الفصل 36
ولكي نُظهِر كيف أن باكارا قد جاءت إلى منزل أرمان وهي لا تعرفه، ينبغي أن نعود إلى حيث تركناها مع الطبيب المتصنع تسير في المركبة إلى مونمارتر فنقول: يذكر القراء أنها كانت جالسةً في المركبة بين خادمتها فاني وبين ذلك الطبيب المتصنع، وأنها عندما حاولت أن تستغيث أشهر عليها الخنجر فارتاعت وسكنت، ثم إنها بعد حين همَّتْ أن تثب من المركبة فأمسكها بيديه، وقال لها: اختاري بين أن تكوني في مستشفى المجانين أو أن تكوني في السجن مع المجرمين.
فأجفلت باكارا وقالت: أنا أُزَجُّ في السجن! وأي جرم ارتكبت؟!
– إنك ارتكبت جرم السرقة، فإن لك شركة في سرقة المحفظة المحتوية على ثلاثين ألف فرنك التي سرقها عشيقك فرناند من الوزارة، وقد قُبِض عليه في منزلك.
– إذن فهو بالحقيقة سارق!
– لا أعلم إذا كان هو الذي سرق المحفظة، أو إذا كان أحد أعدائه قد وضعها في جيبه، ولكن الذي أعلمه أن الشرطة قد ألقوا القبض عليه في منزلك حيث وجدوا المحفظة في جيبه بما كان فيها من المال.
– أَوُجِدَ المال عندي؟
– نعم، في غرفتك الذاتية.
فانطرحت داخل المركبة واهية القوى وهي تقول: إلهي ماذا أسمع؟
وعند ذلك وقفت المركبة، ففُتِح بابها ودخل أندريا، وقال لفاني: اصعدي أنتِ واجلسي بجانب السائق، ودعيني أجلس مكانك.
فامتثلت، أما باكارا فإنها نظرت ابتسامَ أندريا السخري، فقالت: لقد عرفتُ من قبلُ أن ذلك من صنعك.
– هذا مما يثبت لي رجحان عقلك، فلا تضيعي مني تلك الثقة فيك، واعلمي أني لا أريد بك ضررًا، وربما اتخذتك خليلة بعد حين، فإنك وافرة اللطف بارعة الجمال، ولكني أسعى وراء أمر خطير، وإن حريتك تعرقل مساعيَّ، وربما كانت عقبة في سبيلي، فاضطررت إلى أسرك مُكرَهًا بضعة أيام من قبيل الحذر والاحتياط، وستُرَدُّ إليك حريتك بعد ذلك، وتعوضين أضعاف ما خسرته.
– أنا لم أُسِئ إليك قطُّ، فلماذا تريد أن تسيء إليَّ؟
– ألَمْ تفهمي بعدُ أني شديد الشغف بك، وقد اضطررت إلى أن أحجبك عن العيون حذرًا عليك.
– مما تحذر عليَّ، فإني لم أسرق المحفظة.
– ولكن السارق وُجِد عندك، والمحفظة وُجِدت في غرفتك.
– يا للخيانة! إنه بريء.
– ربما، ولكن من صالحي أن يكون هو المجرم.
– أنا لا أرضى بذلك، وسأُظهِر مكرك وخيانتك أمام الشرع.
– كيف تقدرين أن تثبتي براءته، وقد وجدته الشرطة في منزلك، وفي جيبه المحفظة والمال، فكأنك بذلك تقودين نفسك بيدك إلى السجن، وتثبتين أنك شريكته في الجريمة، ومع ذلك فإني أخيِّرك بين السجن وبين مستشفى المجانين، وعندي أنه خير لك أن تلزمي السكون؛ فلا مردَّ لما قُضِي به عليك، ولا يمر بك ثمانية أيام حتى تنفرج عندك الأزمة، وتعودي إلى منزلك فلا يحنق عليك البارون.
– أنا كتبتُ له أن ذلك زور وبهتان.
– ومع ذلك فقد ورد اليوم إلى البارون رسالة بخطك، ويظهر أن كاتبها قد أجاد تقليد الخط حتى لم يدع للبارون أقل شك فيها.
فصاحت باكارا صيحة منكرة، وعلمت أنها أصبحت في قبضة هذا الرجل يفعل بها ما يشاء.
