الفصل 28
(٢١) بستيان
وكانت حنة قد أصيبت بنفس ما أصيب به أرمان من الحب، وهي وإنْ تكن قد رأته بملابس الفَعَلَة غير أنها أيقنت لمَّا رأته من حسن أدبه وكرم أخلاقه أنه بلباس التخفي، وأنه يستر تحت تلك الملابس نفسًا طاهرة، وأدبًا وافرًا، ومنزلة عالية بين أرباب المقامات، ولم تكن تعرف الحب من قبلُ، فصرفت معظم ليلتها بالتصورات المقلقة، ونهضت في الصباح باكرًا، وهي على ما كانت عليه من الاضطراب، فاستسلمت إلى التأملات ولم يوقظها من تلك الغفلة غير صوت بستيان الذي كان منهمكًا حينئذٍ في نقل أثاثه وهو يتباحث مع البواب بصوت مرتفع في شأن البيانو، وأين يجب أن يضعه، فأشار عليه البواب أن يودعه في منزل السيدة حنة، وكان على اتفاق مع بستيان في ذلك الشأن، بحيث إنه كان يتكلم بصوت مرتفع بلغ إلى مسمع حنة، فاختلج له فؤادها اختلاجًا شديدًا.
وكان بعد ذلك أن بستيان دخل إلى حنة، فتعرَّف بها واستأذنها بوضع البيانو عندها، حسبما أوعز إليه أرمان، ولما رتب منزله ولم يَعُدْ لديه ما يشغله فيه أقفله وخرج منه، فاستأجر مركبة، وأمر السائق بالذهاب إلى شارع سنت كاترين، وفيما تسير به المركبة حانت منه التفاتة، فرأى مركبة قادمة من جهة الباستيل وهي تسابق في مسيرها الهواء، وكان يقود هذه المركبة شاب عليه ملامح الأشراف، وبالقرب منه خادم كان جالسًا وراءه مكتوف اليدين، فحدَّق بستيان نظره في ذلك الشاب، ولم يكد ينتبه إليه حتى صاح منذعرًا: يا إلهي! إن هذا أندريا وقد صبغ شعره بالسواد.
ثم نظر إلى السائق وقال: إنك إذا تمكَّنْتَ من أن تسير في إثر هذه المركبة بحيث لا تحتجب عنك، فإني أجازيك خير الجزاء.
فضرب السائق الجواد بالسوط، فانطلق يعدو كالسهم، وما زال يسير في إثر المركبة حتى وقفت أمام قصر جميل بهيج المنظر، فنزل الشاب منها، ودخل إلى القصر مسرعًا. أما بستيان فإنه أوقف المركبة على بُعْد قليل، وتقدَّم إلى مركبة الشاب فوقف أمام الجواد، وجعل يكلف أن يفحصه وقد أعجب به، ثم نظر إلى الخادم وقال له: أيبيع سيدك هذا الجواد؟
– لا أعلم، وإذا شئتَ فاسأله عن ذلك.
– مَن هو سيدك؟
– إنه إنكليزي يُدعَى السير فيليام.
– وأين منزله؟
– هو الذي تراه أمامك.
– أهو الذي كان يسوق المركبة بنفسه وكنتَ وراءه.
– نعم.
فتركه بستيان ودخل إلى ذلك القصر، فأوصله أحد الخدم إلى غرفة أندريا، واستأذن له بالدخول فدخل.
وكان أندريا قد غادر باريس منذ ثلاثة أعوام، فتغيَّرَتْ هيأته بعض التغيير، ولكنها لم تكن تخفى على بستيان الذي ربَّاه منذ نشأته. فلما رآه اندهش وظهرت منه إشارة الانذهال بالرغم منه، فلم يحفل بها أندريا، فقال بستيان: إني رأيت ذلك الجواد الكريم الذي كنتَ تسوقه، وقد أعجبت به غاية الإعجاب.
فأجاب أندريا بلهجة إنكليزية: إنه من خير الجياد، وقد أعطيت فيه ستة آلاف فرنك فأبيت بيعه.
– أَلَا تزال إلى الآن تأبى هذا الثمن؟
– نعم.
وعند ذلك نهض أندريا فذهب إلى منضدة وأخذ سيكارة، فقدَّمَها إلى بستيان الذي رأى به عرجًا، فصاح وقد نسي موقفه قائلًا: هذا هو بعينه.
