فوضى الحواس - الفصل 5 - بقلم أحلام مستغانمي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: فوضى الحواس
المؤلف / الكاتب: أحلام مستغانمي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

قطعًا وحده الزمن سيدلك على الصواب، عندما يفقد الآخرون صوابهم. أمّا التاريخ.. فلا تتوقع في هذه الحالات أن يقول كلمته على عجل. هو أيضًا ينتظر. ثمانية وعشرون عامًا من الانتظار. وطائرة تحطّ على مطار. ورجل تجاوز الثانية والسبعين من عمره، ينزل. يمشي على سجاد أحمر، مذهولاً من أمره. أكان بين الوطن والمنفى مسافة ساعة فقط؟ لماذا.. كان يلزمه إذن، ثمانية وعشرون عامًا ليقطعها؟! رجل نحيف، ومستقيم، وفارع كما هو الحقّ، احدودب ظهره قليلاً، وخشنت يداه كثيراً، وبانت عظام وجهه وعظام أصابعه. قبل قليل. قبل التاريخ بقليل. كان اسمه محمد بوضياف. وكان يسكن في مدينة صغيرة بالمغرب. يدير بيديه اللتين اخشوشنتا مصنعًا بسيطًا للآجُرّ. ويعيش بعيداً عن كلّ عمل سياسيّ. سوى ذكريات ثورة تنكّرت له، وأخبار وطن حذف حكامه اسمه حتّى من كتب التاريخ المدرسية، كزعيم أشعل ذات نوفمبر سنة 1954 الشرارة الأولى للثورة التحريرية. اللّحظة لم يعد له اسم. مذ خطا على تراب الوطن، أصبح اسمه هو "التاريخ". أليس التاريخ "هو ما يمنع المستقبل من أن يكون أيّ شيء"؟ الآن.. لم يعد له من عمر. لقد أصبح له أخيرًا عمر أحلامه، تلك التي جاءت متأخرة بجيلين وأكثر. الآن.. في هذا العمر، هو يتعلم المشي من جديد على تراب وطن، لم يمش عليه يوماً بحرية ولا بأمان. فقد طاردته فرنسا فوقه أرضًا وجوًا. ولم تجد من سبيل لإلقاء القبض عليه هو ورفاقه سوى خطف طائرتهم سنة 1956، وهي تعبر أجواء البحر الأبيض المتوسط، في رحلة تقلهم من المغرب نحو تونس، فحوّلت وجهتها نحو فرنسا، واقتادت بوضياف مع رفاقه الأربعة: أحمد بن بللّة وآيت أحمد ومحمد خيدر ورابح بطاط، موثقي الأيدي نحو معتقلاتها، أمام اندهاش العالم الذي لم يكن قد سمع بعد ببدعة خطف الطائرات، وأمام غضب الشارع العربي ومظاهراته، والذي كان عبدالناصر في السنة نفسها قد ألهبه خطابات حماسية، وملأه عنفواناً وغروراً قوميًا. حتى إن إذاعة صوت العرب من القاهرة لم يكن يلزمها أكثر من أيام لتخرج إلى العالم العربي بألحان حماسية تطالب بإطلاق سراح الزعماء الخمسة، أناشيد تلقفتها أفواه أطفالنا، وحناجر رجالنا، وزغاريد نسائنا، فردّدنا معها: "باسم الأحرار الخمسة حنرد الثار يا فرنسا.." كنّا نبكي. ووحده التاريخ كان يضحك. فهو وحده كان يدرك ما لم يكن يتوقعه أحد. فما كادت الجزائر تنال استقلالها، ويصبح "الزعماء الخمسة" أحراراً، حتى أرسل بن بللّة وقد أصبح رئيساً، من يقبض على رفيق نضاله محمد بوضياف، في حزيران 1963، وهو يغادر بيته. واقتيد بوضياف من مكان إلى مكان. حتّى انتهى به المطاف في معتقلات ضائعة في غياهب الصحراء، حيث خبر رجل الثورة الجزائرية الأول، قبل غيره، مهانة أن يكون لك وطن، أقسى عليك من أعدائك. وهو ما اكتشفه بعده بسنتين، بن بللة نفسه. عندما جاءه بومدين ذات حزيران (أيضًا) من سنة 1965 فأزاحه من السلطة ورمى به في السجن، ليخرج منه بعد خمسة عشر عامًا عجوزاً. أمّا بو ضياف الذي لم يطالب يومًا بالسلطة، وإنما رفض منذ البدء أن يكون قد كافح ليحرر وطنًا من الاستعمار، كي يسلمه لدكتاتورية الحزب الواحد، فقد تساوى عنده الحاكمان. يوم اختفى، لم يوجد من بين رفاقه أحد ليسأل أين ذهبوا به! كانوا مشغولين عنه باقتسام الوليمة. فمضى بذلك القدر الهائل من الغياب، كما عاد بهذا القدر الهائل من الحضور. تذكّروه، هكذا فجأة، بعد ثلاثين عامًا، وقد شبعوا وانتفخوا، وملأوا جيوبهم وأفرغوا جيوب الجزائر. وانسحبوا تاركين لنا وطنًا مرهونًا لدى البنك الدوليّ –مع كثير من التمني- لعدة أجيال فقط. فقد كان الوحيد الذي ما زال على ذلك القدر من النّحافة.. والنزاهة.. ولم يجلس يومًا حول طاولة الصفقات المشبوهة للسلطة. كان لابد من اسمه ليعيد الثقة إلى شعب لم يعد يثق بشيء، ولا بأحد. وقد تناوب عليه حكمًا بعد آخر، علي بابا والأربعون حراميّاً. جاؤوا به. قالوا له الكلمات التي لم تصمد امامها شيخوخته "الجزائر في حاجة إليك.. أنت الرجل الذي سينقذها". فقام العجوز. غسل يديه من طين الآجرّ، وذاكرته من الحقد. فقد آمن دائمًا أنه لا يمكن ان تبني شيئاً بالكراهية. وكان له مقدرة مذهلة على الغفران، فاحتضن من نفوه ومضى نحو "وطنه". فمنذ الأزل، لم يحدث أن نادته الجزائر ولم يستجب لندائها. ها هوذا.. يرتدي بذلة لم يتوقع أنه سيرتديها لمناسبة كهذه. يتعلّم المشي أمامنا. يتعلم الابتسام لنا. يرفع يده اليمنى ليحيينا بخجل، كمن يعتذر عن يدٍ لم تحمل يومًا سوى السلاح.. والآجرّ، ولم تكن مهيأة لمثل هذا الدور. ها هوذا.. بوضياف. يأتينا مشيًا على الأقدام، مشيًا على الأحلام. فتخرج لاستقباله الأعلام الوطنية، وجيل لم يسمع باسمه قبل اليوم. ولكنه يرى في قامته، تاريخ الجزائر في عظمتها الخرافية. ها هوذا.. ليست أقدامه التي كانت تبوس تراب الوطن مع كلّ خطوة، إنما تراب الجزائر، هو الذي كان يحتفي بخطاه، ويقبّل حذاءه. فلا تملك القلوب إلا أن تهتف: أيها التاريخ توقّف.. لقد جاءنا رجل من رجالك. كان يوم 14 يناير 92 يومًا استثنائيًا، حتى في طقسه. فقد توقفت فيه الأمطار التي هطلت قبل ذلك بغزارة، وجاء يوم مشمس. وكأنّ الطبيعة تطابقت مع مشاعر الجزائريين، أو كأنها أرادت أن تتواطأ مع التاريخ، وتهدي إلى بوضياف يومه الأجمل. طوال الظهيرة، تعلقت عيون الجزائر بشاشة التلفزيون؛ الكلّ يريد أن يرى ويسمع هذا الرجل الذي دخل حزب الصمت، منذ ثلاثين سنة. ماذا تراه سيقول؟ الكلّ يريد أن يقبل، ولو بعينيه، هذا الذي ينادي رفاقه "سي الطيب الوطني" والذي تناديه قلوبنا اليوم "أبي". فمنذ موت بومدين ونحن يتامى. نعاني إفلاسًا عاطفيًا، يفوق إفلاس اقتصادنا، وعجزًا وطنيًا في المحبة، يفوق عجز مزانيتنا. نحن نبحث عن رجل له قامة عبدالناصر، وكلمات بومدين، ونزاهة بوضياف، رجل في بساطة أهلنا، يمرّر يده على رأسنا، يربت على أكتافنا، يقول لنا أشياء بسيطة نصدّقها. يعدنا بأحلام بسيطة ندري أنه سيحققها، يبكي أمامنا عن كلّ من ماتوا، دون أن يحقق في انتماءاتهم. يعتذر للأحياء عن موتاهم.. وللموتى عن اغتيال احلامهم. رجل منذ نزوله من الطائرة يعلن الحرب على من سطوا على مستقبلنا، وبنوا وجاهتهم.. بإذلال وطن. يقول "الجزائر قبل كلّ شيء" فيوقظ فينا الكبرياء. وتصبح كلماته البسيطة شعارنا. قطعــًــا.. منذ الأزل، كنّا ننتظر بوضياف، دون أن ندري. ولكن بوضياف، ماذا تراه كان ينتظر؟ هو الذي قال يومها لزوجته "كلّ هذه الحفاوة لن تمنعهم من اغتيالي.. فلا ثقة لي في هؤلاء". وعندما سألته إن كان جاء إذن بنية الانتحار. أجابها كمن لا مفر له من قدر "إنه الواجب.. كلّ أملي أن يمهلوني بعض الوقت". * * * في اليوم التالي استيقظت المدينة بمزاج جاهز للجدل. واستيقظتُ بمزاج جاهز للكتابة، وكأنني لم أجد من طريقة للاحتفاء بعودة بوضياف، سوى العودة إلى ذلك الدفتر. فتحته حيث توقف بي الحبّ. وتوقف بي الحبر، منذ أربعة أشهر، عند قبلة. كانت نيتي أن أكتب شيئًا عن الحاضر، أن أصف اندهاشي الجميل أمام بوضياف. ولكن كانت عواطفي تلوي عنق قلمي نحو الماضي، وتوقظ داخلي رجلاً آخر، رجلاً أكاد لا أفتح هذا الدفتر حتى يحضر. رجل قال لي "تمنّيت أن أموت وأنا أقبلك. إذا كانت كلّ القبل تموت. فالأجمل أن نموت أثناء قبلة". ورحل. من وقتها، وأنا أغذي الذاكرة بكلماته المحمومة. كي لا تنطفئ في انتظاره نيران الجسد. أهي الرغبة؟ أم حاجة إلى الكتابة؟ أم.. قدر يجعل دائمًا كلّ قصة فردية، موازية لقصة جماعية، لا ندري أيتهما تكتب الأخرى؟ وإلا فما تفسير تلك المفاجأة التي كانت تنتظرني بعد ثلاثة أسابيع من عودة بوضياف؟ وإذا بي، أنا التي لم يفارقني هاجس اللّقاء به، في كلّ مكان ذهبت إليه أو مررت به، أعثر عليه حيث لم أتوقعه، في بيتي، على صفحات جريدة مهملة.. ملقاة عند أقدام مكتب زوجي! أحبّ تلك الهدايا التي تقدمها لك الحياة، خارج المناسبات، فتقلب بمصادفة حياتك، حتى تلك التي كهذه يرمي لك بها القدر أرضًا. فتنحني لالتقاطها ممنونًا، لأنك تعثّرت دون قصد.. بالحبّ! وماذا لو تكون قد تعثرت بشيء آخر؟ فلم يحدث للحب أن كان مجاوراً للسياسة إلى هذا الحدّ. * * * في صورة تذكارية تجمع بوضياف مع أعضاء من "التجمع الوطني" أراه، وأكاد لا أصدق عيني. يتسمّر نظري عند وجهه بالذات: هذه الملامح أعرفها تمامًا، وهذه النظرة الغائبة، إنها نفسها التي استوقفتني يوم خلع ذلك الرجل نظاراته السوداء في موعدنا الأخير، ليقبلني. وهذا الشعر.. هذا الفم.. هذا الكل.. أعرفه. إنه..(هو)! أعيد قراءة ذلك المقال المرافق للصورة بعجل، ثمّ بتأنَّ، كي أجد تفسيرًا لوجود هذا الرجل هنا. أفهم أنّ بوضياف قررّ إنشاء المجلس الوطنيّ الاستشاريّ، وهو تجمّع يضمّ عددًا كبيرًا من شرائح المجتمع الجزائري، معظمهم من المثقفين والسياسيين الجزائريين المعروفين بنزاهتهم، وغيرتهم الوطنيّة. وغير المحسوبين على أيّ نظام سابق، كي يساعدوه في إخراج الجزائر من مأزقها السياسيّ والتشريعيّ. أواصل قراءة المقال في الصفحة الثالثة، التي تملأها عدة صور، مرفقة ببطاقة تعريف بعض الأعضاء. فأعجب لنسبة الكتّاب والمثقفين، اللذين اختيروا ليكونوا أعضاءً في هذا المجلس. حتّى أن أحد الذين سيتناوبون على رئاسته، لن يكون سوى الكاتب عبد الحميد بن هدوقة. وإن من أعضائه كثيراً من المثقفات والأساتذة الجامعيين والصحافيين. في بلد لم يسأل فيه المثقفون ولا النساء.. يوماً عن رأيهم. أطالع كلّ الأسماء.. وكلّ المهن. ولا أعثر على أي رسّام بين كلّ هؤلاء، حتى أكاد أقتنع أن بي هوساً، وأنني أصبحت أرى صورته في كلّ مكان، خاصةً أنني أدري بوجوده في باريس. وتبدو لي مشاركته في تجمّع كهذا أمرًا مستبعدًا، إلا إذا كان قد عاد من السفر.. ثم تخطر في ذهني فكرة، وأجدها قادرة على أن تحسم شكوكي، فأتجه نحو الهاتف وأطلب تلك الأرقام التي ما زالت يدي تحفظها عن ظهر قلب، أو قلبي عن ظهر يد. كانت الساعة التاسعة صباحاً. لم أتساءل حتّى إذا كان الوقت مناسبًا، أو إذا كان ذلك الرجل نفسه هو الذي سيردّ على الهاتف،بل إذا كانت تلك الأرقام التي كنت اطلبها بيد مرتبكة، وقلب يتضاعف نبضه.. صحيحة حقاً. فجأة أصبحت على عجل. لا وقت لي حتّى للتحقق من صحتها. أريد أن أسمعه، أو أسمع على الأقل ذلك الهاتف وهو يرنّ في بيت عرفت فيه الحبّ، فيوقظ أثاثه، ويتحرش بذاكرته. ولكن في الدقة الثانية رُفعت السماعة، وكاد قلبي معها يتوقف عن النبض. أوشك أن أقول شيئًا، ثم أنتظر أن يردّ أحد قبل أن أنطق. بعد شيء من الصمت، يأتي ذلك الصوت الذي لم أعد أنتظره لفرط ما انتظرته. تراه عرفني من أنفاسي كي يسأل دون مقدمات: -كيف أنت؟ أكاد لا أصدق ما يحدث لي. أردّ: -أأنت هنا؟ ثمّ أواصل بالاندهاش نفسه: -كيف عرفتني؟ يجيب بسخريته المحببة: -من صمتك.. الصمت كلمة السرّ بيننا. ولا أجد شيئاً أرد به سوى كلمات محمومة.. أردّدها كيفما اتّفق كمن يهذي: -اشتقتك.. كيف تخلّيت عنّي وسلّمتني إلى هذه المدينة المجنونة.. أريد أن أراك.. كيف أراك؟ أجبني. أتدري أن الحياة لا تساوي شيئاً دونك.. ماذا فعلت بي لأحبّك إلى هذا الحدّ؟ ولا يجيب بشيء، وكأنّ كلماتي لم تصله. يسألني فقط: -من أين تتكلّمين؟ أجيب: -من قسنطينة.. يواصل: -من أيّ مكان بالذات؟ أجيب: -من البيت. يردّ: -اطلبيني من مكان آخر. أسأله: -لماذا؟ لا يردّ. أسأله: -متى؟ يجيب: -متى تشائين.. أنا باق هذا الصباح في البيت. ويضع السماعة. حدث كلّ هذا في دقائق. ولم يكن يلزمني أكثر من هذه الدقائق لأعود تلك المرأة الأخرى التي كنتها قبل أشهر. ها أنا أدخل الدوّامة نفسها من الفرح والخوف والترقب والتفاؤل.. والتساؤل. لماذا يعود هذا الرجل دائمًا عندما أكفّ عن انتظاره؟ لماذا يعود دائمًا بتوقيت الأحداث السياسية الكبرى؟ لماذا لم يعطني إشعاراً بوجوده، مادام قد عاد من فرنسا؟ ولماذا يسألني من أي مكان بالتحديد أتحدث إليه؟ ولماذا.. كما عَبْرَ نهر، يأخذني إليه دائمًا تيّار الرغبة الجارف. يدحرجني من شلالات شاهقة للجنون.. يمضي بي من شهقة إلى أخرى.. يجذبني عشقه حيث لا أدري. جميل ما يحدث لي هذا الصباح. كأن تستيقظ من نوم شتويّ، تزيل ستائر نافذتك بكسل، وفضول من يريد أن يعرف ماذا حدث في العالم أثناء نومه. وإذا بالحبّ، يطالع جريدة على كرسيّ في حديقة بيته وينتظره! بينك وبينه، لم يكن سوى زجاج النافذة المبلل.. وفصل. وحيثما كنت، ستستيقظ حتمًا، على حبّ لا علاقة له بالفصول. المطر لن يمنعني من مغادرة البيت، فلي هذا الصباح نشرتي الجوية الخاصة. وهكذا في أقلّ من نصف ساعة، كنت قد ارتديت ثيابي.. وتهيأت للخروج. أمّي التي لم تتعود زياراتي الصباحية، فاجأها حضوري في ساعة قلّما أكون غادرت فيها السرير. ولكنّها راحت تستفيد من وجودي الذي لم تجد له من مبررا عدا ضجري، واشتياقي إليها، كي تحجزني أمام فنجان قهوة، وتبدا بسرد همومها ومتاعبها الصحية. استمعت إليها بما أوتيت من صبر، وبما أوتيت من ذكاء أيضًا. فقد وجدت لمتاعبها حلاً فوريًا على قياسي: أن نسافر معًا إلى العاصمة للاستجمام! طبعًا قبلت أمي فكرتي بحماس. فإضافة إلى كلّ الأقارب والأصدقاء الذين بإمكانها زيارتهم هناك.. سيكون بإمكانها أن تحجزني معها في بيت واحد لعدّة أيام. وهذا في حدّ ذاته، تسمّيه أمي "تغيير جو"! كان لهذا المشروع الذي ارتجلته تواً مفعول منشط على أمي، التي ذهبت نحو المطبخ، تعدّ غداءً يتناسب مع مفاجأة زيارتي.. ومفاجأة سفرنا. أمّا أنا.. فاتجهت نحو الهاتف بالتوتر والفرحة نفسها.. لأطلب ذلك الرقم إيّاه. وبالهدوء نفسه، عاد ذلك الصوت نفسه يسأل: -كيف أنتِ؟ أجبته كمن يحلم: -الآن فقط بإمكاني أن أقول إنني جيّدة. -وكيف كنت من قبل؟ -كنت أعيش فراغًا في كلّ شيء. -احذري الفراغ.ز إنه يصنع الرداءة. -ولكنه زمن رديء على كلّ حال. -قد يصبح أجمل.. يكفي أن نثق بذلك. -أنت نفسك سبق أن قلت إنك لم تعد تثق بشيء.. أتذكر؟ قلت هذا في ذلك اليوم الذي التقينا فيه عند بائع الجرائد. -أذكر.. ولكنني اثق برجل. ولأنه عاد، عادت ثقتي بالقدر. أسأل: -أعدت من أجله أم..؟ أصمت وكأنني أمنحه فرصة اعتراف عاطفيّ ما. ولكنّه يجيب متجاهلاً إيحائي: -أجل.. عدت من أجله. -وأنا ..؟ يصمت قليلاً وكأنه لم يتوقع سؤالي ثمّ يقول: -أنتِ..؟ ويغرق في صمت آخر. أواصل: -في ذلك اليوم الذي التقينا فيه عند بائع الجرائد. أتذكر؟ نصحتني أن لا أطالع الجرائد. ومنذ ذلك اليوم.. لم أطالع جريدة. ولو لم أتصفح جريدة هذا الصباح مصادفة، لما كنت عرفت بوجودك هنا. أيعقل أن تعود دون أن تعطيني علمًا بذلك؟ -ولكنّني فعلت.. أتعتقدين أنك عثرت مصادفة على تلك الجريدة؟ لا شيء يحدث مصادفة حقًا. ثمّة أشياء لفرط ما نريدها بإصرار وقوة تحدث. حتّى يبدو لنا في ما بعد كأننا خططنا لها بطريقة أو بأخرى. -ولكنك تبدو فاتر العواطف.. غير مشتاق! ردّ بنبرة ساخرة: -بلى. أنا مشتاق وعندي لوعة.. ولكن -ولكن ماذا؟ -ولكن هاتفك في البيت مراقب.. وربما هذا أيضًا. تحاشَيْ طلبي من البيت. أفضّل أن تأتي إلى العاصمة. سيكون ذلك أفضل. أجبته بثقة امرأة: -سآتي.. ثم أضفت قبل أن ينقطع الخطّ: -حتمًا. النساء أيضًا كالشعوب؛ إذ هنّ أردن الحياة فلابدّ أن يستجيب القدر. حتّى إن كان الذي يتحكم في أقدارهنّ ضابط كبير، أو دكتاتور صغير في هيأة زوج. حتّى الآن، لا أدري كيف استطعت إقناع زوجي بفكرة سفري إلى العاصمة للاستجمام على شاطئ البحر، في عزّ الشتاء! وكيف لم يجد في سفر كهذا شبهةً ما. أتذكّر تلك المقولة الساخرة "ثمّة نوعان من الأغبياء: أولئك الذين يشكّون في كلّ شيء. وأولئك الذين لا يشكون في شيء!". أمّا زوجي الذي يملك من التذاكي المهنيّ ما يجعله دائمًا على حذر، فقد بدأ حياته الزوجية معي، كأيّ عسكريّ، بالتجسس والتحري والاشتباه في كلّ شيء. ثمّ أمام غياب الأدلّة، أعطاني من الحرية ما فاجأني، أو ربّما بقدر ما يلزمه من الوقت كي ينصرف عنّي إلى مهامه، واثقًا من سطوة نجومه الكثيرة.. عليّ. وهذه المرة ايضًا، من الأرجح أنه مشغول عنّي بالمستجدات السياسيّة، وأن لا وقت له للتجسس على مشاغلي النسائيّة، التي حتّى الآن، لم يكن فيها ما يستحق الإخفاء والحذر. مشكلتي الآن مع "الآخرين"، أولئك الذين عوض التنصّت إلى الإرهابيين.. يتنصّتون إلى هواتف العشّاقّ! ساعة في طائرة، لا أكثر، وإذا بي أبتعد عن قيودي بمئات الكيلومترات. وأعود إلى ذلك البيت نفسه الذي جئته منذ أربعة أشهر مع فريدة. بيت أسميته بيت الحلم، فهنا كلّ شيء يصبح ممكناً كما في الأحلام. ما كدت أصل، وأضع شيئًا من الترتيب حولي حتّى أسرعت إلى الهاتف. وجاء ذلك الصوت بحرارة هذه المرة يؤكد لي أنني لا أحلم. -أخيراً أنتِ.. لو تدرين كم افتقدتك.. سأراك غدًا.. أليس كذلك؟ كلمات، وسؤال لا أكثر، ويصبح العالم أجمل، وتصبح الأسئلة أكبر. ولكن لا وقت لي للإجابة عنها؛ مأخوذة أنا بهذه الحالة العشقيّة.. مأخوذة حدّ الأرق. مقولة لبودلير منعتني من النوم. "كلّ إنسان جدير بهذا الاسم، تجثم في صدره أفعى صفراء، تقول (لا) كلما قال (أريد)". قضيت ليلتي في محاولة قتل تلك الأفعى. اكتشفت قبل الفجر بقليل أنّ "لا" أفعى بسبعة رؤوس، وأنك كلّما قتلتها، ظهرت لك "لا" أخرى، شاهرة في وجهك –لأسباب أخرى- أكثر من حرف نهي وتحذير. وبرغم ذلك، غفوت وأنا أقرض تفاحة الشهوة، على مرأى من رؤوسها. لي موعد مع "نعم". وكلّ شيء داخلي يعيش على مزاج "نعم". صباح "نعم" أيها العالم. صباح "نعم" أيها الحبّ. يا كلّ الأشياء التي تصادفني والتي اصبح اسمها "نعم". يا كلّ الكون الذي يستيقظ جميلاً على غير عادته: من نقل إليك خبر "نعم"؟ أيّتها الأغاني التي يردده المذياع هذا الصباح.. وكأنه يدري ما حلّ بي. أيتها الطرقات المشجرة التي تمتد أشجارها حتى قلبي، أيتها الطاولات التي تنتظر على رصيف شتويّ عشاقها، أيتها الأسرة غير المرتبة، التي تنتظر في مدن "نعم" متعتها. أيّها الليل الذي مساؤه "ربّما". صباحك "نعم". فكم كان مساؤك "لا" يا أيها المساء! في اليوم التالي استيقظت من ليل تقاسمته مع بحر شتويّ هائج. وبداته بصباح مفخخ بأسئلة أمّي ومشاريعها. ولكنني نجحت في إحباط كلّ برامجها المشتركة بكذبة. وذهبت نحو مشروعي الأجمل. انطلقت بي السيارة ظهرًا، سالكة طريق الحبّ نفسه. الذي بدا لي أطول رغم سرعة السائق، ورغم خلوّ الطرقات هذه المرّة، من حواجز التفتيش. شعرت بالاطمئنان، وأنا أرى الشوارع قد عادت إلى حياتها الطبيعيّة. وفرغت من المتظاهرين، والملتحين، واختفت منها اللافتات، والهتافات. ولذا، نزلت عند ساحة الأمير عبد القادر. وواصلت طريقي مشيًا على الأقدام. رقم.. رقمان.. بناية.. بنايتان. وطوابق أربعة أصعدها بسرعة سارقة، وبلهفة عاشقة. شوق يركض بي.. قلب تسرع دقّاته. وباب ينفتح من دقة واحدة، وينغلق خلفي. باب يفصلني عن مدينة "لا" ويدخلني عالم "نعم". رجل لا اسم له ينتظرني. يتأملني. يضمني. وقبلة خلف باب مغلق توّاً على فرحتي تسمّرني بين عالمين. يسألني وهو يراني ألتقط أنفاسي: -هل وجدت صعوبة في الوصول إليّ هذه المرّة؟ وأجيب: -الأصعب كلّ مرة أن أجتاز هذا الباب.. ثمّ اواصل بعد شيء من الصمت: -دخولاً .. وخروجًا! يردّ بشيء من السخرية: -ابقي هنا إذن! أرتمي متعبة على الأريكة. أقول: -احجزني رهينة عندك.. أيمكنك هذا؟ يجيب ساخرًا: -كلنا رهائن. -رهائن من؟ أتوقع أن يقول "رهائن الحبّ".. ولكنّه يقول: -رهائن الوطن.. أردّ بشيء من العصبية: -أرجوك.. دعني من السياسة. أنا لست هنا لأحدثك عن الوطن. أنت لا تعي كم أنا أجازف للوصول إليك.. فقط لأعيش لحظة حبّ. -ولكن ليس ثمّة من حبّ خارج السياسة. ألم تفهمي هذا بعد؟ أصمت لأنني لم أفهم. ولا أريد أن أفهم. لماذا تصبح السياسة طرفًا ثالثأ في كلّ علاقة؟ لماذا تنام في سرير الأزواج، وفي سرير العشّاق؟ لماذا تتناول معنا فطور الصباح.. وكلّ وجبات النهار. وترافقنا إلى زيارة الأحياء والأموات من أهلنا؟ لماذا تسبقنا إلة مدن الحلم، وحال وصولنا، تجلس معنا على الأريكة. ولماذا تبعث بقريب إلى الغربة، وتعود متى شاءت بمن نحبّ؟ أقول: -ربّما كنت على حقّ.. في النهاية السياسة هي التي عادت بك. ثمّ أواصل: -لحسن حظّ الحبّ. -وماذا لو كان العكس؟ -لا أصدّق أن تكون قد عدت من أجلي.. -أنا لم أقل أنني عدت من أجلك.. لنقل إنني عدت كي نواصل كتابة الرواية معًا.. أليس هذا الذي يعنيك؟ -ربّما.. ولكن لا أفهم أن يعنيك أنت إلى هذا الحدّ. يضحك: -طبعاً يعنيني.. لأنني لا أريد أن أخلف نهايتي، أريد لنا نهاية جميلة. -حقًا؟ -طبعًا.. مهمّة هي النهايات، في الكتب كما في الحياة. أقاطعه: -أتدري ما يعنيني الآن بالتحديد؟ يعنيني أن أعرف من تكون. ولا شيء غير هذا. منذ ذلك اليوم وأنا أشتري كلّ الجرائد، أتفحّص كلّ الصور، أطالع كلّ المقابلات السياسية التي يدلي بها أعضاء المجلس الوطنيّ. أعرف حياة الجميع. أقرأ تصريحاتهم جميعًا حول كلّ شيء، ولا أقرأ شيئًا لك.. لماذا؟ يردّ ساخراً: -لهم نياشين الكلام.. ولي بريق الصمت. -ولكن مع ايّ جهة أنت؟ إلى أيّ حزب تنتمي؟ يردّ: -السؤال الحقيقي. هو عمّ انت منشق. وليس إلى أي حزب تنتمي. لا أملك إلا أن أتبع منطقه في قلب الأسئلة. أسأل: وعمّ انت منشق؟ يصمت وكأنّ السؤال فاجأه. ثمّ يجيب: -لي أكثر من جواب عن سؤال كهذا. لنقل إنّني منشق عن أحلامي. أنا الشاهد الأخير يا سيدتي على الأفول العربيّ. قضيت عمري على شرفة الخيبة. أتفرج على غروب أحلامي وطنًا.. وطنًا، بما في ذلك وطني. أفهمت لماذا كان لابدّ أن لا أخلف نهايتي في هذه القصّة؟ تسألينني عن سرّ صمتي، أنا رجل كنت قبل مجيء بوضياف فارغًا بلا أحلام. كلّ أحلامي كانت خلفي. -وأنا؟ -أنتِ؟ -أين تضعني في كلّ هذا؟ -أضعك تمامًا حيث أنتِ الآن. -أي..؟ -أي على ورق. أحلامي معك، كمشاريعك معي لا تتجاوز مساحة صفحة. حتّى عندما تكون هذه الصفحة في حجم سرير. إنه قدرنا. هذا الرجل يتقن الكلام، إلى درجة يمكنه معها أن يمرّ بمحاذاة كلّ الأسئلة، دون أن يعطيك جوابًا، أو هو يعطيك جوابًا عن سؤال لم تتوقع أن يجيبك عنه اليوم بالذات، وأنت تطرح عليه سؤالاً آخر. وهكذا ها هو يجيبني عن سؤال كان يشغلني في البدء. بل كان سببًا لبدء هذه القصة، يوم كان همّي أن أعرف لماذا دخل هذا الرجل دير الصمت، واختصر اللغة حتّى لم تعد تتجاوز بضع كلمات تراوح بين "حتمًا" و"قطعًا" و"طبعًا" و "دومًا" وكأن كلّ الحياة يمكن أن تختصر بها. لماذا حوّل العالم كلماتٍ قاطعةً، والحبّ كلماتٍ متقاطعةً، يصعب على أية امرأة أن تجاريه فيها أو تهزمه؟ وأنا التي دخلت معه هذه المبارزة اللغوية، ككاتبة تحترف الكلمات، وترفض أن يهزمها "بطل" في عقر دارها، وفي كتاب هي صاحبته، ها أنا أهزم أمامه شوطًا بعد آخر، وأتورط معه سؤالاً بعد آخر، بعدما أصبح كلّ سؤال يوصلني إلى أسئلة أخرى. ومنذ البدء كنت أدري تمامًا أن الأسئلة توّرط عشقيّ. ولكن.. لم أكن أعرف أنه، مع هذا الرجل بالذات، تصبح الأجوبة أيضًا انبهاراً لا يقلّ تورطًا. أحبّ أجوبته، وأعترف أنني كثيرً ما لا أفهم ما يعنيه بالتحديد. كثيرًا ما يبدو لي وكأنّه يحدّث امرأة غيري عن رجلٍ آخر. ولكنني أحبّ كلّ ما يقول، ربّما لأنني مأخوذة بغموضه. أقول وأنا أعبث بيده: -أحبّك.. حرّرني قليلاً من عبودّيتك. يحتضنني ويسحبني نحوه قائلاً: -الحبّ أن تسمحي لمن يحبّك بأن يجتاحك ويهزمك، ويسطو على كلّ شيء هو أنت. لابأس أن تنهزمي قليلاً.. الحبّ حالة ضعف وليس حالة قوة. -ولكن.. -ولكن.. لأنك لم تعي هذا، أن تتكررين خطأً سبق أن ارتكبته في كتاب سابق. أريد أن أسأله متى حدث هذا، وفي أيّ كتاب، ولكن شفتيه تسرقان أسئلتي وتذهبان بي في قبلة مفاجئة.. كأجوبته. فأستسلم لاجتياح شفتيه لي. وكأنني أريد أن أثبت له، مع كلّ مساحة تسقط تحت سطوة رجولته، كم، كم أنا أحبه. في الواقع، لم أكن املك القوة، ولا الرغبة في مقاومته. كنت أجد متعتي في اندهاشي به، وهو يضع مفاتيحه في الأقفال السرّية لجسدي. في المتعة كلمة سرّ، وشيفرة جسدية، تجعل من شخصٍ عبداً للآخر دون علمه. وهذا الرجل الذي لم يستعمل معي سوى شفتيه، من دلّه على متعتي، كي يسلك ممرات سرّية للرغبة، لم تعبرها شفتا رجل قبله؟ ثمّ فجأة وضع قبلتين متلاحقتين على فمي. كما يضع نقاط انقطاع بعد جملة مفتوحة، ونهض ليبحث عن علبة سجائر. اغتنمت فرصة انشغاله. فاتجهت نحو الحمّام كي أجدّد هيأتي. تأمّلت دون اهتمام تفاصيل أشيائه الرجالية، التي استوقفني منها على رفّ المغسلة، زجاجتا عطر من النوع نفسه، إحداهما مفتوحة، والأخرى مازالت مغلفة بورقها الشفّاف. سحبت تلك المفتوحة. ورحت أتأملها بفضول من وقع على سرّ. تذكّرت كلّ تلك المرات التي كنت سأسأله فيها "ما اسم عطرك يا سيّدي؟". تذكّرت أيضاً أن قصتي مع هذا الرجل، ولدت بسبب كلمة وعطر. وربما بسبب هذا العطر وحده. الذي لولاه لما استدللت عليه. كنت لا أزال ممسكة بتلك القارورة، عندما عبر الممر، متجهاً نحو المطبخ. سألته ممازحة، وأنا أجرب العطر على كفّي: -ألأنني أبديت إعجابي بعطرك، أصبحت تشتري منه قارورتين دفعة واحدة؟ ردّ ضاحكاً: -لا.. لقد أحضرت معي هاتين القارورتين من فرنسا.كلّما سافرت أحضرت واحدة لي، وأخرى لصديقي عبد الحق. في الحقيقة، هو الذي جعلني اكتشفه. إنه لا يستعمل غيره. كنت على وشك أن أغادر الحمّام عندما عاد وكانه تذكر شيئاً. ثمّ قال وهو يمدني بتلك القارورة المغلقة: -أعتذر، لأنني لم أحضر لك شيئاً معي. لقد عدت على عجل. هل تسمحين لي بأن أهدي إليك هذا العطر؟ يقال إن المرأة تحبّ استعمال عطر الرجل الذي تحبه.. ضعيه كلّما اشتقتِ إليّ. قلت وأنا أتسلم منه تلك القارورة: -لم أكن اعرف هذا.. تبدو لي الفكرة جميلة. ولكن أخاف أن تلزمني قارورة كلّ أسبوع إذا كان الأمر يتعلّق بالشوق! ثمّ أضفت مستدركة: -وصديقك؟ أجاب: -لا تهتمي.. سأتّدبر أمره. سعدت بتلك الهديّة. شعرت أنني أطوق هذا الرجل موعداً بعد آخر. أتسلل إلى عالمه الحميميّ من حيث لا يتوقع، وأسطو على كلّ ما قد يدلّني عليه. عدت إلى قاعة الجلوس. كان يدخّن بهدوء على الأريكة المقابلة لي. وكأنه قرّر أن يتأملني. أو يتأمل ما فعله بي في عمر قبلة. أخفيت تلك القارورة في حقيبة يدي، بفرحة تشبه تلك التي احسست بها يوم أخذت منه كتاب هنري ميشو. عساني أكتشف أخيرًا من يكون. وجدتني أقول له دون تفكير وأنا أعيد الحقيبة إلى مكانها. -أتدري ماهو اجمل شيء يمكن أن تهديه إليّ؟ ردّ وهو يواصل تدخين سيجارته، واضعًا قدميه على طرف الطاولة: -ما هو..؟ قلت: -الحقيقة! أيمكنك أن تهدي إليّ الحقيقة؟ من حقّي أن أعرف من تكون. ردّ ساخراً: -أجّلي خيبتك قليلاً! واصلت بإصرار: -ما اسمك؟ هل صعبٌ إلى هذا الحدّ أن تبوح لي باسمك؟ ردّ ضاحكاً: -لا.. ولكن أيّ الاسمين يعنيك؟ قلت: -وهل لك اسمان..؟ لماذا؟ ردّ: -لأننا نعيش في عصر، حتّى الدول والأنظمة والأحزاب، غيّرت فيه أسماها في ظرف سنوات قليلة، وبجرّة قلم. أي بما يعادل لحظة من عمر التاريخ. في روسيا وحدها توجد ثمان وعشرون مدينة غيّرت اسمها. بما في ذلك لنينغراد. ولماذا لا نستطيع، نحن الناس البسطاء، أن نفعل ذلك عدما نغيّر معتقداتنا.. أو عندما يطرأ على حياتنا ما يغيّر مجراها؟ أتدرين.. تعجبني حكمة الصينيين، وذلك التقليد الجميل، الذي يتّبعونه في اختيار اسم جديد لهم، في آخ حياتهم. كأنهم، وقد خبروا الحياة، أصبح بإمكانهم أن يختاروا اسما يناسبهم لحياة أخرى. في النهاية، إنّ الأسماء التي تشبهنا تهبنا إيّاها حياتنا. أمّا تلك التي نأتي بها الحياة، فكثيراً ما تجور علينا. لنقل أنني أعجبت بهذه الفكرة، وقرّرت أن أكون رجلاً باسمين. جوابه كالعادة لا يحمل أيّ جواب. وإنما قدرة مدهشة على تحاشي الأسئلة. ولكنّني لا أستسلم. بل أطارده بإصرار. -أعطني أيّ اسم شئت. أريد اسماً أناديك به. يجيب بنبرة عادية: -اسمي خالد بن طوبال. أرددّ مذهولة: -خالد بن طوبال؟ ولكن.. يقاطعني: -أدري.. إنّه اسم بطل في روايتك.. أعرف هذا ولكنّه أيضًا اسمي.. أجلس على طرف الأريكة. أتفرّج على رجل أتعرّف إليه. وأستعيد آخر، عرفته يومًا في كتاب سابق. كان أيضًا رسامًا من قسنطينة. رجل أعرف كلّ شيء عنه، كما لو كان أنا. ولم تفصلني عنه سوى الرجولة، وجسد شوّهت الحرب ذراعه اليسرى. أيعقل أن يكون هو؟ أتأمله دون أن أصدق هذا. أتوقع أن يقول شيئاً. ولكنّه لا يفعل. يواصل تدخين سيجارته بالهدوء نفسه. في لحظة ما، أشعر أنني أقترب من الحقيقة، ولا يفصلني عنها سوى سؤال واحد. "هل خالد بن طوبال هو اسمه الأول أم اسمه الثاني؟". والجواب عن هذا السؤال سيكون مخيفًا وحاسمًا، لأنه سيقلب كلّ مقاييس هذه العلاقة، ومعها هذه القصّة. ولذا تماديًا في الغموض والمراوغة.. لا أتوقع أن يجيبني عنه بسهولة. أسأله: -هل هذا هو الاسم الذي يناديك به أصدقاؤك وزملاؤك في الشغل؟ يردّ: -طبعاً.. وهو أيضًا الاسم الذي أوقع به مقالاتي. ثمّ أمام دهشتي. يمدّني بجريدة على مقربة منه. ويدّلني على مقال سياسيّ يحمل توقيع خالد بن طوبال. آخذ منه الجريدة غير مصدّقة لما أرى. طبعًا، كنت توجست من مطالعتي لكتاب هنري ميشو أن يكون صحافيّا وأذكر تماما، ذلك البيت لهنري ميشو: "في انتظار الشمس، تعلّم أن تنضج في الجليد". والذي أضاف أسفله، بقلم أزرق (أو في جريدة)!. ولكنّني لم أتوقف طويلاً عند البيت الآخر. "ليس لي اسم اسمي تبذير للأسماء" والذي وضع تحته سطرين. وكأنه البيت الذي يشبهه الأكثر. بقيت ممسكة بالجريدة، بينما واصل هو تدخين سيجارته متجاهلاً نظراتي. وربّما تماديًا في التجاهل، أشعل جهاز التلفزيون. وها هوذا يغرق في متابعة تحقيق أخباري حتّى كاد ينسى وجودي معه. كان التلفزيون يعرض تغطية مباشرة للجولة التي يقوم بها بوضياف في الوطن، لشرح مبادئ التجمّع الوطنيّ. كان بوضياف يخطب ملوحًا بيده: "إنّ في هذا البلد مافيا ومسؤولين استحوذوا على أموال ليست لهم. اعدكم بإعلان حرب حقيقية على هؤلاء. إن العدالة ستدرس كلّ الملفات. وستقوم بدورها. وإنني أطلب من المواطنين أن يساعدوا العدالة في ذلك.. أن يكتبوا إليها.. ويزودوها بكلّ ما لديها من معلومات.. لن يكون هناك بعد الآن من أحد فوق العدالة، العدالة ستطول الجميع. فمن حقّ الشعب أن يعرف الحقيقة. من حقه أن يعرف أين ذهبت أموال هذا الوطن.." كان لكلمات بوضياف المرتجلة، في ذلك النقل المباشر، والتي ألهبت الحضور هتافات وزغاريد، ما جعل مزج جلستنا يتغيّر بعض الشيء، قبل أن يكسر ذلك الرجل الصمت بيننا.. ويتوجّه نحوي معلقًا: -لن يتركوه ينجز ما جاء من أجله.. أنا واثق من هذا.. لا أدري بالتحديد ماذا كان يعني. فقد كان ذهني ما يزال مشتتّاً، ولكنّني سألته بنية مدّ الحديث: -لماذا؟ أجاب بلهجة تهكمّية: -لماذا؟ لأنهم لم يأتوا به ليفتح الملفات الملغومة، وإنما واجهة يواصلون خلفها حكم الوطن ونهبه. ولذا يقول المقربّون منه، إنه يغلق على نفسه ساعات طويلة في النهار والليل. إنه يبحث عن الحقيقة التي يريد أن يهديها إلى الشعب بعد ثلاثة أشهر.. بمناسبة عيد الاستقلال. ثمّ يواصل بعد شيء من الصمت: -تبحثين عن الحقيقة؟ الكلّ يبحث عن الحقيقة.. ولكنّ الكلّ يخافها. أتدرين لماذا؟ أتمتم: -لماذا؟ يطفئ سيجارته في المنفضة ببطء، وكأنه يسحقها. ثمّ يقف فجأة، ويشرع في فكّ أزرار قميصه الواحد تلو الآخر بيد واحدة. أتذكّر أنّني لم أره يومًا يستعمل معي إلا يده اليمنى. يذهلني هذا الاكتشاف المتأخر، والذي يعيدني إلى ذلك البطل في روايتي. وقبل أن اتمادى في تفكيري، أراه يلقي بقميصه على الأريكة المجاورة. ويواجهني بصدره العاري قائلاً وكأنّه يواصل الحديث عن أمر آخر: -لأنّ الحقيقة تعبّر عن نفسها دائماً بشكل رديء! ثمّ يتابع بعد شيء من الصمت: -وأحياناً بشكل قاتل، حتّى عندما لا تتعدّى جريمتها قتل أوهامنا. أنتبه فجأة لذراعه اليسرى. التي تبدو مصابة بشلل يمنعها من الحركة، بينما تظهر أعلاها بعض التشويهات، وكأنّ عملية جراحية أجريت لها في موضعين أو ثلاثة، دون أية مراعاة جمالية. تنتابني قشعريرة، وحالة من الذعر، ليس مصدرها ما أرى. وإنما خوفي من أن أكون قد بدأت أجنّ، ولم أعد أعرف الفاصل بين الكتابة والحياة. ...