وعند ذاك وقفت المركبة على باب المستشفى، فقال لها: لقد تمَّ الاتفاق بيننا على أن تكوني هادئة، وذلك خير لك على ما أبنته.
– ولكن ماذا يجري بفرناند أيحكمون عليه؟
– لا تخافي، فإن فرناند متهم بسرقة، وهذا ما يدعو هرمين إلى ترك حبه والاقتران بي!
– ومتى اقترنَتْ بك فماذا يكون؟
– يكون أنني أبرِّئ فرناند من تهمته.
فصاحت باكارا صيحة الفرح، وقالت: بالله كيف ذلك؟
– هو سري، فاسمحي لي بكتمانه.
– وهم يطلقون سراح فرناند؟
– نعم، ويقترن بكِ!
فتنهدت الفتاة وأحنت رأسها كمَن يستسلم للقضاء، وقالت: افعل ما تريد!
وعندها نزل السائق، وقرع باب المستشفى، وأدخل المركبة إلى ساحته، فنزل أندريا وأقفل الباب على باكارا والطبيب، وذهب إلى رئيس المستشفى فقال: إنني أريد أن أستودعكم فتاة مجنونة تُدعَى أليس هوتية، وهي معشوقتي، وأنا أريد أن أتولى النفقة عليها، أما جنونها فقد أصابها على إثر حادثة جرت لها مع مومسة شهيرة تُدعَى باكارا غارت هذه الفتاة منها على عشيقها حتى اختلَّ عقلها، وأصبحت تزعم أنها هي نفس باكارا.
قال الرئيس: لا بأس، فسنجتهد في علاجها.
فدفع له أندريا أجرة شهر مقدمًا، وانثنى إلى المركبة فأخرج منها باكارا، وقال لها: لقد أصبح اسمك الآن أليس، وإنك مجنونة غيرة من باكارا حتى صرت تعتقدين أنك هي بعينها، وهذا كل جنونك، أفهمتِ؟
– إنكَ شيطان مريد!
– لا بأس، ولكن افتكري بإنقاذ حبيبك.
ثم خاطبها بصوت عالٍ فقال كمَن يملق مجنونًا: تعالي يا حبيبتي أليس لتنظري هذا المنزل الذي اشتريته لك حديثًا.
ثم تأبَّط ذراعها وسار بها حتى أدخلها إلى الغرفة المعدَّة لها، فتركها هناك بحجة أنه يرى الحديقة، وخرج فاستدعى طبيب المستشفى، وقصَّ عليه حكاية جنونها المزعوم، وأنه قد أصابها منذ ثلاثة أيام، ورأى الطبيب فاني تتبع سيدتها فقال: مَن هذه الفتاة؟
– هي خادمة أليس، أفلا يمكن أن تُبقِيها معها تسهيلًا لخدمتها؟
– لا بأس في ذاك، فهو يفيد العليلة.
فعاد أندريا إلى باكارا فوجدها جالسة حزينة، فعزَّاها بلطف وقال: لا تجزعي، فإن حبسك لا يطول، فقد أبقيت معك خادمتك فاني.
– بل أبقَيْتَها جاسوسةً عليَّ.
– أنا ذاهب وسأراك غدًا.
ثم ودَّعها وانصرف، ودخل الطبيب على إثره وهو يقول: اعذريني يا سيدتي إذ دخلت بلا استئذان.
فتقدمت إليه باكارا، وقالت: قد عرفت مَن أنت يا سيدي، فإنك طبيب هذا المكان!
فانذهل الطبيب لرقتها وسكونها، وعادت فقالت: إنني أعلم أيضًا أين أنا، وأعلم أنك قادم لتفحصني.
فزاد انذهال الطبيب من هذا الثبات الذي يدل على العقل.
وعادت باكارا وقالت: لا تحسب أني أرتكب الحماقة التي يرتكبها كلُّ داخل إلى هذا المكان، ويكون أول كلامه لك غير مجنون.
فابتسم الطبيب بسمة الريب، وأدركت معنى ابتسامه فقالت له: أنا أبرهن لك على ذلك.
فجلس الطبيب إلى جانبها، وأخذ يدها وقال: إن داءك غير عضال، وعلاج أيام قليلة يكفي لشفائه.
