PART 1🖤
رن الهاتف الارضي ليضرب صداه الجدران الرخامية العريقة لبيت أقل ما يقال عنه فخم!!
بيت مماثل للقصور الفيكتورية بتصميمه العريق وشساعته الفائقة تصورات البشر!!
جدرانه الرخامية المزخرفة حوافها بزخارف جميلة تزيد من سحر التصميم،،، اثاثه الوثير الشامل لثريات من الكريستال تتدلى بدلال وخنوع لتضيء الردهة الواسعة التي تتوسطها ماىدة طويلة مذهبة تلتف حولها مقاعد بانتظام وسحر يحبس الانفاس!!
واذا القيت ببصرك جانبا سيقع على نوافذ واسعة بزجاج عراقي ملون تتدلى منها ستاىر مخملية من على ارتفاع يفوق السبعة امتار!!
هذا البيت او القصر بتعبير اصح هو مملكة آل شاهين!!
والذي صدح رنين الهاتف بشدة بين اركانه وان كان الصدى قد تولى بزيدة حدة رنين القدر!!
ما ان اوشك الخط على الانقطاع حتى هرعت انامل مرتعشة لرتفع السماعة بلهفة تطغى على كل ملامحها الشاحبة.. جسدها المكتنز المتصبب عرقا وهلعا كحلقها الذي فقد كل جزىيات الماء خاصته وعيونها اللتان اضحيتا زاىغيتن دون ثباث!!
جواب واحد...جواب واحد سيخط النهاية بخط عريض!!
وهاهي ذي تتلقاها باقسى صورة وارق صوت:«
-ce la maisom de M.Shahine!?»
(هذا هذا منزل السيد شاهين!؟)
ارتعشت شفاهها المتسبية اكثر لتلجأ الى عيونه لعلهما تمدانها بقوة كفيلة للرد!!
ذاك الذي يقف امامها مستندا بقامته الفارعة الى حافة السلام المذهبة يعقد ذراعيه على صدره العضلي العريض ونظراته لا تنزاح عنها بصمت مقيت!!
لايسمع به سوى صوت انفاسها العالية يخالطه صوت نسائي من على الناصية الاخرى به بنرة مستشفة من كون ااسيدة لا تزال على الخط!!
عيون سوداء كالليل البهيم تستوطنها نظرات ثاقبة كنسر جارح!!
جالت بعيونها التاىهة وسط عيونه الحادة لثوان قبل ان تنقلها الى تلك التي تقف بالجهة المعاكسة بقامتها القصيرة وشعرها الاسود الذي بالكاد يلامس كتفيها الصغيرتين الهشتين كقطعة بسكويت طرية!!
الشيء المشترك بينهما هو لون عيونهما الحالك مع بريق كإسير الحياة اتخد من مآقيهما موطنا!!
وأهداب خلقت لتحمي البشرية من سهام تنبثق من عيون ليلية لا تخطئ الهدف!!
سهام بلا قوس ولا وتر!!
ردت الام بصوت متهدج بعد موجة صمت طالت بشكل كاد يدفع الممرضة الى اغلاق الخط :«oui»
احيانا عبارة واحدة...
تكون كفيلة بقلب حياتنا راسا على عقب دون ان ندرك ولا ان نعي كون الكلمات غالبا ما تكون اشد ايلاما من رصاصة بمنتصف الجبهة،، كقنبلة نووية تجعل من قلبك ارضا اشد دمارا وخراب من مدينة هيروشيما وناكازاكي!!
Je suis vraiment désolée Madame.. Il est décédé»
(أنا آسفة سيدتي لكنه توفي)
بدا لها وكأن الممرضة الشابة قد القت بالجواب على راسها كدلو ماء بارد بليالي كانون الاشد برودة!!
وكان الخبر تمت اذاعته باللغة العربية ليقوم القلب بترجمته الى لغة الفاجعة.. وكأنها ارض سلام قصفت بقنبلة جعلت من اراضيها خرابا!!
قلبها كان ينزف بشدة وجنون لا يحتمله جسدها الضعيف المشرف على السبعين!!
موت...
ثلاثة احرف متراصة جنبا الى جنب بتناغم موسيقى سلس لا يتناسب وفجاعة معناها!!
وكأنك تقول قتل..
ثلاثة احرف تتلائم بشكل مثالي ومتناغم كسمفونية جميلة قاتلة!!
