الإرث الخفي - الفصل 31 - بقلم بونسون دو ترايل - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الإرث الخفي
المؤلف / الكاتب: بونسون دو ترايل
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 31

الفصل 31

(٢٤) الوعود لقد تركنا سريز مغميًّا عليها في منزل مدام فيبار، وبعد أن أفاقت من إغمائها نقلتها إلى غرفة عالية حسنة الأثاث، ثم تركتها ومضت في شأنها بعد أن أقفلت الباب عليها، وكان أول ما بدأت به سريز بعدما رأت نفسها وحيدة بهذه الغرفة، أنها أسرعت إلى الباب وحاولت فتحه والخروج، ولكنها رأته مقفلًا فأخذت تصيح وتستغيث، ولكن لم يجبها غير الصدى، ولما لم تستطع شيئًا أخذت تبكي بكاء الأطفال. وعند الظهر دخلت عليها مدام فيبار بآنية طعام فرفضت أن تأكل، فتركتها وخرجت فأقفلت الباب من المخارج، وفي المساء عادت إليها بالطعام فرفضت أيضًا، فلم تكترث مدام فيبار بذلك، وفعلت نفس ما فعلته عند الظهر، وفي اليوم الثاني تغدت بالقليل من الطعام، وأرادت أن تخرج من الغرفة، فمنعتها العجوز وعاملتها أسوأ المعاملة. ومضى على سريز في ذلك المجلس ثلاثة أيام حتى نضب الدمع من عينيها، وكادت تجن من اليأس، وفيما هي ذات يوم متَّكِئَة على النافذة فُتِح باب غرفتها ودخل منه السير فيليام، فلما رأته صاحت صيحة رعب شديدة، وركضت منذعرة إلى آخِر الغرفة كمَن تريد الهرب. أما السير فيليام فكان هادئًا مبتسمًا، وقد تكلَّفَ هيئة اللطف والاحترام، فرفع قبعته وانحنى مسلِّمًا بمنتهى الأدب، وقال: اطمئني يا سيدتي، فإني رجل شريف. فلبثت بمكانها تنظر إليه نظرة القلق والريبة، وقد ذهب عنها بعض ذلك الرعب، فقال لها بصوت رقيق: أصغي إليَّ يا سيدتي، فإني سأخبرك بما لا تعرفينه. – أيمكن يا سيدي أن تكون أنت الآمِر بجميع ما كابدْتُه من المتاعب والإهانة؟ فتصنَّع أندريا الغضب وقال: مَن الذي جسر على ذلك؟ – تلك العجوز الشمطاء، التي قالت لي أنهم أَتَوا بي إلى هذا المكان بقصد أن … فقاطعها أندريا وقال: كل ما قيل لك كذب وزور، وسأنتقم لك. فقالت سريز وقد تهدَّجَ صوتها وأجهشت بالبكاء: إني أسيرة في هذه الغرفة منذ ثلاثة أيام، ولم أعلم شيئًا عن … فلم يَدَعْها تتمم وقال: تريدين أن تقولي إنك لم تعلمي شيئًا عن خطيبك ليون رولاند … اطمئني، ولينعم بالك فإن خطيبك يستحق حبك، وسأجعل لك مهرًا يتسع فيه حالكما بحيث تعيشان على أتم السعادة. فتنهدت سريز تنهُّدَ الفرح، وقالت: لم أكن أصدِّق أبدًا يا سيدي ما كانَتْ تقوله لي هذه العجوز. – ماذا كانت تقول لك؟ – إنه لم يُؤتَ بي إلى هنا إلا بأمرك … لأنك شاب واسع الثروة، وأنا صبية فقيرة … – فتظاهر أندريا أنه التهب من الغيظ، وقال: أنا الكونت أرمان دي كركاز، أرتكب مثل هذه الدناءة! – أنت يا سيدي هو الكونت أرمان دي كركاز؟ – أجل يا ابنتي، وقد عرفت خطيبك ليون بواسطة خادمي بستيان الذي قد رأيته ولا ريب، فهو ذلك الرجل الذي أنقذكم من أخصامكم في فندق بلفيل. – أجل، أجل، إني أذكر ذلك وقد عرفته. – إذن فأصغي إليَّ ولا تخشي أبدًا، فإنك حسناء فاضلة وكذلك ليون، فهو أهل لك، وأنا سأكون لك بمثابة أب أو أخ، فإن مدام فيبار قد قالت شيئًا من الحقيقة، وهو أنه قد أُتِيَ بك إلى هنا بأمري، ولكن ما قالته لك من أني أريد غوايتك إفك وبهتان، والذي يجب علينا الآن هو إنقاذ ليون وحنة. فصرخت سريز بمنتهى الانذهال: حنة! – نعم، حنة دي بالدر التي أحِبُّها حبًّا مبرحًا، والتي ستكون امرأتي في أقرب حين، فإنها أصيبت أيضًا بنفس ما أُصِبْتِ به أنتِ، وإني أراك شديدة الاضطراب لهذه الحوادث الغريبة التي تمر عليك كألغاز، فأصغي لي أوضِّحها لك، فَلْنبدأ بك أولًا ثم نعود إلى حنة، فأنتما قد أُصِبْتُمَا بمصاب واحد. إنك تحبين ليون وهو يحبك، وقد كنتما اتفقتما على أن يكون قرانكما بعد خمسة عشر يومًا، وإن لك أختًا شقية بغيًّا باعتك بيع السلع إلى رجل غني قادر على أن يقتحم أشد الأمور، وهذا الرجل هو بيرابو رئيس القلم في الوزارة، وهو الذي أنقذتك منه، واضطررت إلى نقلك هنا كي تكوني بمأمن من كيده ريثما يُدعَى إلى المجلس ويُحاكَم بما جنت يداه، وهو لا يستطيع أن يأتي إليك وأنتِ في هذا المكان، أفهمتِ الآن؟ – فما الذي دعاك أن تعاملنا بمثل هذا الإحسان؟ – إني رجل واسع الثروة، وقد أوقفتها لصنع الخير ودفع كل شر، ولديَّ رجال صادقون أبثُّهم في جميع الأنحاء، فيُطلِعوني على كل شيء، وهم الذين أعلموني بما كان بين أختك وبيرابو من الاتفاق بشأنك، والآن فأصغي إليَّ فإني أكلمك عن حنة. ثم وضع يده على قلبه، وقال: إني أحبها حبًّا ليس فوقه حب، وقد كانت معرَّضة لخطر يشبه الخطر الذي كنتِ أنتِ معرَّضة له؛ ذلك أن بستيان خادم غرفتي قد انتحل اسمي وتقدَّمَ إليها باسم الكونت أرمان دي كركاز. فقالت سريز بانذهال: بستيان الذي كان معنا في بلفيل؟ – أجل، هو بعينه وقد توهمتم يومئذٍ أن الصدفة قد بعثت به إليكم لإنقاذكم من ذينك اللصين اللذين لم يكونا إلا رفيقيه، والسبب في ذلك أن بستيان هذا قد رأى حنة، واقتفى أثرها مرارًا، وعلق بها، فاتفق مع شريكَيْه عندما رأى حنة ذاهبة معكم إلى بلفيل، ومثَّلَ هذه الرواية المضحكة التي تعلمينها، بحيث اضطررتم بعدما شاهدتم من شهامته أن تدعوه إلى ذلك العشاء، ثم ذهبتم إلى منزلكم فاغتنم هذه الفرصة لإيصال حنة، التي سرَّها ما رأته فيه من الشهامة إلى منزلها، وإنك لا تعرفين هذا الرجل إلا بالنظر، أما أنا فقد عرفته بالخبر، فهو أهل لكل شيء، فلما رأى ميل حنة إليه انتحل اسمي فتسمَّى بأرمان دي كركاز، وأعطى اسمه لرجل كَهْل استأجر منزلًا باسم بستيان بجوار منزل حنة، فتعرَّفَ هذا الرجل بها، وأخبرها أنه كان له سابق صداقة مع أبيها، فلما وثقت به أخذ يخبرها عن ميل الكونت دي كركاز إليها، ويحدِّثها بشهامته