فنظرت إليه نظرة هادئة، وقالت: أتسمح لي أن أكلمك، وتصغي إلى آخِر ما أقوله؟
– تكلَّمِي يا سيدتي.
– أَلَا يحصل أحيانًا أن يأتوك بأناس عقلاء أصحاء يزعمون أنهم مجانين رغبةً في إخفائهم عن أعين الناس.
فاضطرب الطبيب وقال: ذلك ممكن، فهل أنت من أولئك المظلومين.
فأخذت يده بلطف وهزت رأسها، واستوت جالسة شأن كل امرأة تعوَّدَتِ الدلال واستهواء القلوب، وقالت: اسمع لأقص عليك حكايةً غريبةً ندر أن تسمع بمثلها في هذه الأيام. فعاد الطبيب ظنُّه أنها مجنونة، ولكنه صبر إلى النهاية وأصغى، فقصَّتْ عليه حكايتها بالتفصيل من يوم أحَبَّتْ فرناند إلى يوم إلقاء القبض عليه بتدقيق وبيان غريب، وقالت: إنها مستعدة لتأييد أقوالها بشهادة كل الذين عرضوا لها في هذه الحكاية، ثم دلَّتِ الطبيب على منزلها في شارع مونسي، وسألته أن يذهب إليه ويجتمع فيه بأمها فتتجلى له الحقيقة.
فأثَّرَ كلامها على الطبيب وقال لها: إني ذاهب الآن إلى منزلك، فأفحص الأمر بنفسي، فإذا صحَّ الأمر كما تقولين فإني أكون لك محاميًا لا طبيبًا، وسأعود إليك في المساء، ثم تركها وانصرف.
جلست باكارا في غرفتها تنتظر الأجل المضروب على أحر من الجمر.
وكان أندريا قد قدَّرَ ذلك من قبلُ؛ فاتفق مع مومس كثيرة الدهاء وأقامها بمنزل باكارا، وقد علَّمَها ما تقول، فلما جاء الطبيب حكَتْ له قصة باكارا كما رواها له أندريا، فلم يَعُدْ لديه ريب بجنونها، وعاد إلى المستشفى وهو آسف عليها.
ولما رأته باكارا داخلًا عليها صاحت صيحة فرح، واستهلت حديثها معه بالشكر له والثناء عليه، ثم قالت: إنك قد رأيت أمي ولا ريب، وثبت لك الآن أني غير مجنونة، فجُلُّ ما ألتمسه منك الآن أن تسير معي إلى دائرة البوليس، فتوضِّح مكر السير فيليام، وتنقذ ذلك التعيس البريء من عذاب السجن. وعند ذلك دخلت فاني فنظرت إلى الطبيب نظرة استفهامٍ أجابها على سؤالها بابتسامة حزينة تدل على الشفقة، ثم قال: لقد بدأت بها أعراض الجنون، ويجب أن تستحمَّ بالماء البارد.
فصاحت باكارا صيحة منكرة، وقد سمعت ورأت كل شيء، فقالت: إذن أنا مجنونة حقيقة.
فأجابها الدكتور: لا بأس يا سيدتي، فإن داءك غير عضال، وستنقهين منه بزمن يسير إذا لزمت السكون.
– ألَمْ تذهب إلى منزلي، ألم تَرَ أمي وخدمي فيه؟
– ذهبت يا سيدتي، ورأيتُ فيه باكارا.
ففطنت حينئذٍ لحيلة أندريا، واسترسلت إلى اليأس فهاجت هياج المجانين، ثم هدأت ثورتها، وعاد إليها سكونها، فوضعت رأسها بين يديها، وجعلت تبكي بكاءً مرًّا، وفيما هي على ذلك إذ سمعت الدكتور يقول لفاني: لقد التمستُ من رئيس المستشفى أن يسمح لكِ بالبقاء ليلًا بقرب سيدتك، فأبى عليَّ ذلك، ولكنه سمح أن تزوريها في النهار، وأن تبقي بقُرْبها إلى الساعة العاشرة مساءً فقط. فلم تنبس ببنت شفة، وجعلت تفكِّر بما سمعته من الدكتور عند خروج فاني من المستشفى في كل يوم.
