الفصل 3
فقال ريتشارد :
" وما اهمية طفل بالزيادة او النقصان في هذا العالم المزدحم بالسكان؟ لقد استراح الطفل من
شقاء الحياة ، واؤكد لك ان مصرعه لن يؤرقني ولن يفسد علي متعة النوم"
فانبعث ستارك واقفا..
وقال وهو ينظر من ركن عينه إلى الجثة:
- ان كل جديد اسمعه عن زوجك ، يزيدني اعتقادا بان ما اصابه الليلة كان قصاصا عادلا ، وليس
جريمة قتل .. والان .. ما اسم ذلك الشخص الذي قتل ريتشارد طفله؟
- كان اسمه يدل على انه من اصل اسكتلندي ، كان يدعى ماك .. ماكلويد او ماكري .. لا اذكر
تماما.
فقال ستارك :
- حاولي ان تتذكري .. يجب ان تتذكري .. الا يزال يقيم في نورفولك؟
- كلا .. انه لم يكن يقيم فيها .. انه اقبل من كندا خصيصا لزيارة اهل امرأته ..
فهتف ستارك:
- كندا؟ هذا بلد بعيد مترامي الاطراف والبحث فيه عن والد الطفل سوف يستغرق وقتا طويلا ..
اظن اننا وقعنا على ضالتنا، ولكن بحق السماء .. حاولي ان تتذكري اسم هذا الشخص..
اطرقت لورا برأسها واستغرقت في التفكير..
بينما راح ستارك يذرع أرض الغرفة وعلى وجهه دلائل الهم والقلق..
وفجأة .. توقف ستارك عن السير واخرج قفازه من جيبه ودس يديه فيه..
وقال يكلم لورا:
- هل لديك صحف؟
- صحف؟
- نعم ، لا اعني بالضرورة صحف اليوم .. اريد صحفة امس او امس الاول
فأجابت وهي تشير الى رف وراء المكتب:
- توجد هناك طائفة من الصحف القديمة.
فاسرع ستارك الى حيث اشارت وتناول احدى الصحف والقى عليها نظرة سريعة وهتف:
- رائع ، هذا ما اريده
وبسط الصحيفة على المكتب وتناول مقصا كان هناك وتأهب للعمل ..
فسألته لورا :
- ماذا تريد ان تفعل؟
- ساصنع الأدلة
- ولكن .. هب ان البوليس عثر على الرجل؟
- اذا كان الرجل لا يزال يقيم في كندا فان سلطات البوليس ستجد مشقة في العثور عليه. واذا
عثرت عليه فمن المحقق ان الرجل سيكون لديه من الادلة ما يثبت انه كان وقت وقوع الجريمة
في مكان ما بعيدا عن مسرح الاحداث
وكل هذا سوف يتطلب وقتا طويلا يكفي لتهدئة الموقف هنا ، ويتيح لنا فرصة لمزيد من التفكير
والتدبير.
فهزت لورا راسها ببطء قائلة:
- اني لا اقر هذه الخطة ، ولا اوافق على اقحام شخص بريء في هذه الجريمة.
فقال ستارك :
- يا فتاتي العزيزة ، انك لست في مركز يسمح لك بالاختيار واتما يجب ان تتذكري اسم الرجل ،
يجب .. يجب..
- قلت لك اني لا استطيع
فقال ليعاونها:
- هل كان اسمه ماكدوجال ، او ماكدونالد ، او ما كنتوش؟
- كلا
- لا حيلة لي في الامر .. مادمت لا تستطيعين تذكر الاسم فعلينا ان نعمل بدونه الا تذكرين تاريخ
الحادثة او اي شي اخر يفيدنا؟
- اذكر التاريخ ، فقد وقع الحادث في اليوم الخامس عشر من شهر مايو.
فدهش ستارك وقال:
- كيف استطعت بحق السماء ان تذكري التاريخ بهذه الدقة؟
- لأنه تاريخ يوم مولدي..