عبارة واحدة جعلت من يدها قطعة هلام واهية تسللت منها سماعة الهاتف لتقع ارضا تحت نظرات استغراب وذهول تشع من زوج من العيون السود!!
ازداد ارتجاف شفاهها المتيبسة وجسدها الندي بينما عيونها تحدقان ببلاهة في اللامكان؛ وكأن الزمن قد توقف فجأة لتاخد الحياة وقتا مستقطعا حتى تتمكن الام من إدراك فداحة ما خسرته.. بانانيتها!!
خسارة وهبتها شكلا مماثلا للأموات مادامت قد ماتت فعلا وان انكر جسدها ذلك!!
رنت بنظرها ناحية ذاك ااذي يرمقها بنظرات باردة كجسدها المتعفن برودة وألما!!
كيف للام ان تتحمل خسارة كهاته!؟
وكيف للعنات ان تنهال على رأس آل شاهين تباعا دون فواصل إعلانية!؟
لكن هذا الخبر كان بمتابة صاعقة ستدمر كل شيء!! مسك الختام!!
لم يستغرق الامر ذكاءا حتى يدرك ذاك الحالك ان الخبر لا يسر الناظرين ولا تشتهيه الآذان،، فاجعة اخرى واحزان اشد سوادا من ممن سبقتها وهاهو ذا شكه ينجلي بوضوح جراء الصدمة التي تعلو ملامح الام تصاحبها دموع ماسية تعانق اهدابها بتماسك لم يطل حين انسابت بحياء على خدها المجعد!!
عيونها كانتا تشعان نظرات خاوية كخواء روحها تؤكد فرضية انفصالها عن الواقع ودخولها بموجة صدمة قد لا تكون حميدة ابدا!!
كيف لا وعقلها لازال عاجزا عن استيعاب صدمتها خماسية الابعاد!! وكان قلبها قد اعلن استقالته وتنحى عن منصبه في ضخ الدم الى جسدها الهش مانحا ايها فرصة للحياة،، وماالحياة أساسا!؟
ماردة تمارس فن التمويه باحترافية لتقودك نحو حتفك!!
نسر جامح باجنحة زاهية تموهك عن رؤية مخالبه الضارية التي تنغز بك ببطء بينما على شفاهك إبتسامة بلهاء!!
«مات.. مات.. مات انس.. مات إبني وسندي... ماااااات »
صوتها الذي كان هامسا بداية الامر شرعت نبراته في التصاعد تدريجيا ليختم المشهد بصرخة هيسترية صاحبها سقوط جسدها ارضا بانتحاب لتهرع اليها الإبنة متلقفة اياها بين ذراعيها الهشتين ودموعها المالحة تناسب على طول رقبتها المرمرية،، وقد تشبت غريق بغريق!!
كلتاهما متالمتان بشكل يفوق الخيال!
امراتان تنتحبان ارضا واذرعهما متشابكة بمواساة واهية...الام والاخت!!
ورغم كون المشهد مؤلما الا انه وعلى ما يبدو لم يحرك شعرة من ذاك الطويل ذو الملامح الشرقية الحادة والنظرات الصقرية وكان باذنه ران او حمأ!!
أو لعل الصدمة قد غشيته هو الاخر كما فعلت مع والدته!!
يراها تلطم خديها وتنتحب كطير جريح ولا يحرك ساكنا..ابلغت هذا الحد من تبلد المشاعر ام ان اذيال الماضي لا زالت تحكم قبضتها حول قلبك الأسود الجريح!؟
تحرك ايها القلب.. ضخ مزيدا من الدم هياااا!!
لا تقف هكذا كلأبله بينما الناس يبكون،،،اذرف ولو دمعة زاىفة!!
هيااا ايها الوغد!!
وما من مجيب!!
«إبني مات.. مات.. أنس صغيري مات!! مات دون أن اراه ولو لمرة أخيرة!! مات من شدة حسرته وألمه.. انا السبب.. انا من قتلته!!»
ضربات صدرها تزداد وشهقات الابنة تعلو بينما هو بعالم آخر..عيونه جامدة واطرافه اشد جمودا وكانه لا يعي شيىا مما يحدث بالضبط!!
