الإرث الخفي - الفصل 40 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 40

الفصل 40

أما أرمان فإنه بعد أن رأى ما رآه من مكر الصبي، ولم يجد حيلةً لإنقاذ كينيون، عاد إلى الفندق وهو يرجو أن يرى فيه المرأة فتدله على حنة وسريز، فلم يجد غير جثة كولار سابحة بالدماء، ففتَّشَ بالضواحي فلم يعثر على أحد، فعاد واليأس ملء فؤاده إلى باريس، وعند وصوله لقيه بستيان وأعطاه تقريرًا بعث به أحد رجاله السريين وهذا مآله: إن الرجل المعروف في باريس باسم السير فيليام لم يسافر أبدًا إلى الهافر، بل ذهب إلى بريطانيا إلى صديق له يُدعَى البارون دي مادي. فلما انتهى من تلاوته تأمَّلَ هنيهة ثم قال لبستيان: لم يَعُدْ لديَّ أقل ريب بأن هذا الرجل هو أندريا بعينه، وانه لم يسافر إلى بريطانيا إلا ليجتمع فيها بهرمين ويغريها على الزواج به، فإذا لم تسرع لإنقاذها فهو يبلغ مآربه؛ لذلك يجب أن تسافر في الحال إلى بريطانيا، فتقف على مجرى الأحوال، وتكتب لي كل يوم عمَّا يكون. فسافر بستيان، وكان الجميع يعرفونه في تلك الضواحي، فعلم منهم ما كان من أمر الصيد، وكتب إلى الكونت في اليوم الثاني من حضوره ما يأتي: لم أكد أصل حتى علمت عن أندريا، أو عن السير فيليام إذا أردت، ما تهتم بمعرفته؛ فهو ضيف البارون دي مادي، وقد ذهب أمس إلى الصيد بصحبة البارون وبيرابو وهرمين، فقتل وحشًا هائلًا بطعنة خنجر، وكان ذلك على مرأى من هرمين فأغمي عليها، وهو الآن في منزل مدام كرمارك جالس على المائدة إلى جانب هرمين. ويتحدثون هنا بأن زواجها سيكون وشيكًا. أما أندريا فإنه قد فاز أتم الفوز، وأَنِسَتْ به هرمين فمالت إليه بعض الميل. وكان قد علم بوجود بستيان في كرلوفان فلم يعبأ بذلك، ولكنه كان قلق البال لانقطاع أخبار كولار عنه. وبينما هو عائد ذات ليلة من منزل كرمارك إلى منزل البارون عند منتصف الليل، وهو يسير على جواده في ذلك الممر الضيق الخط، الذي سبق وصفه للقراء، والبدر منير في قبة الفلك يملأ بأشعته ذلك البحر الهائج وتلك الوديان الساكنة، إذ رأى عن بُعْدٍ رجلًا مُقبِلًا إليه يمشي الهوينا، ولما دنا منه انذعر كمَن طلعت عليه أفعى؛ إذ تبيَّن له أنه بستيان ورآه مسلَّحًا وهو أعزل، فتمالك روحه وحيَّاه منذهلًا كأنه يستغرب وجوده في هذا المكان، ثم دار بينهما الحديث الآتي: فقال بستيان: إني أعجب لما بدا منك من الانذهال لمرآي، مع أنك تعلم أني أتيت من باريس. – إني أعلم ذلك، ولكني دهشت لوجودك في هذا المكان عند منتصف الليل. – لأني كنتُ بانتظارك، إن لديَّ ما أقوله لك. – إني مصغٍ، فقُلْ ما تشاء. – علمت أنك تسعى للاقتران بهرمين ابنة بيرابو، وأنك لم تأتِ إلى هنا إلا لهذه الغاية. – ذلك ممكن. – وقد علمتُ أن هذه الفتاة واسعة الثروة. – كلا، فإن مهرها لا يتجاوز الخمسين ألف فرنك، وصل إليها من أمها، وهو مهر لا يكاد يُذكَر. – ربما، ولكنها سترث ثروة طائلة؛ لأن البارون كرماروت قد ترك لها بعد مماته اثني عشر مليونًا كما تعلم. – إنها ثروة واسعة، ولكني لا أعلم شيئًا من ذلك. – نعم، وإنك تعلم أيضًا أن الوصي على هذه الأموال هو الكونت أرمان دي كركاز. فاضطرب أندريا وقال: قلت لي إنك كنتَ بانتظاري، فهل أنت تنتظرني للمباحثة في مثل هذه الشئون؟ وهل في مثل هذا المكان يتباحث الناس؟ – سوف ترى أن هذا المكان يُفضَّل على سواه، فتفضَّلْ بالنزول عن جوادك واجلس معي على هذا الصخر، لأني سأحدثك عن امرأة تعرفها ويهمك شأنها. – مَن هي هذه المرأة؟ – إنك تعرفها يا سيدي حق المعرفة، وهل نسيتَ أنك حبستها في مستشفى المجانين؟ اصفرَّ وجه أندريا وقال بمنتهى الاضطراب: أخرجَتْ من المستشفى؟ فقال بستيان بصوت الهازئ: أرأيت يا سيدي كيف خانك الجلد؟ نعم، إنها هربت من المستشفى، وأتت إلى الكونت أرمان. فصاح أندريا صيحة يأس، وعضَّ على شفته من الغيظ حتى كاد يدميها. فقال له بستيان: أرأيت الآن أن ما أحدثك به شديد الأهمية جدير بالإصغاء؟ فتفضَّلْ إذن بالنزول عن جوادك لنجول في هذا الحديث. وحاول أندريا الامتناع، فأخذ بستيان غدارة من جيبه وصوَّبَها عليه، وهو يقول: تخيَّرْ بين أن تنزل أو تموت. وارتاع أندريا ونزل عن الجواد حذر الموت وقد علم أنه مغلوب. وأسرع بستيان إلى امتطائه وصوَّب الغدارة على أندريا، وقال: إنك إذا حاولت الفرار أقتلك بغير إشفاق، فأصغِ إليَّ الآن. إن باكارا قد أفلتت من ذلك السجن الذي وضعتها فيه، وحدَّثَتِ الكونت أرمان بجميع ما كان من اتفاقكما مع بيرابو، ومن الرسالة التي استكتبتها إياها إلى يوم سرقة المحفظة، واتهام فرناند وهو بريء، والآن وقد ثبت لنا أن الفيكونت أندريا يحاول الاقتران بهرمين، طمعًا بما سترثه من الملايين. – إذن لا تزال تعتقد أني هو نفس أندريا؟ – نعم، ولم يَعُدْ لك سوى سبيل للنجاة مما أنت فيه؛ ذلك أن تعدل عن الزواج بهرمين، ثم تدلنا على المكان الذي خبَّأت فيه حنة وسريز، وتغادر هذا البلد في الحال، وفي مقابل ذلك فإني مكلَّف من قِبَل أخيك الكونت أرمان، أن أنقدك خمسمائة ألف فرنك وإلا فإني قاتلك لا محالة. وصوَّبَ عليه الغدارة مرة ثانية. – إذا قتلتني فإنك لا تعرف أمرًا. – إذن قُلْ أين حنة وسريز؟ فقال أندريا بصوت القانط المغلوب: إنهما في بوجيفال في منزل محاط بروضة واسعة قرب الوادي، وهما في حراسة امرأة تُدعَى مدام فيبار. – احذر من أن تحاول الهرب فإني أقتلك، وإنك ستبقى في هذا الأسر عندي إلى أن أخبر الكونت بما كان، ويكتب لي أنه وجد الفتاتين، وإن كنتَ كاذبًا فيما تقول فإني أقتلك بغير رحمة، والآن سِرْ أمامي إلى كارلوفان. فمشى أندريا وهو لا ينبس بكلمة، وبعد أن هدأ روعه نظر يمنة ويسرة ورأى ذلك الممر، وعلى يمينه البحر العجاج وعلى يساره ذلك الوادي العميق، فقال في نفسه: إن عثرة واحدة من الحصان تكفي أن تلقي براكبه إلى هذه الأعماق. وكان معه خنجرًا، ففطن إليه وجعل ينظر إلى الهوة، وكان الجواد شديد القرب منها، فتظاهَرَ أنه عثر وسقط على