الفصل 30
(٢٣) المبارزة
لندَعْ حنة الآن تعيد تلاوة هذا الكتاب الغريب، وَلْنعُدْ إلى أرمان وبستيان، فنقول إنهما خرجا من منزل بستيان، وذهبا توًّا إلى منزل أرمان حيث دخلا إلى قاعة السلاح، وامتحن أرمان بستيان بلعب السيف فوجده متين الساعد، ولكن لعبه قديم لا ينطبق على القواعد المقرَّرة في هذا العصر بما جعله في قلق عليه، ثم دخل كلٌّ إلى غرفته وناما باكرًا، وعند الساعة السادسة استيقظ أرمان فأيقظ بستيان، وقال له: هلم بنا الآن؛ إذ يجب علينا أن نصل قبلهم، فإن الفرنسيين لا يتأخرون.
ثم ذهبا إلى غابة بولونيا، فلم يلبثا هنيهة حتى قدم مسير فيليام مع شاهديه، وفيما هم في المركبة نظر إليهم أرمان، فاختلج واضطرب عندما رأى أندريا، وأشار إليه وهو يقول لبستيان: هل أنت واثق من أنه ليس أندريا بعينه؟
– إنني على أتم الثقة كما ثبت لي بعد الامتحان.
ثم وقفت المركبة ونزل أندريا منها مع شاهديه، فتبادلوا التحية، ودار بين أرمان وشاهدَيْ أندريا الحديث الآتي:
قال أرمان: نحن الآن يا سيدي في موقف حرج يتيح لنا المداولة بصراحة وجلاء، فلا يؤخذ كلامنا في غير مأخذه بما يمكن أن يتناول منه مس كرامة أو ظن، لسوء قصد، وإنني أستأذن منكما فألقي عليكما هذا السؤال: أتعرفان السير فيليام من زمن طويل، وهل تعتقدان أنه أيرلندي؟
– إننا نعرفه منذ شهرين، وقد اطَّلَعْنا على أوراقه العائلية، فهي تُثبِت أنه السير فيليام وأنه أيرلندي.
– لم يَعُدْ عندي ريب في ذاك، وإن كان الشبه عظيمًا بينه وبين أخي. والآن فإنني أرى أسباب البِرَاز طفيفة جدًّا بحيث يجب التساهل فيه، لا سيما وأن التباين شديدٌ بين سني المتبارزين.
– ونحن الآن على رأيك؛ لذلك نقترح أن يكف عن المبارزة عند أول جرح، وأن لا يقصد أحدهما قتل الآخَر.
– ليكن ما تريد، وليسرع في القتال.
فخلع المتبارزان سترتيهما وفحص الشهود السيفين، ثم أعطيت الإشارة، فبدأ العراك، وكان بستيان شديد الهياج في القتال خلافًا لأندريا الذي كان يقاتل بأتم السكون، كأنه يريد أن يقلِّد الإنكليز بجميع حركاتهم. أما أرمان فإنه علم لأول وهلة أن بستيان دون خصمه، يفضله بالثبات وقوة الساعد، ولم يمضِ على مبارزتهما خمس دقائق حتى صحَّ ظن أرمان، فإن أندريا دحر بستيان ووضع سيفه بصدره، فعفى عنه، ولم يدع الحسام يصل إلى جسمه، فأوقف أرمان القتال، ولم يَعُدْ لديه أقل ريب بأن السير فيليام هو إيرلندي، بدليل ما رآه من عفوه عن بستيان بعد المقدرة عليه، وهي شهامة لا يعرفها أندريا.
وبعد أن أوقف القتال واعترف بستيان بأنه مغلوب، تقدَّم أندريا وصافحه، ثم أشار إلى الحضور فقال: اسمحوا لي الآن أيها السادة أن أُظهِر لكم السبب الذي حملني على البِرَاز بعد أن قدَّمَ لي خصمي من الاعتذار ما هو كافٍ. ذاك أنني كنتُ يومًا جالسًا في أحد المنتديات مع بعض مواطنيَّ، فدار بيننا حديث عن البِرَاز فأنكره مواطنيَّ وقالوا إن الشرفاء لا يتبارزون، أما أنا فقد اعترضت عليهم، وأثبت وجوب المبارزة، وأخذت أترقب الفرص كي أثبت ما قلته بالفعل، ثم ما كان بيني وبين خصمي، فعزمت على مبارزته تأييدًا لقولي ورفضت قبول ذلك الاعتذار.
وبعد أن قال ذلك تقدَّم من أرمان فقال: يا سيدي الكونت، إني أُشبِه أخًا لك تبحث عنه منذ حين في سائر الأنحاء.
– لا أنكر وجود الشبه بينكم، ولكنكما تختلفان بالشعر فإن شعره أشقر وشعرك أسود.
– ومع ذلك فإنني أريد أن تزورني يومًا، فأُطلِعك على أوراقي التي تُثبِت لك حقيقة نسبي.