انفرجت شفتاه قليلا سامحة للاوكسجين باختراق رىتيه حتى يتمكن من التنفس بشكل افضل او على الاقل ليتنفس،، فعلى ما يبدو ان الهواء قد نفذ فجأة ودون سابق انذرا!! ولكون تلك الحركة لم تزل بعد ذاك الإختناق الذي يجثم على صدره بقوة كحجر يزن مىات الاطنان انجرفت انامله الى ربطة عنقه المحكمة حول رقبه كقبضة عزرائيل تسعى جاهدة لانتشال روحه المذنبة من وسط ركام جسده!!
القاها ارضا بعنف ليفتح ازراره العلوية بعد ذلك ثم يغادر القصر بسرعة تلاحقه اصوات مختلطة بين بكاء ونحيب تتخلله شهقات بين الفينة والاخرى!!
ركض بكل قوته وكان الشياطين تلاحقه ليستقل سيارته الفارهة مطلقا العنان بسرعة تسببت في احتكاك الاطارات بالارضية الترابية مخلفة موجة من الغبار لا يستهان بها!!
لم تتوقف السيارة المجنونة الا عند الشاطئ لتتسلل راىحة اليود القوية منسمة براىحة السمك الشهي الى حواسه باثة بعض الإطمىنان والراحة الى قلبه الذي لم يتذوقها لاكثر من خمس سنوات!!
ولا زالت طريق الالم طويلة!!
اسند راسه الى كرسيه الجلدي بعيون مغمضة وانفاس لاهثة مافتئت ان انقلبت الى شهقات مكتومة خلفتها دموع انسابت على خده بخجل وخذلان وكأن البكاء ليس شأنا رجاليا!!
هاته اولى القواعد التي تلقنها منذ الصغر «الرجل لا يملك احقية البكاء»
ولو سرا فما بالك امام الناس،،معتقدات بالية كلفته الكثير وعلى راس اللاىحة نفسه،،فهاته الدموع الحبيسة بين طيات جفونه المحمرة كانت كموت بطيء وسرطان بخريف عمره يتنهك جسده بانتشاء ودون تانيب،،يستوطنه يوما بعد يوم دون جهد ولا سبل لايقافه!!
احزانه كانت اكبر من ان تغسلها الدموع.. وقلبه كان اشد سوادا من ان تطهره العبرات!!
وآن اوان اطلاق سراح تلك الدموع الجبانة الخاضعة للتقاليد..بكى كما لم يبك منذ زمن وهاج كما لم يفعل منذ ازل،،ضرباته التي تنهال على المقود بشدة يخالطها صراخه كاسد جريح كانت تزداد شيىا فشيىا الى ان انهكه التعب..
للتراخى ذراعاه باستسلام دون ان تجف دموعه..
كان شقيقه وصديق عمره... كان سنده والكتف الذي يستند إليه وبموته خارت كل دفاعاته!!
وكم تكون الذاكرة شيىا سيىا احيانا..حين تختار الوقت الخطا لتبثك ذكريات ظننتها وئدت بمهدها!! حين تمرر امام عينيك شريط حياتك دون ان تملك القدرة على اغماض عينيك..لا ترحمك ولا تراف لحالك..بل تجلدك بقوة وتقهقه بشماتة..
فالذاكرة قد تحفظ على رفوفها ذكريات لم نتخيل يوما ان تظل مصاحبه لنا العمر باكمله وعالقة بنا كذنب لا يغتفر !!
فلسنا من نحرق الذكريات بل هي من تحرقنا بشدة مخلفة آثارا لا يمحوها لا الزمن ولا العلاج!!
ندوب الذاكرة!!
وذاكرته كانت مشوهة لكثرة الندوب الغاىرة التي تستوطنها من كل ناحية وصوب!!
ذكرياته مع شقيقه،، حواراتهما الدائمة،، نقاشاتهما المستمرة حول السياسة وعالم الاعمال،،تشجيعهما معا لفرق متناقضة،،الاحلام التي رسمها معا وخططا لها خطوة بخطوة فأحالها هو واقعا بخلاف شقيقه!!
حتى من خلافاتهما لازال يذكرها بحاذفرها ولا سيما خلافهما الاخير الذي كان ااسبب الرىيس وراء الفاجعة!!
كان النقاش الذي يسبق العاصفة..عاصفة نزلت على رؤوسهم بابشع صورة!!
النقاش الذي تسبب في قطع علاقتهما بصفة نهاىية ورحيله عن هذا القصر الى الابد!! هادما بقايا جسر ربطهما ببعض لسنوات!!