ثم ذهب الدكتور، فبقيت باكارا في غرفتها مع فاني، فنظرت إليها باكارا وقالت: إنك تمثلين روايةً مضحكةً، ولكنها ستكون مفجعةً، وتنالين جزاءَ ما جنته يداكِ.
– ستتأكد سيدتي بعد حين أنني من أشد الناس تعلُّقًا بها، ستُظهِر لها الأيام حقيقةَ ما أقول.
ولما دنت الساعة العاشرة عزمت فاني على الذهاب، فقالت لسيدتها: إنني ذاهبة، وسأعود في صباح الغد، فهل تريدين أن أحضر لك شيئًا معي؟
– نعم، أحضري لي علبة الشغل التي في غرفتي.
– أستودعك الله يا سيدتي إلى الغد.
– إلى الغد. ثم قالت بصوت منخفض، وقد التهبت عيناها بشرر الانتقام: إلى الغد أيتها الخائنة، وسترين كيف يكون جزاء الخائنين.
ولبثت طوال الليل تهيئ في فكرها سبيل الفرار، ولما طلع الصباح عادت إليها فاني بعلبة الشغل، وكان فيها لفافة كبيرة من الخيوط القطنية الثخينة، وكانت قد طلبت العلبة لأجل هذه الخيوط فأخذتها منها، وتظاهرت كل النهار بالبشاشة بما سرَّ الحكيم، ودعاه أن يضاعف لها أوقات الاستحمام، وعند الساعة الثامنة قالت لفاني: إنني أحب أن أنام، فأغلقي نوافذ الغرفة، ورتبي لي السرير. وبينما كانت تغلق النوافذ نظرت إليها باكارا، ثم نظرت إلى نفسها بالمرآة كأنها تريد أن توازن بين القوتين، وأخذت خنجرًا كانت قد خبَّأَتْه في صدرها، ثم هجمت على فاني هجوم الأسد على فريسته، ووضعت يديها في طوقها حذرًا من أن تستغيث، ثم ألقتها على الأرض، فركعت على صدرها، وأشهرت عليها الخنجر وهي تقول: إذا استغَثْتِ أو فُهْتِ بكلمةٍ فإنك ميتة لا محالة.
– عفوًا سيدتي ومرحمة!
فاستعرت مقلتا باكارا من الغضب حتى خُيِّلَ لفاني أن ساعتها الأخيرة قد دنت، وقالت: إنك تقولين إني مجنونة، والجميع هنا يعتقدون بجنوني، فإذا قتلتُكِ لا أُعاقَب بقتلكِ؛ إذ ليس على المجانين حرج. ثم أدنت الخنجر من صدرها وقالت: احذري من أن تفوهي بكلمة وإلا قتلتك بغير إشفاق، واعلمي أنني أريد الخروج من هذا المكان، ولا أحد سواك يستطيع مساعدتي على ذاك.
– كيف أستطيع إخراجك فإن الأبواب مقفلة؟
– إنهم يفتحونها لأجلك؛ لأنك تخرجين كل يوم الساعة العاشرة.
– ولكنهم لا يدعونكِ تخرجين معي.
– أعرف هذا، ولكنك ستبقين وأخرج مكانك، فاعلمي الآن أنني أشد منك ساعدًا، وأنني مسلَّحة بهذا الخنجر، وأنني إذا قتلتك فلا حرج عليَّ؛ لأنهم يحسبونني مجنونة، فاختاري إذن بين الامتثال وبين الموت.
– مُرِي بما تشائين.
– انهضي واخلعي ثيابك في الحال.
فامتثلت فاني وخلعت ما عليها من الثياب.
– أعطني الآن علبة شغلي. فأحضرتها لها وهي تكاد تجن من الخوف، فأخذت باكارا لفافة الخيوط وأمرتها أن تضم بعضها إلى بعض وتجدل حبلًا رفيعًا، فامتثلت، ولما انتهت أخذت باكارا الحبل، وقالت لها: أديري يديك إلى الوراء. ففعلت، وربطتهما باكارا بذلك الحبل رباطًا وثيقًا، ثم ربطت رجليها، وبعد ذلك خلعت ثيابها، فلبست ثياب فاني وقالت لها: قولي لي كيف تخرجين من هذا المكان، وإياكِ أن تكذبي بحرف واحد، فإنني أعود إليك فأميتك شر ميتة، واذكري أنني مجنونة.