الأرض، فاستلَّ خنجره بأسرع من لمح البصر، وطعن الجواد في بطنه طعنة شديدة؛ فصاح ذلك الجواد صيحة منكرة، وهوى براكبه إلى الوادي. فوقف أندريا يشاهد ذلك السقوط ساخرًا وهو يقول: حقًّا إن هذا المكان يُفضَّل على سواه. ورجع أندريا إلى منزل البارون، وبات تلك الليلة قرير العين، وفي اليوم التالي خلا بهرمين وبثها جواه بلهجة يأس وحزن عميق، فألفاها لا تزال معلَّقَة بفرناند، ولكنه أنس منها إشفاقًا عليه لما مثَّل أمامها من القنوط، فأيقن من الفوز؛ لعلمه بأن الإشفاق هو أقرب الطرق المؤدية إلى الحب، وكان يقول في هذا المعنى: إن درجات الحب تتألف من ثلاث هي: عدم المبالاة، والشفقة، والحب، وإن بين هذه الدرجات مسافات تُعَدُّ بالسنين وبالأيام، وقد يحتاج إلى أعوام للوصول من عدم المبالاة إلى الشفقة، وأما من الشفقة إلى الحب فقد يصل المرء بأيام قلائل، وربما وصل بيوم أو بساعة. وفي اليوم الثاني بينما كانت مدام كرمارك جالسةً في قاعة الاجتماع مع بيرابو وتريزا وهرمين، دخل الخادم بجرائد باريس، فأخذت واحدةً منها وتصفَّحَتْها، ثم وقع نظرها على أصل عنوانه «سرقة في الوزارة»، فاسترعت سمع الحضور وقرأت بصوت مرتفع ما يأتي: حدث في الأسبوع الغابر أن أحد عمَّال وزارة الخارجية قد اختلس ثلاثين ألف فرنك. واضطربت هرمين وتبسَّمَ بيرابو تبسُّم الأسف، واندفعت مدام كرمارك في القراءة فقالت: وكان ذلك أن رئيس هذا المستخدم اضطر إلى الذهاب، وأعطاه مفاتيح الصندوق، ولما عاد وجده قد اختلس ذلك المال وهرب، وقد قبضت الحكومة عليه بمنزل خليلته وزجته في السجن. أما هذا السارق فإنه يُدعَى فرناند روشي. فصاحت هرمين صيحة منكرة وسقطت مغميًّا عليها بين يد أمها، وعند ذلك فُتِح الباب ودخل أندريا، فعلم ما حدث لأول نظرة، وأسرع إلى هرمين وأخذ زجاجةً من جيبه ونضح وجهها بما فيها إلى أن أفاقت، وأخذ الجريدة وقرأ ذلك الفصل، ثم ألقاها إلى الأرض وهو يقول: إني أعلم هذا من قبلُ. وبعد ذلك خلا بهرمين في حديقة المنزل، وهي تكاد تجن من اليأس، فقال لها: ما يكون جزائي منك إذا أنقذته من السجن وبرَّأْتُ ساحته أمام الشرع؟ – أني أحبك. ثم ألقت بنظرها إلى الأرض، وقالت: وإن لم أحبك، فإني أرضى بك بعلًا على الأقل. – إذن سأنقذه. – افعل يا سيدي، وهذه يدي لك منذ الآن. – إني مسافر الساعة إلى باريس. – ارحل، وعندما تعود أزفَّ إليك، وأكون امرأتك. فوعدها ورحل في الحال إلى بوجيفال، وكم بلغ من أسفه عندما وصل وعلم من روكامبول ما مرَّ من الحوادث، وكيف كان قتل كولار؛ لأنه كان معتمدًا عليه في إنقاذ فرناند بأن يدعه يعترف أمام القضاة أنه هو الذي ارتكب جرم السرقة، وليس فرناند، ثم خطر له خاطر فقال لروكامبول: أين دفنتَ جثة كولار؟ قال: إنها لم تُدفَن، وهي لا تزال في قبو الفندق. – أصغِ إليَّ. إني أجد على وجهك ملامح الذكاء، وقد رأيتُ أنك تؤثر خدمتي بدليل خداعك للكونت، فوجبت عليَّ مكافأتك، وسأعينك في خدمتي خلفًا لكولار. والآن إني أريد أن يظهر للشرع أن قاتل كولار هو نيكولو وليس أرمان. – كيف يكون هذا؟ – هو سهل هين، ويقتضي أن تشهد مع مدام فيبار أمام القاضي، أنه هو القاتل. فنقده أندريا مبلغًا وافرًا من المال وقال: أعطها هذه الدنانير، فهي تطلق عقدة لسانها، وعُدْ إليَّ في الليل لنذهب سويةً إلى الفندق. فذهب روكامبول ودخل أندريا إلى غرفة حنة التي تركناها قد سقطت على المقعد عندما أُنْبِئَتْ بقدوم أرمان، ولما رأت أندريا داخلًا إليها وهي تنتظر أرمان، صاحت صيحة شديدة ورجعت إلى الوراء. وكان يتوقع مثل ذلك، فدعا بسريز وبجميع الخدم، فساعدوه على إقناع الفتاة أنه هو نفس الكونت أرمان دي كركاز، وأن الذي كانت تحبه باسم أرمان لم يكن إلا خادمه. ثم تركها على أمل العودة إليها بعد أسبوع للاقتران بها، فلبثت حنة حائرة ساهية وخيال أرمان ممثَّل أمام عينيها. أما أندريا فإنه كان يعلم أن لكولار خليلة في لوندرة، فكتب إليها بتوقيع كولار هذه الرسالة: حبيبتي إملي إني سأعود إليك بعد ثلاثة أيام من غير بد، فقد توفَّقْتُ بالحصول على مال كثير نقدر أن نعيش به سعيدين، إن لديَّ الآن ثلاثين ألف فرنك، وإليك بيان السبب في كسب هذا المال، إنه من أغرب المضحكات؛ ذلك أني كنتُ أطوف يومًا بشارع سانت لويس، ولما قربت من وزارة الخارجية دعتني فتاة كانت تسير مع أمها، دفعت إليَّ رسالةً كي أوصلها إلى صاحبها وقد نقدتني أجرتي، وقرأتُ على الغلاف هذا العنوان «فرناند روشي – في وزراة الخارجية»، ففضضت الرسالة وقرأتها، وعلمت أنها من خطيبته التي تُدعَى هرمين تخبره فيها أنها فسخت عقد الخطبة، وسرت بالرسالة وأنا أضحك حتى بلغت الوزارة، وسألت عن فرناند فأدخلوني إليه، وكان وحده في غرفة متسعة، وأمامه صندوق نقود مفتوح، رأيت فيه محفظة فيها كثير من القراطيس المالية، فحدَّثَتْني نفسي بسرقتها، وبعد أن أعطيته الرسالة وتلاها نظرت إليه وإذا بوجهه قد أقتم بظلام اليأس، وخرج من تلك الغرفة وهو يعدو كالمجانين دون أن ينظر إليَّ، فأسرعتُ إلى المحفظة، وأخذت ما فيها من المال، ووضعتها في جيب سترته ثم خرجت أترقبه، ورأيته بعد حين خارجًا من الوزارة، وهو يحمل في سترته تلك المحفظة دون أن يعلم أنه سيكون له مع الوزارة شأن. وقد ظهر للقرَّاء من هذه الرسالة، اعتراف كولار بأنه هو الجاني، وأن فرناند بريء، وقد قلَّدَ فيها أندريا خط كولار تقليدًا رائعًا لا يختلف عن الحقيقة. وبعد أن أتمَّ كتابتها قَدِم إليه روكامبول وأخبره بقدوم مدام فيبار، ثم سار وإياه إلى الفندق، وأخرجا جثة كولار من القبو، ووضعاها في الغرفة التي قُتِل فيها، وأخذ أندريا تلك الرسالة التي كتبها، ووضعها بجيب كولار وقال لروكامبول: اذهب الآن إلى مدام فيبار، وقُلْ لها أن تسرع إلى دائرة الشرطة، وتخبر الرئيس بما كان من قتل كولار، وأن القاتل هو نيكولو، وأن ذينك اللصين كانا يأتيان بكثرة إلى فندقها، وأنها سمعت كولار يقول في تلك الليلة التي قُتِل فيها