الخلاف العظيم والملحمي بخصوص زواجه!! زواجه من تلك المراة!!
أنثى الشيطان كما يلقبها «أيهم»..
الارملة السوداء والافعى التي فرقت بين انس وعاىلته!!
الحرباء اللعينة التي القت بشباكها من حوله حتى احكمته!!
لا زال يذكر توسلاته جيدا ولا زالت كلمات شقيقه تخدش اذانه بشدة وتنشب اظافرها بذاكرته دون رأفة!!
توسلاته كي يقنع والدته بالموافقة على هذا الزواج المشؤوم وانضمام تلك اللقيطة الى امبراطورية آل شاهين!!
وكيف رده خائبا حين عارض بشدة دون ان يكثرت لقلب أنس !!
إعتقد وقتها ان رفض العائلة لانضمام الارملة السوداء اليها كفيلا بجعله يعود الى صوابه و يصرف نظره عن فكرة الارتباط بها!!الا ان الامر خالف كل التوقعات وضرب بتنبؤات ايهم عرض الحاىط على طول امتداده!!
فأنس ارتبط بتلك المراة رغما عن انف الجميع وعلى راس اللائحة والدته وشقيقه الصارم حين ولاهم ظهره راحلا عن القصر للابد بعد ان تنازل عن ثروته باكملها لاجل عيون احداهن!!
فعلا الامر كان اشبه بمسلسل تركي او هندي لا زال ايهم عاجزا عن استيعابه!!
الرجل الوسيم والثري يتنازل عن ثروته كاملة من اجل الارتباط بحبيبته الفقيرة!!
الثري والفقيرة اللعوبة القذرة!!
لقد استغلت طيبة قلب انس وعاطفته لتلف شباكها بإحكام وبدهاء يخص بنات حواء دون منازع !!
وقد اصابت الهدف باتقان لا يضاهيه اتقان!!
وهاهو ذا قد عانق التراب باستلام ودموع خيبة وخذلان تتوسد اجفاه المطبقة الى ان يرث الله الارض ومن عليها،، عكس زوجته الماردة التي ستتمتع بثروته الآن وتنشر حقدها وفجورها وسط آل شاهين!!
لكن على جثمانه سيحدث هذا الامر!! لن تدمرهم الارملة السوداء مجددا ولن تفكك شمل العاىلة مهما كادت وخططت!!
وان سحرك لباطل يا امراة امام بطشي ونيران قلبي المستعرة التي ستحيلك رمادا تثنره الرياح بعيدا عن آل شاهين!!
。☆✼★━━━━━━━━━━━━★✼☆。
كانت مراسم الدفن تمر في جو كئيب حزين،، حيث السماء مبلدة بالغيوم مشاركة العاىلة رثائهم بدموع وهمية لا يستشعرها سوى الايهم بشموخه رغم الدمار الملحق بجوفه،، لم يكن جسده سوى مقبرة بشرية لا يستوطن ارضها سوى قبور للذكريات وتوابيت للحنين والوجد!!
حيث المقبرة و على اتساعها مكتظة بالناس سواء آل شاهين وغيرهم يتشحون من راسهم الى اخمص قدميهم بالسواد !!
رجال آل شاهين منتشرون هنا وهناك ببدل سوداء انيقة باهضة الثمن يرددون آيات من الذكر الحكيم بينما انهمك البعض الآخر في اجترار سيرة زوجته التي لم يمزيها احد لحد الساعة ولا حظوا بفرصة لرؤية هاته المراة التي خسر أنس لاجلها العالم!!
المرأة المحظوظة التي حظيت بتضحية لن ينساها التاريخ!!
والتاريخ يعادل آل شاهين!!
فالفضول غريزة بشرية لا تستنثي احدا من ابناء آدم ببنما تعد صفة مميزة لبنات حواء على حد السواء وهذا الفضول المشع من عيون بنات آل شاهين خير دليل على ما اقول!!
فضول يتآكلهم لروية هاته المرأة!!
رغم اختلاف الاسباب والدوافع!!