أو كأنني حلمت يومًا بأن ما يحدث لي سيحدث. وها هوذا يحدث فعلاً. وإذا بي أمام رجلٍ خلقته، وشوهته بنفسي. كنت أعي أنه يختبرني. ويتابع وقع المفاجأة عليّ بحساسية مفرطة. فتداركت ارتباكي وقلت بنبرة صادقة: -لا يعنيني ما تعتقده اللحظة. ولكن ثق أنني أحبك كما أنت. وإلا لما كنت خلقت رجلاً يشبهك تماماً لأعيش معه سنوات في كتاب. ردّ ساخرًا: -لقد مارست دائمًا بجدارة صلاحيات الحبّ في التدمير! قلت: -بل مارست صلاحيات الكاتب في التخيّل ليس أكثر. ردّ: -كفّي عن التخيل.. كلّ الذي أجهدت نفسك في خلقه.. قد سبقتك الحياة إليه. الإنجاز الوحيد بالنسبة إلى كاتب، هو ما يتركه في كتابه من بياض. كلّ صفحة بيضاء في كتاب، هي مساحة مسروقة من الحياة، لأنها تصلح بداية لقصّة أخرى أو كتاب آخر. ومن هذا البياض جئتك.. وليس ممّا تتوقّعينه أدباً. قلت متحاشية الدخول معه في جدل: -لا يعنيني أن أعرف من أين جئتني.. كلّ ما أدريه أنني أريدك. ردّ ساخرًا: حقًا.. توقعت أنك تريدين الحقيقة ! أجبته بشيء من العصبية: -أيّ اعتراف تريد منّي بالتحديد؟ ردّ بالسخرية نفسها: -أنا لا أريد منك أيّ اعتراف؛ يعنيني فقط أن تكوني صريحة مع نفسك، وتعترفي ولو لها، أن ما يحدث بيننا كرجل وامرأة يعنيك بالدرجة الأولى. وأنّ هذه القصة من دونه لا تستحقّ مشقة الكتابة. -ثمّ؟ -ثمّ لا شيء.. عدا كونك تمّرين بمحاذاة هذه الحقيقة الكبرى، وتنشغلين بالبحث عن حقيقة أخرى، أقلّ أهمية، تدور كلّها حول سؤال واحد "من أكون؟". السؤال الأهم في اعتقادي هو "لماذا أنتِ هنا؟". حشرني في المربع الأخير للاعتراف. ولم أجد ما أجيب به سوى: -أنا هنا.. لأن واجبي ككاتبة هو البحث عن الحقيقة.. وكامرأة.. من الطبيعيّ أن أبحث عن الحبّ. ولكنني معك لم أعد أحسن التمييز بينهما. ردّ بنبرة أستاذ: -سأدّلك على طريقة، تتعرفين بها عليهما دون خطأ. فالحقيقة تعبّر دائماً عن نفسها بشكل بشع، والحبّ يبدو دائماً أجمل مما هو! كان يتحدّث إليّ، وهو يرتدي من جديد قميصه، ويده اليمنى تحاول بصعوبة إدخال تلك الأزرار. وبدل أن أساعده على تزريرها، امتّدت يدي تخلع عنه القميص. وراحت شفتاي تتدحرجان على مساحة صدره. ثمّ تنزلقان نحو ذراعه الثابتة مكانها، فتكسوها قبلاً، بشراسة العشق الذي هو وحده قادر على جعل أية حقيقة.. جميلة في بشاعتها ! عندما غادرته، انتابتني أحاسيس متناقضة تراوح بين المتعة، والخيبة، والاندهاش الجميل والمؤلم في الوقت نفسه. أن تذهب إلى موعد حبّ، وإذا بك مع شخص خارج توًا من كتابك، يحمل الاسم نفسه، والتشويه الجسدي نفسه لأحد أبطالك، وأن تبقى برغم ذلك على اشتهائك نفسه له، لا بدّ أن يترك في نفسك كثيرًا من فوضى المشاعر.. وفوضى الأسئلة، خاصة عندما ترى اسمه، كما اخترعته أنت، وأجهدت نفسك للعثور عليه، قد غادر كتابك، وأصبح مكتوبًا، أسفل مقال صحافيّ على جريدة، كاسم لرجل لا علاقة له بك، لولا تلك الخصوصية الثانية التي تذهلك: كيف يمكن أن يكون معطوب الذراع أيضًا.. كبطلك؟ ما يدهشني هو كون هذا الرجل، يواصل معي قصة بدأت في رواية سابقة، وكأنّه يعيد إصدارها في طبعة واقعيّة. من نسخة واحدة. حتّى أنّه يوم قبّلني لأوّل مرّة، أمام مكتبته، قال "نحن نواصل قبلة.. بدأناها في الصفحة 172 من ذلك الكتاب.. في هذا المكان نفسه". وعدت إلى كتبي، بحثًا في رواياتي عن الصفحة 172 في كلّ كتاب. وعثرت على تلك القبلة، مطوّلة مفصلّة، مرتجلة، كما حدثت ذات يوم بين ذلك الرسام، وتلك الكاتبة. ثمّ عندما استعرت منه كتاب هنري ميشو، قال إنّه يخشى أن يكررّ معي حماقة حدثت في كتاب سابق، ملمّحاً إلى حبّ البطلة في تلك القصّة لصديق البطل.. بسبب كتاب. أمّا أنا فانتبهت أنّني كنت أكرّر في الحياة تصرّفات تلك البطلة بعد قبلة، وأستعير كتابًا. كلّ شيء كان يعيدنا منذ البدء، إلى تلك القصّة، بما في ذلك المدينة التي جمعتنا. بل حتّى في حديثه عن الجسور.. وعن قسنطينة، ثمّة رجوع ما، أو تراجع متعمد، عن كلّ ما قاله ذلك الرسّام في تلك الرواية. وكأنّ المسافة الزمنية قد جعلته يراجع أراءه، ويصحّحها، عن خيبة وتطرّف عشقيّ. وبرغم كلّ هذا، يبقى الأمر مربكًا. فأنا لا أريد أن أصدق أنّ ذلك الرجل الذي ما انفك منذ ستة أشهر يقلب حياتي رأسًا على عقب، هو خالد بن طوبال، ذلك الكائن الحبريّ الذي خلقته منذ عدّة سنوات. ثمّ نسيته داخل كتاب. ألقيت به إلى جوف مطبعة كما نلقي بجثة إلى البحر، بعد أن نثقلها بالصخور، حتّى لا تعود إلى السطح، ولكّنه عاد. هذا الكائن أعرفه عن ظهر قلب. فقد عشت معه أربع مائة صفحة وما يقارب الأربع سنوات. ثمّ افترقنا. انتهى عمره مع آخر سطر. وبدأ عمري دونه منذ ذلك الحين. ولكن من منا كان يبحث عن الآخر، خلال كلّ ذلك الوقت؟ ومن منّا ترى كان الأحوج إلى الآخر؟ أذكر مقولة لروائيّ سئل "لماذا تكتب؟" فأجاب ساخرًا "لأن أبطالي في حاجة إليّ.. إنّهم لا يملكون غيري على وجه الأرض!". طبعًا كان يرواغ. ويقدّم اعترافًا بيتمه دونهم. فكلّ روائي هو في النهاية يتيم.. ومخلوق عجيب، تخلّى عن أهله، ليخلق لنفسه عائلة وهميّة، وأصدقاء وأحبّة، وكائنات حبرّية، يعيش بينها، مشغولاً بهمومها، محكوماً بمزاجها، حتّى لكأنّه لا يملك على وجه الأرض غيرها ! فأين العجب في أن يصبح هذا الرجل كلّ عائلتي، ويشغل مكان زوجي، وأخي، وأمي.. وكلّ من يحيطون بي؟! في الواقع، كان عجبي الوحيد أن أتعلق بهذا الرجل بالذات، من بين كلّ من خلقت من أبطال، وإن يقع بيغماليون في حبّ تمثال خلقه بيده، وكان آية في الكمال، فهذا الأمر يبدو منطقيّاً، كما جاء في الأسطورة. أمّا أن يحبّ نحّات التمثال الذي أخفق في خلقه، ويحبّ روائي البطل الذي شوهه بنفسه.. فهنا تكمن الدهشة. ذلك المساء.. توقّعت أن يكون في جلوسي إلى أمي الحلّ الأمثل للهروب من نفسي؛ فقد كنت أهملتها بعض الشيء، بعد أن أغريتها بالاتصال ببعض معارفها في العاصمة.. وأعددت لها برنامجًا على قياس حرّيتي. كانت سعيدة، أو ربما بدت لي كذلك، وهي تحدّثني عن قريبة بعيدة، تعقد قران ابنها في نهاية الاسبوع، وتدعونا لحضور احتفال الزواج، ولم يعد صعبا أن أتوقع برنامجها للأيام القادمة. أمّي تعيش دائمًا بين عرسين، أو حجتين، أو نذرين. وحيثما حلّت، تعثر على من يوشك أن يزوّج قريبًا، أو من له قريب عائد توًا من العمرة أو الحج. أو "شيخ".. يدعوها ل"وعدة" أو "زردة" ! وبرغم هذا، لم تكن سعيدة تماما، قد كان ينقص سعادتها شيء اسمه "ناصر". قبل اليوم كانت تتمنى أن تزوجه، ويمتلئ البيت بكنّة تتحكم فيها. وبأحفاد تربّيهم وتتسلّى بهم. أمّا الآن وقد رحل ناصر، فقد أصبح كلّ زواج يعيدها إليه، بل أصبحت لا تريد أكثر من عودته ليقاسمها ما بقي من العمر. وأكثر ما كان يؤلمها في سفر ناصر أنّها لم تكن مهيأة له. فلا شيء في طبع ناصر ولا في نمط حياته، كان يوحي بأنه قد يأخذ قراراً مفاجئاً وحاسماً كهذا. منذ سافر ناصر، من ثلاثة أشهر، وأنا أحاول أن أجيب أمّي عن السؤال نفسه الذي أخفي عليها دائمًا نصف حقيقته. هي تسأل: -لماذا سافر أخوك يا ابنتي؟ أخبريني؛ أنت يقول لك كلّ شيء. وأنا أجيب: -لقد سافر لأنه غير مرتاح في هذا البلد..يريد أن يجّرب حظه في الخارج مثله مثل الآخرين.. ولكنّه سيعود.. لقد وعدني بذلك. -ولكن متى؟ بعد أسابيع؟ بعد أشهر؟ بعد سنوات؟ ولا أملك إلا أن أجيبها: -عندما تهدأ الأوضاع قليلاً.. وتتحسن الحاله.. فتردّ: -أية أوضاع؟ وأية حالة هذه التي ستتحسن؟ ألم تسمعي بما حدث منذ يومين في البليدة.. لقد روت لنا امرأة اليوم أنهم.. وأقاطعها: -لا أريد أن أعرف.. لا تقصّي عليّ أيّ شيء أرجوك.. لم أكن أريد أن تفسد عليّ أمي ليلتي بأخبار الموت، كما تعودت أن تفعل ليلا، بين حين وآخر، عندما كانت تطلبني هاتفيا عن ضجر، أو عن خوف، ولا تجد ما تقصه علي إلا قصصا لم أشاهد مثلها حتى في أفلام الرعب. وكانت قد شاعت فجأة بدعة تشويه الجثث، والتمثيل بها، كي لا ترتاح نفوس أصحابها، ولا تدخل الجنة، وكي يعتبر بها "الكفار" أو أولئك الذين يعملون في خدمة "الدولة الكافرة". وهي صفة لا تعني غالبا، سوى رجال الأمن، وبعض البائسين من شرطة السير، الذين انقرضوا في بضعة أشهر رميًا بالرصاص، وذبحًا ومطاردة حتّى المقابر، حيث اغتيل العديد منهم وهو يرافق قريبا إلى مثواه الأخير. أما أولئك "الأذكياء" الذين جاؤوا لزيارة موتاهم بعد يومين أو أكثر. فقد فوجئوا بمن ينتظرهم ليلا ونهارا خلف القبور، وذهبت بهم المفاجأة في مقبرة، فكل القبور هنا مفتوحة تنتظر تهمة لتنغلق على أحد. فماذا يمكن لأمي أن تضيف إلى مسلسل الرعب الذي أتابعه مذهولة كل يوم، مثل كل سكان هذا البلد؟ فجأة سألتني أمي وقد عادت إلى هاجسها الأهم: -هل ترك لك ناصر عنوانا في الرسالة التي بعث بها مع ذلك الصديق؟ قلت: -أجل قالت: -اكتبي إليه إذن.. قلت: -سأفعل حال عودتي إلى قسنطينة. فقد سألني عن أمور لا بدّ أن أراجعها هناك. في الواقع، لم يكن قد سألني سوى عن أخباري وأخبار امي. ولكنني كنت فقط أريد إرجاء هذه الرسالة إلى ما بعد. فقد كان ذهني مشغولاً بأمر واحد: ذلك الرجل، تماما كانشغال أمي بأمر واحد هو ناصر. ناصر الذي أصبح يذكرها فجأة بأبي الذي غاب هكذا منذ أكثر من ثلاثين سنة مع حفنة من الرجال كي يخططوا لما سيسمى في ما بعد "ثورة نوفمبر". ربما منذ ذلك الحين، أصبحت أمي تخاف الرجال الذين يرحلون هكذا فجاة، دون أن يتركوا عنوانا لغيابهم، ولا تاريخا لعودتهم؛ فقد لا يعودون، أو قد يعودون عندما لا ننتظرهم، لفرط ما انتظرناهم. في ذلك اليوم الذي لا نصدق ذلك الصوت الصغير الذي يردد على مقربة منّا، أنهم سيأتون، اليوم.. وربما الآن. ثمّ فجأة تحدث المعجزة، وتدقّ يد على الجرس. وينفتح الباب، على رجل متعب، مغبّر الثياب، يرفعنا كدمية نحوه، يضمّ جسدنا الصغير إلى صدره. يقبلنا.. يقبلنا.. ولا ندري لصغر سننا، أكان لحظتها يبتسم أم يبكي. كتلك الحادثة المذهلة التي تحكيها أمّي، والتي حدثت يوم كنت طفلة في الخامسة من عمري، وكنا في شهر رمضان، وكانت أمي تعد "البريك" للإفطار، فرحت ألاحقها طالبة منها أن تعدّ واحدة لأبي، لأنه يحبه. وكانت تجيبني أنه غائب، ولا يمكنه أن يحضر. وأجيبها بعناد الأولاد "بلى سيحضر.. أعدّي له