– يوجد في آخِر الرواق بابان؛ أحدهما إلى جهة اليسار، وهو الباب الذي يخرج منه المجانين إلى الحديقة، والآخَر إلى جهة اليمين فتخرجين من ذاك الباب إلى رواق آخَر طويل حيث تجدين في آخِر ذاك الرواق بابًا كبيرًا، وهو باب المستشفى العام.
– أَمَا كان يسألك البوَّابُ شيئًا؟
– لم أخرج غير مرة واحدة، وقد سألني مَن أنا، فقلت له أنا خادمة السيدة التي دخلت إلى المستشفى بالأمس، ثم فتح لي الباب فذهبت.
– ألَمْ يتبيَّنْ وجهك؟
– كلا، فإنه فتح لي الباب وهو يقرأ في جريدة، وفوق ذاك فإن النور ضعيف.
وخرجت باكارا بعد أن أقفلت الباب، واستوثقت من صدق فاني، وذهبت في الطريق التي أشارت إليها حتى وصلَتْ إلى آخِر الرواق، فوجدتِ البواب منهمكًا في القراءة، فسألته أن يفتح الباب وهي تقلِّد صوت فاني، ففتح دون أن ينظر إليها، فخرجت وهى تظن أنها تحلم ولم تصدِّق أنها تمكَّنَتْ من الفرار، فجعلت تركض في الشارع المقفر وهي تلتفت إلى الوراء من حين إلى حين شأن الهارب الخائف، ثم وقفت في عطفة الشارع تفتكر أين تذهب، فإنها خشيت من الرجوع إلى منزلها حذرًا من أندريا، ولعلمها أنه رشا جميع خدم المنزل بحيث أصبحوا جميعًا في قبضة يده، وخطر لها أن تذهب إلى عشيقها البارون؛ لأنه هو وحده القادر على إنقاذها وإنقاذ حبيبها فرناند، لما له من النفوذ والوجاهة، فمشت حتى مرت بها مركبة فركبتها، ودلَّتِ السائق على منزل البارون فسار بها إليه.
وكانت كثيرًا ما تأتي إلى ذاك المنزل فتبيت فيه، وقد عرف جميع الخدم أنها عشيقة البارون سيدهم فكانوا يتملكونها ويكرمونها، ولما دخلت أنكر عليها الخدم لباس الخادمات، وحسبوا أنها تريد مزاحًا، فأمرت أحدهم أن يدفع إلى السائق أجرته وهي غير مكترثة بعجبهم، وسألتهم عن البارون، فقالوا: إنه خرج منذ حين. قالت: أتعلمون أين ذهب؟ قالوا: كلا. قالت: حسنًا سأنتظره. ثم ذهبت إلى غرفته الخصوصية وانطرحت على مقعد فيها.
ولما كانت الساعة السابعة دخل عليها البارون فأيقظها، وكان قد وردَتْ إليه رسالة مزوَّرة عن لسانها تخبره فيها أنها سافرت مع أمها وتغيب بضعة أيام، ولما أفاقت من نومها قال مندهشًا: ألَمْ تسافري بعدُ؟
فضحكت وأخبرته بأمرها، وكيف أنهم خدعوها وأرسلوها مجنونة إلى البيمارستان، وكيف خلصت منه، وكيف أقامت مقامها في منزلها امرأة سواها باسمها، وأنها قادمة إليه ترجو مساعدته وإسعافه، وأن يعطيها مبلغًا من المال تستعين به على أمرها؛ لأنها أُخِذت من منزلها ولا مال معها.
فنقدها البارون ما شاءت، وسألها عن الإسعاف الذي تطلب فقالت: هو أن تكتب لي تذكرتين إلى مدير الشرطة، وقاضي التحقيق؛ لأن لي معهما شأنًا أريد أن يسعفاني فيه، وأن يسمعا ما أنصه عليهما منه، وأن لا يسألها أكثر من ذلك، فأطاعها البارون كما هو دأبه وكتب لها ما سألته، فوضعت الرسالتين في جيبها شاكرةً مسرورة، وكانت قد استبدلت ثياب الخادمة بما كان لها من الثياب في منزل عشيقها البارون، ثم ركبت في الساعة الثامنة من الصباح مركبةً، وانطلقت مسرعة إلى مدير الشرطة.