وعلى رأس القائمة تلك الشقراء الحزينة التي تقف بجسدها الممشوق المسدل عليه فستان اسود مخملي تلامس اطرافه الارضية الترابية رغم كونها ترتدي كعبا!! اناملها المتعانقة بخجل وشرود يتلاىم من نظراتها المتثبة على احدهم دون ان يرف لها جفن!! بينما تلك الخصلات الشقراء الاشبه باشعة شمس صافية تنسدل على جسدها باستلام مخالف لشخصيتها القوية وعنفوانها الأنثوي ،خصلات تثور بين الفينة والاخرى بفعل الرياح لتلامس فكها بدلال قبل ان تتسلل اناملها الرشيقة بخفة لتعيدها خلف اذنها المحمرة بفعل برودة الطقس!!
كانت اشبه بلوحة رائعة الجمال وباذخة الحزن!!
نظراتها الصقرية لا تنزاح من عليه بمشاعر متضاربة،، فبأعماقها تدرك جيدا انه حزين وان كسرته بلغت الصميم الا ان كبريائه يظل شامخا رغم الاحزان،،يظل ذقته مرفوعا بفطرية تزيد من هالة جاذبيته وومامته الملفتة المهلكة لاعصاب بنات شاهين وغيرهن!!! أيهم كان مثالا للكبرياء الرجولي الطاغي والجبل الشاهق الذي يستحيل بلوغ قمته يوما وكم كانت تهوى التسلق!!
نظراته باردة كبرودة الجو تسري بأطرافها صقيعا لا يستشعره سواها،،خصلاته التي تلاعبها الرياح باخلاص وتفان كأم تواسي صغيرها بعد رسوبه في الاختبار ،،غير ان الرياح كانت تواسي صغيرا فقد شقيقه بلحظة طيش وغرور غبيين!!
بدلته السوداء الكلاسيكية تضاعف من خفقات قلبها العنيفة وعطره يخدرها رغم تباثها الذي كان مثالا يحتدى به بين آل شاهين غير ان ايهم زلزل تباثها وهز عرش انوثتها دون سابق انذرا ولا تخطيط!!
بنظرة واحدة ارداها شهيدة لهواه!!
جالت بمآقيها المماثلة للعشب النضر في المكان حيث يتشح الجميع بالسواد كاشباح مخيفة شريرة يصدر منها صوت بكاء وعويل تخالطه شهقات متباينة النبرة والحدة وطبعا النصيب الاكبر من البكاء والعويل كان لصالح «السيدة بهاء» والدة انس.. التي لولا جسد طيف الذي يسندها بين الفينة والاخرى لهوت ارضا حتى تعانق التراب كإبنها المتوفي حديثا !!
الجميع يبكي وينوح ماعداه هو!!
يجول بعينه هنا وهناك بفضول غير مبرر.. اين هي!؟
لابد ان تحضر مراسم دفن زوجها حتى تكمل انتقامها وتثبث للجميع ان لعنتها ستظل ملاحقة لأسرة شاهين الى الابد...
فأنثى الشيطان لا يمكنها تفويت فرصة كهاته لتشمت بهم جميعا!! آه لو يستطيع تمييزها بين الاخريات لخمدت نيران فضوله المستعرة،، لبصق بمنتصف وجهها ولاسمعها كلمات لن تفارق آذانها يوما،،
لكن!!.
كونه لم يسبق له رؤيتها ولا معرفة شكلها يجعل من مهمته شبه مستحيلة كشخص يبحث عن ابرة وسط كومة قش!!
وليته يحرق القش باكمله فقط ليجد الإبرة!!
ومايزيد الطين بلة انه لا يعرف ذوق شقيقه في النساء مما يجعل امكانية ايجادها اعتمادا على حدسه لا تتعدى 1٪
تبا!! لما يرتدي الجميع الاسود بحق خالق السموات السبع!!؟
زفر بضيق وانامله تغوص وسط حقل خصلاته الفحمية الناعمة والطويلة بقوة تكاد تتسبب في اقتلاعها من الجذور.. تبا لسليلة الشيطان هاته التي اخترقت اقدراهم بنية تدميرها لا غير!!
وحين لم تكتف بتدمير حياتهم فقط لجأت الى حياة أنس،،شقيقه المرح ذو الروح الطيبة،، شقيقه الذي سلب حق الحياة دون وجه حق وبكل برودة اعصاب وخلو من الضمير!!
أنس الذي لم يقترف ذنبا سوى انه احبها بكل جوارحه وبكل ما قد تحويه هاته الكلمة من معنى فاستغلت هي الوضع لصالحها فقط دون ان تبالي بحجم الخسارة التي سيتكبدها مقابل الزواج منها!!