وكان ذلك أن أندريا قد كبا به الجواد مرة في حداثته، فكُسِرت رجله وبقي فيها هذا العرج، فلما رآه بستيان يعرج لم يَعُدْ عنده شك به.
أما أندريا فإنه سمعه يقول: «هذا هو بعينه.» التفت إليه وقال بغاية الهدوء: أتعرفني يا سيدي، إني لم أَرَكَ قبل الآن؟
– لقد قيل لي إنك تُدعَى السير فيليام، وهذه أول مرة أرى فيها إنكليزيًّا ذا شعر أسود.
– لستُ إنكليزيًّا بل أنا أيرلندي.
فقال بستيان ببرود: أظن أنك وُلِدتُ في فرنسا.
– إنك غلطان يا سيدي فيما ظننتَ.
– لا أراني غلطانًا، بل إنك مولود في فرنسا بقصر كارلوفان.
ثم وقف وقال: وإن أباك يُدعَى فيليبون.
– أعود وأقول لك إنك مخطئ.
– وأنا أقول لك أيضًا إن أباك الكونت فيليبون، قد تزوَّج بأرملة الكولونيل أرمان دي كركاز، وإن له منها ولدًا وهو أخوك.
– ليس لي أخوة ولم أولد بفرنسا، وليس أبي الكونت فيليبون، بل أنا وحيد، وُلِدْتُ في أيرلندا، وأُدعَى السير فيليام.
– إن أخاك يُدعَى الكونت أرمان دي كركاز، كما أنك تُدعَى الفيكونت أندريا.
فأجابه أندريا ببرود أدهش بستيان قائلًا: إنك مخطئ، فإني لم أسمَّ بهذا الاسم.
– أصغِ إليَّ أيها الفيكونت، إن أخاك قد بحث عنك طويلًا في جميع الأنحاء، وهو قد غفر لك وعفا عنك، وعزم على أن يقاسمك ثروته، فإن قلبه الشريف لا يعرف الحقد، ولا سيما وأنتما ابنا أم واحدة، فهو يود أن تعيشا في منزل واحد، وقد تيسَّرَ لي بعد ما بذلت من العناء في التفتيش عنك أن أجدك، فلماذا تحاول الاحتجاب عني.
فأجابه أندريا بغاية الهدوء والسكينة: إني أقسم لك إنك مخطئ، وإني لا أعرف الكونت دي كركاز، ولا اسمي الفيكونت أندريا، ولم أتشرف برؤياك قبل الآن.
أما بستيان فإنه رأى مسعاه قد أخفق، وقد بذل ما لديه من الوسائل، فإنه استعمل في بادئ الأمر الحيلة، ثم ذكر له ثروة أرمان الواسعة، وأن أخاه يبحث عنه في كل مكان ليشاطره هذه الثروة، آملًا أن تثور به المطامع، فيخلع ثوب الخفاء ويعترف باسمه الحقيقي، فذهبت جميع آماله أدراج الرياح.
وكان بستيان على كهولته شديد الأعصاب متينَ القُوَى، فلما رأى إخفاقه ثار به الغضب، فتقدَّمَ من أندريا، وقبض عليه بيدين من الفولاذ، وهو يقول: أيها الفيكونت، إنك لا تستطيع أن تخدعني طويلًا، وستعرف الآن أنكَ لستَ بالسير فيليام؟
فتصنَّعَ أندريا الانذهال، وأجابه باللهجة الإنكليزية المعهودة قائلًا: أَلَا تريد أن تدعني وشأني، فقد ابتدأت أن أحسبك مجنونًا؟
– لتعلمن أيها الفيكونت أني أشد منك ساعدًا، وأني قادر على خنقك ببضع ثوانٍ، فاحذر من أن تستغيث إذ لا يُجدِيك الصراخ نفعًا.
– إذن تريد قتلي؟
– كلا، بل إني أريد أن أجرِّدك من ثيابك، وأكشف عن صدرك لأتبين فيه علامة أعهدها من قبلُ، فإني رأيتك عاريًا مرارًا كثيرة في حداثتك، وكنتُ أرى تحت ثديك الأيمن شامة سوداء.
– إن بصدري كثيرًا من تلك الشامات، وستحقِّق ما أرتك عيناك من الأوهام.