ومكارمه، ثم زارها ذلك الخائن المتلبس باسمي، وأظهر لها ما يؤيد كلام شريكه المنتحل اسمه، فأحبته عندما تأكَّدَ لها أن حبَّه شريف، وأن ما وراءه إلا الاقتران. فاضطربت سريز وقالت باشمئزاز: ذلك محال! فإن مثل حنة دي بالدر لا يمكن أن تحب خادمًا. – وإنها كانت تحسبه الكونت أرمان، وهو حسن الظواهر، فخُدِعت به وقد أُطلِعت على هذا السر الغريب اتفاقًا؛ لأن خادمي هذا كان يفتخر أمام رجالي بأن حنة دي بالدر تحبه. وإذا كنت أحبها حبًّا شريفًا طاهرًا، كمَن يحب الفتاة التي سيتزوجها، ورأيت أنها قد تدلَّهَتْ في حب ذلك الخائن الذي كان يتلبس باسمي، فقد أسقيتها مرقدًا، وجئتُ بها في الليل إلى هذا القصر بعد أن كتبتُ لها كتابًا بغير توقيع. فصرخت سريز بفرح: أهي هنا الآن؟ – أجل وسترينها، فهلمي معي إليها. ثم أخذ بيدها وخرجا من الغرفة سوية، وفيما هما في طريق الروضة صادف مدام فيبار، فنظر إليها شذرًا وقال لها بقساوة: إن زوجك كان رجلًا صادق الخدمة، وإني أراك على عكس ذلك، فإني عهدت إليك الاعتناء بهذه الفتاة فأوسعتها شتمًا وسبابًا، وعاملتها أسوأ معاملة؛ لذلك أكتفي بطردك. وفيما هو يقول ذلك أشار إليها بطرف خفي ففهمت مراده، وانصرفت وهي تتكلف هيئة الكدر. ولما وصلا إلى غرفة حنة قال لسريز: أصغي إليَّ جيدًا، فإن حنة لا تزال نائمة ولا تستيقظ إلا عند الساعة العاشرة، عندما أكون سافرت؛ لأني مضطر إلى التغيُّب ثمانية أيام في قضاء بعض الشئون المهمة، وإنك ستقيمين معها إلى أن أعود بحيث تكونين بمأمن من أختك الخائنة، ومن مطاردة بيرابو اللذين سينالان من العقاب ما يكونان فيه قدوة لسواهما، وإني سأكتب لها كل يوم وستقعين على رسائلي إليها، فلا تُظهِري لها سوى أن الذي يحبها الحب الأكبر هو الكونت أرمان دي كركاز، وليس ذلك الخائن بستيان، وإني أرجو أن يكون لرسائلي تأثير عليها، فتمحو من قلبها حب ذلك السافل. فنظرت إليه سريز متعجبة وقالت: كيف لا تنسى حبه بعد أن تعلم بدناءته، ولا يقتضي لأن تهواك إلا أن تراك. – إذن أودعك على أمل اللقاء القريب، فإني مضطر إلى السفر، ولا يوافق أن تراني الآن. – قُلْ لي بالله متى أرى ليون؟ – لا أقدر أن أفيدك بالتدقيق، ولكن ثقي بي واصبري قليلًا، وإني أقسم لك أنك ستزفين إليه بعد خمسة عشر يومًا. ثم تركها وقلبها مفعم بالأمل، وانصرف فلقي كولار بانتظاره فقال له: لقد تم كل شيء وفق المراد، فإني لم أسرق امرأة أرمان فقط، بل قد سرقت اسمه ايضًا، والآن فَلْننظر في شأن الملايين؛ إذ قد شفيت نفسي من الانتقام. – هذه هي النقطة المهمة. – وأنا من رأيك، والآن فإني مسافر إلى بريطانيا لأقترن بهرمين. وهكذا، فإن أندريا قد انتصر بجميع أعماله؛ فإنه سجن فرناند، واستولى على حنة وسريز، ووضع باكارا في مستشفى المجانين، بحيث لم يَعُدْ في وسع الكونت أرمان دي كركاز أن يجد الوارث لملايين البارون كرماروت.