وكان البارون معروف المقام لدى هؤلاء القوم، فلما قرأ المدير رقعته أمر بإدخال باكارا إليه، وكان يهمه أن يراها لما شاع من وجود فرناند عندها، وأنهم قبضوا عليه بتهمة السرقة فاستقبلها وهو يقول: يسرني أن أراكِ يا سيدتي؛ لأن المحكمة تلح عليَّ من يومين أن أقبض عليك، ولكن يُظهِر قدومك لي بنفسك أنني لا أحتاج إلى هذا الأمر؛ لأنني سأعرف منك شيئًا.
– نعم، وهو شيء مهم. ثم قصت عليه في حديث طويل كل حكايتها مع السير فيليام، وكيف اتهم فرناند افتراءً وزورًا إلى آخِر ما يعرفه القراء مما في علمها من هذا الشأن، وبينما هو منذهل من حديثها وغرابة تلك الخدعة قالت: والآن أتسمح لي أن أقابل فرناند في حبسه؟
– ذلك يحتاج إلى إذن قاضي التحقيق.
فأعطته الفتاة التذكرة التي معها باسم القاضي، وأضاف هو من عنده سطرًا، وأرسلها مع أحد الحجاب، ولم يلبث أن جاءه الجواب بالإذن، فأمر الحاجب أن يوصلها إلى سجن فرناند، وسألها أن ترجع إليه بعد نهاية المقابلة.
وكان قبل دخولها عليه بقليل خرج من عنده ليون والكونت أرمان بعد أن أَطْمَعاه بالخلاص من ورطته، ولما دخلت إلى سجنه وجدته في جانب سريره مهمومًا مفكِّرًا، فدَنَتْ منه وطوَّقَتْه بذراعها، فاندهش من مرآها في بادئ الأمر، حتى تبسَّمَ بالرغم عنه كما يتبسم العاشق لمعشوقه المسيء إليه، وينسى إساءته عند أول وهلة من مرآه، ثم خطر له ما وصل إليه من إساءتها واعتدائها، فدفعها عنه بازدراء وقال: أتتبعيني إلى هنا؟
– رويدًا يا فرناند، إنك تكون ذا حق باحتقاري، ولكني أرجو منك أن تسمع لي ما أقول، وأن تعي برهان براءتك من ذلك كما ألقيه عليك.
– أتقرين الآن بأنني غير مجرم.
– بل أقر أكثر من ذاك، أي بأسماء المجرمين الحقيقيين.
– عجبًا! إلى هذا الحد؟
فتنهَّدَتِ الفتاة وغطت وجهها بيديها، وقالت: ويلاه! إنه لا يصدِّقني، ولا يزال يحسبني شريكتهم في الذنب.
وكان في صوتها رنة حنو وحزن رقَّ لها قلب فرناند، وتلطَّفَ معها وقال: ألَمْ تكوني أنتِ الساعيةَ في هلاكي؟
– عجبًا يا فرناند! أيسعى إنسان في إهلاك مَن يهواه؟
ثم ركعت أمامه وشخصت إليه بعينين مغرورقتين بالدمع، وقالت له بصوت الحزين اللائم: إنه لو كان لي عرش لأعطيتك إياه.
وكان صوتها اللطيف ومنظرها المؤثر قد فعلا في قلب فرناند حتى رقَّ لها وأنهضها وهو يقول: صدقتِ، فإن من المستحيل أن تسعي في إهلاكي ما دمتِ تقولين إنك تحبينني، فتكلَّمِي وأفصحي عمَّا تعلمين.
وأخذت يده برفق، وقالت وهي تنظر إليه نظرةً ملؤها الحنو والغرام: عفوًا يا فرناند إذا تجاسرت وقلت لك إنني أهواك، أنا التي لا أستحق أن تهواني ولستُ إلا فتاة ساقطة، ولكن براءتي من ذنبي إليك تستلزم أن أقر لكَ بهواكَ، وما أنكر عليك أنني لستُ أهلًا لكَ، ولا مستحقة لودادكَ، ولكني أسمع أن الحب الحقيقي يظهر من الأدناس ويُصلِح فاسدَ القلوب، ويكون داعي مغفرة وسماح من عند الله الذي يغفِر كثيرًا لمَن يحب كثيرًا.
