ملك الذئاب - الفصل الثاني عشر - بقلم وفاء عبدالهادي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ملك الذئاب
المؤلف / الكاتب: وفاء عبدالهادي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

كان الملك قلقا بشأن ابنته، فلم يكن يعلم هل انشغل هو عنها فبات لا يعرف عن احوالها شئ ام ان هناك ما يشغلها فلم تعد تقحم نفسها في شؤونه كانا يتناولان عشائهما سويا حين لاحظ شرودها فقال يسألها عن احوالها: ريماس انتبهت من شرودها ونظرت نحوه فتابع بقلق: هل انت بخير؟ اومأت ايجابا وقالت: نعم يا ابي ـ ولكني اشعر ان هناك ما يشغلكِ فابتسمت بشكل عفوي وأمسكت بكف والدها وشدت عليه ثم قالت تطمئنه: انا بخير يا ابي، لا تقلق فقال بغير اقتناع: اتمنى ذلك ثم نهض وهم بالمغادرة فسألته: الى اين؟ اجابها بحنو: أشعر ببعض التعب لذا سأذهب لأنام ثم قبل رأسها وتابع: تصبحين على خير فنهضت هي الاخرى وسارت معه حتى ذهب كل واحد منهما الى مخضعه دلف الملك الى مخضعه فشعر بوجود شخص اخر معه ولكنه لم يكترث، ثم وقف امام مرآته فتأكد شعوره حين وجد شخصا يقف خلفه ويظهر انعكاسه في المرآة امامه، كان يرتدي السواد ولا يظهر منه سوى عينيه فاتسعت عينا الملك في غضب ثم استدار نحوه وصاح بحدة: من انت؟ لم يجبه ولكنه هجم بشكل مباغت على الملك وطعنه في صدره بسكين حاد فصاح الملك صيحة قوية سمعها الحراس الواقفين امام مخضع الملك فهرعوا اليه واستلوا سيوفهم وركضوا خلف ذلك الشخص الملثم والذي لم يمهلهم وقام بالقفز من النافذة رآه الحراس المنتشرين داخل اسوار القصر وهو يفر هاربا فأسرعوا خلفه ولكنه تسلق السور بمنتهى الخفة فأطلق احد الفراسان نحوه سهما استقر في فخذه فصاح صيحة متألمة وكاد ان يسقط من أعلى السور ولكنه استطاع ان يتابع تسلقه حتى خرج من القصر لحق به الحراس فلم يعثروا على اي اثر له، بعدها انتشر الحراس داخل القصر وخارجه كالجراد خرجت ريماس من مخضعها تركض نحو الجلبة التي تسمعها حتى وصلت الى مخضع والدها فخفق قلبها بشدة حين رأت الكثيرين من الحراس يقفون امامها فأسرعت نحو الداخل وبمجرد أن وقع بصرها على والدها الغارق في دمائه صرخت صرخة تصدعت لها جدران القصر                              ********** كان مجد في عيادته عندما دخل عليه احد حراس القصر يخبره بضرورة ذهابة الى القصر على الفور فسأله بقلق لما رأى الفزع باديا على وجهه: ماذا حدث؟ ـ هوجم الملك وهو الان مصاب بشكل خطير فصاح مجد غير مصدق: ماذا؟ دلف الى القصر ومنه الى مخضع الملك فوجد اغلب من بالقصر يقفون هناك متلهفين، وما ان رآه احدهم حتى صاح: لقد حضر الطبيب سار بينهم حتى وصل الى الملك فوجده ملقى على الارض مدرج بدمائه والى جواره ابنته تبكيه وترجوه ان ينهض، وإلى جوارها جنيد يحاول مواساتها فهرع اليه ثم جثا بجواره وتحسس نبضاته فوجدها بطيئة بشكل كبير كما كانت انفاسه متثاقلة جدا فطلب من جنيد ان يساعده في نقله الى الفراش ثم طلب منه ان يصرف المتجمعين هناك ففعل خرج الجميع باستثناء ريماس وجنيد والذي بقي بطلب من مجد لمساعدته فيما سيحتاج اليه، اما ريماس فقد كانت في عالم اخر غير مدركة لما حولها جلس الى جوار الملك وأخرج ادواته ثم اشار بعينه نحو منضدة صغيرة موضوعة جانبا وطلب من جنيد احضارها ففعل الاخير على مضض، فقام مجد بوضع ادواته فوقها ثم قام بتمزيق سترة الملك باستخدام احدى ادواته الحادة بعدها قام بتنظيف الجرح والمنطقة المحيطة به ثم قال ليطمئن ريماس: لا داعي للقلق يا مولاتي فالإصابة ليست بالغة لكن الامر كان عكس ذلك فقد كانت الاصابة بالغة بشكل خطير، كما فقد الملك الكثير من دمائه، وبعد مرور عدة ساعات انتهى مجد من مداواة جرح الملك وقد كان باديا عليه الارهاق الشديد لدرجة انه كان ينظر لمن حوله بأعين زائغة، لاحظ جنيد ذلك فسأله بشك: ماذا بك ايها الطبيب؟ لا تبدو بخير قال دون ان ينظر نحوه: مرهق قليلا لم يقتنع جنيد بما قاله ولكنه لم يعلق نظر مجد نحو ريماس وقال برفق: سيكون بخير، لا تقلقي فانحدرت دموعها التي ما كادت ان تجف على خدها مرة اخرى فأمسك بكفها بشكل عفوي وقال: اقسم لك انه سيكون بخير ثم اخذ يرجوها ان تتوقف عن البكاء فهزت رأسها ايجابا وهي تمسح دموعها وقد تعلق بصرها بوالدها، ثم استأذن منها ان يذهب الى غرفته فهو منهك بشكل كبير وأن بإمكانها البقاء بالقرب من والدها ثم نظر نحو جنيد وقال: اما انت فلا داعي لوجودك هنا ثم رحل عاد الى غرفته وما ان اغلق باب خلفه حتى سقط ارضا غير قادر على السير اكثر، ثم امسك بساقه وضغط عليها من شدة الألم، ثم تذكر كيف استطاع تسلق السور بصعوبة بعدما اصيبت ساقه بسهم ذلك الحارس، وكيف تحامل على نفسه حتى لا ينكشف امره امام احد وخصوصا ريماس لم يكن لديه شئ يخسره في سبيل انتقامه من الملك ولكن بعدما وقع في حب ريماس قرر ان ينتقم منه دون ان يكشف عن هويته حتى لا يخسر حبيبته ثم اسند ظهره الى الجدار وذهب بذاكرته بعيدا الى ما يقرب من عشرين عام                            ********** كان طفلا لم يتجاوز عمره العشرة اعوام، يعيش مع والديه في بيت بعيد في جنوب المملكة او بالأحرى يعيش مع والدته اما والده فقد كان يأتي كل شهر مرة يمكث معهم لمدة اسبوع ثم يرحل من جديد وهكذا دواليك، وبالرغم من كثرة سفره الا انه كان متعلقا به بشدة كان في احدى الليالي التي كان والده في زيارتهم، نائما في فراشه فاستيقظ على اصوات كثيرة تأتي من خارج الغرفة، فنهض وخرج من غرفته ثم وقف بالقرب من الدرج فرأى ما جعله يتسمر في مكانه كان والده راكعا على ركبتيه واثنين من الرجال الغليظة ملامحهم والبادي عليهم القوة والخشونه يجبرونه على ذلك  وكذلك الحال مع امه ايضا ويقف امامهم رجلين لا يقلان خشونه عن البقية فسمع والده يقول وهو ينظر نحو احدهم: حيدر ماذا تفعلان؟ ثم نظر نحو الاخر وتابع: ماذا تظن نفسك فاعلا يا ميمون؟ فصرخ فيه ذلك المدعو حيدر: اخرس ولا تسمعني صوتك فصرخ والده فيهما: اقسم اني سأخبر الملك بكل هذا، لن تنجوا بفعلتكما هذه ابدا قهقه حيدر عاليا بينما ابتسم ميمون بخبث وقال: بماذا ستخبره وهو من ارسلنا لقتلك يا غسان؟ لم يصدق غسان ما سمعه فقال مكذبا: مستحيل ان يفعل الملك هذا بي ابدا، نحن صديقين فقال ميمون بتحد: بلى فعل ـ لماذا؟ صرخ بها غسان ليجيبه ميمون ببرود: لأنك قتلت الملكة بتول صعق غسان حين سمع ذلك وقال باستنكار: ما الذي تقوله ايها الوغد؟ فأعاد ميمون ما قاله: قُتلت الملكة بتول، وأنت من قتلها ثم صمت لبرهة وتابع: ونحن هنا لتنفيذ امر الملك ثم رفع خنجرا كان يقبض عليه في يده وهوى به على عنق غسان فنحره امام زوجته التي صرخت فتلقاها حيدر بضربة من سيفه في قلبها تركتها جثة هامدة حدث كل هذا على مرأى ومسمع من مجد الذي من شدة الصدمة لم يستطع الصراخ ولا البكاء رحل الرجال الستة من البيت بعدما انهوا مهمتهم مخلفين جثتين وطفلا صار بفعلتهم يتيما لا يستطيع الزود عن نفسه ولا يملك من امر نفسه شئ هبط مجد الدرج وهو يجر قدميه جرا حتى دنا من جثتي والديه ثم اخذ يهزهما بيديه الصغيرتين وهو يطلب منها ان ينهضا في مشهد قاس يمزق نياط القلوب ولما لم يستجب احدهما له اخذ يبكي بمرارة جعلت كل شئ حوله يبكي على مصابه فكيف لطفل في مثل سنه ان يتحمل رؤية ابويه في صورة بشعة كهذه الصورة، اقترب الفجر ومجد على حاله جاثيا بجوار والديه المغدورين نظر نحو وجهيهما مطولا ثم قال: اعرف انكما رحلتما بلا عودة وأنني لن اتمكن من رؤيتكما بعد اليوم ابدا ثم وضع يده على صدره وتابع: ولكنكما ستكونان هنا، ولن انساكما مهما حدث، وستكونان قوتي وحبلي المتين طوال حياتي حتى الحق بكما ثم خرج الى حديقة بيتهم وأحضر فأسا ليحفر قبرا لوالديه، ورغم انه صغير السن الا انه قوي فقد استطاع ان يحفر قبرا يتسع لوالديه معا ثم قام بنقل جثتيهما ووضعهما داخل القبر  وأهال التراب عليهما ثم احضر لوحا خشبيا سميكا وحفر عليه بخنجر والده اسماء والديه ـ غسان وأفنان ـ وغرسها فوق رأس القبر الشاهد على هذه الجريمة ثم قال بتحد وهو يقبض على الخنجر بقبضته الصغيرة: اقسم بحبكما ان اقتل بهذا الخنجر من غدر بكما وحرمني منكما بعدها اغلق باب بيته وغادر ولم يعد الى هناك مرة اخرى                       *********** عاد من ذكرياته بوجه غارق في الدموع والحزن ثم قال بغضب: لقد نجوت هذه المرة ايها الوغد، ولكنك لن تنجو في المرة المقبلة حاول النهوض فلم يستطع فأخذ يسحب جسده المرهق بثقل حتى استطاع الوصول الى الخزانة التي يحتفظ فيها بكل ما يلزمه من ادوية وأدوات، فاستند الى حافتها حتى استطاع الوقوف ثم اخرج من درجها العلوي قنينتين صغيرتين احداهما تحوي مادة يستخدمها في تطهير الجروح والاخرى تحتوي على مادة مسكنة ثم اخذ يتحرك بصعوبة وهو يجر ساقه المصابة جرا حتى استطاع الوصول الى مقعد قريب منه فجلس فوقه وقام بتمزيق سرواله في المنطقة المصابة ثم قام بتطهير جرحه ووضع المادة المسكنة فوقه ثم قام بتضميده جيدا، وما ان احس بسكون الالم قليلا حتى نهض وسار نحو خزانة ثيابه وهو يعرج عرجا قويا، ثم قام بتبديل ثيابه بثياب اخرى بعدما تلوثت بدمائه بعد انتهائه من تبديل ثيابه قام بجمع الثياب الملوثة وخرج من غرفته بقصد التخلص منها، اما الثياب التي كان يرتديها اثناء هجومه على الملك فقد تخلص منه فور ذهابه الى العيادة بعد الهجوم كان ينظر حوله كثيرا ليتأكد من ان احدا لا يراه كما كان يسير بصعوبة شديدة حتى استطاع الوصول الى مطبخ القصر والقاها داخل نار الموقد وهكذا اختفت الى الابد ولأن جميع من في القصر منشغل في ذلك الوقت فلم يلحظه احد لا في ذهابه ولا في عودته ثم عاد الى غرفته واستلقى على فراشه ولم يستيقظ حتى انتصف النهار                         ************** كانت تجلس الى جوار والدها ممسكة بكفه كالطفل الذي يخشى ان يفقد امه بين الزحام  وتغرق الدموع وجهها قبلت يد والدها ثم نظرت الى وجهه الشاحب وقالت بصوت مختنق: كن بخير لأجلي أرجوك قبلت يده مرة اخرى ووضعتها الى جواره برفق ثم غادرت كانت تحتاج الى شخص تتقاسم معه الامها فتوجهت الى الشخص الوحيد القادر على رسم الابتسامة على شفتيها في اصعب لحظات حياتها طرقت الباب وانتظرت لبعض