الفصل 35
بينما كان السير فيليام مُجِدًّا في الاستيلاء على قلب هرمين، كان أرمان يبحث مع ليون وبستيان عن حنة وسريز، وقد فرَّق رجاله الخفيين في جميع أنحاء باريس، فلم يقفوا لهما على أثر. وكان أرمان شديد الحزن لبُعْد حنة، وكان يبكي لفرقها البكاء المر، وفي اليوم الرابع من اختطافها كان جالسًا في منزله وهو مشتَّت البال ضائع الرشد، فدخل عليه ليون رولاند الذي أصابه من فقد سريز نفس ما أصاب أرمان، وقال له: يظهر يا سيدي الكونت أن الشقاء قد أحاط بجميع معارفي، وإن لي صديقًا طاهر الأخلاق أحبه كأخٍ وقد رزئ بمصاب.
– مَن هو هذا الصديق؟ وما أصابه؟
فأعطاه ليون رسالة مفتوحة، وقال له: اقرأ يا سيدي الكونت.
فقرأ أرمان ما يأتي:
صديقي العزيز ليون
إنك الرجل الوحيد الذي أقدر أن أكتب إليه، وأسأله مساعدة وعزاء، فإني كنتُ يومَ آخِر عهدي بلقاك من أسعد البشر؛ لقرب اقتراني بمَن أحب، وكنتُ محترَمًا في عيون الناس، أما اليوم أيها الصديق فإني مطرود من خدمتي، متَّهَم بالاختلاس، منطرح في أعماق السجن، ولا أعلم أين يقذفون بي بعد الحكم عليَّ. فتعال أيها الصديق لأراك المرة الأخيرة، فإن الشقاء سيقتلني، وأظنني أموت قبل صدور الحكم، محبك.
فرناند روشي
فلما أتم أرمان قراءة الرسالة سأل ليون عن فرناند، فقال له: إنه مستخدَم في الوزارة الخارجية، وإنه في السجن منذ أربعة أيام.
– بأي ذنب قد سُجِن؟
– لا أعلم، ولكني أقسم أن فرناند لا يمكن أن يجترم ذنبًا يُعاقَب عليه بالسجن والطرد.
– أين منزله؟
– هو ذلك المنزل المقابل لمنزل سريز.
– أكان له معرفة بحنة؟
– ربما، فإنه كان يراها كثيرًا مع سريز.
– إن كان ذلك فهو من الغرابة بمكان؛ فإن أربعة أشخاص متعارفين قد احتجبوا تقريبًا في وقت واحد، مما يدل على أن يدًا واحدة قد وضعت هذه الحوادث، ولكن لماذا ولأية غاية؟ ومَن هو الفاعل؟ إن ذلك من الأسرار المغلقة التي يصعب حل رموزها، فَلْنذهب إلى فرناند عسى أن نقف منه على شيء.
ثم ذهب الاثنان إلى السجن، واستأذنا بزيارة فرناند فأُذِنَ لهما، فلما شاهده أرمان حنَّ إليه قلبه، وهاجت به عواطف الشفقة؛ لما رأى على ملامحه من اليأس والانفعال، فقال له: إنك لم ترني قبل ذلك ولا تعرفني، ولكن سأهتم بشأنك وآخُذ بناصرك لأسباب لا يمكن التصريح بها الآن، ولأني أعتقد ببراءتك، غير أني أحب أن أعرف بالتدقيق بما يتهمونك وكيف أنت هنا.
فقال فرناند: إنهم يتهمونني باختلاس ثلاثين ألف فرنك من صندوق الوزارة الذي كانت مفاتيحه معي. ثم قصَّ عليه حكايته من حين ائتمنه بيرابو على المفاتيح، وكيف أعطاه كولار الرسالة من هرمين، إلى أن قُبِضَ عليه بمنزل باكارا.
ولما انتهى من حكايته نظر أرمان إلى ليون وقال: لم يَبْقَ لديَّ ريب بأن اتهام هذا الشاب بالاختلاس، واختطاف حنة وسريز صُنْع يد واحدة، وقد صار يجب أن أرى باكارا.
فقال ليون: وا أسفاه! هي أيضًا قد احتجبت، ولا يعلم أحد بمكانها.
فقال فرناند: وإن الأغرب من ذلك وجود المحفظة في جيب سترتي التي كانت معلَّقَة في منزل باكارا، وأنا لم أمسها على الإطلاق.
فقال أرمان: ثِقْ أيها الشاب أن الحقيقة ستتضح عن قريب، وإنه يهمني حل هذا اللغز أكثر ما يهمك، فأخبرني الآن عن خطيبتك هرمين أهي جميلة؟ فأجابه فرناند ببساطة: لا أعلم، ولكنني أحبها.
– هل هي غنية؟
– كلا، وفوق ذلك فإن بيرابو لم يسمح بقراني بها إلا على شرط أن تُجرَّد من مهرها الذي يصل إليها من أمها، وأن بيرابو ليس بأبيها.