– نعم؟ ثم ماذا؟
– إني أنا باكارا المرأة الساقطة لدى الجميع، قد شعرت أنني صرت خيرًا مما كنتُ من يوم علق قلبي بهواك، وصرتُ أحسب أنني أصبحت شريفة يوم دخل إلى قلبي شعاع من الأمل بأنك تهواني، ولكن عفوًا إذا انطلق لساني في شكوى الغرام، فإنما أنا قادمة لأجلك وساعية في خلاصك، فاسمع ما أقول لك. ثم مسحت مدامعها وشددت صوتها، وقالت: إن أول مرة رأيتك فيها يا سيدي كنتُ في النافذة عند أختي، وكنتَ أنت في نافذتك، ولكنك لم تكلمني ولم تنظر إليَّ، وأظن أنك لم تشعر بوجودي أيضًا، ولكن ذلك لم يمنعني عن غرامك عند أول نظرة إليك، وعند أول خفوق من فؤادي، عند تلك النظرة فأحببتك، ولكن لا تَسَلْ كيف، إني بكل ما يمكن للقلب أن يحب، ومن تلك اللحظة أخذ الحب فؤادي وعقلي وكل حياتي بأسرها؛ لأنك تعلم أن امرأةً مثلي مارست أصناف الرجال، ولعبت بقلوب الفتيان، واستهوت نفس العاشقين، لا يدخل الحب قلبها إلا اغتصابًا، ولكنها متى أحبت فهي مجنونة هواها لا تحسب فيه للعواقب حسابًا.
ثم عادت فركعت بين يديه، وهو يبسم لها تبسُّم الظافر على المرأة المفتخر بامتلاك فؤادها، وقال: مسكينة أنت.
– قِفْ. لا تشفق عليَّ؛ لأنني لا أستحق منك شفقة ولا رحمة، بل احتقارًا وكرهًا.
– إذا كان الأمر كذلك، فأنا أسامحك وأعفو عنك.
– اسمع فليس ذاك كل الأمر؛ فلقد مرَّ عليَّ يوم مشئوم أخبرتني فيه أختي أنك عازم على الزواج.
فاضطرب الفتى لهذه العبارة، وقال: هو إذن؟ أنتِ التي كتبت …
فقاطعته وقالت: لا لست وحدي، بل أنا وهو.
– مَن هو؟
– هو الوحش الضاري السير فيليام.
– إنني لا أعرف هذا الرجل.
– ستعرف مَن هو؛ فإنني يوم علمت أنك عازم على الاقتران كنتُ في بيت أختي، وكنتَ أنت في نافذتك فتطارحنا السلام، وخرجتَ أنت وكانت مركبتي لدى الباب فركبتها وانطلقت في إثرك حتى وصلت إلى منزل عروسك، فنزلت أنا وسألت عنها، فقيل إنها تُدعَى هرمين، وأن أباها يُدعَى بيرابو، فعدت إلى منزلي حزينة كئيبة تتنازعني الأفكار من كل جانب، ولكن فكر حرمانك من عروسك لم يكن قد خطر لي بعدُ، فقضيت ليلي مسهدة الجفن على فراشي، واسمك يتردد بين شفتي حتى الصباح، فدخل عليَّ رجل، بل شيطان بصورة إنسان يقال له السير فيليام.
فقال فرناند منذهلًا: ولكني لا أعرف هذا الرجل!
– أما هو فقال لي: إنكِ تحبين فرناند، وأنا أحب ابنة بيرابو.
فارتعش فرناند لهذا الخبر، وعادت باكارا وقالت: وإذا بوالد هرمين تقدَّمَ إليَّ من وراء فيليام، وهو يقول لي إنه مغرم بأختي، ثم دخل فيليام معي في حديث طويل كله دهاء وخداع، لم أذكر منه سوى أنه لعب بعقلي واستولى على فكري، وبعت أختي سريز لوالد خطيبتك على أن يمنعك من زواج ابنته.
وهنا أخذت باكارا في البكاء الشديد، وأخذ فرناند يدها وقال: لا بأس، أنا أسامحك.