الوقت حتى فتح الباب وخرج منه مجد الذي فزع لدى رؤيتها بهذا الشكل فقد كان وجهها الأبيض الجميل ذابلا وجفونها متورمة من اثر البكاء ووجهها كئيب بشكل لا يحتمل فلعن نفسه في داخله الف مرة على تلك الحالة التي وصلت اليها بسببه ثم تمنى ان لو كان قاتل والده شخص اخر غير الملك او كانت حبيبته فتاة اخرى غير الاميرة ولكنه عاهد نفسه الا يعيد ما فعله وألا يكون سببا في حزنها وان كلفه الامر ان يترك انتقامه دلفت الى الغرفة دون ان تنبس بكلمة فأغلق الباب وما إن استدار نحوها حتى انطلقت نحوه كالقذيفة وارتمت بين ذراعيه تبكي وتنشج بأعلى صوتها كاد ان يسقط ارضا من قوة اندفاعها نحوه ولولا انه استند الى الجدار لكان سقط على الفور، ثم قام بضمها الى صدره بقوة ثم قال يواسيها: سيكون بخير يا ريماس، لا تخافي رفعت رأسها ونظرت في عينيه وكأنها تبحث عن الصدق فيهما فأومأ برأسه ليطمئنها، فقامت بدفن وجهها في صدره مرة اخرى وعاودت بكائها من جديد، فأبعدها عنه قليلا ووضع وجهها بين راحتيه وقال بحنو: الم تعاهديني ألا ارى دموعك، لماذا تخلفين بوعدك الان؟ فقالت من بين دموعها: انه ابي يا مجد مسح دموعها بيديه وقال: سيكون بخير، ثقي بي ثم سار بها نحو الاريكة لترتاح قليلا ولكنه هو من يحتاج الى الراحة فلم يعد قادرا على الوقوف اكثر جلس على الاريكة ثم مد ساقه امامه فقد كان الألم يفتك به ثم نظر نحوها فوجدها ما زالت تبكي فقام بضمها الى صدره وقال: ريماس، يكفي بكاءً ارجوكي، فأنت لا تعرفين ما يحدث لي عندما ارى دموعك مر وقت طويل وهما على تلك الحالة حتى هدأت تماما ثم رفعت رأسها عن صدره ونظرت الى وجهه فوجدته عائدا برأسه الى الخلف مغمضا لعينيه فقامت بهزه بخفة ونادته بصوت ضعيق فانتبه لها والقلق على وجهه فقالت: سأذهب لأطمئن على والدي ـ سأذهب معك ايضا ثم نهض وسرعان ما جلس مرة اخرى فقد شعر بألم حاد في ساقه، فزعت ريماس وسألته وهي تمسك بذراعه: مجد، هل انت بخير؟ فأجابها والألم باد على وجهه: نعم، ولكني شعرت بدوار مفاجئ فقالت بقلق: استرح ولا تجهد نفسك نهض وقال مبتسما: لا تقلقي انا بخير ثم اخذ يحثها على السير امامه ليذهبا للإطمئنان على والدها دلفا الى مخضع الملك فوجداه مازال على حاله، وما ان وقع بصر ريماس عليه حتى عادت للبكاء من جديد وهي تهرول نحوه ثم امسكت بيده وأخذت دموعها بالانهمار على وجهها بغزارة، مما آلم مجد فصرخ فيه ضميره: ما ذنب الفتاة المسكينة فيما حدث؟ بل ما ذنبها فيما فعله والدها؟ ليتك لم تلتق بها ابدا شعر بالاختناق فذهب نحو النافذة ليحظى بالقليل من الهواء ثم همس الى نفسه معاتبا: ليتني مت قبل ان اكون سببا في المكِ يا ريماس وظل هكذا يؤنب نفسه حتى سمع ريماس تصيح بصوت عال، فعاد اليها بسرعة فوجدها تنظر نحوه ثم قالت بلهفة: لقد حرك والدي كفه يا مجد ابتسم بشكل عفوي وانزلقت دمعة من عينه فرحا بنجاته فتابعت ريماس بسعادة: ابي لا زال حيا يا مجد، لا زال حيا ـ لن اموت قبل ان اطمئن عليك ياصغيرتي قالها الملك بصوت متعب فنظرا نحوه بذهول ثم احتضنت ريماس والدها وقد سالت دموعهها فرحا بينما ضحك مجد والسعادة تغمره فقد انساه فرح ريماس بنجاة والدها ما كان من امر انتقامه وبعد مضي اكثر من اسبوعين تحسنت صحة الملك بشكل كبير كما شفيت ساق مجد وأصبح قادرا على السير بشكل طبيعي دون الشعور بألم                           ************