فتمتم ستارك :
- فقد خدمنا الحظ في هذا ايضا .. فتاريخ هذه الصحيفة هو الخامس عشر من الشهر..
قال هذا وقص التاريخ..
فهتفت لورا:
- ان تاريخ هذه الصحيفه هو الخامس عشر من شهر نوفمبر
- اعلم هذا .. ان ما يهمنا هو الرقم .. اما حروف مايو فيمكن تدبيرها.
وراح يقص الحروف من الصحيفة واحدا تلو الاخر ، قص حروف الميم والالف والياء والواو
وسألته لورا:
ماذا ستفعل بعد ذلك؟
فاجاب وهو يجلس امام المكتب:
هل لديك مادة لاصقة؟
فمدت لورا يدها للتناول من فوق المكتب انبوبه بها مادة لاصقة
ولكن ستارك صاح بها:
- كلا .. لا تمسيها والا تركت عليها بصمات اصابعك.
وتناول الانبوبه وفتحها..
ووجد ورقة بيضاء من ورق الخطابات..
فقال:
هذا الورق شائع الاستعمال ويباع في جميع المكتبات .
ووضع الورقة امامه وراح يقص الحروف من الصحيفة ويلصقها على الورقة وهو يقول:
- كيف تصبح مجرما بعد درس واحد؟ هذا هو اسم العملية التي نقوم بها الان
انظري ..
ووضع امامها الورقة بعد ان فرغ من لصق الحروف.. فقرأت فيها :
15 مايو
يوم الانتقام
وتناول ستارك الورقة وقال وهو يقترب من الجثة:
- والان .. يجب ان نضع هذه الورقة في جيب ريتشارد العزيز
وطوى الورقة ودسها في جيب القتيل وعندما اخرج يده سقطت من الجيب ولاعة ذهبية..
فافلتت من فم لورا صيحة قصيرة ، واندفعت الى الامام لتلتقط الولاعة .
ولكن ستارك كان اسرع منها..
صاحت بلهفة :
- اعطنيها انها ولاعتي
فنظر ستارك الى الولاعة .. ثم الى لورا .. وارتسمت الدهشة في عينيه..
قال وهو يقدم لها الولاعة:
- حسنا .. حسنا .. انها ولاعتك ، فلماذا الانزعاج؟
ثم راح يصعدها بعينيه وقال :
- هل بدأت تفقدين اعصابك ، ام ماذا ؟
- كلا طبعا.
وبينما كان ستارك ينظم ثياب القتيل بعد ان وضع الورقة في جيبه، راحت لورا تمسح الولاعة في
ثوبها خلسة لتزيل ما قد يكون عليها من بصمات اصابع.
*
واعاد ستارك كل شي الى مكانه على المكتب ثم خلع قفازه واخرج منديله من جيبه..
وقال وهو ينظر اليها:
- انتهينا من الخطوة الاولى ، فلننتقل الان الى الخطوة الثانية ، اين القدح الذي شربت منه الان؟
فاقتربت لورا من المائدة التي بجوار المقعد المتحرك وتناولت القدح .. ووضعت الولاعة على
المائدة.
وهم ستارك بان يزيل اثر البصمات التي على القدح بمنديله..
ثم توقف وقال:
- كلا .. هذا غباء.
- لماذا؟
لا بد من وجود بصمات على القدح والقنينة ، بصمات الخادم وبصمات زوجك على الاق . ان
عدم وجود بصمات على الاطلاق من شأنه ان يثير ريبة البوليس..
قال ذلك وملأ القدح بالشراب واحتساه.. ثم قال:
- والان .. يجب ان ابحث عن مبرر لوجود بصماتي ان الجرائم ليست من الامور السهلة .. اليس
كذلك؟
ووضع القدح على المائدة..
فصاحت لورا بحدة :
- ارجوك الا تقحم نفسك في هذا .. حتى لا يرتاب البوليس في امرك..