– هل تزوَّجَتْ أمها مرتين؟
– كلا، ولكنها قد ارتكبت هفوةً في صباها، وإن والد هرمين غير معروف.
فتذكَّرَ أرمان تلك الرسالة التي أتته من قبلُ، وكان بها أن امرأةً تُدعَى تريزا قد ارتكبت هفوةً في مارلوت، فولدت بنتًا ثم تزوَّجَتْ برجل مستخدَم في الوزارة في باريس، فقال في نفسه: أَلَا يمكن أن تكون هي تلك المرأة التي بحثت عنها منذ حين؟ وقد علم من فرناند أن والدة هرمين تُدعَى تريزا، فتأكَّدَ لديه أنها ابنة البارون كرماروت صاحب الملايين المؤتمن عليها، وقال في نفسه: إن هذه الحادثة ستكشف لي جميع هذه الأسرار.
ثم ودَّعَ فرناند وقد وعده بأن يزوره في اليوم الثاني، ولم يذكر شيئًا من أمر ذلك الإرث الخفي الذي ستحصل عليه هرمين، وذهب مع ليون إلى منزله، فأخذ ذلك النوط الذي أعطاه إياه البارون كرماروت وهو على فراش الموت؛ ليكون كعلامةٍ يعرف بها صاحبةَ الإرث على ما تقدَّم في موضعه من سياق هذا الحديث كما يذكر القراء.
وقد عزم على أن يذهب إلى منزل بيرابو فيتحقق الأمر، ثم عدل عن ذلك بغية التأني، وقال لليون: لا ريب عندي ببراءة فرناند، وأن الرجل الذي رماه بهذه التهمة يريد أن يتزوج بهرمين، ولكن إذا صحَّ ذلك ألَمْ يقدر ذلك الرجل أن يفسخ بينهما عقد الخطبة بغير هذه الواسطة، وبعدُ فكيف أن فرناند بعد أن أُغمِي عليه في الطريق وُجِد في منزل باكارا التي هي أخت سريز، وكيف أن باكارا وسريز وحنة قد احتجبن تقريبًا في يوم واحد؛ إن ذلك يدل على أن فاعل هذه الفعلة لم يدفعه إليها الغرام وحده، بل له بذلك مآرب أخرى، وربما كانت مآربه عظيمة، فإذا صحَّ أن مدام بيرابو هي التي أبحث عنها من زمن طويل، فستكون ثروة ابنتها ١٢ مليونًا قد ائتمنني عليها البارون كرماروت، ولا أحد غيري يعلم هذا السر، أيمكن لذلك الذي ألقى التهمة على فرناند بقصد إبعاده عن هرمين أن يكون عارفًا بهذا السر، وكيف يتاح له معرفة ذلك، وهَبْ أنه عرف بذلك الإرث الخفي، وأن هرمين هي الوارثة، فما السبب في اختطاف سريز وأختها وحنة.
فقال ليون: أظن أن باكارا هي التي فعلَتْ كل ذلك، فإنها مشغوفة بفرناند.
– ذلك لا يمكن أن يكون، فإنها إذا كانت تحبه فهي لا تريد له ضررًا، وما أظنها إلا آلة قد أدارتها يد قوية، ولا أحد سوى باكارا يقدر أن يفيدنا عن ذلك المجرم، فيجب أن أرها من غير بد مهما تجشمت من المشاق.
ثم أطرق مليًّا، فطرأت على باله حنة، وتذكَّرَ ابتسام السير فيليام السخري، فطار فؤاده شعاعًا وقال: كل ذلك من صنع أندريا.
وللحال دعا بستيان وقال له: أَلَا تزال واثقًا أن السير فيليام هو غير أندريا؟
– لا ريب عندي في ذلك، فقد امتحنته بغاية التدقيق.
– ولكن قلبي يحدِّثني بأنه هو بعينه، لا بأس من أن تنظره مرةً ثانية، فإنك مديون له بزيارة، فاذهب الآنَ إليه على الفور، واجعل حديثك معه على غاية التودد، واجتهد أن تدعه يُكثِر من الحديث، فقد رابتني لهجته التي يستشف منها المدقِّق أنها فرنسية محضة.
فذهب بستيان، ثم عاد بعد قليل، وقال: إنه غادر باريس، وقد قال لي خادمه إنه ذهب إلى أيرلندا، وسيعود إليها بعد خمسة عشر يومًا.
فارتاع أرمان وخشي أن يكون هذا الذي اختطف حنة، وسار بها إلى تلك البلاد.
وكان قد أرسل ليون إلى منزل بيرابو فعاد أيضًا مسرعًا، وقال: إن مدام بيرابو قد سافرت مع ابنتها إلى بريطانيا من يوم قُبِض على فرناند.
فضرب على جبهته بيده، وقال: أُقسِمُ أن كل ذلك من صنع أندريا.
وفيما هو يتمايل إذ دخل خادم غرفته وقال له: يا مولاي، إن امرأةً على الباب تقول إنك تعرفها وهي تطلب أن تراك.
– لتدخل.
فلما دخلت ورآها صاح صيحة انذهال وقال: هذه باكارا.