ولما ستبالي اساسا!؟
ما خططت له قد بلغته رغم انف العالم والمجرة!!
فليحترق عالم المُثل لاجل سعادتها هي!!
فما اهمية شعور يدق به عضو بحجم المغضة امام سلطان الثروة واغوائها المتقن!؟
لم تكن لتبالي انثى الشيطان تلك،، فالحب لا يمكن ان يقارن بميراث آل شاهين ابدا!!
وهاقد عادت مجددا بخطواتها الاشبه بمراوغات افعى محنكة لا يخطئ سمها مفعوله ولا هدفه !!
ها هي ذي تتسلل الى اقدارهم مجددا لتنفث سمومها هنا وهناك ولتكمل مسار انتقامها الذي خط قبل ثلاث سنوات من الآن!!
عادت لتحيل حياتهم جحيما لكن لا...!!
ليس بعد الآن ايتها الارملة السوداء!!
فالشياطين تجيد التعامل مع امثالها ويستحيل خداعها!!
الشياطين لا تجيد تمويه بني جنسها وها قد تقابلنا أخيرا!!
وسنرى من منا سيخط النهاية بيده اولا!!
و لن أسمح لك ايتها المعتوهة الانانية بتحطبم اسرتي مجددا مهما كلفني الامر ومهما علا السعر!!
يكفي انني بطيشى وتهوري منحتك فرصة لانتشال اخي من بين كنف آل شاهين.. يكفي انني منحتك فرصة على طبق من ذهب لتحقيق مبتغاك!!
وها قد آن اوان اعادة الحقوق الى اصحابها ورد الصاع صاعين واكثر!!
حان وقت الانتقام ايتها الماردة!!
ضم انامله الى قبضته بقوة الى ان ابيضت مفاصله وعيونه اضحت كبؤرتين من الجحيم المستعر الكفيل باحراق المقبرة على بكرة ابيها وبداخله مئات الخطط والتوعدات السرية لتلك الارملة السوداء!!
السن بالسن والبادء اظلم وانت من اعلنت الحرب فتحملي الخسائر يا حرم اخي المصون!!
لم ينتشله من بركان ثورته العاتية تلك وامواج غضبه التي تتقاذفه هنا وهناك دون مرسى الا كف دافى استقر على كتفه العريض مرفقا بصوت مبحوح:«ايهم!!»
إسمه كان كسمفونية عذبة من شفتيها المتورمتين جراء بكاىها الذي لم تعتزله ولو للحظة فدموعها كانت كأنهار بالغة الكرم والسخاء بانسيابها المستمر الجارف على خديها الناعميتن مروررا بغمازيتها البارزتين بشكل لطيف وجميل كملامحها الملائكية المماثلة لايهم بشكل ملحوظ!!
فخلافا لانس،، طيف كانت تملك نفس ملامح اخيها ايهم بلون عيونه الساحر،،باهدابه الكثيفة،،بخصلاته السوداء الناعمة معشوقة الرياح وبغمازيتيه اللتان لا تنجليان الا نادرا!!وربما رحمة بقلوب النساء !!
فيكفي ان يبتسم لتشرق الشمس للمرة الثانية والثالثة والعشرة!!
يكفي ان يبتسم ايهم ليعم السلام ويحل دمار عات بقلوب بنات حواء!!
طيف كانت النسخة الجميلة والانثوية من ايهم!! وهاهي ذي تقف خلفه بقامتها القصيرة التي لا تتعدى منتصف صدره العضلي بعيون حزينة تعانق اهدابها دموع ماسية سرعان ما تناسب على خدها الغض!!
وشهقاتها المكتومة التي يفضحها اهتزاز جسدها بخفة وكذا كتفيها اللذان بالكاد تلامسهما اطراف خصلاتها القصيرة والمصففة بعناية !!
رفعت عيونها الذابلة ناحيته ببطء لتمتزج نظراتها المنكسرة والمتألمة بنظراته الباردة كبرودة الطقس او ربما اشد..بعيونه الحادة الوخالية تماما من اي مشاعر او تعايبير!!
وكم آلمها ذلك؛!
فهاهو ذا يعود الى حال ظنته قد اعتزله منذ شهور،، حين شرعت جراح قلبه في الإلتئام تدريجيا قبل ان تنفجر من جديد وتلوث بدمائها ما سعى جاهدا الى تنظيفه!!