فقال وهو يبتسم :
- انني مواطن مسالم محترم لا ترقى اليه الشبهات ، ثم انني اقحمت نفسي في القضية وانتهى
الامر .. فهناك سيارتي في حفرة امام البيت ، وهنا بصمات اصابعي في كل مكان..
ولكن لا تنزعجي .. ان اسوأ ما قد يحدث لي هو ان يستجوبوني عن سبب قدومي .. وعن الوقت
الذي جئت فيه .. وربما لا استجوب على الاطلاق اذا انت احسنت القيام بدورك..
فتهالكت لورا على احد المقاعد..
وبدت على وجهها دلائل الذعر والفزع.
واقترب ستارك منها وقال :
- والان .. هل انت على استعداد؟
فسألته :
- على استعداد لماذا؟
- يجب ان تتمالكي نفسك..
فقالت في حيرة :
- انني اشعر بدوار وغباء .. وكان عقلي قد اصبح عاجزا عن التفكير ..
فقال ستارك :
- انك لست بحاجة الى التفكير ، وماعليك الا ان تطيعي ، هل لديك موقد من اي نوع؟
- يوجد موقد للتدفئة..
- حسنا ..
والتقط قصاصات الورق من فوق المكتب وطوى عليها بقايا الصحيفة وقال:
- اذهبي الان الى المطبخ .. وضعي هذا الورق في الموقد ثم اصعدي الى غرفاك واخلعي هذه
الثياب وارتدي قميصا .. او غلالة مما تعودت ارتداءه عند النوم..
وصمت لحظة.. ثم سأل:
هل لديك انبوبة اسبرين؟
فأجابته والدهشة في عينيها:
- نعم..
-حسنا .. افرغي محتوياتها في البالوعة ، ثم اذهبي الى حماتك او مس بينت وقولي انك تشعرين
بصداع شديد وانك بحاجة الى قرص اسبرين..
واحرصي على ان تتركي باب حماتك .. او باب مس بينت مفتوحا، لانك ستسمعين ، وانت
تتحدثين الى احدهما طلق ناري..
فهمتفت لورا في جزع:
- صوت طلق ناري؟
فقال يتناول المسدس الذي كان قد اخذه منها ووضعه على المائدة بجوار الجثة:
- نعم ساتكفل انا بذلك..
وفحص المسدس جيدا.. ثم قال:
- يخيل إلي ان هذا المسدس من صنع الخارج .. ام لعله من ذكريات الحرب
فقالت لورا :
- لا اعلم ... ان لذى ريتشارد مسدسات كثيرة مصنوعة في الخارج
فسألها ستارك:
- ترى هل هذا المسدس مسجل باسمه؟
- لا اعلم . كل ما اعلمه .. ان لديه تراخيص لمجموعات من الاسلحة..
فرد ستارك :
- الترخيص شيء وتسجيل السلاح باسم صاحبه شيء اخر .. هل هناك من يعرف بصفة قاطعة
ما اذا كان زوجك قد سجل هذا المسدس باسمه؟
- ربما انجل ، هل هذا مهم؟
- ان طريقتنا في تزييف الحادث .. تعني ان القاتل تسلل الى هذه الغرفة في طلب الانتقام والدم
يغلي في عروقه .. ومسدسه في يده..
ولكننا نستطيع ان نقلب الاوضاع دون ان تتأثر الخطة في مجملها ، بمعنى ان نفترض ان القاتل
دخل بينما كان ريتشارد يقاوم النعاس..
وان ريتشارد اسرع بتناول المسدس ولكن القاتل انتزعه من يده واطلقه عليه
مجرد افتراض..
والان ارجو ان نكون قد فكرنا في كل شي .. ولم يفتنا شيء، والواقع ان فارق الوقت بين اللحظة
التي قتل فيها زوجك فعلا واللحظة التي قتل فيها طبقا لروايتنا ..