ثم أفلت منه ونزع ثوبه ومزَّق قميصه، فظهر من تحته صدر كثير الشعر ملآن من تلك الشامات السوداء التي تسميها النساء حبات الجمال، فارتاع بستيان مما رآه، ورجع إلى الوراء، وقد علا وجهه الاصفرار، وهو يقول: ليس هو إياه ولكن الشبه شديد.
وكان السير فيليام هو ذات أندريا، ولكن لم يَدُرْ بخلد ذلك الكهل الطيب السريرة أنه صبغ شعره بلون السواد، وأخفى كل أثر يعرف فيه.
ووقف الاثنان بعد ذلك ينظر كلٌّ منهما إلى الآخَر إلى أن افتتح أندريا الحديث، فقال: إن كل ما ظهر لي منك يدل على الجنون، فأنت دخلت إليَّ وأنا لا أعرفك، ودعوتني باسم رجل لم أسمع بذكره في حياتي، وعندما أظهرت لك خطأك بلطف وأدب هجمت عليَّ هجوم الكواسر، فأنا أعتبر أنك أهنتني.
فأجاب بستيان بصوت المتوسل، وقد شعر بما ارتكب من الخطأ: أسألك أن تتعطف بالإصغاء إليَّ دقيقةً واحدةً. فاعلم الآن أن أندريا الذي دعوته بالفيكونت أندريا والذي يُشبِهك شبهًا غريبًا، هو رجل شرير وأهل لكل الذنوب، وإن له أخًا يُدعَى الكونت أرمان دي كركاز له من النبل ومكارم الأخلاق بقدر ما لذلك الخائن من الدناءة والشؤم والإقدام على كل منكر. أما ذلك الخائن، فهو شديد الحقد على أخيه الذي رد إليه الشرع ثروةً واسعةً كان سلبها أبوه من أبيه؛ إذ هو أحق منه بها، وقد سافر منذ ثلاث سنوات من باريس على إثر ذلك وهو يجد ولا ريب وراء وسائل الانتقام؛ لأنه على ما أَبَنْتُ لك أهل لكل شر، وإني أحب الكونت دي كركاز كما يحب الأب ابنه، وهو يحب فتاة طاهرة الأخلاق، فإذا علم بأمرها ذلك الخائن، فهو لا يعدم وسيلة لغوايتها؛ لأنه هو شديد المكر كثير طرق الغواية. وقد علمتَ الآن أن الذي دفعني إلى التصرف معك، على ما أنكرته عليَّ، لم يكن إلا ذلك الشبه الغريب، ومع ذلك أعتذر إليك وأسألك الصفح عما كان.
فلبث أندريا هنيهة يفتكر ثم قال له ببرود: إن ذلك الحديث الذي قصصته عليَّ جليلَ الفائدة، ولكنه لا يرضيني تمام الرضى، ولا أجد سبيلًا للعفو عما أسأت إليَّ به؛ لذلك أسألك أيضًا أن تخبرني عن اسمك وعن محل سكنك، فإني لم أقتنع بسلامة قصدك.
فأجابه بستيان، وقد وقع عليه هذا الكلام وقوع الصواعق: إني أُدعَى بستيان.
فأجابه أندريا باحتقار: بستيان ماذا؟
– بستيان فقط؛ فإني نشأت في باريس، ووُلِدْتُ بها دون أن أعرف اسم أبي، ولكن نابوليون العظيم قلَّدَني وسامًا في معركة واغرام، وسمَّاني قائدًا في فرقة الحرس.
فقال أندريا: لا بأس في ذلك، فإن بيني وبينك شيئًا من التكافؤ، وقد قلتُ لك إني لم يسعني قبول عذرك، فأنا أسألك ترضيةً عما فرط منك.
– ليكن ما تريد، فقد علمت اسمي، وإني أقيم في شارع سنت كاترين في منزل الكونت أرمان دي كركاز.
– حسنًا، وسأبعث لك بشهودي بعد غد؛ لأني مقيَّد اليوم وفي الغد.
– إنك تجدني طوع أمرك عندما تشاء.
ثم أخذ من جيبه رقعة زيارة فوضعها على المستوقد وحيَّا أندريا وذهب، فشيَّعه إلى خارج الباب.