لرفيقه أنه سيسافر قريبًا إلى لوندرة، وأنها سمعت بعد ذلك دوي الغدارة، فصعدت معك إلى الغرفة ورأيتما كولار ميتًا، وأنذركما هؤلاء بالقتل إذا بحتما. فذهب روكامبول مسرعًا. وعند الصباح ذهبت مدام فيبار إلى رئيس الشرطة، وأخبرته بكل ما ألقاه إليها روكامبول، فقبض على نيكولو، وذهب رئيس الشرطة إلى الفندق، ونظر جثة كولار، وفحص جيوبه، ورأى بها ذلك الكتاب الذي كتبه أندريا، فلما اطَّلَعَ عليه سُرَّ سرورًا مزيدًا لبراءة فرناند التي لم يَعُدْ فيها ريب بعد تلك الرسالة، فأمر بدفن الجثة، وعاد إلى السجن وأطلق سراح فرناند، الذي ذهب توًّا إلى منزل الكونت أرمان، فوجد به ليون وباكارا وأرمان الذي كان قلق البال على بستيان؛ لأنه لم يكتب له منذ خمسة أيام، فقصَّ عليهم كيف كان إنقاذه، وكيف أن رئيس الشرطة اطَّلَع على كتاب في جيب كولار القتيل يعترف به أنه هو السارق، فثبت لأرمان أن كل ذلك صنع أندريا، وأنه لم ينقذ فرناند إلا إرضاءً لهرمين! وفيما هم يتباحثون في هذا الشأن فتح الباب، ودخل خادم قصر الكونت في كارلوفان وعليه ملامح الكآبة، فقصَّ على الكونت حديث موت بستيان المفجع، وأنهم رأوا جثته على شاطئ البحر، وكيف أنهم رأوا جواده مطعونًا بخنجر. فأزبد وجه أرمان وكاد يتميز من الغضب، وأمر بإعداد المركبة وقال: هلمَّ بنا إلى بريطانيا. بعد أن وثق أندريا من نجاة فرناند، وأخبر هرمين وذويها بما كان من إنقاذه وتبرئته، فتنهَّدَتْ هرمين تنهُّدَ القانط المستسلم إلى القضاء، وقالت: لقد وعدتك يا سيدي بالقران، ولا أزال على وعدي. وسُرَّ الجميع بذلك، واتفقوا على أن يكون القران بعد يومين. ولما دنا اليوم المعيَّن احتفل في منزل مدام كرمارك بعقد الزواج بغاية الاحتفاء، وكان الحضور كثيرين، والمنزل يكاد يلتهب بالأنوار، ولم يَبْقَ غير التوقيع على شروط الزواج ليفوز أندريا بتلك الملايين. فبينما المسجل يقرأ تلك الشروط دخل خادم وقال لسيدة المنزل: سيدتي إن على الباب الكونت أرمان دي كركاز مع رفاق له. ثم دخل الكونت فانحنى أمام مدام كرمارك، وقال: عفوًا يا سيدتي إذ جسرت ودخلت إليكم بمثل هذه الساعة، فإني لم أُقدِم على ذلك إلا لسبب خطير؛ إنني يا سيدتي حامل وصية البارون كرماروت الذي توفي منذ شهرين عن ثروة طائلة تبلغ اثني عشر مليونًا. والتفت إلى أندريا وقال: أليس كذلك؟ فاصفرَّ وجه أندريا وقال: لا أعرف هذا البارون، ولا علم لي بشيء من أمر هذه الثروة. ولم يُجِبه أرمان وعاد إلى سيدة المنزل، وقال: أتأذن لي سيدتي بإبعاد المسجل ريثما أبيِّن لكم حقيقةً تجهلونها؟ فذهب المسجل إلى قاعة المدعوين، ودنا أرمان من والدة هرمين وبيده ذلك النوط الذهبي الذي أعطاه إيَّاه البارون كرماروت، فقال لها: أتعرفين يا سيدتي هذا النوط؟ فأخذته تريزا، ولم تكد تراه حتى اختلج فؤادها، وعادت إليها ذكرى تلك الليلة الهائلة، فتورَّدَ خداها بحمرة الخجل، وأرخت نظرها إلى الأرض، وقالت: نعم. فقال لها أرمان بصوت منخفض: إن هذا الرجل قد تاب عن ذنبه، وقد عاقبه الله عقابًا شديدًا، وكلَّفَني بعده أن أسأل له منك الصفح. ثم عاد يخاطب بيرابو بصوت مرتفع، فقال: يجب يا سيدي أن تغيِّر شروط الزواج، فإن السيدة هرمين ليست بابنتك، بل هي ابنة البارون كرماروت وهي صاحبة الملايين. فصاح بيرابو صيحة منكرة، ونظر إلى أندريا فرآه مضطرب كمَنْ صُعِق أو كمَن به جنة. أما هرمين وأمها، فكانتا ترتجفان كورق الخريف يحركه الهواء. ودنا أرمان من أندريا وحدَّق نظره وقال: إني لو تأخَّرْتُ ساعةً لكنتَ زوج هرمين وفزتَ بالملايين. فشمخ أندريا بأنفه وأجاب: لا علم لي بهذه الملايين، وسيان عندي إن كانت عروسي غنية أو فقيرة، فإن لديَّ من المال ما يكفيني ويكفيها. – وأنا أعلم عكس ذلك؛ فإنك كنتَ زعيم لصوص في لندرا، وقد هربت منها إلى باريس، فصبغت شعرك وانتحلت اسمًا غريبًا، ثم علمت من كولار بوصية البارون، وأن هرمين هي وريثته، فنصبت المكايد السافلة للاقتران بها، ولكني وقفتُ على جميع كيدك، ورددته إلى نحرك. ثم نظر إليه نظرة احتقار، وذهب إلى الباب ونادى: فرناند فرناند … فارتعش أندريا وأمسكت هرمين بيد أمها حذرًا من أن تقع، ودخل فرناند ونظر إلى بيرابو نظرةً منكرةً، ودخلت في إثره باكارا وهي بملابس الراهبات فركعت أمام هرمين، فقال فرناند: لسنا الآن أمام المحاكم ولا بحضرة القضاء، بل نحن بحضرة عائلة أنتَ رئيسها لسوء بختها وهي لا تخونك، وأنا أسألك الآن أن توضِّح لها كيف كانت سرقة المحفظة، وأن تعترف بأني لم أسرق المال. ودنت باكارا وقالت: إني يا سيدي كنتُ امرأة خاطئة، وأنا أجتهد الآن بالتكفير عن ذنوبي التي ارتكبتها عندما كنتُ أُدعَى باكارا. ثم قصَّتْ على الجميع سابق حبها لفرناند، وتلك الرسالة التي كتبتها بإملاء السير فيليام وبالاتفاق مع بيرابو. وقال أرمان لأندريا: أرأيت أيها الشرير كيف انتصر الخير على الشر، أسمعت يا أندريا؟ ثم أشار بيده إلى الباب، وقال له بملء الاحتقار: اخرج من هنا. وأخذ بيد فرناند وضمَّها إلى يد هرمين، وهو يقول: إنكَ أهلٌ لها وهي أهل لكَ، فليبارككما الله. فركع فرناند على قدميه، ونظرت إليه باسمةً ودموع الفرح في عينيها. أما أندريا فإنه خرج وعيناه تتوقدان بجمر الغضب، ومرَّ بأرمان فقال: إنك انتصرت أيها الأخ، ولكن ساعتي لم تأتِ بعدُ، وسوف ترى كيف أنتقم. وقالت تريزا لزوجها: أؤمل يا سيدي أن لا تحضر زفاف هرمين، وأرجو أن تذهب في الحال إلى باريس. فخرج بيرابو كما خرج أندريا، واليأس ملء فؤاده. ونهضت باكارا وقالت: وأنا لا أستحق أيضًا أن أحضر هذا الزفاف، فأستودعكم الله، وأدعو للعروسين بالرغد والهناء. ثم حاولت الخروج فأوقفها أرمان وقال لها: تعالي واستندي عليَّ، فإنه مهما كانت ذنوب المحبين كثيرةً وعظيمةً فإن الله يغفرها لهم؛ لأنهم كفَّرُوا عنها بما قاسوه من العذاب. وقال أندريا لبيرابو وقد ركبا مركبة البريد عائدين إلى بوجيفال، تعال معي إن سريز ستكون لكَ وستكون لي حنة.