اي نحو عشرين دقيقة هذا الفارق لن يكون واضحا اذا نظرنا الى طول الوقت الذي ستستغرقه
رحلة رجال البوليس الى هنا وسط الظلام والضباب
وحرك الستار ونظر الى الثقوب التي احدثتها رصاصات ريتشارد في الجدار وقال:
- لا بأس من ان اضيف اليها ثقبا اخر
وتحول الى لورا..
واستطرد قائلا:
- عندما تسمعين صوت الطلق الناري ، تظاهري بالفزع ، وتعالي الى هنا ومعك مس بنيت .. او
اي اشخاص تجدينهم ..
واذا سئلت فقولي انك لا تعرفين شيئا وانك اويت الى فراشك ثم استيقظت بصداع شديد ، فذهبت
الى غرفة حماتك او غرفة مس بينت للبحث عن اسبرين .. وان ذلك هو كل ما تعرفينه .. مفهوم؟
فاطرقت برأسها علامة الايجاب..
وقال ستارك :
- اما الباقي فدعيه لي .. هل تشعرين بانك احسن حالا الان؟
- نعم
- اذهبي واشرعي في اداء دورك
- ولكن انت .. انت؟ لا يجب ان تزج بنفسك في هذا
فقال ستارك :
- لا تفسدي الامور بترددك ، انها لعبة مسلية بالنسبة لي..
قتل زوجك كان لعبتك .. وانقاذ عنقك الجميل من حبل المشنقة هو لعبتي..
كنت دائما اتمنى في قرارة نفسي ان تتاح لي فرصة لممارسة مواهبي البوليسية في جريمة
واقعية..
هل تستطيعين ان تفعلي كما قلت لك؟
فاجابت لورا :
- نعم ..
فسألها ستارك :
- آه .. ارى في معصمك ساعة ، كم ساعتك الان؟
فنظرت الى ساعتها وقالت:
الحادية عشرة و 50 دقيقة
فضبط ساعته على هذا الوقت وقال :
- حسنا ، سأمنحك اربع دقائق .. كلا .. خمس دقائق ، لكي تذهبي الى المطبخ لاحراق الورق في
الموقد ، ثم الصعود الى غرفتك واستبدال ثيابك ، والانطلاق الى غرفة مس بنيت لطلب قرص
الاسبرين ،،
هل تكفي هذه المهلة؟
وابتسم لها مطمئنا..
فاطرقت برأسها علامة الايجاب
قال:
- قبل ان ينتصف الليل بخمس دقائق تماما ، ستسمعين صوت الطلق الناري .. الان اذهبي ..
فسارت لورا الى الباب ، وهناك استدارت ، ونظرت اليه في قلق وجزع..
فلحق بها وفتح الباب وهو يقول في همس:
- ماذا بك؟ هل ستتخلين عني؟
- كلا ..
- هذا حسن ....
ما كادت لورا تنصرف حتى اغلق ستراك الباب ووقف يفكر فيما ينبغي عليه عمله.
نظر الى ساعته .. ثم أخرج سيجارة ومد يده الى الولاعة التي تركتها لورا على المائدة بجوار
الجثة..
وقبل ان تصل يده اليها لمح صورة للورا فوق رف الكتب فقصد الى الرف وتناول الصورة
وتأملها وابتسم..
ثم اعادها الى مكانها وعاد الى حيث كانت الولاعة فاشعل سيجارته ووضع الولاعة على المائدة..
وقعد لحظة قصيرة اخرج منديله وازال اثر البصمات على المقاعد واطار الصورة والمكتب
وافرغ منفضة السجاير في جيبه ..
وبحث عن بقايا الصحيفة التي مزقها ووجد قصاصة قصيرة تحت المكتب فطواها ووضعها في
جيبه ..
ثم اعاد ترتيب ادوات المكتب واعاد كل شيء الى مكانه..
وأخيرا وقف في وسط الغرفة واجال البصر حوله ليطمئن الى ان كل شي على ما يرام..