ولما خلا أندريا بنفسه جعل يضحك ضحك الساخر، وهو يقول بنفسه: إني كنتُ أجهل أن أخي العزيز عاشق، وقد كنت أظن أنه اكتفى بما لقيه من حبه السابق، إلى أن أعلمني بذلك بستيان، فصحَّ ما قيل: «ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تُزَوِّد.» أما الآن فإنه ذهب وهو واثق من أني غير أندريا، وإن العدو الخفي أشد هولًا من العدو الظاهر، وسيكون ذلك الأخ العزيز شاهده بلا ريب، فسنتقابل وجهًا لوجه، وسأعلم كيف أقنعه أني أيرلندي الأصل، حتى إذا تزوَّجْتُ بهرمين أطلب منه ملايين كرماروت فيدفعها لي بغير صعوبة.
وفيما هو في هذه التأملات إذ وردَتْ عليه رسالة من كولار ففضَّها، وقرأ بها ما يأتي:
إن الفتاة التي يحبها أرمان دي كركاز تُدعَى حنة دي بالدر، وهي بارعة في الجمال ومنزلها في شارع مسلي.
فسُرَّ بهذا النبأ وقال: سأجتهد بعد أن أقتل بستيان بأن أتخذها خليلةً لي.
أما بستيان فإنه خرج من منزل أندريا أصفر الوجه شديد الاضطراب، وذهب إلى أرمان فقصَّ عليه جميع ما كان بينه وبين السير فيليام، فارتاع لذكر أندريا إلى أن تيقَّنَ أن السير فيليام شبيهٌ له وليس هو بعينه، فاطمأن ولم يَعُدْ يشغله سوى منع هذه المبارزة بإحدى الوسائل لخوفه على بستيان. وبعد أن فرغ بستيان من حكايته قصَّ عليه ما كان بينه وبين حنة، فسُرَّ لنجاحه وقال له: اذهب إلى منزلك الجديد واختلق عذرًا يمكنك من زيارة حنة، ولا تخرج من عندها إلا حينما تسمع قرعًا على باب منزلك، وأكون أنا القارع، فتخرج وتشيعك هي بالطبع إلى الباب حيث أكون أنا هناك.
– قد فهمت.
وذهب للحال لينفذ ما عُهِد إليه، ولم يكد يخرج بستيان من الباب حتى دخل خادم المنزل، وفي يده رسالة، ففضَّهَا أرمان وقرأ هذه السطور:
إنه في شهر أكتوبر عام ١٨٠٠، أي في غضون الحرب الإسبانية، ذهبت فتاة صبية تُدعَى تريزا مع أمها إلى قرية بجوار فونتنبلو، فأقامتا فيها فصْلَي الشتاء والربيع، وعندما رجعتا كانت الفتاة حبلى، ولا يُعلَم هل كانت أرملة أم أنها ارتكبت خطأ، وقد ولدت في آخِر الربيع ابنة دعتها هرمين، ثم أقامت عامًا كاملًا في مارلوت، وسافرت في آخِر أكتوبر إلى باريس، فأشيع في مارلوت أنها ذهبت لتتزوج، ويؤكدون أنها تزوَّجَتْ برجل مستخدَم في الوزارة.
هذا هو مفاد الرسالة التي لم يهتم بها أرمان كثيرًا؛ لكثرة ما كان يرد عليه من أمثالها في كل يوم، ولكنه أخذ دفترَ مذكراته، وكتب فيه بالخط المصري:
يجب البحث إذا كان يوجد رجل في وزارة الخارجية قد تزوَّج في آخِر شهر أكتوبر من سنة ١٨٠٠ بابنة تُدعَى تريزا، وإذا كان لها ابنة تُدعَى هرمين.
ثم أرجع الدفتر إلى مكانه، وذهب إلى منزل بستيان الذي كان ساعتئذٍ عند حنة، فقرع الباب، وجاء الأمر طبقًا لما تصوَّرَه، فإن بستيان عندما سمع القرع استأذن من حنة، فخرجت تشيعه إلى الباب الخارجي حيث كان أرمان ينتظر وقلبه شديد الخفوق.
فلم تكد تراه حتى عرفته فاصفرَّ وجهها، واختلج فؤادها، ولكنها تجلَّدَتْ وانحنت مسلِّمةً عليه بابتسام، ثم دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب. أما أرمان فلم يخفَ عليه اضطرابها، فكان سروره لا يوصف.