– قِفْ لا تسامحني الآن، فإنني لم أقل لكَ كل شيء، أما السير فيليام فإنه بعد أن أتم اتفاقنا على هذه الصفقة الخاسرة، أملى عليَّ رسالة إليك أشكو لكَ فيها غرامي، كأنك عشيقي من زمن مديد، وجعلني أهزأ بالفتاة التي ستصير عروسك، وأذكِّرك بأنك وعدتني بأنك لا تسلوني ولو تزوَّجْتَ.
وقاطعها فرناند وقد أخذ يستنير من الأمر، وقال: أكتبتِ كل هذا؟
– نعم، ودفعت الرسالة إلى بيرابو، وقد احتال فألقاها في أرض بيته يوم كنتَ تأكل عنده، بحيث وجدَتْها هرمين بعد ذهابك وقرأت ما فيها.
فجمد فرناند كأنه أصيب بصاعقة، وأدرك السبب الذي دعا هرمين إلى النفور منه، ولكنه بقي جاهلًا أمر السرقة وتدبيرها، وعادت باكارا إلى حديثها: والآن وقد عزمت على إنقاذك، وأن أتهمَّ هذين الشقيين مكانك.
– ولكن اذكري أن أحدهما والد هرمين.
أحنت رأسها وجرت على خدها دمعتان فطرتهما يد الغيرة من أعماق قلبها، وقالت: نعم. إنكَ تهواها، ولكن ما يهمني ذلك فأنا سأسعى في إنقاذك وتلافي ما بدر من إساءتي إليك، وإذا أصبحتَ سعيدًا بعد ذلك بمَن تهواها خفَّفْتَ عني وِقْرَ العذاب.
وتذكَّرَ فرناند عند ذاك زيارة الكونت أرمان وقوله له يجب أن نبحث عن باكارا، فاضطربت أفكاره، وقال: لقد أتاني رجل الآن، ووعدني بإنقاذي أيضًا، وهو يريد أن يراك، وقد كان معه ليون خطيب أختك، ثم خرجا قبل دخولك بقليل، وهو يُدعَى الكونت أرمان دي كركاز، ومنزله في شارع كاترين، اذهبي إليه وانظري ماذا يريد.
فأخذت باكارا رأس السجين بين يديها وقبَّلَته في جبينه قبلةَ عاشق مفارق، وقالت: لا بد من تبرئتك، ولو آل الأمر إلى اتهام نفسي مكانك، وويل لك يا سير فيليام، وكُنْ على حذر. ثم خرجت بعزة وكبرياء كأن غرامها الصحيح قد جعلها عند نفسها من أطهر النساء، وعادت إلى مدير الشرطة وزادته إيضاحًا في الأمر، ووعدته بأنها لا تخرج من باريس، وأنها مستعدة لإجابة الحكومة عند استدعائها. ثم ذهبت إلى منزل الكونت أرمان فدخلت عليه وهو يقول لليون: لا يمكن أن تنحل هذه الدسيسة إلا إذا قابلنا باكارا.
ولما رآها ليون داخلةً وثَبَ إليها وهو يقول: أين سريز، وماذا فعلتِ بها؟
فاصفرَّتِ الفتاة وقالت: أليست في منزلها؟
– لا، لقد فُقِدَتْ منذ ثلاثة أيام.
– ويل لهم لقد خطفوها!
– ومَن هم!
– السير فيليام وبيرابو.
ولما لفظت اسم فيليام نظر أرمان إلى بستيان، وقال: أرأيت أنني عرفته وهو أندريا بعينه.
ثم سكت ليون، وأخذ بيد باكارا، وقال: تكلمي ولا تخافي، نحن من أصدقائك.
وقصَّتْ عليه القصة التي حكتها لفرناند، فارتجف الكونت من هول ما سمع وقال: قد وضح الأمر الآن، فإن يد أندريا في كل هذه الأمور ولا أقدر عليها منه، وهو قد عرف أن بنت بيرابو هي ابنة كرماروت، وقد اتفق مع بيرابو على هذا الأمر، وكلاهما مشتركان في هذه السرقة التي اتُّهِم بها فرناند.
ثم صرف باكارا وهو يقول والغيظ يحنقه: احذر أيها الأخ العزيز، فقد فُتِحت بيننا حربًا لا هدنة فيها ولا شفقة.