضعك حتى قررت ترك الساحة لك وحدك تتصارع فيها بمفردك شعر تميم بالخجل وقال: أعتذر منك سيدي ولكني لم أعتد النوم عى.فراش مريح هكذا كما أنني شخص يتقلب كثيرا اثناء نومه ابتسم مجد وقال: لا عليك يا فتى ثم عبس فجأة وقال: ولكن لا تناديني بسيدي مرة أخرى فابتسم تميم وقال: أمرك سيدي رمقه مجد بنظراته فقال موضحا: اعذرني ولكني لن أستطيع ذلك، عل الأقل حتى أعتاد عليك ابتسم مجد ثم قام بتبديل ثيابه وخرج لعيادته بعد أن اوصى ريماس بالانتباه لتميم                          *************