هاهي ذي دماء جراحه تلوث روحه من جديد وتكسوها بطبقة من العفن المخالط للذكريات!!
هاعي ذي خسارة اخرى تذكره بخسارة ام يتخطاها لحد الساعة!!
خسارة جزء من روحه وقلبه!!
اتاها صوته الاجش الحامل لبحة مميزة ونبرة باردة لا تخطؤها الآذان :«مالذي اتى بك الى وسط حشد من الرجال!؟ اليس من المفروض تواجدك الى جانب والدتك بموقف كهذا!؟ الم احذرك من اللحاق بي!؟ فلما تسعين اذن الى اخراج شياطيني من جحورها اللعينة!؟»
أطرقت باسف واعتذار تكفلت عيونها بتبليغه ليردف بنفاذ صبر:«اين والدتي الآن!؟»
تلاعبت بأناملها بتوتر لا تجيد اخفائه لسوء الحظ بينما تطبق شفاهها بقوة حتى تمنع لسانها من القاء القنبلة على مسامعه فتخرج شياطينه حقا دون مبالغة!!
لكن على ما يبدو ان الشياطين كتب عليها مغادرة جحورها اليوم عاجلا ام آجلا لذا لن ترواغ ولن تموه بل ستلقي بالقنبلة على مسامعه وما على الرسول الا اابلاغ:«لا داعي للقلق بشأنها اخي ما دامت بين اياد امينة سترعاها!! اذن ان السائق قد حضر قبل لحظات واقلهما الى البيت!»
- أقلهما!؟ على من تعود «هما» هاته!؟
ردت باختناق و عيونها لا تفارق الارضية الترابية بتوتر وخوف :«والدتي وأوليان!!»
جوابها المرفق بحركات مريبة دفعه الى تضييق عيونه بشك بينما خطواته قد عرفت طريقها ناحية طيف بتأن زاد من توترها واحرق اعصابها واحدة تلو الاخرى بينما ريقها ينساب الى حلقها المتيبس ببطء مقيت كسم تتجرعه على مضض!!
حتما سيقضى على شقيقها ان تمادى في اسئلته هاته!!
ما دام القادم احلى واشد فجاعة!!
«ما بالك اليوم تتفوهين بالغاز لا معنى لها ولا تتلاىم ومزاجي السيء؟!! من تكون اوليان هاته!؟ ولما لم ترافقيهما كعادتك !؟»
بلعت ريقها بتوتر مستشعرة هرمون الادريناين الذي بات يفرز بجسدها بشكل هستيري اكثر من المعتاد مما يكاد يسبب لها دورار لذا حاولت قدر المستطاع تشتيت بصرها عنه وصوتها الخافت ينساب الى مسامعه :«لم اراقفهما حتى اتمكن من اخبارك برحيلنا الى البيت حتى لا نسبب لك قلقا اضافيا انت بغنى عنه!!»
- ظننتك قد سمعت باختراع يدعى الهاتف!! لكن على ما ييدو ان ظني كان
مجرد سراب!!
- نسيت هاتفي بالبيت!!
- وامي!؟
- نسيته هي الاخرى!!
وانا ظننتك ستفكر انه بموقف كهذا لن تفكر الام في تفقد هاتفها!!
زفر بحدة ليهتف بعدها بنفاذ صبر :«حسنا!! لكني ولحد الساعة لم احظى سوى بنصف الجواب !!»
رمقته بتوجس وعيون متوسلة خاب رجائها حين اردف بشك ونظرات المحقق كونان تغزو عيونه:« لم تخبريني لحد الساعة من تكون أوليان هاته!!»
هيا ااخفق ايها القلب بقوة وضخ لي مزيدا من الدم كي يتمكن جسدي من الثباث بعد ان القي القنبلة بوجه اخي دون ان يغمى علي قبلها من شدة توتري!!
حسنا!! اهدئي طيف كل شيء سيكون بخير!!
سأصارحه دون تفكير بالعواقب ولا الجحيم الذي سيحل بالمكان كاملا فطال الأمد ام قصر سيعرف الحقيقة!!
رمقته بنظرات حاولت جعلها طبيعية وهادئة بخلاف دقاتها الصاخبة وصوتها المتهز النبرات ثم ردت بهدوء زاىف:«اوليان هي زوجة انس!!»