فاعتذرا له اعتذارًا حسنًا.
أما أندريا فتكلَّف هيئة ودية وأشار إلى الجميع، فقال: لا ريب أيها السادة أن كلًّا منكم قد أحبَّ امرأة واحدة في حياته على الأقل، أما أنا فإنني أعشق الآن فتاةً ملكت لبي، وقد أسكنتها بين الغابات لشدة غيرتي عليها، ولم أستطع أن أراها مساء أمس لاضطراري إلى الاجتماع بكم في هذا الصباح.
ثم التفت إلى أرمان فقال له: إنني أكون لك من الشاكرين أيها الكونت إذا تفضَّلْتَ وأوسعتَ في مركبتك مكانًا لشاهدَيَّ، كي أستأثر بمركبتي وحدي؛ فإنني غير راجع إلى باريس.
فأحنى أرمان رأسه إشارةً إلى القبول، وصعد أندريا إلى المركبة، وهو يقول: أليست السعادة الحقيقية أن يجتمع العاشق بمَن يحب، وعندي أن مَن يحب خطيبة له يجب عليه أن يخفيها عن جميع العيون.
فافتكر أرمان بحنة، واختلج قلبه، أما أندريا فإنه ضرب الجواد بالسوط وقال لأرمان بصوت الهازئ: إذا احببتَ امرأةً فإني أشير عليك أن تحافِظ عليها كما يجب.
فاصفرَّ وجه أرمان وافتكر ثانية بحنة، فملأ قلبه الخوف.
وسارت مركبة أندريا تعدو به كالبرق الخاطف ساعات طويلة إلى أن بلغت إلى ذاك المنزل الذي جلست فيه حنة وسريز، وهو منزل مدام فيبار، ففتح بابًا سريًّا ودخل منه، فنظر إلى الرمل وإذا عليه أثار أقدام، فتنهَّدَ تنهُّد الفرح، وقال: وقع الطير في الشَّرَك وقد أصبحت حنة لي.
وفيما هو يسير في الروضة، رأى كولار مضطجعًا تحت ظل شجرة على غاية الاطمئنان، فدنا منه وقال: ما وراءك من الأخبار؟
فنهض كولار ووقف أمامه بإكرام واحترام، وقال: إنها لا تزال نائمةً؟
– في أية ساعة تركَتِ المرقد؟
– في الساعة العاشرة.
فنظر أندريا إلى ساعته وقال: الآن ثمانية وهي لا تفيق قبل العاشرة. ثم مشيا سوية ودخلا إلى ذاك المنزل الأنيق، فولجا تلك الغرفة التي تركنا فيها حنة منذهلة مستغربة لوجودها في مثل هذا المكان، وكانت ساعتئذٍ نائمةً، فدنا منها وتفرَّس في وجهها، ثم قال: إني أهنِّئ أخي أرمان لسلامة ذوقه، فهي بالحقيقة على غاية من الجمال. وبعد ذلك سأل كولار عن سريز فقال: إنها لا تزال تبكي وتشكو من معاملة مدام فيبار.
فاغتاظ أندريا من ذلك، وقال له: اذهب وادعُ لي مدام فيبار، وأخبر سريز بأني قادم لزيارتها.
فذهب كولار وجلس أندريا بالقرب من منضدة، فكتب إلى حنة الرسالة التي مرَّ ذِكْرها، ثم نهض ووقف أمام حنة فجعل ينظرها ويقول: إنها بارعة الجمال وهي الآن متأثرة من المرقد فلا تشعر بشيء، ولو كان سواي لكان ينتقم انتقامًا أشد وأقسى، وأنا لا أريد جسم هذه الفتاة بل إني أريد قلبها، فهي قد ابتدأت أن تحب أرمان وستنتهي بأن تحبني، وقد كان يتمثل أرمان لها بالأمس شخص الفضيلة، ولكني سأدعها ترى فيه بعد ذلك المكر والدناءة والخداع، وأنه مخادع وقد انتحل اسمي ليتمكن به من غوايتها، فسأكون أنا أرمان الحقيقي بعينها، ويكون أرمان المنتحل الخائن.
وبعد أن انتهى من تصوراته قرع الجرس، فدخلت الخادمة وكان أعدَّها لخدمة حنة، فأمرها أن تدعو جميع الخدم، ولما أتوا قال لهم: إنني أعطي كلًّا منكم مائة دينار إذا كنتم تُظهِرون أمام هذه السيدة النائمة أنني أنا الكونت أرمان دي كركاز، وإذا كنتم تجعلونها تعتقد بذلك، وإلا فإنني أطردكم جميعًا.
ثم صرفهم وخرج في إثرهم وهو يقول: سينطلي مثل هذا المحال على سريز أيضًا، فإذا لم تقتنع حنة من الخدم، فهي تقتنع ولا ريب من صديقتها سريز!